پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب الإجازات PageV102P191

2 باب في ايراد إجازات علماء أصحابنا رضوان

ج ۱۰۶، ص ۱۰۴–۱۴۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱۵ از ۲۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۱۰۲

وبهذا الاسناد إلى ورام بن أبي فراس يروي الصحيفة الكاملة من كلام الامام المعصوم ذي الثفنات سيد الأوتاد زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام بحق قرائتي لها على الامام الاجل عبد الله بن جعفر بن محمد الدوريستي، عن السيد الإمام ضياء الدين أبي الرضا فضل الله بن علي الحسني الراوندي، عن مكي بن أحمد المخاطي، عن أبي نصر محمد بن علي بن الحسين بن شجيل بن الصفار، عن أبي الحسن مهلهل بن عبد العزيز بن عبد العزيز بن عبد الله الخوارزمي، عن أبيه، عن أبي جعفر أحمد بن الفياض بن منصور بن زياد البابي، عن علي بن حماد بن العلاء، عن عمر ابن المتوكل البلخي، عن أبيه المتوكل بن مروان، عن الامام المعصوم الصادق جعفر ابن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

ولنذكر حديثا مسندا إلى النبي صلى الله عليه وآله تيمنا وتبركا فنقول:

روينا بالاسناد إلى الامام جمال الدين الحسن بن المطهر عن والده سديد الدين عن ابن نما، عن محمد بن إدريس، عن عربي بن مسافر العبادي، عن إلياس بن هشام الحايري، عن أبي علي المفيد، عن والده أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، عن الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، عن أبي جعفر محمد بن بابويه الصدوق، عن الشيخ أبي عبد الله الحسن بن محمد الرازي قال: حدثنا علي بن مهرويه القزويني، عن داود بن سليمان القاري، عن الامام المرتضى أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه الإمام الكاظم ، عن أبيه الإمام الصادق، عن أبيه الإمام الباقر، عن أبيه الإمام زين العابدين

عن أبيه الامام الشهيد أبي عبد الله الحسين، عن أبيه سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها زج في النار.

وأما مصنفات العامة فانا نرويها بالاسناد إلى الشيخ السعيد أبي عبد الله الشهيد محمد بن مكي وله إليها طرق عدة خصوصا إلى صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند أبي داود وجامع الترمذي ومسند أحمد وموطأ مالك ومسند الدار القطني ومسند ابن ماجة والمستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبد الله النيسابوري لا نطيل بذكرها.

ويروى الشاطبية بحق القراءة على قاضي القضاة بمصر برهان الدين بن جماعة عن جده بدر الدين، عن ابن قاري مصحف الذهب، عن الشاطبي الناظم وبحق قرائته لها على الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الله البغدادي، وهو يرويها عن الجزائري، عن الشيخ كمال الدين العباسي، عن الناظم.

ويروي كتاب نهج البلاغة الذي هو من معجزات الامام المفترض الطاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالاسناد إلى الشيخ الشهيد عن جماعة منهم الشيخ رضي الدين المزيدي، عن شيخه الامام فخر الدين بن البوقي بسنده المشهور.

وبالاسناد عن الامام الشهيد السعيد محمد بن مكي كتاب الكشاف لجار الله العلامة أبي القاسم محمود الزمخشري، عن جماعة منهم الشيخ عز الدين بن عبد العزيز بن جماعة، عن ابن عساكر الدمشقي، عن أبيه المؤيد عن الزمخشري.

ونروي مجمع البيان في تفسير القرآن للامام الأفضل الأكمل أمين الدين أبي الفضل الطبرسي وهو كتاب لم يعمل مثله في التفسير بالاسناد إلى الشيخ الشهيد، عن الشيخ فخر الدين والسيد عميد الدين بن الأعرج الحسيني، عن الشيخ جمال الدين ابن المطهر بسنده إليه.

ولقد أبرزت في هذه الكتابة ما لعلة كان كافيا وافيا باستخراج المفصل، وهو

حفظه الله تعالى أورع وأكمل أن أشترط عليه ما اشترط على أشياخي الذين عاصرتهم، وحضرت دروسهم، واستفدت من أنفاسهم، واقتبست من نور علومهم، رضوان الله عليهم أجمعين ما قرره علماء دراية الرواية، والحمد لله رب العالمين، صلى الله على سيدنا محمد و آله الطاهرين.

وكتب الفقير إلى عفو الله تعالى محمد بن أحمد بن نعمة الله بن خاتون العاملي بمكة المشرفة سنة 1008 في يوم الجمعة رابع عشر محرم الحرام حامدا مصليا مسلما مستغفرا.

26.

فائدة في ذكر أسامي جماعة من العلماء ملتقطة من كتاب سلافة العصر لمحاسن أعيان علماء العصر، تأليف السيد علي خان بن ميرزا أحمد بن امراء الهند وهو إلى الان في الحياة ومقيم ببلاد الهند.

الشيخ العلامة بهاء الدين محمد بن حسين بن عبد الصمد العاملي الحارثي الهمداني علم الأئمة الاعلام وسيد علماء الاسلام وبحر العلم المتلاطمة بالفضائل أمواجه، وفحل الفضل الناتجة لديه أفراده وأزواجه، وطود المعارف الراسخ، وفضاؤها الذي لا تحد له فراسخ، وجوادها الذي لا يؤمل له لحاق، وبدرها الذي لا يعتريه محاق الرحلة الذي ضربت إليه أكباد الإبل، والقبلة التي فطر كل قلب على حبها وجبل.

فهو علامة البشر ومجدد دين الأمة على رأس القرن الحادي عشر، إليه انتهت رياسة المذهب والملة، وبه قامت قواطع البراهين والأدلة، جمع فنون العلم فانعقد عليه الاجماع، وتفرد بصنوف الفضل فبهر النواظر والاسماع، فما من فن إلا وله فيه القدح المعلى، والمورد العذب المحلى، إن قال لم يدع قولا لقائل، أو طال لم يأت غيره بطائل، وما مثله ومن تقدمه من الأفاضل والأعيان، إلا كالملة المحمدية المتأخرة عن الملل والأديان: جاءت آخرا ففاقت مفاخر، وكل وصف قلت في غيره فإنه تجربة الخاطر.

مولده بعلبك عند غروب الشمس يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقين من ذي الحجة الحرام سنة ثلاث وخمسين وتسع مائة، وانتقل به والده وهو صغير إلى الديار العجمية فنشأ في حجرة بتلك الأقطار المحمية، وأخذ عن والده وغيره من الجهابذ حتى أذعن له كل مناضل ومنابذ.

فلما اشتد كاهله وصفت له من العلم مناهله، ولي بها شيخ الاسلام، وفوضت

إليه أمور الشريعة على صاحبها الصلاة والسلام.

ثم رغب في الفقر والسياحة، واستهب من مهاب التوفيق رياحه، فترك تلك المناصب، ومال لما هو لحاله مناسب، فقصد حج بيت الله الحرام، وزيارة النبي و أهل بيته الكرام، عليهم أفضل الصلاة والتحية والسلام.

ثم أخذ في السياحة فساح ثلاثين سنة، وأوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة واجتمع في أثناء ذلك بكثير من أرباب الفضل والحال، ونال من فيض صحبتهم ما تعذر على غيره واستحال.

