پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

93 باب 113

ج ۳۲، ص ۴۳۷–۴۷۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱۵ از ۲۱

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۳۱

والابيات البائية لربيع بن مسروم الضبي.

وروى نصر عن عبد الله بن عوف قال: لما قدمنا على معاوية وأهل الشام بصفين وجدناهم قد نزلوا منزلا اختاروه مستويا بساطا واحدا وأخذوا الشريعة فهي في أيديهم وقد صف أبو الأعور عليها الخيل والرجالة وقدم المرامية ومعهم أصحاب الرماح والدرق وعلى رؤوسهم البيض وقد أجمعوا أن يمنعونا الماء ففزعنا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبرناه بذلك.

فدعا صعصعة بن صوحان فقال: إئت معاوية فقل له: إنا سرنا إليك مسيرنا هذا وأنا أكره قتالكم قبل الاعذار إليكم وإنك قدمت خيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا بالحرب ونحن من رأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك وهذه أخرى قد فعلتموها قد حلتم بين الناس وبين الماء فخل بينهم وبينه حتى ننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له وقدمتم له، وإن كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له وندع الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا.

فلما مضى صعصعة برسالته إلى معاوية قال معاوية لأصحابه: ما ترون؟

فقال الوليد بن عقبة: امنعنهم الماء كما منعوه ابن عفان حصروه أربعين يوما يمنعونه برد الماء ولين الطعام اقتلهم عطشا قتلهم الله.

وقال عمرو بن العاص: خل بين القوم وبين الماء فإنهم لن يعطشوا وأنت ريان ولكن لغير الماء فانظر فيما بينك وبينهم. فأعاد الوليد مقالته.

وقال عبد الله بن سعيد بن أبي سرح وكان أخا عثمان من الرضاعة:

أمنعهم الماء إلى الليل فإنهم إن لم يقدروا عليه رجعوا وكان رجوعهم هزيمتهم أمنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة.

فقال صعصعة: إنما يمنع الماء يوم القيامة الفجرة الكفرة شربة الخمر ضربك وضرب هذا الفاسق يعني الوليد فتواثبوا إليه يشتمونه ويتهددونه فقال معاوية كفوا عن الرجل فإنما هو رسول.

قال عبد الله بن عوف: إن صعصعة لما رجع إلينا حدثنا بما قال معاوية وما كان منه وما رده علينا وقال: لما أردت الانصراف من عنده قلت: ما ترد علي؟ قال: سيأتيكم رأيي. قال: فوالله ما راعنا إلا تسوية الرجال والصفوف والخيل فأرسل إلى أبي الأعور أمنعهم الماء فازدلفنا والله إليهم فارتمينا وأطعنا بالرماح واضطربنا بالسيوف فطال ذلك بيننا وبينهم حتى صار الماء في أيدينا فقلنا: لا والله لا نسقيهم. فأرسل علي عليه السلام أن خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا معسكركم وخلوا بينهم وبين الماء فإن الله قد نصركم عليهم ببغيهم وظلمهم.

وقال نصر: قال عمرو بن العاص خل بينهم وبين الماء فإن عليا لم يكن ليظمأ وأنت ريان وفي يده أعنة الخيل وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق وقد سمعته أنا مرارا وهو يقول: " لو أن معي أربعين رجلا " يوم فتش البيت - يعني بيت فاطمة - لو استمكنت من أربعين رجلا يعني في الأمر الأول.

قال: ولما غلب أهل الشام على الفرات فرحوا بالغلبة وقال معاوية: يا

أهل الشام هذا والله أول الظفر لا سقاني الله ولا أبا سفيان إن شربوا منه أبدا حتى يقتلوا بأجمعهم عليه وتباشر أهل الشام.

فقام إلى معاوية رجل من أهل الشام همداني ناسك يقال له المعري بن الأقبل فقال: يا معاوية سبحان الله ألان سبقتم القوم إلى الفرات تمنعونهم الماء؟ أما والله لو سبقوكم إليه لسقوكم منه، أليس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعونهم [فرضة من] الفرات فينزلون على فرضة أخرى فيجازونكم بما صنعتم!

أما تعلمون أن فيهم العبد والأمة والأجير والضعيف ومن لا ذنب له؟

هذا والله أول الجهل. فأغلظ له معاوية.

قال [نصر]: ثم سار [الرجل] الهمداني في سواد الليل حتى لحق بعلي عليه السلام ومكث أصحاب علي عليه السلام بغير ماء واغتم عليه السلام بما فيه أهل العراق من العطش فأتى الأشعث عليا فقال: يا أمير المؤمنين أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا والسيوف في أيدينا؟ خل عنا وعن القوم فوالله لا نرجع حتى نرده أو نموت ومر الأشتر يعلو بخيله ويقف حيث تأمر فقال علي عليه السلام ذاك إليكم.

فنادى الأشعث في الناس من كان يريد الماء [أ] والموت فميعاده موضع كذا فإني ناهض فأتاه إثنا عشر ألفا من كندة وأفناء قحطان واضعي سيوفهم على عواتقهم فشد عليه سلاحه ونهض بهم حتى كاد [أن] يخالط أهل الشام وجعل يلقي رمحه ويقول لأصحابه: بأبي وأمي وأنتم تقدموا إليهم قاب رمحي هذا فلم يزل ذلك دأبه حتى خالط القوم وحسر عن رأسه ونادى: أنا الأشعث بن قيس خلوا عن الماء فنادى أبو الأعور: أما والله حتى لا تأخذنا وإياكم السيوف فلا فقال الأشعث: قد والله أظنها دنت منا ومنكم.

وكان الأشتر قد تعالى بخيله حيث أمره علي عليه السلام فبعث إليه الأشعث: أقحم الخيل فأقحمها حتى وضعت بسنابكها في الفرات وأخذت أهل الشام السيوف فولوا مدبرين.

قال: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر وزيد بن الحسن قالا:

فنادى الأشعث عمرو بن العاص فقال: ويحك يا ابن العاص خل بيننا وبين الماء فوالله لئن لم تفعل لتأخذنا وإياكم السيوف. فقال عمرو: والله لا نخلي عنه حتى تأخذنا السيوف وإياكم فيعلم ربنا سبحانه أينا أصبر اليوم.

فترجل الأشعث والأشتر وذووا البصائر من أصحاب علي عليه السلام وترجل معهما إثنا عشر ألفا فحملوا على عمرو وأبي الأعور ومن معهما من أهل الشام فأزالوهم عن الماء حتى غمست خيل علي عليه السلام سنابكها في الماء.

قال نصر: فروى لنا عمر بن سعد أن عليا عليه السلام قال ذاك اليوم:

هذا يوم نصرتم فيه بالحمية.

قال نصر: فحدثنا عمرو عن جابر قال: خطب علي عليه السلام يوم الماء فقال:

أما بعد: فإن القوم قد بدؤكم بالظلم وفاتحوكم بالبغي واستقبلوكم بالعدوان وقد استطعموكم القتال حيث منعوكم الماء فأقروا على مذلة وتأخير محلة أو رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين ألا وإن معاوية قاد لمة من الغواة وعمس عليهم الخبر حتى جعل نحورهم أغراض المنية.

قال نصر: ودعا الأشتر بالحارث بن همام النخعي فأعطاه لواءه ثم صاح الأشتر في أصحابه فدتكم نفسي شدوا شدة المحرج الراجي للفرج فإذا نالتكم الرماح التووا فيها فإذا عضتكم السيوف فليعض الرجل على ناجذه فإنه أشد لشؤون الرأس ثم استقبلوا القوم بهامكم.

