پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

باب ما ظهر من إعجازه عليه السلام في بلاد صفين وسائر ما وقع فيها من النوادر 381 - أمالي الصدوق: ماجيلويه عن علي عن أبيه عن أبي الصلت الهروي عن محمد بن يوسف الفري

ج ۳۳، ص ۱۰۱–۱۳۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۱۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۳

[قوله]: " أن يقفك واقف " " وقف " جاء لازما ومتعديا واستعمل هنا متعديا ويقال: أيضا: وقفه على ذنبه أي أطلعه عليه والواقف هو الرب تعالى عند الحساب أو هو عليه السلام في الدنيا أو عند مخاصمة القيامة. وقيل أي الموت. و " المجن " بكسر الميم وفتح الجيم: الترس. والتليد: القديم. وقعس عن الامر: تأخر عنه. والأهبة بالضم: الاستعداد لما قد نزل بك أي الابتلاء بسوء العاقبة أو الحرب أو الموت أو القتل وما بعده تنزيلا لما لابد من وقوعه منزلة الواقع. وتقول: أغفلت الشئ إذا

تركته على ذكر منك وتغافلت عنه ومفعول أغفلت ضمير " ما " " ومن نفسك " بيان ذلك الضمير وتفسير له.

كذا ذكره ابن ميثم. وقيل: الظرف متعلق الاغفال على تضمين معنى الصرف والابعاد.

والأظهر عندي أن " من " للتبعيض وهو حال عن الضمير أي من صفات نفسك وأحوالها. وأترفته النعمة: أطغته.

قوله عليه السلام: " مأخذه " أي تناولك تناوله الكامل المعروف أو أخذ منك الموضع الذي يمكنه وينفعه أخذه ويروى بالجمع.

و [قال الفيروزآبادي] في [مادة " سوس " من كتاب] القاموس سست الرعية سياسة: أمرتها ونهيتها.

وسابق الشقاء ما سبق في القضاء. والتمادي تفاعل من المدى وهو الغاية. والغرة:

الغفلة. والأمنية: طمع النفس.

وقال الجوهري: الرين: الطبع والدنس يقال: ران على قلبه ذنبه: غلب.

والشدخ: كسر الشئ الأجوف.

قوله عليه السلام: ولقد علمت حيث وقع أي إن كنت تطلب ثأرك عند من أجلب وحاصر فالذي فعل ذلك طلحة والزبير فاطلب ثأرك من بني تيم وبني أسد بن عبد العزى وإن كنت تطلبه ممن خذل فاطلبه من نفسك فإنك خذلته وكنت قادرا على أن تمده بالرجال فخذلته وقعدت عنه بعد أن استغاث بك.

كذا ذكره ابن أبي الحديد. والضجيج: الصياح عند المكروه والمشقة والجزع أي كأني شاهد لجزعك من الحرب إذا عضنك الحرب. وأصل العض: اللزوم، ومنه العض بالأسنان أي إذا لزمتك واثرت فيك شدتها تضج كما يضج الجمل بثقل حمله " ومصارع بعد مصارع " أي من سقوط على الأرض بعد سقوط " وهي كافرة " أي جماعتك والكافرة الجاحدة أصحابه الذين لم يبايعوا. والمبايعة الحائدة هم الذين بايعوه ثم عدلوا إليه من [قولهم]: حاد

عن الشئ إذا عدل ومال. وهذا من إخباره عليه السلام بالغايبات وهو من المعجزات الباهرات.

407 - وقال ابن ميثم رحمه الله: روي أن معاوية استشار بعمرو بن العاص في أن يكتب إلى علي عليه السلام كتابا يسأله فيه لصلح فضحك عمرو وقال: أين أنت يا معاوية من خدعة علي قال: ألسنا بني عبد مناف؟ قال: بلى ولكن لهم النبوة دونك وإن شئت أن تكتب فاكتب فكتب معاوية إليه مع رجل من السكاسك يقال له عبد الله بن عقبة: أما بعد فإني أظنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمنا لم يجنها بعضنا على بعض وإنا وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نندم به على ما مضى ونصلح ما بقي وقد كنت سألتك الشام على أن لا يلزمني لك طاعة ولا بيعة فأبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ولا أخاف من القتل إلا ما تخاف وقد والله رقت الاجناد - وذهبت الرجال وأكلت الحرب العرب إلا حشاشات أنفس بقيت وإنا في الحرب والرجال سواء ونحن بنو عبد مناف وليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز ولا يسترق به حر والسلام.

فلما قرأ علي عليه السلام كتابه تعجب منه ومن كتابه ثم دعا عبيد الله بن أبي رافع كاتبه وقال له: اكتب إليه:

أما بعد - فقد جاءني - كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وإنا وإياك في غاية لم نبلغها بعد وإني لو قتلت في ذات الله وحييت. ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة لم أرجع عن الشدة في ذات الله والجهاد لأعداء الله.

وأما قولك: إنه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى فإني ما نقضت عقلي ولا ندمت على فعلي.

وأما طلبك إلي الشام فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس.

وأما قولك: إن الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشة أنفس بقيت ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة ومن أكله الباطل فإلى النار.

وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فلست بأمضى على الشك مني على اليقين وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة.

وأما قولك إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل فلعمري إنا بنو أب واحد ولكن ليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا المهاجر كالطليق ولا الصريح كاللصيق ولا المحق كالمبطل ولا المؤمن كالمدغل ولبئس الخلف خلف يتبع سلفا هوى في نار جهنم وفي أيدينا بعد فضل النبوة التي أذللنا بها العزيز ونعشنا بها الذليل ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجا وأسلمت له هذه الأمة طوعا وكرها كنتم ممن دخل في الدين إما رغبة وإما رهبة على حين فاز أهل السبق بسبقهم وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا ولا على نفسك سبيلا والسلام.

توضيح:

أقول: روى الكتاب والجواب ابن أبي الحديد وبعض الجواب السيد رضي الله عنه في النهج وأنا جمعت بين الروايات.

قال ابن أبي الحديد: يقال: طلب إلي فلان كذا والتقدير طلب كذا راغبا

إلى فلان. والحشاشات: جمع حشاشة وهي بقية الروح في المريض.

قوله عليه السلام: " فلست بأمضى " قال ابن ميثم: أي بل أنا أمضي لأني على بصيرة ويقين وحينئذ تبطل المساواة التي ادعاها معاوية انتهى.

وأقول: لعله لما كان غرضه لعنه الله تخويفه عليه السلام ببقية الجنود والرجال لكي يرتدع عليه السلام عن الحرب أجابه عليه السلام بأنك إذا لم تنزع عن الحرب مع شكك في حصول ما تطلبه من الدنيا فكيف أترك أنا الحرب مع يقيني بما أطلبه من الآخرة.

وفي النهج: " وأما قولك إنا بنو عبد مناف فكذلك نحن ولكن ليس أمية كهاشم ". وقال ابن أبي الحديد: الترتيب يقتضي أن يجعل هاشما بإزاء عبد شمس لأنه أخوه في قعدد وكلاهما ولد عبد مناف لصلبه وأن يكون أمية بإزاء عبد المطلب وأن يكون حرب بإزاء أبي طالب وأبو سفيان بإزاء أمير المؤمنين عليه السلام ولما كان في صفين بإزاء معاوية جعل هاشما بإزاء أمية بن عبد شمس.