ثم عاد وقطن بأرض العجم، وهناك همي غيث فضله وانسجم، فألف وصنف وقرط المسامع وشنف، وقصدته علماء الأمصار، واتفقت على فضله الاسماع والابصار، وغالت تلك الدولة في قيمته، واستمطرت غيث الفضل من ديمته، فوضعته في مفرقها تاجا، وأطلعته في مشرقها سراجا وهاجا، وتبسمت به دولة سلطانها الشاه عباس، واستنارت بشموس آرائه عند اعتكار حنادس الباس، فكان لا يفارقه سفرا و حضرا، ولا يعدل عنه سماعا ونظرا، إلى أخلاق لو مزج بها البحر لعذب طمعا، وآراء لو كحلت به الجفون لم يلف أعمى، وشيم هي في المكارم غرر وأوضاح، وكرم بارق جوده لشائمه لامع وضاح، تتفجر ينابيع السماح من نواله، ويضحك ربيع الافضال من بكاء عيون أمواله.

وكانت له دار مشيدة البناء، رحيبة الفناء، يلجأ إليها الأيتام والأرامل، و يفد عليها الراجي والآمل، فكم مهد بها وضع، وكم طفل بها رضع، وهو يقم بنفقتهم بكرة وعشيا، ويوسعهم من جاهه جنابا مغشيا، مع تمسكه من التقى بالعروة الوثقى، وايثار الآخرة على الدنيا، والآخرة خير وأبقى.

ولم يزل آنفا من الانحياش إلى السلطان، راغبا في الغربة عازفا عن الأوطان يؤمل العود إلى السياحة، ويرجو الاقلاع عن تلك الساحة، فلم يقدر له حتى وافاه حمامه، وترنم عل أفنان الجنان حمامه.

وأخبرني بعض ثقات الأصحاب أن الشيخ - ره - قصد قبيل وفاته زيارة

المقابر، في جميع من الاجلاء الأكابر، فما استقر بهم الجلوس حتى قال لمن معه:

إني سمعت شيئا فهل منكم من سمعه؟ فأنكروا سؤاله، واستغربوا مقاله، وسألوه عما سمعه فأوهم، وعمي في جوابه وأبهم، ثم رجع إلى داره فأغلق بابه ولم يلبث أن اهاب به داعي الردي فأجابه.

وكانت وفاته لاثنتي عشرة خلون من شوال المبارك سنة إحدى وثلاثين وألف بإصبهان، ونقل قبل دفنه إلى طوس فدفن بها في داره قريبا من الحضرة الرضوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والتحية.

ومن مصنفاته التفسير المسمى بالعروة الوثقى، والتفسير المسمى بعين الحياة، والحبل المتين، ومشرق الشمسين، وشرح الأربعين، والجامع العباسي فارسي ومفتاح الفلاح، والزبدة في الأصول، والرسالة الهلالية، والاثنى عشريات الخمس، وخلاصة الحساب، والمخلاة، والكشكول، وتشريح الأفلاك، والرسالة الاصطرلابية، وحواشي الكشاف، وحاشية على البيضاوي، وحاشية على خلاصة الرجال، ودراية الحديث، والفوائد الصمدية في علم العربية، والتهذيب في النحو وحاشية الفقيه وغير ذلك من الرسائل المختصرة والفوائد المحررة.

واما أدبه فالروض المتارج أنفاسه، المتضوع بنثره ونظمه ورده وآسه، المستعذب قطافه وجناه، والمستظرف لفظه ومعناه، وها أنا مثبت من غرره ما هو مصداق " خلق الانسان علمه البيان " ومورد من درره ما يزدري بأطواق الذهب وقلائد العقيان، فمن نثره هذه الرسالة الغريبة لفظا ومعنى، البديعة ربعا ومغنى وهي: المعاني تسافر من مدينة القلب الانساني، إلى قرية الإقليم اللساني، فتلبس هناك ملابس الحروف، وتتوجه تلقاء مدين الاعلام من الطريق المعروف ، وسيرها على نوعين إما كسليمان عليه السلام فتسير على التموجات الهوائية بأفواه المتكلمين و لهوات المترنمين إلى أمصار صماخ السامعين، وإما كالخضر عليه السلام في ظلمات المداد، لابسة للسواد، فتسير في مراحل أنامل الكاتبين إلى مداد عين الناظرين، وإذا وصلت بالسير الأول إلى سباء بلقيس السامعة، وانتهت بالسير الثاني إلى عين حياة الباصرة، عطفت

عنان التوجه من عوالم الظهور والانجلاء، بنية العود إلى مكامن الكمون والخفاء، حتى إذا نزلت في محروسات آذان السامعين، وحلت في مأنوسات مشاعر الناظرين، نزعت ملابسها الحرفية، فتجردت عن ملابسها الهيولانية، وسكنت في مواطنها القلبية ورجعت بعد قطع تلك المسالك إلى ما كانت عليه قبل ذلك، " كما بدأكم تعودون " وإلى ما كنتم عليه تؤوبون:

انزل مقامك فهو أول موطن * سافرت منه إلى جهات العالم ومنه قوله سانحة قد تهب من عالم القدس، نفحة من نفحات الانس، على قلوب أصحاب العلائق الدنية، والعوائق الدنيوية، فتقطر بذلك مشام أرواحهم، وتجري روح الحقيقة في رميم أشباحهم، فيدركون قبح الانغماس في الأدناس الجسمانية، ويذعنون بخساسة الانتكاس في مهاوي القيود الهيولانية، فيميلون إلى سلوك مسالك الرشاد، ويتنبهون من نوم الغفلة عن المبدء والمعاد.

لكن هذا التنبه سريع الزوال، وحي الاضمحلال، فيا ليته يبقى إلى حصول جذبة إلهية تميط عنهم أدناس عالم الزور، وتطهرهم من أرجاس دار الغرور.

ثم إنهم عند زوال تلك النفحة القدسية، وانقضاء هاتيك النسمة الانسية، يعودون إلى الانتكاس في تلك الأدناس، فيتأسفون على ذلك الحال الرفيع المنال، و ينادي لسان حالهم بهذا المقال، إن كانوا من أصحاب الكمال:

تيري زدى وزخم دل آسوده شد ازآن * هان أي طبيب خسته دلان مرهم دگر وقوله سانحة قد جرى ذكرى يوما من الأيام في بعض المجالس العالية، والمحافل السامية فبلغني أن بعض الحضار، ممن يدعى الوفاق وعادته النفاق، ويظهر الوداد ودأبه العناد، جرى في مضمار البغي والعدوان، وأطلق لسانه في الغيبة، والبهتان، ونسب إلى من العيوب ما لم تزل فيه، ونسي قوله تعالى " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ".

فلما علم أني علمت بذلك ووقفت على سلوكه في تلك المسالك، كتب إلى رقعة طويل الذيل، مشحونة بالندم والويل، ويطلب فيها الرضا، ويلتمس الاغماض عما مضى.

فكتبت إليه في الجواب: " جزاك الله خيرا فيما أهديت إلى من الثواب، و ثقلت به ميزان حسناتي يوم الحساب، فقد روينا عن سيد البشر والشفيع المشفع في المحشر، أنه قال: " يجاء بالعبد يوم القيامة فيوضع حسناته في كفة وسيئاته في كفة فترجح السيئات، فتجئ بطاقة فتقع في كفة الحسنات فترجح بها، فيقول:

يا رب ما هذه البطاقة؟ فيقول عز وجل: هذا ما قيل فيك وأنت منه برئ ".