قال و: كان الأشتر يومئذ على فرس له محذوف أدهم كأنه حلك الغراب وقتل بيده من أهل الشام من فرسانهم وصناديدهم سبعة صالح بن فيروز العكي ومالك بن أدهم السلماني ورياح بن عتيك الغساني والأجلح بن منصور الكندي وكان فارس أهل الشام وإبراهيم بن وضاح الجمحي وزامل بن عتيك الجذامي ومحمد بن روضة الجمحي وسمع أمير المؤمنين مرثية بعض نساء القتلى فقال: أما إنهم أضروا بنسائهم فتركوهن أيامى حزانى بائسات قاتل الله معاوية اللهم حمله آثامهم وأوزارا وأثقالا مع أثقاله اللهم لا تعف عنه.

وعن صعصعة قال: أقبل الأشتر يوم الماء فضرب بسيفه جمهور أهل الشام حتى كشفهم عن الماء وحمل أبو الأعور وحمل الأشتر عليه فلم ينتصف أحدهما صاحبه.

قال: وقال عمرو بن العاص لمعاوية: لما ملك أهل العراق الماء: ما ظنك يا معاوية بالقوم إن منعوك الماء كما منعتهم أمس أتراك تضاربهم عليه كما ضاربوك عليه؟ ما أغنى عنك أن تكشف لهم السوءة؟ فقال له معاوية: دع عنك ما مضى فما ظنك بعلي بن أبي طالب؟ قال ظني أنه لا يستحل منك ما استحللت منه وأن الذي جاء له غير الماء.

قال: نصر فقال أصحاب علي عليه السلام له: أمنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك. فقال: لا خلوا بينهم وبينه لا أفعل ما فعله الجاهلون فسنعرض عليهم كتاب الله وندعوهم إلى الهدى فإن أجابوا وإلا ففي حد السيف ما يغني إنشاء الله قال: فوالله ما أمسى الناس حتى رأوا سقاتهم وسقاة أهل الشام ورواياهم وروايا أهل الشام يزدحمون على الماء ما يؤذي إنسان إنسانا.

أقول: [رجعنا] إلى أصل كتاب نصر فوجدناه مطابقا لما رواه ابن أبي الحديد عنه.

توضيح: قال الفيروزآبادي: منبج كمجلس: موضع. وقال: زجر الطائر: تفأل به. والزجر: العيافة والتكهن. وقال: الرهق محركة: السفه والنوك والخفة وركوب الشر والظلم وغشيان المحارم. وقال: السقاط: الوقعة الشديدة والعثرة. وقال: بحر أفيح: واسع. والفيحاء: الواسعة من الدور.

وقال: الفيلق - كصيقل -: الجيش. وقال: جاؤوا قضهم بفتح الضاد وبضمها وفتح القاف وكسرها بقضيضهم وجاؤا قضهم وقضيضهم أي جميعهم.

أو القض: الحصى الصغار والقضيض: الكبار أي جاؤوا بالكبير والصغير أو القض بمعنى القاض والقضيض بمعنى المقضوض. قوله: " لو استمكنت " لو للتمني أو الجزاء محذوف والامر الأول بيعة أبي بكر. وقاب رمحي أي قدر رمحي قوله: " قد استطعموكم ".

أقول: روى السيد في [المختار (اه) من] النهج من هذا الموضع إلى آخر الكلام أي طلبوا منكم القتال كأنهم اضطروكم إليه إذ لا طاقة لكم على العطش فجعلوه مرغوبا لكم كما يرغب الانسان إلى الطعام الذي به قوام بدنه " فأقروا على مذلة " أي اعترفوا بها وانه لا قدرة لكم على دفعهم واصبروا عليها. أو اسكنوا أنفسكم في مكان الذل والمقهورية " وتأخير المحلة " دناءة المرتبة " أو رووا السيوف " أي اجعلوها ريا - ضد عطشى - وقاد الفرس : ضد ساقه فالقود من أمام والسوق من خلف. واللمة بالضم والتخفيف: الجماعة

وقيل المثل في السن والترب. وعمس بالمهملتين وتشديد الميم أي أبهم وأخفى ويظهر من ابن الأثير أنه بالتخفيف.

ويروى بالغين المعجمة وهو موجود في بعض نسخ النهج لكن بالتشديد وغمسه في الماء أي مقله وغمس النجم أي غاب والغميس: الليل المظلم والظلمة والشئ الذي لم يظهر للناس ولم يعرف بعد. وفي بعض النسخ و " رمس عليهم " بالتشديد والرمس: كتمان الخبر والمراد بالخبر خزي الدنيا أو عذاب الآخرة أو الأعم. والغرض: الهدف الذي يرمى فيه. والمنية: الموت.

وقال الجوهري: الحلك: السواد يقال: أسود مثل حلك الغراب وهو سواده.

[الباب الثاني عشر] باب جمل ما وقع بصفين من المحاربات والاحتجاجات إلى التحكيم قال ابن أبي الحديد - موافقا لما وجدته في أصل كتاب صفين لنصر بن مزاحم -: لما ملك علي عليه السلام الماء بصفين ثم سمح لأهل الشام بالمشاركة فيه والمساهمة استمالة لقلوبهم مكث أياما لا يرسل إلى معاوية أحدا ولا يأتيه من عند معاوية أحد، واستبطأ أهل العراق إذنه لهم في القتال وقالوا: يا أمير المؤمنين خلفنا ذرارينا ونساءنا بالكوفة إئذن لنا في قتال القوم فإن الناس قد قالوا قال علي عليه السلام: ما قالوا؟ فقال منهم قائل: انهم يظنون أنك تكره الحرب كراهية للموت ومنهم من يظن أنك في شك في قتال أهل الشام.

فقال عليه السلام: ومتى كنت كارها للحرب قط إن من العجب حبي لها غلاما ويفعا وكراهيتي لها شيخا بعد نفاد العمر وقرب الوقت وأما شكي في

القوم فلو شككت فيهم لشككت في أهل البصرة فوالله لقد ضربت هذا الامر ظهرا وبطنا فما وجدت يسعني إلا القتال أو أن أعصى الله ورسوله ولكني أستأني بالقوم عسى أن يهتدوا أو يهتدي فيهم طائفة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي يوم الخيبر: لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس:

قال نصر بن مزاحم: فبعث علي عليه السلام إلى معاوية بشر بن عمرو وسعيد بن قيس وشبث بن ربعي فقال: إئتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة وإلى اتباع أمر الله سبحانه.

فقال شبث: يا أمير المؤمنين ألا نطمعه في سلطان توليه إياه ومنزلة يكون له بها أثرة عندك إن هو بايعك؟ قال: إئتوه الآن وألقوه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه في هذا.

فدخلوا عليه فابتدأ بشر بن عمرو بن محصن فحمد الله وأثنى عليه وقال:

أما بعد يا معاوية فإن الدنيا عنك زائلة وإنك راجع إلى الآخرة وإن الله مجازيك بعملك ومحاسبك بما قدمت يداك وإنني أنشدك الله أن تفرق جماعة هذه الأمة وأن تسفك دماءها بينها.

فقطع معاوية عليه الكلام فقال: فهلا أوصيت صاحبك؟ فقال: سبحان الله إن صاحبي لا يوصى إن صاحبي ليس مثلك صاحبي أحق الناس بهذا الامر في الفضل والدين والسابقة في الاسلام والقرابة من الرسول. قال معاوية: فتقول: ماذا؟ قال: أدعوك إلى تقوى ربك وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق فإنه أسلم لك في دينك وخير لك في عاقبة أمرك. قال:

ويطل دم عثمان؟ لا والرحمن لا أفعل ذلك أبدا.