ولم يقل ولا أنا كانت لأنه قبيح أن يقال ذلك كما لا يقال: السيف أمضى من العصا بل قبيح به أن يقولها مع أحد من المسلمين كافة نعم قد يقولها لا تصريحا بل تعريضا لأنه يرفع نفسه عن أن يقيسها بأحد وهاهنا قد عرض بذلك في قوله: " ولا المهاجر كالطليق " لان معاوية كان من الطلقاء لان كل من دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله في فتح مكة عنوة بالسيف فملكه ثم من عليه عن إسلام أو عن غير إسلام فهو من الطلقاء فممن لم يسلم كصفوان بن أمية ومن أسلم ظاهرا كمعاوية بن أبي سفيان وكذلك كل من أسر في الحرب ثم أطلق بفداء أو بغير فداء فهو طليق.

وأما قوله: ولا الصريح كاللصيق أي الصريح في الاسلام الذي أسلم

اعتقادا وإخلاصا ليس كاللصيق الذي أسلم خوفا من السيف أو رغبة في الدنيا انتهى ملخص كلامه.

والظاهر أن قوله: " كاللصيق " إشارة إلى ما هو المشهور في نسب معاوية كما سيأتي وقد بسط الكلام في ذلك في موضع آخر من هذا الشرح وتجاهل هنا حفظا لناموس معاوية.

وقد ذكر بعض علمائنا في رسالة في الإمامة أن أمية لم يكن من صلب عبد شمس وإنما هو عبد من الروم فاستلحقه عبد شمس ونسبه إلى نفسه وكانت العرب في الجاهلية إذا كان لأحدهم عبد وأراد أن ينسبه إلى نفسه أعتقه وزوجه كريمة من العرب فيلحق بنسبه قال: وبمثل ذلك نسب العوام أبو الزبير إلى خويلد فبنو أمية قاطبة ليسوا من قريش وإنما لحقوا ولصقوا بهم قال: ويصدق ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام جوابا عن كتابه وادعائه " إنا بنو عبد مناف ": " ليس المهاجر كالطليق ولا الصريح كاللصيق " ولم يستطع معاوية إنكار ذلك انتهى.

وقال في النهاية: المدغل أي المنافق من أدغلت في هذا الامر إذا أدخلت فيه ما يفسده وقال: هوى يهوي هويا إذا هبط. وقال: نعشه الله ينعشه نعشا إذا رفعه.

قوله عليه السلام: " على حين " قال ابن أبي الحديد: قال قوم من النحاة " حين " هنا مبني على الفتح. وقال قوم: منصوب لاضافته إلى الفعل.

قوله عليه السلام: " لا تجعلن " أي لا تستمر على تلك الحال وإلا فقد كان للشيطان فيك أوفر نصيب.

وقال ابن أبي الحديد: ذكر نصر بن مزاحم في كتاب صفين أن هذا الكتاب كتبه علي عليه السلام إلى معاوية قبل ليلة الهرير بيومين أو ثلاثة ثم قال: فلما أتى معاوية كتاب علي عليه السلام كتمه عمرو بن العاص أياما ثم

دعاه فأقرأه إياه فشمت به عمرو ولم يكن أحد من قريش أشد إعظاما لعلي من عمرو بن العاص منذ يوم لقيه وصفح عنه.

408 - وقال في موضع آخر: روى نصر بن مزاحم في كتاب صفين عن عمر بن سعد عن أبي روق قال:

جاء أبو مسلم الخولاني في ناس من قراء أهل الشام إلى معاوية قبل مسير أمير المؤمنين عليه السلام إلى صفين فقالوا له: يا معاوية علام تقاتل عليا عليه السلام وليس لك مثل صحبته ولا مثل هجرته ولا قرابته ولا سابقته؟ فقال:

إني لا أدعي أن لي في الاسلام مثل صحبته ولا مثل هجرته ولا قرابته ولكن خبروني عنكم ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما؟ قالوا: بلى قال: فليدفع إلينا قتلته. لنقتلهم به ولا قتال بيننا وبينه. قالوا: فاكتب إليه كتابا يأته به بعضنا.

فكتب [معاوية] مع أبي مسلم الخولاني: من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو.

أما بعد فإن الله اصطفى محمدا بعلمه وجعله الأمين على وحيه والرسول إلى خلقه واجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الاسلام فكان أفضلهم في الاسلام وأنصحهم لله ورسوله الخليفة من بعده ثم خليفة خليفته من بعد خليفته ثم الثالث الخليفة المظلوم عثمان فكلهم حسدت وعلى كلهم بغيت عرفنا ذلك في نظرك الشزر وقولك الهجر في تنفسك الصعداء وفي إبطاءك عن الخلفاء تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتى تبايع وأنت كاره.

ثم لم تكن لاحد منهم بأعظم حسدا منك لابن عمك عثمان وكان أحقهم أن لا تفعل ذلك به في قرابته وصهره فقطعت رحمه وقبحت محاسنه وألبت الناس عليه وبطنت وظهرت حتى ضربت إليه آباط الإبل وقيدت إليه الخيل العراب وحمل عليه السلاح في حرم رسول الله صلى الله عليه وآله فقتل معك في المحلة وأنت تسمع في داره الهائعة لا تردع الظن والتهمة عن نفسك فيه بقول ولا عمل وأقسم قسما صادقا لو قمت فيما كان من أمره مقاما واحدا تنهنه الناس عنه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا ولمحى ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان والبغي عليه.

وأخرى أنت بها عند أنصار عثمان ظنين إيواؤك قتلة عثمان فهم عضدك وأنصارك ويدك وبطانتك وقد ذكر لي أنك تتنصل من دمه فإن كنت صادقا أمكنا من قتلته لنقتلهم به ونحن من أسرع الناس إليك وإلا فإنه ليس لك ولأصحابك إلا السيف والذي لا إله إلا هو لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر حتى يقتلهم الله أو لتحلفن أرواحنا بالله والسلام.

قال نصر: فلما قدم أبو مسلم على علي عليه السلام بهذا الكتاب قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنك قد قمت بأمر وليته ووالله ما أحب أنه لغيرك إن أعطيت الحق من نفسك إن عثمان قتل مسلما محرما مظلوما فادفع إلينا قتلته وأنت أميرنا فإن خالفك من الناس أحد كانت أيدينا لك ناصرة وألسنتنا لك شاهدة وكنت ذا عذر وحجة.

فقال له علي عليه السلام: أغد علي غدا فخذ جواب كتابك. فانصرف ثم رجع من غد ليأخذ كتابه فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه فلبست الشيعة أسلحتها ثم غدوا فملأوا المسجد فنادوا كلنا قتل عثمان وأكثروا من النداء بذلك وأذن لأبي مسلم فدخل فدع إليه علي عليه السلام جواب كتاب معاوية.

فقال أبو مسلم: لقد رأيت قوما مالك معهم أمر قال: وما ذاك؟ قال: بلغ القوم أنك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان فضجوا واجتمعوا ولبسوا السلاح وزعموا أنهم كلهم قتلة عثمان. فقال علي عليه السلام: والله ما أردت أن أدفعهم

إليكم طرفة عين قط لقد ضربت هذا الامر أنفه وعينه فما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك ولا إلى غيرك فخرج أبو مسلم بالكتاب وهو يقول: الآن طاب الضراب.

وكان جواب علي عليه السلام:

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك تذكر فيه محمدا صلى الله عليه وآله وما أنعم الله به عليه من الهدى والوحي فالحمد لله الذي صدق الوعد وأيده بالنصر ومكن له في البلاد وأظهر على أهل العداوة والشنآن من قومه الذين وثبوا عليه وشنفوا له وأظهروا تكذيبه وبارزوه بالعداوة وظاهروا على إخراجه وعلى إخراج أصحابه وأهله وألبوا عليه العرب وجامعوهم على حربه وجهدوا في أمره كل الجهد وقلبوا له الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون فكان أشد الناس عليه تأليبا وتحريضا أسرته والأدنى من قومه إلا من عصمه الله منهم.