فهذا الحديث قد أوجب بمنطوقه على، أن أشكر ما أسديته من النعم إلى، فكثر الله خيرك وأجزل ميرك، مع إني لو فرضت أنك شافهتني بالسفاهة والبهتان، وواجهتني بالوقاحة والعدوان، ولم تزل مصرا على إشاعة شناعتك ليلا ونهارا، مقيما على سوء صناعتك سرا وجهارا ما كنت أقابلك إلا بالصفح والصفا، ولا أعاملك إلا بالمودة والوفاء، فان ذلك من أحسن العادات، وأتم السعادات، وإن بقية مدة الحياة أعز من أن تصرف في غير تدارك ما فات، وتتمة هذا العمر القصير لا تسع مؤاخذة أحد على التقصير.

السيد نور الدين علي بن أبي الحسن الحسيني الشامي العاملي.

طود العلم المنيف، وعضد الدين الحنيف، ومالك أزمة التأليف والتصنيف، الباهر بالرواية والدراية، والرافع لخميس المكارم أعظم راية، فضل يعثر في مداه

مقتفيه، ومحل يتمنى البدر لو أشرق فيه، وكرم يخجل المزن الهاطل، وشيم يتحلى بها جيد الزمن العاطل، وصيت حل من حسن السمعة بين السحر والنحر:

فسار مسير الشمس في كل بلدة * وهب هبوب الريح في البر والبحر حتى كان رائد المجد لم ينتجع سوى جنابه، ويريد الفضل لم يقعقع سوى حلقة بابه.

وكان له في مبدء أمره بالشام، مجال لا يكذبه بارق العز إذا شام، بين اعزاز و تمكين، ومكان في جانب صاحبها مكين، ثم انثنى عاطفا عنانه وثانيه، فقطن بمكة

شرفها الله تعالى وهو كعبتها الثانية، تستلم أركانه كما تستلم أركان البيت العتيق، و وتستسنم أخلاقه كما يستسنم المسك الفتيق، يعتقد الحجيج قصده من غفران الخطايا وينشد بحضرته تمام الحج أن تقف المطايا.

ولقد رأيته بها وقد أناف على التسعين، والناس تستعين به ولا يستعين، والنور يسطع من أسارير جبهته، والعز يرتع في ميادين جلهته، ولم يزل بها إلى أن دعى فأجاب، وكأنه الغمام أمرع البلاد فانجاب، وكان وفاته لثلاث عشرة بقين من ذي الحجة الحرام سنة ثمان وستين وألف - ره -.

الشيخ حسن بن الشيخ زين الدين الشهيد الشامي العاملي.

شيخ المشايخ الجلة ورئيس المذهب والملة، الواضح الطريق والسنن، والموضح الفروض والسنن، يم العلم الذي يفيد ويفيض، وجم الفضل الذي لا ينضب ولا يغيض المحقق الذي لا يراع له يراع، والمدقق الذي راق فضله وراع، المتفنن في جميع الفنون، والمفتخر به الآباء والبنون، قام مقام والده في تمهيد قواعد الشرايع وشرح الصدور بتصنيفه الرائق وتأليفه الرائع، فنشر للفضائل حللا مطرزة الأكمام، وماط عن مباسم أزهار العلوم لثام الأكمام، وشنف المسامع بفرائد الفوائد، وعاد على الطلاب بالصلات والعوائد.

وأما الأدب فهو روضه الأريض، ومالك زمام السجع منه والقريض، والناظم لقلائده وعقوده، والمميز عروضه من نقوده، وسأثبت منه ما يزدهيك إحسانه، و تطيبك خرائده وحسانه، وأخبرني من أثق به أن والده السعيد لما ناداه داعي الاجل على يد الشقي العنيد، فألقى السمع وهو شهيد، كان للشيخ المذكور من العمر اثنتي عشرة سنة، وذلك في سنة خمس وستين وتسعمائة، وتوفي - ره - سنة إحدى عشرة وألف.

ومن مصنفاته كتاب منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان، وكتاب المعالم، والاثنى عشرية، ومنسك الحج، وغير ذلك.

سبط الشيخ زين الدين الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن زين الدين الشامي العاملي.

زين الأئمة، وفاضل الأمة، وملث غمام الفضل وكاشف الغمة، شرح الله صدره للعلوم شرحا وبنى له من رفيع الذكر في الدارين صرحا، إلى زهد أسس بنيانه على التقوى، وصلاح أهيل به ربعه فما أقوى، وآداب تحمر خدود الورود من أنفاسها خجلا، وشيم أوضح بها غوامض مكارم الأخلاق وجلا.

رأيته بمكة شرفها الله تعالى، والفلاح يشرق من محياه، وطيب الاعراق يفوح من نشر رياه، وما طالت مجاورته بها حتى وافاه الاجل، وانتقل من جوار حرم الله إلى جوار الله عز وجل، فتوفي سنة اثنتين وستين وألف رحمه الله.

* الشيخ محمد بن علي بن أحمد الحرفوشي الحريري الشامي العاملي.

منار العلم السامي، وملتزم كعبة الفضل وركنها الشامي، ومشكاة الفضائل ومصباحها المنير به مساؤها وصباحها، خاتمة أئمة العربية شرقا وغربا والمرهف من كهام

الكلام شبا وغربا، ماط عن المشكلات نقابها وذلل صعابها، وملك رقابها، وحلل للعقول عقالها، وأوضح للفهوم قيلها وقالها، فتدفق بحر فوائده وفاض، وملاء بفرائده الوطاب والوفاض، وألف بتأليفه شتات الفنون، وصنف بتصانيفه الدر المكنون.

إلى زهد فاق به خشوعا وأخباتا، ووقار لا توازيه الرواسي ثباتا، وتأله ليس لابن أدهم غرره وأوضاحه، وتقدس ليس للسرى سره وإيضاحه، وهو شيخ شيوخنا الذي عادت علينا بركات أنفاسه، واستضأنا بواسطة من ضياء نبراسه، وكان قد انتقل من الشام إلى ديار العجم، وقطن بها إلى أن وفد عليه المنون وهجم، فتوفي بها في شهر ربيع الثاني سنة تسع وخمسين وألف.

ومن مصنفاته شرح الزبدة في الأصول، واللئالي السنية في شرح الأجرومية وشرح التهذيب في النحو، وشرح شرح الفاكهي على القطر، وشرح شرح الكافيجي على قواعد ابن هشام، والمختلف في النحو، وطرائف النظام ولطائف الانسجام في

محاسن الاشعار، وغير ذلك، وله الأدب الذي أينعت ثمار رياضه، وتبسمت أزهار حدائقه وغياضه، فحلا جناها لأذواق الافهام، وانتشق عرفها كل ذي فهم فهام شيخنا العلامة محمد بن علي بن محمود بن يوسف بن محمد بن إبراهيم الشامي العاملي.

البحر الغطمطم الزخار، والبدر المشرق في سماء المجد بسناء الفخار، الهمام البعيد الهمة، المجلوة بأنوار علومه ظلم الجهل المدلهمة، اللابس من مطارف الكمال أطرف حلة، والحال من منازل الجلال في أشرف حلة، فضل تغلغل في شعاب العلم زلاله، وتسلسل حديث قديمه فطاب لراويه عذبه وسلساله، ومحل رقى من أوج الشرف أبعد مراقيه، وحل من شخص المعالي بين جوانحه وتراقيه.