فذهب سعيد بن قيس ليتكلم فبدره شبث بن ربعي فحمد الله وأثنى عليه

ثم قال: يا معاوية قد فهمت ما رددت على ابن محصن إنه لا يخفى علينا ما تطلب إنك لا تجد شيئا تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم إلا أن قلت لهم: قتل إمامكم مظلوما فهلموا نطلب بدمه فاستجاب لك سفلة طغام رذال وقد علمنا أنك أبطأت عنه بالنصر وأحببت له القتل لهذه المنزلة التي تطلب ورب مبتغي أمرا وطالب له يحول الله دونه وربما أوتي المتمني أمنيته وربما لم يؤتها ووالله مالك في واحدة منهما خير والله إن أخطأك ما ترجو إنك لشر العرب حالا ولئن أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق صلى النار فاتق الله يا معاوية ودع ما أنت عليه ولا تنازع الامر أهله.

فحمد معاوية الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإن أول ما عرفت به سفهك وخفة حلمك قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه ثم عنفت بعد فيما لا علم لك به ولقد كذبت ولو مت أيها الاعرابي الجلف الجافي في كل ما وصفت انصرفوا من عندي فإنه ليس بيني وبينكم إلا السيف وغضب.

فخرج القوم وشبث يقول: أعلينا تهول بالسيف؟ أما والله لنعجلنه إليك.

قال نصر: وخرج قراء أهل العراق وقراء أهل الشام فعسكروا في ناحية صفين في ثلاثين ألفا.

قال: وعسكر علي عليه السلام على الماء وعسكر معاوية فوقه على الماء أيضا ومشت القراء بين علي عليه السلام ومعاوية منهم عبيدة السلماني وعلقمة بن قيس النخعي وعبد الله بن عتبة وعمار بن عبد القيس فدخلوا على معاوية فقالوا: يا معاوية ما الذي تطلب؟

قال: أطلب بدم عثمان. قالوا: ممن تطلب بدم عثمان؟ قال: أطلبه من علي. قالوا: أو علي قتله؟ قال: نعم هو قتله وآوى قتلته.

فانصرفوا من عنده فدخلوا على علي عليه السلام وقالوا: إن معاوية زعم أنك قتلت عثمان قال: اللهم لكذب علي لم أقتله. فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال: إن لم يكن قتله بيده فقد أمر ومالا.

فرجعوا إليه عليه السلام وقالوا: يزعم أنك إن لم تكن قتلت بيدك فقد أمرت ومالأت على قتل عثمان. فقال: اللهم لكذب فيما قال:

فرجعوا إلى معاوية فقالوا: إن عليا يزعم أنه لم يفعل. فقال معاوية إن كان صادقا فليقدنا من قتلة عثمان فإنهم في عسكره وجنده وأصحابه وعضده.

فرجعوا إلى علي عليه السلام فقالوا: إن معاوية يقول لك إن كنت صادقا فادفع إلينا قتلة عثمان أو مكنا منهم فقال لهم: إن القوم تأولوا عليه القرآن ووقعت الفرقة وقتلوه في سلطانه وليس على ضربهم قود فخصم علي معاوية.

فقال لهم معاوية إن كان الامر كما تزعمون فلم ابتز الامر دوننا على غير مشورة منا ولا ممن ها هنا معنا؟ فقال علي عليه السلام: إن الناس تبع المهاجرين والأنصار وهم شهود للمسلمين في البلاد على ولاتهم وأمراء دينهم فرضوا بي وبايعوني ولست أستحل أن أدع ضرب معاوية يحكم على هذه الأمة ويركبهم ويشق عصاهم.

فرجعوا إلى معاوية فأخبروه بذلك فقال: ليس كما يقول فما بال من هو ها هنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الامر؟

فانصرفوا إليه عليه السلام فأخبروه بقوله فقال: ويحكم هذا للبدريين دون

الصحابة وليس في الأرض بدري إلا وقد بايعني وهو معي أو قد أقام ورضي فلا يغرنكم معاوية من أنفسكم ودينكم.

قال نصر: فتراسلوا بذلك ثلاثة أشهر ربيع الآخر وجماديين وهم مع ذلك يفزعون الفزعة فيما بينها ويزحف بعضهم إلى بعض ويحجز القراء بينهم قال ففزعوا في ثلاثة أشهر خمسا وثلاثين فزعة يزحف بعضهم إلى بعض ويحجز القراء بينهم.

قال نصر: وخرج أبو أمامة الباهلي وأبو الدرداء فدخلا على معاوية فقالا:

يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله لهو أقدم منك سلما وأحق منك بهذا الامر وأقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعلام تقاتله؟ قال:

أقاتله على دم عثمان فإنه آوى قتلته فقولوا له: فليقدنا من قتلته وأنا أول من بايعه من أهل الشام فانطلقوا إلى علي عليه السلام فأخبروه فقال: إنما يطلب الذين ترون فخرج عشرون ألفا وأكثر متسربلين في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقالوا: كلنا قتله فإن شاؤوا فليروموا ذلك منا.

فرجع أبو أمامة وأبو الدرداء فلم يشهدا شيئا من القتال.

حتى إذا كان في رجب وخشي معاوية أن يبايع القراء عليا عليه السلام جد في المكر وكتب في سهم: من عبد الله الناصح إني أخبركم أن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم فخذوا حذركم ثم رمى السهم في عسكر علي عليه السلام.

فوقع السهم في يد رجل فقرأه ثم أقرأ صاحبه فلما قرأه من أقبل وأدبر قالوا: هذا أخ لنا ناصح كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية فلم يزل السهم يقرأ ويرتفع حتى رفع إلى علي عليه السلام وبعث معاوية فأتى رجال من العملة إلى عاقول من النهر بأيديهم المرور والزبل يحفرون فيها بحيال عسكر

علي عليه السلام فقال عليه السلام: ويحكم إن الذي يعالج معاوية لا يستقيم له ولا يقوى عليه إنما يرد أن يزيلكم عن مكانكم فانتهوا عن ذلك ودعوه.

فقالوا له: هم والله يحفرون والله لنرتحلن وإن شئت فأقم فارتحلوا وصعدوا بعسكرهم مليا وارتحل علي عليه السلام في أخريات الناس وهو يقول:

فلو أني أطعت عصبت قومي * إلى ركن اليمامة أو شمام ولكني متى أبرمت أمرا * منيت بخلف آراء الطغام قال: فارتحل معاوية حتى نزل بمعسكر علي عليه السلام الذي كان فيه.

فدعا علي عليه السلام الأشتر فقال: ألم تغلبني على رأيي أنت والأشعث برأيكما؟ فقال الأشعث: أنا أكفيك يا أمير المؤمنين سأداوي ما أفسدت اليوم من ذلك فجمع كندة فقال لهم: يا معشر كندة لا تفضحوني اليوم ولا تخزوني فإنما أنا أقارع بكم أهل الشام فخرجوا معه رجالة يمشون وبيده رمح له يلقيه على الأرض ويقول: امشوا قيس رمحي هذا فيمشون فلم يزل يقيس لهم الأرض برمحه ويمشون معه حتى أتى معاوية وسط بني سليم واقفا على الماء وقد جاءه أداني عسكره فاقتتلوا قتالا شديدا على الماء ساعة وانتهى أوائل أهل العراق فنزلوا وأقبل الأشتر في جند من أهل العراق فحمل على معاوية والأشعث يحارب في ناحية أخرى فانحاز معاوية في بني سليم فردوا وجوه إبله قدر ثلاثة فراسخ ثم نزل ووضع أهل الشام أثقالهم والأشعث يهدر ويقول:

أرضيتك يا أمير المؤمنين؟ وقال الأشتر: يا أمير المؤمنين قد غلب الله لك على الماء.