يا ابن هند فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا ولقد قدمت فأفحشت إذ طفقت تخبرنا عن بلاء الله تبارك وتعالى في نبيه محمد صلى الله عليه وآله وفينا فكنت في ذلك كجالب التمر إلى هجر أو كداعي مسدده إلى النضال.

وذكرت أن الله تعالى اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الاسلام فكان أفضلهم كما زعمت في الاسلام وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة الصديق وخليفة الخليفة الفاروق ولعمري ذكرت أمرا إن تم اعتزلك كله وإن نقص لم يلحقك ثلمه وما أنت والصديق؟ فالصديق من صدق بحقنا وأبطل باطل عدونا! وما أنت والفاروق؟

فالفاروق من فرق بيننا وبين أعدائنا.

وذكرت أن عثمان كان في الفضل تاليا فإن يكن عثمان محسنا فسيجزيه الله بإحسانه وإن يكن مسيئا سيلقى ربا غفورا لا يتعاظمه ذنب أن يغفره.

ولعمري إني لأرجو إذا أعطى الله الناس على قدر فضائلهم في الاسلام ونصيحتهم لله ولرسوله أن يكون نصيبنا في ذلك الأوفر.

إن محمدا صلى الله عليه وآله لما دعا إلى الايمان بالله والتوحيد له كنا أهل البيت أول من آمن به وصدقه فيما جاء به فلبثنا أحوالا كاملة مجرمة تامة وما يعبد الله في ربع ساكن من العرب غيرنا.

فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا وهموا بنا الهموم وفعلوا بنا الأفاعيل

ومنعونا الميرة وأمسكوا عنا العذب وأحلسونا الخوف وجعلوا علينا الأرصاد والعيون واضطرونا إلى جبل وعر وأوقدوا لنا نار الحرب وكتبوا علينا بينهم كتابا لا يواكلوننا ولا يشاربوننا ولا يناكحوننا ولا يبايعوننا ولا نأمن فيهم حتى ندفع إليهم محمدا صلى الله عليه وآله فيقتلوه ويمثلوا به فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم إلى موسم فعزم الله لنا على منعه والذب عن حوزته والرمياء من وراء جمرته والقيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل والنهار فمؤمننا يرجو بذلك الثواب وكافرنا يحامي به عن الأصل.

وأما من أسلم من قريش بعد فإنهم مما نحن فيه أخلياء فمنهم الحليف الممنوع ومنهم ذو العشيرة التي تدافع عنه فلا يبغيه أحد مثل ما بغانا به قومنا من التلف فهم من القتل بمكان نجوة وأمن فكان ذلك ما شاء الله أن يكون.

ثم أمر الله تعالى رسوله بالهجرة وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين فكان إذا احمر البأس ودعيت نزال أقام أهل بيته فاستقدموا فوقى أصحابه بهم حد الأسنة والسيوف فقتل عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أحد وجعفر وزيد يوم مؤتة.

وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبي صلى الله عليه وآله غير مرة إلا أن آجالهم عجلت ومنيته أخرت والله ولى الاحسان إليهم والمنة عليهم بما قد أسلفوا من الصالحات.

فما سمعت بأحد ولا رأيته هو أنصح لله في طاعة رسوله ولا أطوع لنبيه في طاعة ربه ولا أصبر على اللاواء والضراء وحين البأس ومواطن المكروه مع النبي صلى الله عليه وآله من هؤلاء النفر الذين سميت لك وفي المهاجرين خير كثير تعرفه جزاهم الله خيرا بأحسن أعمالهم.

وذكرت حسدي الخلفاء وإبطائي عنهم وبغيي عليهم فأما البغي [عليهم] فمعاذ الله أن يكون.

وأما الابطاء عنهم والكراهية لأمرهم فلست أعتذر إلى الناس من ذلك إن الله تعالى ذكره لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله قالت قريش: منا أمير. وقالت الأنصار: منا أمير. فقالت قريش: منا محمد فنحن أحق بالامر فعرفت ذلك الأنصار فسلمت لهم الولاية والسلطان.

فإذا استحقوها بمحمد دون الأنصار فإن أولى الناس بمحمد أحق به منهم وإلا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا فلا أدري أصحابي سلموا من أن يكونوا حقي أخذوا أو الأنصار ظلموا بل عرفت أن حقي هو المأخوذ وقد تركته لهم تجاوز الله عنهم.

وأما ما ذكرت من أمر عثمان وقطيعتي رحمه وتأليبي عليه فإن عثمان عمل ما قد بلغك فصنع الناس به ما رأيت وإنك لتعلم أني قد كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى فتجن ما بدالك.

وأما ما ذكرت من أمر قتلة عثمان فإني نظرت في هذا الامر وضربت أنفه وعينه فلم أر دفعهم إليك ولا إلى غيرك.

ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لتعرفنهم عن قليل يطلبونك لا يكلفونك أن تطلبهم في بر ولا بحر ولا سهل ولا جبل.

وقد كان أبوك قد أتاني حين ولى الناس أبا بكر فقال: أنت أحق بمقام محمد وأولى الناس بهذا الامر وأنا زعيم لك بذلك على من خالف عليك ابسط يدك أبايعك فلم أفعل وأنت تعلم أن أباك قد كان قال ذلك وأراده حتى كنت أنا الذي أبيت [عليه] لقرب عهد الناس بالكفر ومخافة الفرقة بين أهل الاسلام فأبوك كان أعرف بحقي منك فإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرف تصب رشدك وإن لم تفعل فسيغني الله عنك والسلام.

توضيح: وجدت الكتاب والجواب في أصل كتاب نصر.

وقال في القاموس: شزره وإليه يشزره: نظر منه في أحد شقيه أو هو نظر فيه إعراض أو نظر الغضبان بمؤخر العين أو النظر عن يمين وشمال.

وقال في النهاية: الخشاش عويد يجعل في أنف البعير يشد به الزمام ليكون أسرع لانقياده ومنه حديث جابر " فانقادت معه الشجرة كالبعير المخشوش " هو الذي جعل في أنفه الخشاش انتهى.

وضرب آباط الإبل كناية عن ركوبها والسير عليها وإيجافها والهائعة:

الصوت تفزع منه وتخافه من عدو. ونهنهه عن الامر: زجره. وتنصل إليه من الجناية: خرج وتبرأ.

وفي النهاية: شنفوا له أي أبغضوه. وقال الجوهري: ألبت الجيش: جمعته وتألبوا: تجمعوا. والتأليب التحريض وهو الحث على القتال. وقال: هجر اسم بلد وفي المثل كمبضع التمر إلى هجر. وقال في بضع: أبضعت الشئ واستبضعته أي جعلته بضاعة وفي المثل: كمستبضع تمر إلى هجر. وذلك أن هجر معدن التمر.

قوله عليه السلام: أو كداعي مسدده أي كمن يدعو من يعلمه الرمي إلى المناضلة: أي المراماة. قال الجوهري: التسديد: التوفيق للسداد وهو الصواب والقصد من القول والعمل إلى أن قال: وقد استد الشئ أي استقام وقال:

أعلمه الرماية كل يوم * فلما استد ساعده رماني وقال: حول مجرم وسنة مجرمة أي تامة انتهى والاجتياح: الاستيصال.

قوله عليه السلام: " ومنعونا [الميرة وأمسكوا عنا العذب] " وفي النهج: " ومنعونا العذب " وقال ابن أبي الحديد: العذب هنا: العيش العذب لا الماء العذب على أنه قد نقل أنهم منعوا أيام الحصار في شعب بني هاشم من الماء العذب.