شاد مدارس العلوم بعد دروسها، وسقى بصيب فضله حدائق غروسها، وأنعش جدودها من عثارها وأخذ من أحزاب الجهل بثأرها، ففوائده في سماء الإفادة أقمار ونجوم، وشهب لشياطين الإنس والجن رجوم، إن نطق صفد المعاني عن أمم، و أسمعت كلماته من به صمم، وإن كتب، كبت الحساد عن كثب، فجاء بما شاء على الاقتراح وترك أكباد أعدائه دامية الجراح.

ومتى احتبى مفيدا في صدر ناديه، وجثت بين يديه طلاب فوائده وأياديه، رأيت دماء العلم تقذف درر المعارف غواربه، وقمر الفضل أشرقت بيضاء عوارفه مشارقه ومغاربه: فيملا أصداف الاسماع درا فاخرا، ويبهر الابصار والبصائر محاسن ومفاخرا.

وأما الأدب فعليه مداره، وإليه إيراده وإصداره، ينشر منه ما هو أذكى من النشر في خلال النواسم، بل أحلى من الظلم يترقرق في ثنايا المباسم، وما الدر النظيم إلا ما انتظم من جواهر كلامه، ولا السحر العظيم إلا ما نفثت به سواحر أقلامه، و أقسم أني لم أسمع بعد شعر مهيار والرضي، أحسن من شعره المشرق الوضي، إن ذكرت الرقة فهو سوق رقيقها، أو الجزالة فهو سفح عقيقها، أو الانسجام فهو غيثه الصيب أو السهولة فهو نهجها الذي تنكبه أبو الطيب، وسأثبت منه ما يقوم ببينة هذه الدعوى، وتهوى إليه أفئدة أولى الألباب وتهوى، وإن صدف عن هذا المذهب ذاهب، فللناس فيما يعشقون مذاهب، وها أنا أعتذر إليه من الايجاز في الثناء عليه فما سطرته لمحة مما له أقفوه:

ويا عجبا مني أحاول وصفه * وقد فنيت فيه القراطيس والصحف وله على من الحقوق الواجب شكرها، ما يكل شبا يراعتي وبراعتي ذكرها وهو شيخي الذي أخذت عنه في بدء حالي، وأنضيت إلى موائد فرائده يعملات رحالي، واشتغلت عليه فاشتغل بي، وكان دأبه تأديب أدبي، ووهبني من فضله ما لا يضيع، وحنا على حنو الظئر على الرضيع، ففرش لي حجر علومه، وألقمني ثدي معلومه، حتى شحذ من طبعي مرهفا، وبرى من نبعي مثقفا، فما يسفح به قلمي إنما هو من فيض بحاره، وما ينفح به كلمي إنما هو من نسيم أسحاره.

ومن منائح مولانا مدايحه * لان من زنده قدحي وإيرائي هذا ولو جعلت أنبوبة القلم سادسة خمسي، وأفرغت في بياض الأرقام سواد نفسي، ورمت القيام له بأداء شكره، لاستهدفت لملام التقصير ونكره، فأنا أتوسل إلى رب الثواب والجزاء، أن يجعل نصيبه من رضوانه أوفى الأنصباء والاجزاء.

وأما خبر ظهوره من الشام وخروجه، وتنقله في البلاد تنقل القمر في بروجه فإنه هاجر إلى الديار العجمية بعد إبدار هلاله، وانسجام وسمى فضله وانهلاله، فأقام بها برهة من الدهر، محمود السيرة والسريرة في السر والجهر، عاكفا على بث العلم

ونشره مؤرجا الارجاء بطيبه ونشره.

ولما تلت الألسن سور أوصافه، واجتلت الاسماع صور اتسامه بالفضل واتصافه استدعاه أعظم وزراء مولانا السلطان إلى حضرته، وأحله من كنفه في بهجة العيش ونضرته، ثم رغب الوالد في انحيازه إلى جنابه، فاتصل به المحبوب بعد اجتنابه، فأقبل عليه إقبال الوامق الودود، وأظله بسرادق جاهه الممدود، فانتظم في سلك ندمائه، وطلع عطاردا في نجم سمائه، حتى قصد الحج فحج، وقضى مناسكه العج والثج، وأقام بمكة سنتين ثم عاد، فاستقبله ثانيا بالاسعاف والاسعاد.

وكنت قد رأيته حال عوده ببندر المخا، ثم رأيته بحضرة الوالد وبينهما من المودة ما يربي على الإخاء، فأمرنا بالاشتغال عليه، والاكتساب مما لديه، فقرأت عليه الفقه والنحو والبيان والحساب، وتخرجت عليه في النظم والنثر وفنون الآداب وما زال يشنف آذاني بفرائده، ويملا أرداني بفوائده، حتى حسدنا عليه الدهر الحسود، وجرى على سجيته في تبديل الأيام البيض بالليالي السود، فقضى الله علينا بفراقه، لأمور أوجبت نكس الامل بعد إفراقه، وهو اليوم يتحلى بفضل تشد إليه الرحال، ويتحلى بأدب يروى به الامحال، وينيف برتبة يقصر عنها كل متطاول وترجع أيدي الناس دون منالها * وأين الثريا من يد المتناول الشيخ حسين بن شهاب الدين بن حسين بن محمد بن حسين بن جاندار الشامي الكركي العاملي.

طودرسي في مقر العلم ورسخ، ونسخ خطة الجهل بما خط ونسخ، علا به من حديث الفضل إسناده، وأقوى به من الأدب إقواؤه وسناده ، رأيته فرأيت منه فردا في الفضائل وحيدا، وكاملا لا يجد الكمال عنه محيدا، تحل له الحبي وتعقد عليه

الخناصر، أو في علي من قبله وبفضله اعترف المعاصر، يستوعب قماطر العلم حفظا بين مقروء ومسموع، ويجمع شوارد الفضل جمعا هو في الحقيقة منتهى الجموع، حتى لم ير مثله في الجد على نشر العلم وإحياء مواته، وحرصه على جمع أسبابه وتحصيل أدواته.

كتب بخطه ما يكل لسان القلم عن ضبطه، واشتغل بعمل الطب في أواخر عمره، فتحكم في الأرواح والأجساد بنهيه وأمره، غير أنه كان فيه كثير الدعوى، قليل العائدة والجدوى، لا تزال سهام آرائه فيه طائشة عن الغرض، وإن أصابت فلا تخطي نفوس أولى المرض، فكم عليل ذهب ولم يلف لديه فرج، فأنشد: أنا القتيل بلا إثم ولا حرج.

الناس يلحون الطبيب وإنما * غلط الطبيب إصابة المقدور

ومع ذلك فقد طوى أديمه من الأدب على أغزر ديمه، ومتى انقهقت لهات قاله بالشعر، أرخص من عقود اللئالي كل غالي السعر، إلى ظرف شيم وشمائل، تطيب بأنفاسها الصبا والشمائل، وإلمام بنوادر المجون، يحلى به حديثه والحديث شجون.

ولم يزل ينتقل في البلاد ويتقلب حتى قدم على الوالد قدوم أخي العرب على آل المهلب، وذلك في سنة أربع وسبعين، فأحله الوالد لديه، محلا عقد فيه نواصي الآمال بين يديه، وأمطره سحايب جوده وكرمه، ورد شباب أمله بعد هرمه، فأقام بحضرته بين خير وخير، وتقدم ما شان شأنه تأخير، حتى خوى من أفق الحياة طالعه، وأدرجت بأفول عمره مطالعه، فتوفي يوم الاثنين لاحدى عشرة بقيت من صفر سنة ست وسبعين وألف عن أربع وستين سنة تقريبا - ره -.