قال نصر: وكان كل واحد من علي ومعاوية يخرج الرجل الشريف في جماعة ويقاتل مثله وكانوا يكرهون أن يزاحفوا بجميع الفيلق مخافة الاستيصال والهلاك فاقتتل الناس ذا الحجة كله فلما انقضى تداعوا إلى أن يكف بعضهم عن بعض إلى أن ينقضي المحرم لعل الله أن يجري صلحا أو اجتماعا فكف الناس في المحرم بعضهم عن بعض.

قال نصر: حدثنا عمر بن سعد عن أبي المجاهد عن المحل بن خليفة قال: لما توادعوا في المحرم اختلف الرسل فيما بين الرجلين رجاء الصلح فأرسل علي عليه السلام إلى معاوية عدي بن حاتم وشبث بن ربعي ويزيد بن قيس وزياد بن خصفة فلما دخلوا عليه حمد الله تعالى عدي بن حاتم وأثنى عليه وقال:

أما بعد فقد أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ويحقن دماء المسلمين ندعوك إلى أفضل الناس سابقة وأحسنهم في الاسلام آثارا وقد اجتمع له الناس وقد أرشدهم الله بالذي رأوا وأتوا فلم يبق أحد غيرك وغير من معك فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله وأصحابك بمثل يوم الجمل.

فقال له معاوية: كأنك إنما جئت متهددا ولم تأت مصلحا هيهات يا عدي إني لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان أما والله إنك من المجلبين على عثمان وإنك لمن قتلته وإني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله.

فقال له شبث بن ربعي وزياد بن خصفة وتنازعا كلاما واحدا: أتيناك فيما يصلحنا وإياك فأقبلت تضرب لنا الأمثال دع ما لا ينفع من القول والفعل وأجبنا فيما يعمنا وإياك نفعه.

وتكلم يزيد بن قيس فقال: إنا لم نأتك إلا لنبلغك الذي بعثنا به إليك ولنؤدي عنك ما سمعنا منك ولم ندع أن ننصح لك وأن نذكر ما ظننا أن فيه عليك حجة أو أنه راجع بك إلى الأمة والجماعة إن صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله ولا أظنه يخفى عليك إن أهل الدين والفضل لا يعدلونك بعلي ولا يساوون بينك وبينه فاتق الله يا معاوية ولا تخالف عليا فإنا والله ما رأينا رجلا قط أعلم بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها منه.

فحمد معاوية الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإنكم دعوتم إلى الجماعة والطاعة فأما التي دعوتهم إليها فنعما هي وأما الطاعة لصاحبكم فإنه لا نرضى به إن صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وآوى ثأرنا وقتلتنا وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد ذلك عليه أرأيتم قتلة صاحبنا ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم فليدفعهم إلينا فلنقتلنهم به ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.

فقال له شبث: أيسرك يا معاوية إن أمكنت من عمار بن ياسر فقتلته؟

قال: وما يمنعني من ذلك والله لو أمكنني صاحبكم من ابن سمية ما أقتله بعثمان ولكن كنت أقتله بنائل مولى عثمان!! فقال شبث: وإله السماء ما عدلت معدلا ولا والذي لا إله إلا هو لا تصل إلى قتل ابن ياسر حتى تندر الهام عن كواهل الرجال وتضيق الأرض الفضاء عليك برحبها فقال معاوية: إذا كان ذلك كانت عليك أضيق. ثم رجع القوم عن معاوية فبعث إلى زياد بن

خصفة من بينهم فأدخل عليه فحمد معاوية الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أخا ربيعة فإن عليا قطع أرحامنا وقتل إمامنا وآوى قتلة صاحبنا وإني أسألك النصرة عليه بأسرتك وعشيرتك ولك علي عهد الله وميثاقه إذا ظهرت أن أوليك أي المصرين أحببت.

قال زياد فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت: أما بعد فإني لعلى بينة من ربي وبما أنعم الله علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين ثم قمت.

فقال معاوية لعمرو بن العاص وكان إلى جانبه: ما لهم عضبهم الله ما قلبهم إلا قلب رجل واحد.

قال نصر: وبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري إلى علي عليه السلام و [بعث معه] شرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد فدخلوا عليه عليه السلام فتكلم حبيب وحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديا يعمل بكتاب الله وينيب إلى أمر الله فاستثقلتم حياته واستبطأتم وفاته فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتلة عثمان لنقتلهم به فإن قلت: إنك لم تقتله فاعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم.

فقال له علي عليه السلام: ومن أنت لا أم لك والولاية والعزل والدخول في هذا الامر اسكت فإنك لست هناك ولا بأهل لذاك فقام حبيب بن مسلمة وقال: والله لتريني حيث تكره فقال له علي عليه السلام: وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك اذهب فصوب وصعد ما بدا لك فلا أبقى الله عليك إن أبقيت.

فقال شرحبيل بن السمط: إن كلمتك فلعمري ما كلامي لك إلا نحو كلام صاحبي فهل عندك جواب غير الذي أجبته؟ قال: نعم. قال: فقله.

فحمد الله علي عليه السلام وأثنى عليه ثم قال:

أما بعد فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله فأنقذ به من الضلالة ونعش به من الهلكة وجمع به بعد الفرقة ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه فاستخلف الناس أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر فأحسنا السيرة وعدلا في الأمة وقد وجدنا عليهما أن توليا الامر درننا ونحن آل الرسول وأحق بالامر فغفرنا ذلك لهما.

ثم ولي أمر الناس عثمان فعمل بأشياء عابها الناس عليه فسار إليه ناس فقتلوه ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمرهم فقالوا لي: بايع فأبيت عليهم فقالوا لي: بايع فإن الأمة لن ترضى إلا بك وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس فبايعتهم فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني وخلاف معاوية إياي الذي لم يجعل الله له سابقة في الدين ولا سلف صدق في الاسلام طليق ابن طليق وحزب من الأحزاب لم يزل لله ولرسوله عدوا هو وأبوه حتى دخلا في الاسلام كارهين مكرهين فيا عجبا لكم ولانقيادكم له وتدعون آل نبيكم الذي لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم ولا أن تعدلوا بهم أحدا من الناس إني أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم وإماتة الباطل وإحياء معالم الدين أقول قولي هذا وأستغفر الله لنا ولكل مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة.

فقال له شرحبيل ومعن بن يزيد: أتشهد أن عثمان قتل مظلوما؟ فقال لهما:

إني لا أقول ذلك. قالا: فمن لا يشهد أن عثمان قتل مظلوما فنحن براء منه ثم قاما فانصرفا.

فقال علي عليه السلام: " إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ان تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون " [80 - 81 / النمل].

ثم أقبل على أصحابه فقال: لا يكن هؤلاء في ضلالتهم بأولى بالجد منكم في حقكم وطاعة إمامكم. ثم مكث الناس متوادعين إلى انسلاخ المحرم.