قوله [عليه السلام]: " وأحلسونا الخوف " أي ألزموناه والحلس: كساء رقيق

يكون تحت برذعة البعير. وأحلاس: البيوت: ما يبسط تحت حر الثياب ولما كان حلس البعير وحلس البيت ملازما لهما قال: وأحلسونا الخوف.

قوله عليه السلام: " إلى جبل وعر " أي غليظ حزن يصعب الصعود إليه وهذا مثل ضربه لصعوبة مقامهم. ويحتمل الحقيقة لان الشعب الذي حصروا فيه مضيق بين جبلين.

وفي النهج: " فعزم الله لنا عن الذب عن حوزته والرمي من وراء حرمته مؤمننا يبغي بذلك الاجر ". قوله عليه السلام: " فعزم الله لنا " أي وفقنا لذلك وجعلنا عازمين. وقيل: أراد لنا الإرادة اللازمة منه واختار لنا أن نذب عن حوزة الاسلام وحوزة الملك: بيضته. والذب: المنع والدفع.. والحرمة: مالا يحل انتهاكه. والرمي من وراء الحرمة كناية عن المحافظة والمحاماة.

والوراء إما بمعنى الامام أو كناية عن الحماية الخفية أو لان الوراء مظنة أن يؤتى منه غفلة. والضميران في " حوزته وحرمته " راجعان إلى النبي صلى الله عليه وآله أو إلى الله تعالى فإن حرمته حرمة الله. و " رميا " بكسر الراء والميم المشددة وتشديد الياء مبالغة في الرمي قال الجوهري: وكانت بينهم رميا ثم صاروا إلى حجيزي.

وقال: الجمرة: كل قبيل انضموا فصاروا يدا واحدة ولم يخالفوا غيرهم فهي جمرة. قوله عليه السلام: يحامي عن الأصل أي يدافع عن محمد صلى الله عليه وآله حمية ومحافظة على النسب.

وفي النهج بعد ذلك ومن أسلم من قريش خلو مما نحن فيه بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه فهو من القتل بمكان أمن. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا احمر البأس وأحجم الناس قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنة فقتل عبيدة بن الحرث يوم بدر وقتل حمزة يوم أحد وقتل جعفر يوم مؤتة وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة ولكن آجالهم عجلت ومنيته أخرت.

وقال ابن ميثم: الواو في قوله: " ومن أسلم " للحال أي والحال أن من أسلم من قريش عدا بني هاشم وبني عبد المطلب خالين مما نحن فيه من

البلاء آمنين من الخوف أو القتل فمنهم من كان له حلف وعهد مع المشركين يمنعه ومنهم من كان له عشيرة تحفظه.

قوله عليه السلام: " إذا احمر البأس " قال السيد الرضي في النهج: [هذا] كناية عن اشتداد الامر. وقد قيل في ذلك أقوال أحسنها أنه شبه حمى الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها.

ومما يؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله: الآن حمى الوطيس.

والوطيس: مستوقد النار.

وأحجم الناس أي نكصوا وتأخروا. وأراد بقوله: " من لو شئت ذكرت اسمه " نفسه عليه السلام.

أقول: ذكر الرضي رضي الله عنه هكذا المكتوب بإسقاط كثير وزاد في آخره بعض الفقرات من مكتوب آخر سيأتي في محله ورواه ابن ميثم أيضا نحوا مما روينا عن ابن أبي الحديد ووجدناه في مواضع أخر فجمعنا بين الروايات.

409 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية:

أما بعد فإن الله سبحانه جعل الدنيا لما بعدها وابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملا ولسنا للدنيا خلقنا ولا بالسعي فيها أمرنا وإنما وضعنا فيها لنبتلي بها وقد ابتلاني بك وابتلاك بي فجعل أحدنا حجة على الآخرة فعدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن فطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني وعصبته أنت وأهل الشام بي وألب عالمكم جاهلكم وقائمكم قاعدكم فاتق الله في نفسك

ونازع الشيطان قيادك واصرف إلى الآخرة وجهك فهي طريقنا وطريقك واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة تمس الأصل وتقطع الدابر فإني أولي بالله ألية غير فاجرة لئن جمعتني وإياك جوامع الاقدار لا أزال بباحتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.

توضيح:

قوله عليه السلام: بالسعي فيها أي لها وفي تحصيلها. وقيل: أي ما أمرنا بالسعي فيها لها. وقد ابتلاني بك أي بأن أمرني بنهيك عن المنكر والجهاد معك. وابتلاك بي بأن فرض عليك طاعتي فجعل أحدنا أي نفسه عليه السلام وفي الاجمال أنواع البلاغة كما لا يخفى. فعدوت على طلب الدنيا أي وثبت عليها واختلستها. وقيل " على " هاهنا متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام أي تعديت وظلمت مصرا على طلب الدنيا. وتأويل القرآن ما كان يموه به معاوية على أهل الشام ويقول لهم: أنا ولي عثمان وقال تعالى: * (من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) * [33 / الاسراء] ثم يعدهم الظفر والدولة على أهل العراق بقوله تعالى: * (فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا) * وعصبته أي ألزمتنيه كما تلزم العصابة وقال الفيروزآبادي: العصب: الشد. وألب عالمكم التأليب: التحريض.

وقال ابن ميثم: أي عالمكم بحالي وقائمكم بجهادي ومنازعتي. [قوله عليه السلام:] " في نفسك " أي [في] أمرها أو بينك وبين الله.

والقياد: ما يقاد به الدابة. ومنازعته جذبه وعدم الانقياد له.

" واحذر أن يصيبك الله منه " قال ابن أبي الحديد: الضمير في منه راجع إلى الله تعالى ومن لابتداء الغاية.

وقال القطب الراوندي: أي من البهتان الذي أتيته ومن للتعليل أي من أجله وهو بعيد. وقال الفيروزآبادي: القارعة: الشديدة من شدائد الدهر وهي الداهية يقال قرعتهم قوارع الدهر.

" تمس الأصل " قال ابن أبي الحديد: أي تقطعه ومنه ماء ممسوس أي يقطع الغلة انتهى.

وفيه نظر إذ المس بمعنى القطع لم يذكره أحد من أهل اللغة وأما الماء الممسوس فهو الماء بين العذب والمالح كما ذكره الجوهري أو الذي نالته الأيدي كما ذكره الخليل في العين والفيروز آبادي أو الماء الذي يمس الغلة فيشفيها وكل ما شفي الغليل والعذب الصافي كما ذكره هو.

والظاهر أنه من المس بالمعنى المعروف أي [احذر] داهية تصيب أصلك كما يقال: أصابه داء أو بلاء فيكون إصابة الأصل كناية عن الاستيصال كالفقرة التالية. والدابر: العقب والنسل والتابع وآخر كل شئ. " فإني أولي " أي احلف والاسم منه الالية. " جوامع الاقدار " قال ابن أبي الحديد: من إضافة الصفة إلى الموصوف للتأكيد. وقال: باحة الدار: وسطها. " حتى يحكم الله بيننا " أي بالظفر والنصر.

410 - نهج البلاغة: ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية:

أما بعد فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الأمور فقد سلكت مدارج أسلافك بادعائك الأباطيل واقتحامك غرور المين والأكاذيب وبانتحالك ما قد علا عنك وابتزازك لما اختزن دونك فرارا من الحق وجحودا لما هو ألزم لك من لحمك ودمك مما قد وعاه سمعك وملئ به صدرك فماذا بعد الحق إلا الضلال وبعد البيان إلا اللبس.