ومن مصنفاته شرح نهج البلاغة، وعقود الدرر في حل أبيات المطول والمختصر وهداية الأبرار في أصول الدين، ومختصر الأغاني، والاسعاف وغير ذلك.

الشيخ محمد بن الحسن بن علي بن محمد الحر الشامي العاملي.

علم علم لا تباريه الاعلام، وهضبة فضل لا يفصح عن وصفها الكلام، أرجت أنفاس فوائده أرجاء الأقطار، وأحيت كل أرض نزلت بها فكأنها لبقاع الأرض أمطار، تصانيفه في جبهات الأيام غرر، وكلماته في عقود السطور درر، وهو الان قاطن بأرض العجم، ينشد لسان حاله:

أنا ابن الذي لم يخزني في حياته * ولم أخزه لما تغيب في الرجم ويحيى بفضله مآثر أسلافه، وينتشي مصطبحا ومغتبقا برحيق الأدب وسلافه.

الشيخ محمد بن علي الحر الأديب الشامي العامي.

حر رقيق الشعر عتيق سلافة الأدب، ينتدب له عصى الكلام طائعا إذا دعاه وندب، له شعر يستلب نهى العقول بسحره، ويحل من البيان بين سحره ونحره، فهو أرق من خصر هيفاء مجدولة وأدق، وأصفى من صهباء بشعشعها أغن ذو مقلة مكحولة الحدق.

* الأمير محمد باقر بن محمد الشهير بالداماد الحسيني.

طراز العصابة، وجواز الفضل وسهم الإصابة، الرافع بأحاسن الصفا أعلامه، فسيد وسند وعلم وعلامة، إكليل جبين الشرف وقلادة جيده، الناطقة ألسن الدهور بتعظيمه وتمجيده، باقر العلم ونحريره، الشاهد بفضله تقريره وتحريره، ووالله إن الزمان بمثله لعقيم، وإن مكارمه لا يتسع لبثها صدر رقيم، وأنا برئ من المبالغة في هذا المقال، وبر قسمي يشهد به كل وامق وقال:

وإذا خفيت على الغبي فعاذر * أن لا تراني مقلة عمياء إن عدت الفنون فهو منارها الذي يهتدى به، أو الآداب فهو موئلها الذي

يتعلق بأهدابه، أو الكرم فهو بحره المستعذب النهل والعلل، أو الشيم فهو حميدها الذي يدب منه نسيم البرء في العلل، أو السياسة فهو أميرها الذي تجم منه الأسود في الأجم، أو الرياسة فهو كبيرها الذي هاب تسلطه سلطان العجم.

وكان الشاه عباس أضمر له السوء مرارا، وأمر حبل غيلته إمرارا، خوفا من خروجه عليه، وفرقا من توجه قلوب الناس إليه، فحال دونه ذو القوة والحول، وأبى إلا أن يتم عليه المنة والطول.

ولم يزل موفور العز والجاه، سالكا سبيل الفوز والنجاة، حتى استأثر به ذو المنة، وتلايا: يا أيتها النفس المطمئنة، فتوفي في سنة إحدى وأربعين و ألف - ره -.

ومن مصنفاته في الحكمة القبسات، والصراط المستقيم والحبل المتين، وفي الفقه شارع النجاة، وله حواش على الكافي والفقيه والصحيفة الكاملة وغير ذلك ومن إنشائه البديع الأسلوب، الاخذ بمجامع القلوب، ما كتبه إلى الشيخ بهاء الدين محمد مراجعا رحمهما الله تعالى.

لقد هبت ريح الانس، من سمت القدس، فأتتني بصحيفة منيفة كأنها بفيوضها بروق العقل بوموضها، وكأنها بمطاويها، أطباق الأفلاك بدراريها، وكأن أرقامها باحكامها، أطباق الملك والملكوت بنظامها، وكأن ألفاظها برطوباتها، أنهار العلوم بعذوباتها، وكأن معانيها بأفواجها، بحار الحق بأمواجها.

وأيم الله إن طباعها من تنعيم، وإن مزاجها من تسنيم، وإن نسيمها لمن جنان الومضوت، وإن رحيقها لمن دنان الملكوت، فاستقبلتها القوى الروحية، و برزت إليها القوة العقلية، ومدت إليها قطنة صوامع السر أعناقها من كوى الحواس وروازن المدارك وشبابيك المشاعر، وكادت حمامة النفس تطير من وكرها شعفا واهتزازا، وتستطار إلى عالمها شوقا وهزازا، ولعمري قد ترويت، ولكني لفرط ظمائي ما ارتويت:

شربت الحب كأسا بعد كأس * فما نفد الشراب ولا رويت

فلا زالت مراحمكم الجلية، مدركة للطالبين، بأضواء الأعطاف العلية، و مروية للظامئين بجرع الأعطاف الخفية والجلية.

ثم إن صورة مراتب الشوق والاخلاص التي هي وراء ما يتناهى بما لا يتناهى، أظنها هي المنطبعة كما هي عليها، في خاطركم الأقدس الأنور الذي هو لأسرار عوالم الوجود كمرآة مجلوة، ولغوامض أفانين العلوم ومعضلاتها كمصفاة مطحوة.

وإنكم لأنتم بمزيد فضلكم المؤملون لا مرار المخلص على حواشي الضمير، المقدس المستنير، عند صوالح الدعوات السانحات في مئنة الاستجابة، ومظنة الإجابة بسط الله ظلالكم، وخلد مجدكم وجلاكم، والسلام على جنابكم الا رفع الأبهى، وعلى من يلوذ ببابكم الا رفع الأسمى، ويعكف بفنائكم الأوسع الأسنى، ورحمة الله وبركاته أبدا سرمدا.

ومن غريب رسائله رسالته الخلعية، وهي مما يدل على تأله سريرته، وتقدس سيرته، وصورتها:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد كله لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله الطاهرين، كنت ذات يوم من أيام شهرنا هذا، وقد كان يوم الجمعة سادس عشر شهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شعبان المكرم لعام ثلاث وعشرين وألف من هجرته المقدسة في بعض خلواتي، أذكر ربي في تضاعيف أذكاري وأورادي، باسمه الغني فأكرر " يا غني يا مغني " مشدوها بذلك عن كل شئ إلا عن التوغل في حريم سره، و الامتحاء في شعاع نوره، وكأن خاطفة قدسية قد ابتدرت إلى، فاجتذبتني من الوكر الجسماني، ففككت حلق شبكة الحس، وحللت عقد حبالة الطبيعة، وأخذت أطير بجناح الروع في جو ملكوت الحقيقة، وكأني قد خلعت بدني، ورفضت عدني ومقوت خلدي، ونضوت جسدي، وطويت إقليم الزمان وصرت إلى عالم الدهر.

فإذا أنا بمصر الوجود بجماجم أمم النظام الجملي من الابداعيات والتكوينيات والإلهيات والطبيعيات والقدسيات والهيولانيات والدهريات والزمنيات، وأقوام

الكفر والايمان، وأرهاط الجاهلية والاسلام، من الدارجين والدارجات، والغابرين والغابرات، والسالفين والسالفات، والعاقبين والعاقبات، في الآزال والآباد، وبالجملة آحاد مجامع الامكان، وذوات عوالم الأكوان بقضها وقضيضها، وصغيرها وكبيرها باثباتها وبابدائها حالياتها وإنياتها.