فلما انسلخ [شهر المحرم] واستقبل الناس صفرا من سنة سبع وثلاثين [من هجرة النبي] بعث علي عليه السلام نفرا من أصحابه حتى إذا كانوا من عسكر معاوية حيث يسمعونهم الصوت قام يزيد بن الحارث فنادى عند غروب الشمس يا أهل الشام إن أمير المؤمنين عليا عليه السلام وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقولون لكم: إنا والله لم نكف عنكم شكا في أمركم ولا بقيا عليكم: وإنما كففنا عنكم لخروج المحرم وقد انسلخ وإنا قد نبذنا إليكم على سواء فإن الله لا يحب الخائنين.

قال: فسار الناس إلى رؤسائهم وأمرائهم.

395 - قال نصر: وأما رواية عمرو بن شمر عن جابر عن أبي الزبير أن نداء ابن مرثد الخثعمي كانت صورته: يا أهل الشام ألا إن أمير المؤمنين عليه السلام يقول لكم: إني قد استأنيت بكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه واحتججت عليكم بكتاب الله ودعوتكم إليه فلم تتناهوا عن طغيان ولم تجيبوا إلى حق فإني قد

نبذت إليكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين.

قال: فسار الناس إلى رؤسائهم وخرج معاوية وعمرو بن العاص يكتبان الكتائب ويعبئان العساكر وأوقدوا النيران وجاؤا بالشموع وبات علي عليه السلام ليلته تلك كلها يعبي الناس ويكتب الكتائب ويدور في الناس ويحرضهم.

قال نصر: فخرجوا أول يوم من صفر سنة سبع وثلاثين وهو يوم الأربعاء فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل ورجال حسن عددها وعدتها فخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي فاقتتلوا يومهم ذلك تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال ثم انصرفوا وقد صبر القوم بعضهم لبعض.

وخرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر وخرج إليه عمرو بن العاص فاقتتل الناس كأشد قتال كان وجعل عمار يقول: يا أهل الاسلام أتريدون أن تنظروا إلى من عادى الله ورسوله وجاهدهما وبغى على المسلمين وظاهر المشركين فلما أراد الله أن يظهر دينه وينصر رسوله أتى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم وهو والله فيما يرى راهب غير راغب ثم قبض الله رسوله وإنا والله لنعرفه بعداوة المسلم ومودة المجرم ألا وإنه معاوية فقاتلوه والعنوه فإنه ممن يطفي نور الله ويظاهر أعداء الله.

قال: وكان مع عمار زياد بن النضر على الخيل فأمره أن يحمل في الخيل

فحمل فصبروا له وشد عمار في الرجالة فأزال عمرو بن العاص عن موقفه ورجع الناس يومهم ذلك.

396 - قال نصر: وحدثني أبو عبد الرحمن المسعودي عن يونس بن الأرقم عمن حدثه من شيوخ بكر بن وائل قال: كنا مع علي عليه السلام بصفين فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح فقال ناس: هذا لواء عقد له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يزالوا يتحدثون حتى وصل ذلك إلى علي عليه السلام فقال: أتدرون ما هذا اللواء إن عمروا أخرج له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الشقة فقال: من يأخذها بما فيها؟ فقال عمرو: وما فيها يا رسول الله؟ فقال: لا تقاتل بها مسلما ولا تقربها من كافر فأخذها فقد والله قربها من المشركين وقاتل بها اليوم المسلمين والذي فلق الحبة وبرئ النسمة ما أسلموا ولكنهم استسلموا وأسروا الكفر فلما وجدوا عليه أعوانا أظهروه.

بيان:

قوله عليه السلام: " عصبت قومي " يقال: عصبت الشجرة إذا ضممت أغصانها ثم ضربتها ليسقط ورقها، قال الحجاج: لأعصبنكم عصب السلم.

واليمامة: ناحية الحجاز واليمن. " والشآم " على فعال الشامي كاليمان وفي الديوان المصرع الثاني هكذا:

ولكني إذا أبرمت أمرا * تخالفني أقاويل الطغام وقال الميداني: القعقعة: تحريك الشئ اليابس الصلب مع صوت مثل السلاح وغيره. والشنان جمع شن وهي القربة اليابسة وهم يحركونها إذا أرادوا حث الإبل على السير لتفزع فتسرع قال النابغة:

كأنك من جمال بني أقيس * يقعقع خلف رجليه بشن يضرب لمن لا يتضع لما تنزل به من حوادث الدهر ولا يروعه ما لا حقيقة له.

وقال أيضا ابن أبي الحديد كما وجدته في أصل الكتاب: كان أول أيام الحرب بصفين في صفر من سنة سبع وثلاثين.

قال نصر بن مزاحم: كان علي عليه السلام يركب بغلة له قبل أن تلتقي الفئتان بصفين فلما حضرت الحرب وبات تلك الليلة يعبئ الكتائب حتى أصبح قال: إئتوني بفرسي فأتي بفرس له أدهم يبحث الأرض بيديه جميعا له حمحمة وصهيل فركبه وقال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

397 - قال نصر: وحدثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال: كان علي عليه السلام إذا سار إلى قتال ذكر اسم الله تعالى حين يركب كان يقول: الحمد لله على نعمه علينا وفضله العظيم، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم يستقبل القبلة ويرفع يديه إلى السماء ويقول:

اللهم إليك نقلت الاقدام وأتعبت الأبدان وأفضت القلوب ورفعت الأيدي وشخصت الابصار ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ثم يقول: سيروا على بركة الله، ثم يقول:

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر يا الله يا أحد يا صمد يا رب محمد أكفف عنا شر الظالمين.

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وكانت هذه الكلمات شعاره بصفين.

398 - قال: وروى سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: ما كان علي في قتال قط إلا نادى يا كهيعص.

399 - قال نصر: وحدثنا قيس بن ربيع عن عبد الواحد بن حسان العجلي عمن حدثه عن علي أنه سمعه يقول يوم صفين:

اللهم إليك رفعت الابصار وبسطت الأيدي ونقلت الاقدام ودعت الألسن وأفضت القلوب وإليك التحاكم في الأعمال فاحكم بيننا وبينهم بالحق وأنت خير الحاكمين.

اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا وكثرة عدونا وقلة عددنا وتشتت أهوائنا وشدة الزمان وظهور الفتن فأعنا على ذلك بفتح تعجله ونصر تعز به سلطان الحق وتظهره.

400 - وعن عمر بن سعد عن سلام بن سويد عن علي عليه السلام في قوله:

" وألزمهم كلمة التقوى " قال: هي لا إله إلا الله. وفي قوله " الله أكبر " قال: هي آية النصر.

قال نصر: [هذه] كانت شعاره يقولها في الحرب ثم يحمل فيورد والله من اتبعه ومن حاده حياض الموت.

401 - قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد عن عبد الرحمان بن جندب عن أبيه قال: لما كان غداة الخميس لسبع خلون من [شهر] صفر سنة سبع وثلاثين صلى علي عليه السلام الغداة فغلس - ما رأيت عليا غلس بالغداة أشد من تغليسه - يومئذ وخرج بالناس إلى أهل الشام فزحف نحوهم وكان هو يبدؤهم فيسير إليهم فإذا رأوه قد زحف استقبلوه بزحوفهم.