فاحذر الشبهة واشتمالها على لبستها فإن الفتنة طال ما أغدفت جلابيبها

وأغشت الابصار ظلمتها.

وقد أتاني كتاب منك ذو أفانين من القول ضعفت قواها عن السلم وأساطير لم يحكها منك علم ولا حلم أصبحت منها كالخائض في الدهاس والخابط في الديماس وترقيت إلى مرقبة بعيدة المرام نازحة الاعلام يقصر دونها الأنوق ويحاذى بها العيوق.

وحاش لله أن تلي للمسلمين بعدي صدرا أو وردا أو أجري لك على أحد منهم عقدا أو عهدا فمن الآن فتدارك نفسك وانظر لها فإنك إن فرطت حتى ينهد إليك عباد الله ارتجت عليك الأمور ومنعت أمرا هو منك اليوم مقبول والسلام.

بيان:

قال ابن أبي الحديد: هذا الكتاب هو جواب كتاب وصل من معاوية إليه بعد قتل علي عليه السلام الخوارج وفيه تلويح بما كان يقوله من قبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وعدني بقتال طائفة أخرى غير أصحاب الجمل وصفين وأنه سماهم المارقين فلما واقفهم في النهروان وقتلهم في يوم واحد وهم عشرة آلاف فارس أحب أن يذكر معاوية بما كان يقوله من قبل ويعد به أصحابه وخواصه فقال له: قد آن لك أي قرب وحان أن تنتفع بما عاينت وشاهدت معاينة من صدق القول الذي كنت أقوله للناس ويبلغك وتستهزئ به وقال:

يقال: قد رأيته لمحا باصرا أي نظرا بتحديق شديد ومخرجه مخرج رجل لابن وتامر أي ذو لبن وتمر فمعنى باصر أي ذو بصر وعيان الأمور: معاينتها أي قرب أن تنتفع بما تعلمه يقينا من استحقاقي للخلافة وبراءتي من كل شبهة.

وقال ابن ميثم: وصف اللمح بالباصر مبالغة في الابصار كقولهم: ليل أليل. والمدرج: المسلك. وقال ابن أبي الحديد: الأباطيل جمع باطل على غير القياس وإقحامك أي القائك نفسك بلا روية في غرور المين وهو الكذب وبانتحالك أي ادعائك كذبا ما قد علا عنك أي لم تبلغه ولست أهلا له.

وابتزازك أي استلابك. لما اختزن دونك أي منعك الله منه من إمرة المسلمين وبيت مالهم من قولهم: اختزن المال أي أحرزه " فرارا " أي فعلت ذلك كله فرارا من الحق " لما هو ألزم لك " بعني [من] فرض طاعتي عليك.

قال ابن ميثم: لأنهما دائما في التغير والتبدل بخلاف وجوب الطاعة فإنه أمر لازم انتهى.

ويمكن أن يقال لأنك تفارقهما ولا تفارقه والظاهر أن ذلك مجاز عن شدة اللزوم. " مما قد وعاه سمعك " أي من النص وكلمة ما في " ماذا " استفهامية أو نافية. " على لبستها " في بعض النسخ بالضم وفي بعضها بالكسر قال في النهاية: اللبسة بالكسر الهيئة والحالة وقال ابن أبي الحديد: اللبسة بالضم يقال في الامر لبسة أي اشتباه وليس بواضح ويجوز أن يكون اشتمالها مصدرا مضافا إلى معاوية أي اشتمالك إياها على اللبسة أي ادراعك إياها وتقمصك بها على ما فيها من الابهام والاشتباه ويجوز أن يكون مصدرا مضافا إلى ضمير الشبهة فقط أي احذر الشبهة واحتوائها على اللبسة التي فيها.

وقال: أغدفت المرأة قناعها أي أرسلته على وجهها. وأغشت الابصار أي جعلتها غشاء وسترا للابصار وفي بعض النسخ بالعين المهملة وهو سوء البصر بالليل أو العمى فالظلمة مرفوعة بالفاعلية.

" ذو أفانين " أي أساليب مختلفة لا يناسب بعضها بعضا.

" ضعفت قواها عن السلم " قال ابن ميثم: أي ليس لها قوة أن يوجب صلحا.

وقال ابن أبي الحديد أي عن الاسلام أي لم تصدر تلك الأفانين المختلفة عن مسلم وكان كتب إليه أن يفرده بالشام وأن يوليه العهد من بعده وأن لا يكلفه الحضور عنده. وقرأ أبو عمرو * (ادخلوا في السلم كافة) * [208 / البقرة] [وقال:] ليس المعني بهذا الصلح بل الاسلام والايمان لا غير.

وقال: الأساطير: الأباطيل واحدها أسطورة وإسطارة بالكسر. وحوك الكلام صنعته ونظمه. والحلم: العقل أو الأناة.

وقال ابن ميثم: لان الكتاب كان فيه خشونة وتهور وذلك ينافي الحلم وينافي غرضه من الصلح.

وقال الجوهري: الدهس والدهاس مثل اللبث واللباث : المكان السهل اللين لا يبلغ أن يكون رملا وليس هو بتراب ولا طين ولونه الدهسة.

وقال: الديماس: السرب المظلم تحت الأرض والسرب البيت في الأرض تقول: السرب الوحشي في سربه والغرض عدم استقامة القول. والمرقبة:

الموضع العالي أي دعوى الخلافة. والمرام: المقصد وبعده كناية عن الرفعة ونزوح الاعلام [كناية] عن صعوبة الوصول إليها. وفي الصحاح: نزحت الدار نزوحا: بعدت. وقال: الأنوق على فعول: طائر وهو الرحمة وفي المثل: أغر من بيض الأنوق لأنها تحرزه فلا تكاد يظفر بها لان أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن البعيدة وهي تحمق مع ذلك انتهى.

[قوله عليه السلام:] " وحاش لله " أصله حاشا لله أي معاذ الله وهو فعل ماض على صيغة المفاعلة مأخوذ من " الحشي " أي الناحية وفاعله " أن تلي " وقال الزجاج:

حاش لله: براءة لله.

والصدر بالتحريك: رجوع الشاربة عن الماء كالورد بالكسر: الاشراف على الماء.

[قوله عليه السلام:] " فتدارك نفسك " أي تدبر آخر أمرك. [وقوله عليه السلام] " حتى " أي ينهض. [قوله عليه السلام:] " ارتجت عليك " أي أغلقت.

411 - نهج البلاغة: ومن كتابه عليه السلام:

أما بعد فإني على التردد في جوابك والاستماع إلى كتابك لموهن رأيي ومخطئي فراستي وإنك إذ تحاولني الأمور وتراجعني السطور كالمستثقل النائم تكذبه أحلامه أو المتحير القائم بهظه مقامه لا يدري أله ما يأتي أم عليه

ولست به غير أنه بك شبيه.

وأقسم بالله [أنه] لولا بعض الاستبقاء لوصلت إليك مني نوازع تقرع العظم وتهلس اللحم واعلم أن الشيطان قد ثبطك عن أن تراجع أحسن أمورك وتأذن لمقال نصيحتك والسلام.

بيان:

[قوله عليه السلام:] " فإني على التردد " قال ابن أبي الحديد: ليس معناه التوقف بل التردد والتكرار أي أنا لائم نفسي على أني أكرر تارة بعد تارة أجوبتك عما تكتبه وأجعلك نظيرا لي أكتب وتجيبني وتكتب وأجيبك وإنما كان ينبغي أن يكون جواب مثلك السكوت [قوله عليه السلام:] " لموهن رأيي " أي أعده واهنا ضعيفا والغرض المبالغة في عدم استحقاقه للجواب وإلا فلم يكن فعله عليه السلام إلا حقا وصوابا.