وإذ الجمع زفة زفة، وزمرة، زمرة، بحزبهم قاطعة معا، مولون وجوه مهياتهم شطر بابه سبحانه، شاخصون بأبصار إنياتهم تلقاء جنابه، جل سلطانه من حيث هم لا يعلمون، وهم جميعا بألسنة فقر ذواتهم الفاقرة، وألسن فاقة هوياتهم الهالكة، في ضجيج الضراعة وصراخ الابتهال، ذاكروه وداعوه ومستصرخوه ومنادوه بيا غني يا مغني، من حيث هم لا يشعرون.

فطفقت في تلك الضجة العقلية، والصرخة الغيبية، أخر مغشيا على، وكدت من شدة الوله والدهش أنسى جوهر ذاتي العاقلة، وأغيب عن بصر نفسي المجردة، وأهاجر ساهرة أرض الكون، وأخرج من صقع قطر الوجود رأسا، إذ قد ودعتني تلك الخلسة الخالسة شيقا حنونا إليها، وخلفتني تلك الخطفة الخاطفة تائقا لهوفا عليها، فرجعت إلى أرض التبار، وكورة البوار، وبقعة الزور، وقرية الغرور تارة أخرى.

هذا منتهى الرسالة المذكورة، والله سبحانه أعلم.

الميرزا إبراهيم بن ميرزا الهمداني.

برهان العلم القاطع، وقمر الفضل الساطع، ومنار الشريعة ومنير جمالها، ومحقق الحقيقة ومفصل إجمالها، وجامع شمل العلوم وناسق نظامها، ومعلى كلمة الحق ومضاعف اعظامها، المقتني نفائس جواهرها، والمجتني أزاهر بواطنها وظواهرها، ملك أعنة الفضائل وتصرف، وبين غوامض المسائل فأفهم وعرف، وأجرى ينابيع الحكمة وفجر،

وبكر إلى نيل الزلفى لدي ربه وهجر.

وزاد به الدين الحنيفي رفعة * وشاد دروس العلم بعد دروسها وأحيا موات العلم منه بهمة * يلوح على الاسلام نور شموسها إلى تأله وتنسك، وتعلق بأسباب العرفان وتمسك، وعفة وزهادة، وصلاح وطد به مهاده، وعمل زان به علمه، ووقار حلى به حلمه، وبلاغة وبراعة ثقف بهما لسانه ويراعه.

أخبرني غير واحد أن سلطان العجم الشاه عباس قصد يوما زيارة الشيخ بهاء الدين محمد فرأى بين يديه من الكتب ما ينوف على الألوف، فقال له السلطان: هل في العالم عالم يحفظ جميع ما في هذه الكتب؟ فقال: لا، وإن يكن فهو الميرزا إبراهيم، و ناهيك بها شهادة بفضله، واعترافا بسمو مقداره ونبله، وكانت وفاته سنة ست وعشرين وألف.

ومن إنشائه الذي بلغ من البلاغة الإرب، وعجزت عن الحوك على منواله مداره العرب، ما كتبه إلى الشيخ بهاء الدين المذكور وهو:

الاتحاد الحقيقي يقتضي سماحة توشيح مفتتح الخطاب، وترشيح مبتدء الكتاب بما استقر عليه العرف العام، واستمر عليه الرسم بين الأنام، من ذكر المحامد والألقاب، ونشر المزايا في كل باب، مع أن ذلك أمر كفت شهرته مؤنة التصدي لتحريره، وأغنى ارتكازه في الأذهان عن شرحه وتقريره.

فلو أطلقت عنان القلم في هذا المضمار، وأجريت فلك التبيان في ذلك البحر الزخار كنت كمن يصف الشمس بالضياء، ويثني على حاتم بالسخاء، فلذلك ضربت صفحا عن ذلك، وطويت كشحا عن سلوك تلك المسالك، واقتصرت على الايماء إلى نبذة من هموم مد يده، سلم برهان السلم عدم انحصارها، وشر ذمة من غموم عديده، لا ينطبق دليل التطبيق على عشر معشارها، واكتفيت عن الاطناب في هذا الباب، بما تضمنه قول بعض ذوي الألباب.

نسأل الله سبحانه فتح أبواب السرور، بقطع علائق عالم الزور، وحسم عوائق دار الغرور، وتبديل الأصدقاء المجازيين، بالأخلاء الروحانيين، والانزواء في زاوية العزلة، والانفراد عن جلساء السوء والذلة، وصرف الأوقات في تلافي ما فات، و إعداد الزاد ليوم المعاد، فان ذلك أعظم المقاصد وأعلاها، وأهم المطالب وأولاها، وهذه لمعة من كثير، وجرعة من غدير، وفي القلب أشياء كثيرة لا سبيل إلى تقريرها، ولا طريق إلى تحريرها.

هذا ولقد أوجع قلبي وأزعج لبي ما شرحتم من حكاية السقطة التي آلمت قدم قدوة المتألهين، وأوهنت رجل سلطان المتولهين، لكن ألقى هاتف الغيب في بالي أن السقوط مبشر بالارتقاء، والهبوط مخبر عن غاية الاعتلاء، فان القطرة لما هبطت صارت لؤلؤة، والحبة لما سقطت على الأرض صارت سنبلة، مع أن المصيبة والابتلاء موكل بالأنبياء ثم الأولياء، فيجب الشكر على التشبه بهم، والتهنية بالانخراط في سلكهم.

ثم نسأل الله تعالى التوفيق لانتظام الأحوال وتحقيق الآمال، هذا وإبلاغ السلام إلى ثمرات دوحة السيادة والنقابة، وأغصان شجرة الإمامة والنجابة، بلغهم الله أرفع معارج الكمال مأمول ومسئول، والسلام عليكم أولا وآخرا، وباطنا وظاهرا.

قال مؤلف الكتاب عفى الله تعالى عنه: أعيان العجم وأفاضلهم الذين هم من أهل هذه المائة كثيرون العدد، متوفرون المدد، غير أن أكثرهم لم يتعاط نظم الشعر العربي، اهتماما بما هو أهم منه، ولعل لهم ترسلا وإنشاء بالعربية، ولكني لم أقف عليه، فلهذا لم أذكر منهم إلا من ذكرت، فمن أعاظم فضلائهم وأكابر نبلائهم الذين لم أترجم لهم في هذا الكتاب للعذر المذكور:

جدي الأمير نظام الدين أحمد بن إبراهيم بن سلام الله بن عماد الدين مسعود ابن صدر الدين محمد بن غياث الدين منصور الحسيني كان يلقب بسلطان الحكماء، وسيد العلماء توفي - ره - عام خمس عشرة وألف وله مصنفات جليلة منها إثبات الواجب، وهو ثلاث نسخ كبير وصغير ووسط وغير ذلك.

ومنهم أخوه الأمير نصير الدين حسن المتوفى سنة ثلاث وعشرين وألف وكانا يشبهان بالشريفين المرتضى والرضي.

ومنهم السيد تقي الدين محمد النسابة المتوفى سنة تسع عشرة وألف.