402 - وعن عمر بن سعد عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب قال: لما خرج علي عليه السلام إليهم غداة ذلك اليوم فاستقبلوه رفع يديه إلى السماء فقال:

اللهم رب هذا السقف المحفوظ المكفوف الذي جعلته مغيضا لليل والنهار وجعلت فيه مجرى للشمس والقمر ومنازل الكواكب والنجوم وجعلت سكانه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة ورب هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام والهوام والانعام وما لا يحصى مما يرى ومما لا يرى من خلقك العظيم ورب الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض ورب البحر المسجور والمحيط بالعالمين ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا وللخلق متاعا إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغى وسددنا للحق وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة واعصم بقية أصحابي من الفتنة.

قال: فلما رأوه قد أقبل تقدموا إليه بزحوفهم وكان على ميمنته يومئذ عبد الله بن بديل والناس على راياتهم ومراكزهم وعلي عليه السلام في القلب في أهل المدينة جمهورهم الأنصار ومعه من خزاعة وكنانة عدد حسن.

قال نصر: ورفع معاوية قبة عظيمة وألقى عليها الكرابيس وجلس تحتها وقد كان لهم قبل هذا اليوم ثلاثة أيام وهو اليوم الرابع من صفر.

وخرج في هذا اليوم محمد بن الحنفية في جمع من أهل العراق فخرج إليه معاوية عبيد الله بن عمر بن الخطاب في جمع من أهل الشام فاقتتلوا فطلب عبيد الله محمدا إلى المبارزة فلما خرج إليه دعاه علي عليه السلام وخرج بنفسه راجلا بيده سيفه وقال: أنا أبارزك فهلم. فقال عبيد الله لا حاجة بي إلى مبارزتك فرجع إلى صفه.

قال نصر: وأما اليوم الخامس فإنه خرج عبد الله بن العباس فخرج إليه الوليد بن عقبة وأكثر من سب بني عبد المطلب فأرسل إليه ابن عباس أبرز إلي فأبى أن يفعل وقاتل ابن عباس ذلك اليوم قتالا شديدا ثم انصرفوا وكل غير غالب.

وخرج ذلك اليوم شمر بن أبرهة بن الصباح الحميري فلحق بعلي عليه السلام في ناس من قراء أهل الشام ففت ذلك في عضد معاوية وعمرو بن العاص.

وقال عمرو: يا معاوية إنك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلا له من محمد صلى الله عليه وآله قرابة قريبة ورحم ماسة وقدم في الاسلام ليس لأحد مثله قد سار إليك بأصحاب محمد المعدودين وفرسانهم وأشرافهم ومهما نسيت فلا تنس أنك على باطل وعليا على الحق فبادر الامر قبل اضطرابه عليك فقام معاوية في أهل الشام خطيبا وحثهم على القتال.

فخطب علي عليه السلام أصحابه - قال أبو سنان الأسلمي كأني أنظر إليه متكئا على قوسه وقد جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يلونه كأنه أحب أن يعلم الناس أن الصحابة متوافرون معه - فقال:

أيها الناس اسمعوا مقالتي وعوا كلامي فإن الخيلاء من التجبر وإن النخوة من التكبر وإن الشيطان عدو حاضر يعدكم الباطل.

ألا إن المسلم أخو المسلم فلا تنابذوا ولا تجادلوا.

ألا إن شرايع الدين واحدة وسبله قاصدة من أخذ بها لحق ومن فارقها محق ومن تركها مرق.

ليس المسلم بالخائن إذا ائتمن ولا بالمخلف إذا وعد ولا الكاذب إذا نطق.

نحن أهل بيت الرحمة وقولنا الصدق وفعلنا القصد ومنا خاتم النبيين وفينا قادة الاسلام وفينا حملة الكتاب ألا إنا ندعوكم إلى الله وإلى رسوله وإلى جهاد عدوه والشدة في أمره وابتغاء مرضاته وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان وتوفير الفئ على أهله.

ألا وإن من أعجب العجائب أن معاوية بن أبي سفيان الأموي وعمرو بن العاص السهمي أصبحا يحرضان على طلب الدين بزعمهما ولقد علمتم أني لم أخالف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قط، ولم أعصيه في أمر قط، أقيه بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الابطال وترعد فيها الفرائص نجدة أكرمني الله سبحانه بها وله الحمد.

ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن رأسه لفي حجري ولقد وليت غسله بيدي وحدي تقلبه الملائكة المقربون معي وأيم الله ما اختلفت أمة قط بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها إلا ما شاء الله.

قال: فقال أبو سنان الأسدي فسمعت عمار بن ياسر يقول: أما أمير المؤمنين فقد أعلمكم أن الأمة لم تستقم عليه [أولا] وأنها لن تستقيم عليه [آخرا] ثم تفرق الناس وقد نفذت بصائرهم.

403 - وعن زيد بن وهب أن عليا عليه السلام قال في هذه الليلة: حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا فقام في الناس عيشة الثلاثاء بعد العصر فقال:

الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض ولا ينقض ما أبرم ولو شاء ما اختلف

اثنان من هذه الأمة ولا من خلقه ولا تنازع البشر في شئ من أمره ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله وقد ساقتنا وهؤلاء القوم اللاقدار حتى لفت بيننا في هذا الموضع ونحن من ربنا بمرأى ومسمع ولو شاء لعجل النقمة ولكان منه التغيير حتى يكذب الله الظالم ويعلم الحق أين مصيره ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال وجعل الآخرة دار الجزاء والقرار * (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) * [31 / النجم] ألا إنكم لاقوا العدو غدا إنشاء الله فأطيلوا الليلة القيام وأكثروا تلاوة القرآن واسألوا الله الصبر والنصر وألقوهم بالجد والحزم وكونوا صادقين.

قال: فوثب الناس إلى رماحهم وسيوفهم ونبالهم ليصلحونها وخرج عليه السلام وعبئ الناس ليلته تلك كلها حتى أصبح وعقد الألوية وأمر الامراء وبعث إلى أهل الشام مناديا ينادي فيهم: اغدوا على مصافكم.

فضج أهل الشام في معسكرهم واجتمعوا إلى معاوية فعبئ خيله وعقد ألويته وأمر أمراءه وكتب كتائبه وكان أهل الشام أكثر من أهل العراق بالضعف ونصب لمعاوية منبر فقعد إليه في قبة ضربها عظيمة ألقى عليها الثياب والدرانك.

ثم تناهض القوم يوم الأربعاء سادس صفر واقتتلوا إلى آخر نهارهم وانصرفوا عند المساء وكل غير غالب.

فأما اليوم السابع فكان القتال فيه شديدا والخطب عظيما وكان عبد الله بن بديل الخزاعي على ميمنة العراق فزحف نحو حبيب بن مسلمة وهو على مسيرة أهل الشام حتى اضطرهم إلى قبة معاوية وقت الظهر.

404 - قال نصر: وحدثنا عمر بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي عمرو عن أبيه أن عليا عليه السلام خطب هذا اليوم فقال: معاشر المسلمين استشعروا الخشية.

إلى آخر ما سيأتي بطوله.

وبالاسناد أن عليا خطب ذلك اليوم فقال: أيها الناس إن الله تعالى ذكره قد دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم إيمان بالله ورسوله وجهاد في سبيله إلى آخر ما سيأتي برواية المفيد رحمه الله ثم قام قيس بن سعد وخطب خطبة بليغة حث الناس فيها على الجهاد.

ثم قام الأشتر رضي الله عنه بمثل ذلك وكذا يزيد بن قيس الأرحبي وغيرهم.