[قوله عليه السلام]: " وإنك إذ تحاولني الأمور " الظاهر من كلام الشارحين أنهما حملا المحاولة على معنى القصد والإرادة وحينئذ يحتاج إلى تقدير حرف الجر.

ويحتمل أن يكون مفاعلة من حال بمعنى حجز ومنع أي تمانعني الأمور وتراجعني السطور أي بالسطور كالمستثقل النائم قال ابن أبي الحديد: أي كالنائم يرى أحلاما كاذبة أو كمن قام بين يدي سلطان أو بين قوم عقلاء ليعتذر عن أمر أو ليخطب لأمر في نفسه " قد بهظه مقامه ذلك " أي أثقله فهو لا يدري هل ينطق بكلام هو له أم عليه فيتحير انتهى.

وفي قوله عليه السلام: " إنه بك شبيه " إيذان بأن معاوية أقوى في ذلك ويقال: استبقيت من الشئ أي تركت بعضه واستبقاه أي استحياه ويحتمل أن يكون من أبقيت عليه أي رحمته. " نوازع تقرع العظم " قال ابن أبي الحديد:

روى نوازع جمع نازعة أي جاذبة قالعة ويروى " قوارع " بالقاف والراء ويروى " تهلس اللحم ". " تلهس " بتقديم اللام فأما تهلس بكسر اللام فالمعنى تذيبه حتى يصير كبدن به الهلاس وهو السل. وأما تلهس فهو بمعنى تلحس

أبدلت الحاء هائا وهو من لحست كذا بلساني بالكسر: ألحسته أي تأتي على اللحم حتى تلحسه لحسا لان الشئ إنما يلحس إذا ذهب وبقي أثره.

ويروى " وتنهس " بالنون والسين المهملة والنهس والنهش بالمهملة والمعجمة هو أخذ اللحم بمقدم الأسنان.

وأما بعض الاستبقاء الذي أشار إليه فقال ابن ميثم: لولا بعض المصالح لوصلت إليك مني قوارع وأراد شدائد الحرب.

وقال ابن أبي الحديد: الامامية تقول: إن النبي صلى الله عليه وآله فوض إليه أمر نسائه بعد موته وجعل إليه أن يقطع عصمة أيتهن شاء إذا رأى ذلك وله من الصحابة جماعة يشهدون له بذلك فقد كان قادرا على أن يقطع عصمة أم حبيبة ويبيح نكاحها للرجال عقوبة لها ولمعاوية فإنها كانت تبغض عليا عليه السلام كما يبغضه أخوها ولو فعل ذلك لانتهس لحمه وقد رووا عن رجالهم أنه تهدد عائشة بضرب من ذلك قال: وأما أصحابنا فيقولون: قد كان معه من الصحابة قوم كثيرون سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله يلعن معاوية بعد إسلامه ويقول: إنه منافق كافر وإنه من أهل النار والاخبار في ذلك مشهورة فلو شاء أن يحمل إلى أهل الشام خطوطهم وشهاداتهم بذلك وأسمعهم قوله مشافهة لفعل ولكن رآى العدول عن ذلك مصلحة لأمر يعلمه هو عليه السلام.

وقال أبو زيد البصري: إنما أبقى عليه لأنه خاف أن يفعل معاوية كفعله عليه السلام فيقول لعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبسر بن أرطأة وأمثالهم: ارووا أنتم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يقول في علي عليه السلام أمثال ذلك انتهى.

وقال الجوهري ثبطه عن الامر تثبيطا: شغله عنه، وقال: أذن له إذنا:

استمع.

412 - وروى ابن أبي الحديد من كتاب أبي العباس يعقوب بن أبي أحمد

الصيمري أن معاوية لعنه الله كتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد فإنك المطبوع على قلبك المغطى على بصرك الشر من شيمتك والعتو من خليفتك فشمر للحرب واصبر للضرب فوالله ليرجعن الامر إلى ما علمت والعاقبة للمتقين هيهات هيهات أخطأك ما تمنى وهوى قلبك فيما هوى فأربع على ظلعك وقس شبرك بفترك تعلم أين حالك من حال من يزن الجبال حلمه ويفصل بين أهل الشك علمه والسلام.

فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام:

أما بعد يا ابن الصخر يا ابن اللعين يزن الجبال فيما زعمت حلمك ويفصل بين أهل الجهل علمك وأنت الجاهل القليل الفقه المتفاوت العقل الشارد عن الدين.

وقلت: فشمر للحرب واصبر للضرب. فإن كنت صادقا فيما تزعم ويعينك عليه ابن النابغة فدع الناس جانبا واعف الفريقين من القتال وابرز إلي لتعلم أينا المرين على قلبه المغطى على بصره فأنا أبو الحسن حقا قاتل أخيك وخالك وجدك شدخا يوم بدر وذلك السيف بيدي وبذلك القلب ألقى عدوي.

ثم قال: الشدخ: كسر الشئ الأجوف [يقال:] شدخت رأسه فانشدخ.

وهؤلاء الثلاثة حنظلة بن أبي سفيان والوليد بن عتبة وأبوه عتبة بن ربيعة فحنظلة أخوه والوليد خاله وعتبة جده وقد قتلوا في غزاة بدر.

413 - أما بعد فما أعجب ما يأتيني منك وما أعلمني بمنزلتك التي أنت إليها صائر ونحوها سائر وليس إبطائي عنك إلا لوقت أنا به مصدق وأنت به مكذب فكأني أراك وأنت تضج من الحرب وإخوانك يدعونني خوفا من السيف

إلى كتاب هم به كافرون وله جاحدون.

ثم قال: ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية:

قال: وكتب أيضا عليه السلام:

414 - أما بعد فطال ما دعوت أنت وأولياؤك أولياء الشيطان الحق أساطير ونبذتموه وراء ظهوركم وحاولتم إطفاءه بأفواهكم " ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ".

ولعمري لينفذن العلم فيك وليتمن النور بصغرك وقمأتك ولتخسأن طريدا مدحورا أو قتيلا مثبورا ولتجزين بعملك حيث لا ناصر لك ولا مصرح عندك.

وقد أسهبت في ذكر عثمان ولعمري ما قتله غيرك ولا خذله سواك، ولقد تربصت به الدوائر وتمنيت له الأماني طمعا فيما ظهر منك ودل عليه فعلك وإني لأرجو أن ألحقك به على أعظم من ذنبه وأكبر من خطيئته فأنا ابن عبد المطلب صاحب السيف وإن قائمه لفي يدي وقد علمت من قتلت به من صناديد بني عبد شمس وفراعنة بني سهم وجمح ومخزوم وأيتمت أبناءهم وأيمت نساءهم وأذكرك ما لست له ناسيا يوم قتلت أخاك حنظلة وجررت برجله إلى القليب وأسرت أخاك عمرا فجعلت عنقه بين ساقيه رباطا وطلبتك ففررت ولك حصاص فلولا أني لا أتبع فأرا لجعلتك ثالثهما وأنا أولي لك بالله ألية برة غير فاجرة لئن جمعتني وإياك جوامع الاقدار لأتركنك مثلا يتمثل به الناس أبدا ولأجعجعن بك في مناخك حتى يحكم الله بيني وبينك وهو خير الحاكمين.