المولى عبد الله بن الحسين اليزدي أستاذ الشيخ بهاء الدين محمد المقدم الذكر، كان علامة من غير نزاع، ولم يدانه أحد في جلالة القدر وعلو المنزلة، وكثرة الورع، وله مؤلفات مفيدة كشرح القواعد في الفقه، وشرح العجالة، والتهذيب في المنطق، وغير ذلك.

ومنهم ابنه المولى حسن على خلفه الصالح وقدوة كل فالح توفي سنة تسع وستين وألف - ره -.

ومنهم الميرزا محمد بن علي بن إبراهيم الاسترآبادي صاحب كتب الرجال الثلاثة المشهورة نزيل مكة المشرفة، توفي بها لثلاث عشرة خلون من ذي القعدة الحرام سنة ثمان وعشرين وألف، وله شرح آيات الاحكام ورسائل مفيدة - ره -.

ومنهم صهره المولى محمد أمين الجرجاني صاحب الفوائد المدنية جاور بمكة المشرفة، وتوفي بها سنة ست وثلاثين وألف - ره -.

ومنهم السيد حسين الشهير بخليفة سلطان صهر سلطان العجم توفي سنة ست وستين وألف.

ومنهم المولى صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي الشهير بالملا صدرا كان

أعلم أهل زمانه بالحكمة، ومتقنا لساير الفنون، له تصانيف كثيرة عظيمة الشأن في الحكمة وغيرها منها شرح الكافي في المجلدين توفي بالبصرة وهو متوجه للحج في العشر الخامس من هذه المائة.

ومنهم المولى العلامة محمد بن المرتضى الشهير بملا محسن القاشاني له

كتب ومصنفات جليلة في الفقه والحديث والكلام والحكمة، وهو من أهل العصر الموجودين الان.

ومنهم الملا خليل بن غازي القزويني وهو ومن أهل العصر أيضا، له شرحان على الكافي عربي وفارسي، وشرح العدة في أصول الفقه ومؤلفات اخر.

ومنهم الميرزا رفيع الدين محمد الشهير بالميرزا رفيعا، كان أفضل أهل عصره توفي سنة ثمانين وألف - رحمه الله - وله تعليقه جليلة على الكافي وغيرها من المصنفات.

ومنهم الميرزا محمد هادي بن معين الدين محمد وزير فارس بن غياث الدين الشيرازي كان فاضلا متفننا آية في الذكاء والأدب والمحاضرة، توفي سنة إحدى و ثمانين وألف - ره.

ومنهم الأمير محمد زمان بن محمد جعفر الرضوي المشهدي كان من عظماء علماء عصره توفي سنة إحدى وأربعين وألف.

ومنهم الآغا حسين الخونساري علامة هذا العصر الذي عليه المدار، وإمامه الذي تخضع لمقداره الاقدار.

ومنهم المولى محمد باقر الخراساني أحد المجتهدين في علوم الدين وغيرها من فنون العلوم وأصناف المنطوق والمفهوم ورد مكة المشرفة عام ثلاث وستين، وجاور بها سنة، فتشرفت برؤيته، ولم يتفق لي الاخذ عنه إلا أني حضرت مجلسه ومباحثته مرارا، ثم عاد إلى العجم وهو الآن بها .

* وخلائق آخرون بعدت عنا أرضهم وسماؤهم، فلم يبلغنا إلا أسماؤهم، هم نجوم الأرض، وشموس السنة والفرض، يعترف لسان القلم عن حصرهم بالحصر والوجوم ومتى حصرت نجوم السماء حصرت هذه النجوم والله أعلم.

السيد أبو علي ماجد بن هاشم بن علي بن المرتضى بن علي بن ماجد الحسيني البحراني - ره -.

هو أكبر من أن يفي بوصفه قول، وأعظم من أن يقاس بفضله طول، نسب يؤل إلى النبي، وحسب يذل له الابي، وشرف ينطح النجوم، وكرم يفضح الغيث السجوم، وعز يقلقل الاجبال، وعزم يروع الأشبال، وعلم يخجل البحار، وخلق يفوق

نسايم الأسحار.

إلى ذات مقدسة، ونفس على التقوى مؤسسة، وإخبات ووقار، وعفاف يرجع من التقى بأوقار، به أحيا الله الفضل بعد اندراسه، ورد غريبه إلى مسقط رأسه، فجمع شمله بعد الشتات، ووصل حبله بعد البتات.

شفع شرف العلم بظرف الأدب، وبادر إلى حوز الكمال وانتدب، فملك للبيان عنانا، وهصر من فنونه أفنانا، فنظمه منظوم العقود، ونثره منثور الروض المعهود، ومما يسطر من مناقبه الفاخرة، الشاهدة بفضله في الدنيا والآخرة، أنه ره كان قد أصابته في صغره عين، ذهبت من حواسه الشريفة بعين، فرأى والده النبي صلى الله عليه وآله في منامه فقال له: إن اخذ بصره فقد اعطى بصيرته.

ولقد صدق وبر صلى الله عليه وآله فإنه نشأ بالبحرين فكان لهما ثالثا، وأصبح للفضل والعلم حارثا ووارثا، وولي بها القضاء، فشرف الحكم والامضاء، ثم انتقل منها إلى شيراز، فطالت به على العراق والحجاز، وتقلد بها الإمامة والخطابة، ونشر حبر فضائله المستطابة، فتاهت به المنابر، وباهت به الأكابر، وفاهت بفضله ألسن الأقلام وأفواه المحابر.

ولم يزل بها حتى أتاه اليقين، وانتقل إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، فتوفي سنة ثمان وعشرين وألف - ره - وهذا محل نبذة من شعره، ونفثة من بيان سحره، ولا أراني أثبت منه غير اللؤلؤ البحراني.

أخبرني بعض الأصحاب أنه كان أنشأ في يوم جمعة خطبة أبدعها، وأودعها من نفايس البراعة ما أودعها، فلما ارتقى ذروة المنبر، أنسي ما كان أنشأ وحبر، فاستأنف لوقته خطبة أخرى، وختمها بهذه الأبيات: التي كست فنون القريض فخرا.

السيد أبو محمد حسين بن حسن بن أحمد بن سليمان الحسيني الغريفي البحراني.

ذو نسب يضاهي الصبح عموده، وحسب أورق بالمكرمات عوده، وناهيك بمن ينتهى إلى النبي في الانتماء، وغصن شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهو بحر علم تدفقت منه العلوم أنهارا، وبدر فضل عاد به ليل الفضائل نهارا، شب في العلم واكتهل، وهمي صيب فضله واستهل، فجري في ميدانه طلق عنانه، وجنى من رياض فنونه أزهار افتنانه، إلا أن الفقه كان أشهر علومه، وأكثر مفهومه ومعلومه، عنه تقتبس أنواره، ومنه يقتطف ثمره ونواره، وكان بالبحرين إمامها الذي لا يباريه مبار، وهمامها الذي يصدق خبره الاختبار، مع سجايا تستمد منها المكارم، ومزايا تستهدي محاسنها الأكارم، وله نظم كثيرا ما يمده بالفخر، وكأنما يقده من الصخر، وكانت وفاته سنة إحدي وألف.

السيد عبد الله بن محمد البحراني.

أديب قام مقام والده وسد ولا عجب للشبل أن يخلف الأسد، فهو نفحة ذلك الطيب وأريجه، ونهر ذلك البحر وخليجه، المنشد لسان محتده، وهل ينبت الخطي إلا وشيجه، أثمرت أغصان أقلامه اليانعة بثمرات البيان، وضم هوامل الكلام لقمة النهج وغني وراءها الحاديان، فنثره الورود، ولكن في رياض النفوس لا الغروس، ونظمه العقود لكن في ترائب الطروس لا العروس.