405 - وروي عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام وزيد بن الحسن قالا: طلب معاوية إلى عمرو بن العاص أن يسوي صفوف أهل الشام فقال لهم عمرو: يا معشر أهل الشام سووا صفوفكم قص الشارب وأعيرونا جماجمكم ساعة فإنه قد بلغ الحق مقطعه فلم يبق إلا ظالم أو مظلوم.

وأقبل أبو الهيثم بن التيهان وكان من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله بدريا عقيبا يسوي صفوف أهل العراق وهو يقول: يا معشر أهل العراق إنه ليس بينكم وبين الفتح العاجل أو الجنة في الآجل إلا ساعة من النهار فارسوا أقدامكم وسووا صفوفكم وأعيروا ربكم جماجمكم واستعينوا بالله ربكم واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

406 - وروى عن عمرو بن شمر، عن جابر عن الشعبي أن أول فارسين التقيا في هذا اليوم - وهو اليوم السابع وكان من الأيام العظيمة - حجر بن عدي من أصحاب علي عليه السلام وابن عم حجر من أصحاب معاوية كلاهما من كندة فأطعنا برمحيهما وخرج خزيمة الأسدي من عسكر معاوية فضرب حجر بن عدي ضربة برمحه فحمل أصحاب علي عليه السلام فقتلوا خزيمة ونجا ابن عم حجر فخرج رفاعة الحميري من صف العراق وقتل قرن ابن عدي.

ثم إن عليا (ع) دعا أصحابه إلى أن يذهب واحد منهم بمصحف كان في يده إلى أهل الشام فقال: من يذهب إليهم فيدعوهم إلى ما في هذا المصحف فسكت الناس وأقبل فتى اسمه سعيد فقال: أنا صاحبه. وقال ثانيا ولم يجب إلا الفتى فقبضه بيده ثم أتاهم فناشدهم ودعاهم إلى ما فيه فقتلوه.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام لعبد الله بن بديل: احمل عليهم الآن فحمل عليهم بمن معه من أهل الميمنة وعليه يومئذ سيفان ودرعان فجعل يضرب بسيفه قدما ويرتجز فلم يزل يحمل حتى انتهى إلى معاوية والذين بايعوه

على الموت فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل وبعث إلى حبيب بن مسلمة الفهري وهو في الميسرة أن يحمل عليه بجمع من أصحابه واختلط الناس واصطدم الصفان ميمنة أهل العراق وميسرة أهل الشام وأقبل ابن بديل يضرب الناس بسيفه قدما حتى أزال معاوية عن موقفه وتراجع معاوية عن مكانه القهقرى كثيرا وأشفق على نفسه وأرسل إلى حبيب بن مسلمة مرة ثانية وثالثة يستنجده ويستصرخه ويحمل حبيب حملة شديدة بميسرة معاوية على ميمنة العراق فكشفها حتى لم يبق مع ابن بديل إلا نحو مائة إنسان من القراء فاستند بعضهم إلى بعض يحمون أنفسهم ولحج ابن بديل في الناس وصمم على قتل معاوية وجعل يطلب موقفه حتى انتهى إليه فنادى معاوية في الناس ويلكم الصخرة والحجارة إذا عجزتم عن السلاح أثخنوه. فرضخه الناس بالحجارة حتى أثخنوه فسقط فأقبلوا عليه بسيوفهم فقتلوه.

وجاء معاوية وعبد الله بن عامر حتى وقفا عليه فألقى عبد الله عمامته على وجهه وترحم عليه وكان له أخا وصديقا من قبل فقال معاوية: اكشف عن وجهه فقال: لا والله لا يمثل به وفي روح فقال له معاوية: قد وهبناه لك فكشف عن وجهه فقال معاوية هذا كبير القوم ورب الكعبة اللهم ظفرني بالأشتر النخعي والأشعث الكندي قال: فاستعلا أهل الشام عند قتل ابن بديل على أهل العراق يومئذ وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة وأجفلوا إجفالا شديدا.

فأمر علي عليه السلام سهل بن حنيف فاستقدم ممن كان معه ليريد الميمنة بعقدها فاستقبلهم جموع أهل الشام في خيل عظيمة فحملت عليهم

فألحقتهم بالميمنة وكانت ميمنة أهل العراق متصلة بموقف علي عليه السلام في القلب في أهل اليمن فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى علي عليه السلام فانصرف يمشي نحو الميسرة فانكشفت عنه مضر من الميسرة فلم يبق مع علي عليه السلام من أهل العراق إلا ربيعة وحدها في الميسرة.

407 - وروى عن زيد بن وهب قال: لقد مر علي يومئذ ومعه بنوه نحو الميسرة ومعه ربيعة وحدها وإني لأرى النبل يمر من بين عاتقه ومنكبه وما من بنيه إلا يقيه بنفسه فيكره علي ذلك فيتقدم عليه ويحول بينه وبين أهل الشام ويأخذ بيده إذا فعل ذلك فليقيه من ورائه.

وبصر به أحمر مولى بني أمية وكان شجاعا فقال: علي ورب الكعبة قتلني الله إن لم أقتلك فأقبل نحوه فخرج إليه كيسان مولى علي عليه السلام فاختلفا ضربتين فقتله أحمر وخالط عليا عليه السلام ليضربه بالسيف فمد [علي] يده إلى جيب درعه فجذبه عن فرسه وحمله على عاتقه والله لكأني أنظر إلى رجلي أحمر يختلفان على عنق علي ثم ضرب به الأرض فكسر منكبيه وعضديه.

وشد أبناء علي حسين ومحمد فضرباه بأسيافهما حتى برد فكأني أنظر إلى علي عليه السلام قائما وشبلاه يضربان الرجل حتى إذا أتيا عليه أقبلا على أبيهما.

ثم إن أهل الشام دنوا عنه يريدونه والله ما يزيده قربهم منه ودنوهم سرعة في مشيه فقال له الحسن: ما ضرك لو أسرعت حتى تنتهي إلى الذين صبروا بعدك من أصحابك قال يعني ربيعة الميسرة فقال علي عليه السلام: يا بني إن لأبيك يوما لا يبطئ به عنه السعي ولا يقربه إليه الوقوف إن أباك لا يبالي وقع على الموت أو وقع الموت عليه.

408 - قال نصر: وروى عمرو بن شمر عن جابر عن أبي إسحاق قال: خرج علي عليه السلام يوما من أيام صفين وفي يده عنزة فمر على سعيد بن قيس الهمداني فقال له سعيد: أما تخشى يا أمير المؤمنين أن يغتالك أحد وأنت قرب عدوك؟.

فقال علي عليه السلام: إنه ليس من أحد إلا وعليه من الله حفظة يحفظونه من أن يتردى في قليب أو يخرب عليه حايط أو تصيبه آفة فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه.

409 - وعن عمرو عن فضيل بن خديج عن مولى الأشتر قال: لما انهزمت ميمنة العراق يومئذ أقبل علي نحو الميسرة يركض ليستثيب الناس ويستوقفهم ويأمرهم بالرجوع نحو الفزع فمر بالأشتر فقال: يا مالك قال: لبيك يا أمير المؤمنين قال: إئت هؤلاء القوم فقل لهم: أين فراركم عن الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم؟.