ولئن أنسا الله في أجلي قليلا لأغزينك سراة المسلمين ولأنهدن إليك في جحفل من المهاجرين والأنصار ثم لا أقبل لك معذرة ولا شفاعة ولا أجيبك

إلى طلب وسؤال ولترجعن إلى تحيرك وترددك وتلددك فقد شاهدت وأبصرت ورأيت سحب الموت كيف هطلت عليك بصيبها حتى اعتصمت بكتاب أنت وأبوك أول من كفر به وكذب بنزوله، ولقد كنت تفرستها وآذنتك أنت فاعلها وقد مضى منها ما مضى وانقضى من كيدك فيها ما انقضى وأنا سائر نحوك على أثر هذا الكتاب فاختر لنفسك وانظر لها وتداركها فإنك إن فرطت واستمررت على غيك وغلوائك حتى ينهد إليك عباد الله ارتجت عليك الأمور ومنعت أمرا هو اليوم منك مقبول.

يا ابن حرب إن لجاجك في منازعة الامر أهله من سفاه الرأي فلا يطمعنك أهل الضلال ولا يوبقنك سفه رأي الجهال فوالذي نفس علي بيده لئن برقت في وجهك بارقة من ذي الفقار لتصعقن صعقة لا تفيق منها حتى ينفخ في الصور النفخة التي يئست منها كما يئس الكفار من أصحاب القبور.

توضيح:

قال [ابن الأثير] في النهاية: في حديث أبي هريرة: " إذا سمع الشيطان الاذان ولى وله حصاص " الحصاص: شدة العدو وحدته وقيل هو أن يمصع بذنبه ويصر بأذنيه ويعدو وقيل هو الضراط. وقال جعجع القوم إذا أناخوا بالجعجاع وهي الأرض والجعجاع أيضا الموضع الضيق الخشن ومنه كتاب عبيد الله [بن زياد]: وجعجع بحسين وأصحابه أي ضيق عليهم المكان.

وقال في القاموس: الجعجاع: الأرض عامة والحرب ومناخ سوء لا يقر فيه صاحبه والفحل الشديد الرغاء. والجعجعة: صوت الرحا ونحر الجزور وأصوات الجمال إذا اجتمعت وبروك البعير وتبريكه والحبس والقعود على غير طمأنينة. وتجعجع: ضرب بنفسه الأرض من وجع.

وفي النهاية: السرى: النفيس الشريف. وقيل: لسخي ذو المروءة والجمع سراة بالفتح على غير قياس وتضم السين.

وفي قوله عليه السلام: " لأغرينك " كأنه على الحذف والايصال وفي

بعض النسخ بالزاي من أغزاه إذا حمله على الغزو.

وفي القاموس: الجحفل كجعفر: الجيش الكثير.

قوله عليه السلام: " فقد شاهدت " يدل على أنه كان الكتاب بعد الرجوع عن صفين عند إرادة العود إليه والغلواء بضم الغين وفتح اللام وقد تسكن:

الغلو وشرة الشباب وأوله.

وقال الجوهري: ارتجت الباب: أغلقته. وارتج على القارئ على ما لم يسم فاعله إذا لم يقدر على القراءة كأنه أطبق عليه كما يرتج الباب ولا تقل ارتج عليه بالتشديد.

415 - كنز الفوائد للكراجكي: نسخة كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: أما بعد فإن الهوى يضل من اتبعه والحرص يتعب الطالب المحروم وأحمد العاقبتين ما هدي إلى سبيل ومن العجب العجيب ذام مادح أو زاهد راغب ومتوكل حريص كلاما ضربته لك مثلا لتدبر حكمته بجمع الفهم ومباينة الهوى ومناصحة النفس فلعمري يا ابن أبي طالب لولا الرحم التي عطفتني عليك والسابقة التي سلف لك لقد كان اختطفك بعض عقبان أهل الشام فصعد بك في الهواء ثم قذفك على دكادك شوامخ الابصار فألفيت كسحيق الفهر على مسن الصلابة لا يجد الذر فيك مرتقا ولقد عزمت عزمة من لا تعطفه رقة إن لا تذر ولا تباين ما قربت به أملك وطال له طلبك لأوردنك موردا تستمر مداقه إن فسح لك في الحياة بل نظنك قبل ذلك من الهالكين وبئس الرأي رأي يورد أهله المهالك ويمنيهم العطب إلى حين لات مناص وقد قذف بالحق على الباطل وظهر أمر الله وهم

كارهون ولله الحجة البالغة والمنة الظاهرة والسلام.

جواب أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه:

من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إ؟ معاوية بن أبي سفيان.

أما بعد فقد أتاني كتابك بتنويق المقال وضرب الأمثال وانتحال الأعمال تصف الحكمة ولست من أهلها وتذكر التقوى وأنت على ضدها قد اتبعت هواك فحاد بك [عن] المحجة ولحج بك عن سواء السبيل فأنت تسحب أذيال لذات الفتن وتخبط في زهرة الدنيا كأنك لست توقن بأوبة البعث ولا برجعة المنقلب قد عقدت التاج ولبست الخز وافترشت الديباج سنة هرقلية وملكا فارسيا ثم لم يقنعك ذلك حتى يبلغني أنك تعقد الامر من بعدك لغيرك فيملك دونك وتحاسب دونه.

ولعمري لئن فعلت ذلك فما ورثت الضلالة عن كلالة وإنك لابن من كان يبغي على أهل الدين ويحسد المسلمين.

وذكرت رحما عطفتك علي فأقسم بالله الأعز الاجل أن لو نازعك هذا الامر في حياتك من أنت تمهده له بعد وفاتك لقطعت حبله ولبتت أسبابه.

وأما تهديدك لي بالمشارب الوبيئة والموارد المهلكة فأنا عبد الله علي بن أبي طالب أبرز إلي صفحتك كلا ورب البيت ما أنت أبي عذر عند القتال ولا عند منافحة الابطال وكأني بك لو شهدت الحرب وقد قامت على ساق وكشرت عن منظر كريه والأرواح تختطف اختطاف البازي زغب القطا لصرت كالمولهة الحيرانة تصربها العبرة بالصدمة لا تعرف أعلا الوادي عن أسفله.

فدع عنك ما لست من أهله فإن وقع الحسام غير تشقيق الكلام فكم عسكر قد شهدته وقرن نازلته ورأيت اصطكاك قريش بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أنت وأبوك ومن هو أعلا منكما لي تبع وأنت اليوم تهددني.

فأقسم بالله أن لو تبدي الأيام عن صفحتك لنشب فيك مخلب ليث هصور لا يفوته فريسته بالمراوغة كيف وأنى لك بذلك وأنت قعيدة بنت البكر المخدرة يفزعها صوت الرعد وأنا علي بن أبي طالب الذي لا أهدد بالقتال ولا أخوف بالنزال فإن شئت يا معاوية فأبرز والسلام.

فلما وصل هذا الجواب إلى معاوية بن أبي سفيان جمع جماعة من أصحابه وفيهم عمرو بن العاص فقرأ عليهم فقال له عمرو: قد أنصفك الرجل كم رجل أحسن في الله قد قتل بينكما أبرز إليه فقال له: أبا عبد الله أخطأت استك الحفرة أنا أبرز إليه مع علمي أنه ما برز إليه أحد إلا وقتله لا والله ولكني سأبرزك إليه.

416 - نسخة كتاب [آخر] من معاوية بن أبي سفيان إلى أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد فإنا لو علمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نرم به ما مضى ونصلح ما بقي وقد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك طاعة فأبيت ذلك علي وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف وقد والله رقت الاجناد وذهبت الرجال ونحن جميعا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض يستذل به عزيز ولا يسترق به حر.

جواب أمير المؤمنين عليه السلام: من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان.

أما بعد، فقد جاء في كتابك تذكر أنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض. وإنا وإياك نلتمس غاية منها لم نبلغها بعد.