فمضى الأشتر فاستقبل الناس منهزمين فقال لهم الكلمات فناداهم أيها الناس أنا مالك بن الحارث فلم يلتفت أحد منهم إليه فقال: أيها الناس أنا الأشتر فأقبلت إليه طائفة وذهبت عنه طائفة فقال: عضضتهم بهن أبيكم وما أقبح ما قاتلتم اليوم أيها الناس غضوا الابصار وعضوا على النواجذ فاستقبلوا الناس بهامكم وشدوا عليهم شدة قوم موتورين بآبائهم وأبنائهم وإخوانهم حنقا على عدوهم قد وطنوا على الموت أنفسهم كيلا يسبقوا بثار إن هؤلاء القوم والله لن يقاتلوكم إلا عن دينكم ليطفئوا السنة ويحيوا البدعة ويدخلوكم

في دين قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة فطيبوا عباد الله نفسا بدمائكم دون دينكم فإن الفرار فيه سلب العز والغلبة على الفئ وذل المحيا والممات وعار الدنيا والآخرة وسخط الله وأليم عقابه.

ثم قال: أيها الناس أخلصوا إلي مذحجا فاجتمعوا إليه فقال عضضتم بصم الجندل والله ما أرضيتم اليوم ربكم ولا نصحتم له في عدوه وكيف ذلك وأنتم أبناء الحرب وأصحاب الغارات وفرسان الطرار وحتوف الاقران ومذحج الطعان الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم ولم تطل دماؤهم ولم يعرفوا في موطن من المواطن بخسف، وأنتم سادة مصركم وأعز حي في قومكم وما تفعلوا في هذا اليوم مأثور بعد اليوم فأتقوا مأثور الحديث في غد واصدقوا عدوكم اللقاء فإن الله مع الصابرين والذي نفسي بيده ما من هؤلاء - وأشار بيده إلى أهل الشام - رجل في مثل جناح البعوضة من دين الله، الله ما أحسنتم اليوم القراع أجلوا سواد وجهي يرجع في وجهي دمي [و] عليكم بهذا السواد الأعظم فإن الله لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع السيل مقدمه.

فقالوا: خذ بنا حيث أحببت فصمد بهم نحو عظمهم واستقبله سنام من همدان وهم نحو ثمان مائة مقاتل قد انهزموا آخر الناس وكانوا قد صبروا في ميمنة علي حتى قتل منهم مائة وثمانون رجلا وأصيب منهم أحد عشر رئيسا كلما قتل منهم رئيسا أخذ الراية آخر [فانصرفوا وهم يقولون ليت لنا عديدا من العرب يحالفوننا ثم نستقدم نحن وهم فلا ننصرف حتى نقتل أو نظهر]

فقال لهم الأشتر إني أحالفكم وأعاقدكم على أن لا نرجع أبدا حتى نظفر أو نهلك فوقفوا معه على هذه النية والعزيمة وزحف نحو الميمنة وثاب إليه ناس تراجعوا من أهل الصبر والوفاء والحياء فأخذ لا يصمد لكتيبة إلا كشفها ولا بجمع الإجازة ورده.

410 - فروي عن مولى للأشتر قال: لما اجتمع إلى الأشتر من كان انهزم من الميمنة حمل على صفوف أهل الشام حتى كشفهم فألحقهم بمضارب معاوية وذلك بين العصر والمغرب.

411 - وعن زيد بن وهب أن عليا عليه السلام لما رأى ميمنته قد عادت إلى موقفها ومصافها وكشفت من بإزائها أقبل حتى انتهى إليهم فقال: قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم تحوزكم الجفاة الطغام أعراب أهل الشام وأنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم وعمار الليل بتلاوة القرآن وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون فلولا قتالكم بعد إدباركم وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولي يوم الزحف وكنتم فيما أرى من الهالكين.

ولقد هون علي بعض وجدي وشفى بعض لاعج نفسي أن رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم فأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم تحسونهم بالسيف يركب أولهم آخرهم كالإبل المطرودة الهيم فالآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة وثبتكم اليقين.

وليعلم المنهزم أنه مسخط ربه وموبق نفسه وفي الفرار موجدة الله عليه والذل لازم عليه ومفسدة العيش عليه وإن الفار لا يزيد الفرار في عمره ولا يرضي ربه لموت الرجل محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا

بالتلبيس بها والاصرار عليها.

قال نصر: فحمل أبو كعب الخثعمي رأس خثعم العراق على خثعم الشام واقتتلوا أشد قتال فجعل أبو كعب يقول لأصحابه: يا معشر خثعم خذموا أي اضربوا الخذمة وهي الخلخال يعني اضربوهم في سوقهم.

فحمل شمر بن عبد الله على أبي كعب فطعنه فقتله ثم انصرف يبكي ويقول: رحمك الله أبا كعب لقد قتلتك في طاعة قوم أنت أمس إلي رحما وأحب إلي منهم نفسا ولكني والله لا أدري ما أقول ولا أرى الشيطان إلا قد فتننا ولا أرى قريشا إلا قد لعبت بنا.

فوثب كعب بن أبي كعب إلى راية أبيه فأخذها ففقئت عينه وصرع ثم أخذها شريح بن مالك فقاتل القوم تحتها حتى صرع منهم حول رايتهم نحو ثمانين رجلا وأصيب من خثعم الشام مثل ذلك ثم ردها شريح إلى كعب بن أبي كعب.

412 - وقال [نصر: وحدثنا عمرو، قال: حدثنا عبد السلام بن عبد الله بن جابر]: ان راية بجيلة في صفين مع أهل العراق كانت في أحمس مع أبي

شداد فقالت له بجيلة خذ رايتنا قال: غيري خير لكم مني قالوا: لا نريد غيرك قال : فوالله لئن أعطيتها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب الذي هو قائم على رأس معاوية يستره من الشمس فقالوا: اصنع ما شئت فأخذها ثم زحف بها وهم حوله يضربون الناس بأسيافهم حتى انتهى إلى صاحب الترس المذهب وهو في خيل عظيمة من أصحاب معاوية فاقتتل الناس هناك قتالا شديدا وشد أبو شداد بسيفه نحو صاحب الترس فتعرض له رومي فضرب قدم أبي شداد فقطعها وضرب أبو شداد ذلك الرومي فقتله فأشرعت إليه الأسنة فقتل.

فأخذ الراية عبد الله بن قلع الأحمسي وقاتل حتى قتل فأخذها أخوه عبد الرحمن فقاتل حتى قتل ثم أخذها عفيف بن أياس فلم يزل بيده حتى تحاجز الناس فحمل غطفان العراق على غطفان الشام وقتل منهما كثير وكذا أزد العراق على أزد الشام وكذا كل قبيلة على من بإزائهم.

413 - قال نصر: وروى عمر بن سعد عن الحارث بن حصيرة عن أشياخ النمر أن عتبة بن جوبة قال يوم صفين: إن مرعى الدنيا قد أصبح هشيما وأصبح شجرها حصيدا وحديدها سملا وحلوها مر المذاق.

ألا وإني أنبئكم نبأ امرئ صادق أني سئمت الدنيا وعزفت نفسي عنها وقد كنت أتمنى الشهادة وأتعرض لها في كل حين فأبى الله إلا أن يبلغني هذا اليوم ألا وأني متعرض ساعتي هذه لها وقد طمعت أن لا أحرمها.

فما تنتظرون عباد الله من جهاد أعداء الله أخوف الموت القادم عليكم الذاهب بأنفسكم لا محالة؟ أو من ضربة كف أو حس بالسيف أتستبدلون الدنيا بالنظر إلى وجه الله عز وجل ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار القرار ما هذا بالرأي السديد.

ثم قال: يا إخوتاه إني قد بعت هذه الدار بالدار التي أمامها وهذا وجهي إليه لا يبرح الله وجوهكم ولا يقطع الله أرحامكم.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.