وأما طلبك إلي الشام فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس.

وأما استواؤنا في الخوف والرجاء فلست بأمضى على الشك مني على اليقين ولا أهل الشام على الدنيا بأحرص من أهل العراق على الآخرة.

وأما قولك: إنا بنو عبد مناف. فكذلك نحن [و] لكن ليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر ولا المبطل كالمحق. وفي أيدينا فضل النبوة التي قتلنا بها العزيز وبعنا بها الحر والسلام.

توضيح:

الدكادك جمع الدكداك وهو من الرمل ما التبد منه بالأرض ولم يرتفع.

والابصار كأنه جمع البصر بالضم وهو الجانب وحرف كل شئ.

[قوله عليه السلام:] " كسحيق الفهر " أي كالشئ الذي سحقه الفهر.

وفي القاموس: الفهر بالكسر: الحجر قدر ما يدق به الجوز أو ما يملا الكف. وقال الصلاية: مدق الطيب انتهى.

ولعل المراد " بمسنها ": وسطها كمسان الطريق. والمسن بالكسر: حجر يحد عليه السكين.

وفي القاموس: المنوق كمعظم: المذلل من الجمال، ومن النخل: الملقح.

والنواق: رائض الأمور ومصلحها. والنوقة: الحذاقة في كل شئ. وتنوق في مطعمه وملبسه: تجود وبالغ. وقال: لحج السيف كفرح: نشب في الغمد.

ومكان لحج ككتف: ضيق والملحج: الملجأ. ولحجه كمنعه: ضربه وإليه لجأ.

" فما ورثت الضلالة " أي لم تأخذ هذه الضلالة من بعيد في النسب بل أخذت من أبيك.

قال الجوهري: الكلالة الذي لا ولد له ولا والد، والعرب تقول: لم يرثه

كلالة أي لم يرثه عن عرض بل عن قرب واستحقاق قال الفرزدق:

ورثتم قناة الملك غير كلالة * عن ابني مناف عبد شمس وهاشم والوبيئة فعيلة من الوباء وهو الطاعون أو المرض العام يقال: أرض وبيئة أي كثيرة الوباء وقد يخفف فيشدد " ما أنت بأبي عذر " أي لابتدائي بالقتال يقال: فلان أبو عذرها إذا كان هو الذي افترعها وافتضها. وقولهم: ما أنت بذي عذر هذا الكلام أي لست بأول من افتضه.

ولا يبعد أن يكون بالغين المعجمة والدال المهملة قال الجوهري: رجل ثبت الغدر أي ثابت في قتال وكلام. والمنافحة: المدافعة والمضاربة وقرب كل من القرنين إلى الآخر بحيث يصل إليه نفحه أي ريحه ونفسه.

وقال الجوهري: كشر البعير عن نابه أي كشف عنه. والكشر: التبسم.

وقال: الزغب الشعيرات الصفر على ريش الفرخ والفراخ زغب وقال: يقال شقق الكلام إذا أخرجه أحسن مخرج والهصر بالكسر والهصور: الأسد وراغ الرجل والثعلب روغا وروغانا: مال وحاد عن الشئ. وقعيدة الرجل: امرأته والخدر: ستر يمد للجارية في ناحية البيت. وبالفتح إلزام البنت الخدر كالاخدار والتخدير وهي مخدورة ومخدرة ومخدرة.

417 - كنز الفوائد: كتب معاوية إلى أمير المؤمنين عليه السلام افتخارا. فقال عليه السلام: أعلي يفتخر ابن آكلة الأكباد؟ ثم قال لعبيد الله بن أبي رافع: اكتب:

محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يضحي ويمسي * يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكنى وعرسي * مساط لحمها بدمي ولحمي

وسبطا أحمد ابناي منها * فأيكم له سهم كسهمي سبقتكم إلى الاسلام طرا * غلاما ما بلغت أوان حلمي وأوجب لي الولاء معا عليكم * خليلي يوم دوح غدير خمي أقول: ذكرها في الديوان مع زيادة وتغيير هكذا:

وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم وأوصاني النبي على اختيار * لامته رضى منكم بحكمي ألا من شاء فليؤمن بهذا * وإلا فليمت كمدا بغم أنا البطل الذي لم تنكروه * ليوم كريهة وليوم سلمي بيان:

السكن بالتحريك: كل ما سكنت إليه. والعرس بالكسر: امرأة الرجل.

والسوط: خلط الشئ بعضه ببعض وسوطه أي خلطه. والدوح: جمع الدوحة وهي الشجرة العظيمة. والكمد بالتحريك: الحزن المكتوم.

418 - الإحتجاج: روى أبو عبيدة قال: كتب معاوية إلى علي أمير المؤمنين عليه السلام: إن لي فضائل كثيرة كان أبي سيدا في الجاهلية وصرت ملكا في الاسلام وأنا صهر رسول الله صلى الله عليه وآله وخال المؤمنين وكاتب الوحي فقال أمير أمير المؤمنين عليه السلام: أبالفضائل يبغي علي ابن آكلة الأكباد؟ اكتب إليه يا غلام: " محمد النبي أخي وصهري " [وساق الأبيات] إلى قوله:

سبقتكم إلى الاسلام طرا * مقرا بالنبي في بطن أمي وصليت الصلاة وكنت طفلا * صغيرا ما بلغت أوان حلمي

[وساق الأبيات] إلى قوله:

فويل ثم ويل ثم ويل * لمن يلقى الاله غدا بظلمي فقال معاوية: إخفوا هذا الكتاب لا يقرؤه أهل الشام فيميلوا إلى ابن أبي طالب.

419 - كتاب صفين لنصر بن مزاحم قال: كتب علي عليه السلام إلى معاوية:

أصبحت مني يا ابن حرب جاهلا * أن لم نرام منكم الكواهلا بالحق والحق يزيل الباطلا * هذا لك العام وعاما قابلا 420 - كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي [قال:] روي أن عليا عليه السلام كتب إلى معاوية:

من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى معاوية [وبعد ف‍] إن الله تبارك وتعالى ذا الجلال والاكرام خلق الخلق واختار خيرة من خلقه واصطفى صفوة من عباده " يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون " فأمر الامر وشرع الدين وقسم القسم على ذلك وهو فاعله وجاعله وهو الخالق وهو المصطفى وهو المشرع وهو القاسم وهو الفاعل لما يشاء له الخلق وله الامر وله الخيرة والمشيئة والإرادة والقدرة والملك والسلطان.

أرسل رسوله خيرته وصفوته بالهدى ودين الحق وأنزل عليه كتابه فيه تبيان كل شئ من شرائع دينه فبينه لقوم يعلمون، وفيه فرض الفرائض، وقسم فيه سهاما أحل بعضها لبعض وحرم بعضها لبعض بينها يا معاوية إن كنت تعلم الحجة؟ وضرب أمثالا لا يعلمها إلا العالمون فأنا سائلك عنها أو بعضها إن كنت تعلم؟! واتخذ الحجة بأربعة أشياء على العالمين فما هي يا معاوية؟ ولمن هي؟ واعلم أنهن حجة لنا أهل البيت على من

خالفنا ونازعنا وفارقنا وبغى علينا والمستعان الله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون.

وكان جملة تبليغه رسالة ربه فيما أمره وشرع وفرض وقسم جملة الدين يقول الله:

" وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " * [62 / النساء: 4] هي لنا أهل البيت ليست لكم.

ثم نهى عن المنازعة والفرقة وأمر بالتسليم والجماعة فكنتم أنتم القوم الذين أقررتم لله ولرسوله فبدا لكم فأخبركم الله أن محمدا لم يك أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.