وهو أحد من خدم الوالد ومدحه وأورى زند فكره لشكره وقدحه ولم يزل في فيض فضله وسعته، بين خفض العيش ودعته، حتى صدرت منه هفوة بعد هفوة كدرت من مورد اقباله صفوه، فلما علم سقوط منزلته لديه وعرف، ودع حضرته السامية وانصرف.

السيد ناصر بن سليمان القاروني البحراني.

هو من قوم لم يجنح المجد من خطتهم إلى التخطي، وفيهم يقول شاعر البحرين جعفر بن محمد الخطي:

آل قارون لا كبا بكم الدهر * ولا زلتم رؤس الرؤس وهذا السيد ناصر عزهم، وناشر بزهم، وصفوة مجدهم، وربوة نجدهم، وفرقد سمائهم، وأوحد عظمائهم، ورأس رؤوسهم، وباسق غروسهم، الخطيب الشاعر الرحيب المشاعر، نثر فأكثر ، ونظم فأعظم، وصاب فأصاب، وجاد فأجاد، وقضى و شرع، ونضا وأشرع. ففرع وبرع، وفنن وتفنن، فنظمه وشح الزمان، ونثره نجح الأمان، يفضل زهر المروج، بل يفضح زهر البروج، ويفوق سجع الحمام، بل يخجل سفح الغمام، وقد أثبت من كلامه، وزهرات أقلامه، ما تنافح به القماري، وتصادح به القماري.

أخبرني شيخنا العلامة جعفر بن كمال الدين البحراني قال: كنت ذات يوم جالسا في مسجد السدرة أحد مساجد القرية المعمورة المسماة بجد حفص إحدى قرى البحرين، وهو مدرسة العلم، ومجمع أولى الفضل والحلم، وكان عميد البلاد وكبيرها وقاضيها القائم به تدبيرها، والسيد الحسين بن عبد الرؤف جالسا في ذلك المجلس وإلى جنبه السيد ناصر المذكور، وأحد المدرسين يقرء كتاب القواعد المشهور، فجاء ابن أخ للسيد حسين المشار إليه نافجا بكمه، وزحزح السيد ناصر عن مكانه وجلس بجنب عمه.

فغضب السيد ناصر وعتب، وتناول القلم مسرعا وكتب: لا تعجبن من تقدم ذي البنان الخاضب، على ذي البيان الخاطب، وذي الطرف الفتون، على ذي الظرف والفنون، وذي الجسم الفاضل، على ذي الجسم الفاضل، وذي الطول

على ذي الطول، فان الزمان طبع على هذه الشيمة، منذ كان في المشيمة، وكتب ناصر بن سليمان البحراني، ورمى بالبطاقة وقام، وأقام على المعنى من البلاء ما أقام.

السيد عبد الرضا بن عبد الصمد الولي البحراني الرضي المرتضى، والحسام المنتضى، الصحيح النسب، الصريح الحسب، مجمع البحرين: بحر العلم وبحر العمل، ومقلد النحرين: نحر الأدب ونحر الامل، ثنى إلى الفضل أزمة رحاله، فأصبح في الأفاضل علما فردا وأنشد لسان حاله:

ليس الجمال بمئزر * فاعلم وإن رديت بردا إلى أدب مستفاض، وبيان واسع فضفاض، ومع ذلك فطبقة شعره وسطى، وإن مدله من مديد القول بسطا، وقد وقفت عنه على ما لم يهز الاستحسان لأكثره عطفه ولا كساه الاحسان رقته ولطفه.

أخوه السيد أحمد بن عبد الصمد البحراني هو للعلم علم، وللفضل ركن ومستلم، مديد في الأدب باعه، جليد كريم خيمه وطباعه، خلد في صفحات الدهر محاسن آثاره، وقلد جيد الزمن قلائد نظامه ونثاره فهو إذا قال صال، وعنت لشبا لسانه النصال.

السيد عبد الله بن السيد حسين البحراني.

أديب من أفراد الأعيان الممثلين فرائد البيان للعيان، ينظم شعرا جزلا فيجيد جدا وهزلا، ويزيل به عن المسامع أزلا، ونثره أحسن مغنى، وأتقن لفظا و معنى، وكان قد صحبني سنينا وما زلت بفراقه ضنينا، حتى فرق الدهر بيننا، وقدر القضاء بيننا.

تبجل ساحة رافع قواعدها ساطع آيات الكمال، وتقبل راحة جامع فوائدها بالغ غايات الفضيلة والافضال، ومن نيط بهمته الرفيعة نياط النجوم، فمتى يشاكل أو يماثل، وميط بعزمته المنيعة بساط الهموم، فمتى يساحل أو يساجل، الحائز قصبات السبق فلا يدرك شاوه وإن أرخى العنان، الفائز بوصلات الحق فاستنارت آراؤه بشموس التبيان المحدد لجهات مكارم الأخلاق، المجدد لسمات المفاخر على الاطلاق، الحاوي لعلوم آبائه الأكابر، وراثة كابر عن كابر، برج سعادة الاقبال، أوج سيادة الأقيال مطلع شمسي العلوم والمعارف، مجمع بحري العلوم والعوارف من أوقفت نفسي بأعتابه موقف الأرقاء، فارتقيت عن حضيض الامتهان غاية الارتقاء، كيف لا؟ وهي كهف اللائذ، ورقيم العائذ، وصفا الصفاء، ومروة المروة والوفاء، وعرفات العرفان، ومنى المنى ومظنة الاحسان، لا زالت منهلا للواردين، ولا برحت مؤملا للقاصدين، حمية الذمار، أبية عن الوصم والعار، ولا فتئت كعبتها معمورة ومحروسة، وندوة أنديتها بالفيض مغمورة ومأنوسة، بمنه وإحسانه وكرمه وامتنانه.

الشيخ داود بن أبي شافير البحراني البحر العجاج، إلا أنه العذب لا الأجاج، والبدر الوهاج، إلا أنه الأسد المهاج، رتبته في الإنافة شهيرة، ورفعته أسمى من شمس الظهيرة، ولم يكن في مصره وعصره، من يدانيه في مده وقصره وهو في العلم فاضل لا يسامى، وفي الأدب فاصل لم يكل الدهر له حساما، إن شهر طبق، وإن نشر عبق، وشعره أبهى من شف البرود، وأشهى من رشف الثغر البرود، وموشحاته الوشاح المفصل، بل الصباح التي فرع حسنها وأصل.

أبو البحر جعفر بن محمد بن حسن بن علي بن ناصر بن عبد الامام الشهير بالخطي البحراني العبدي أحد بني عبد القيس بن شن بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد ابن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان رحمه الله تعالى.

ناهج طرق البلاغة والفصاحة، الزاخر الباحة الرحيب المساحة، البديع الأثر والعيان، الحكيم الشعر الساحر البيان، ثقف بالبراعة قداحه، وأدار على السامع كؤوسه وأقداحه، فأتى بكل مبتدع مطرب، ومخترع في حسنه مغرب، ومع قرب عهده فقد بلغ ديوان شعره من الشهرة المدى، وسار به من لا يسير مشمرا، وغنى به من لا يغني مفردا، وقد وقفت على فوائده التي لمعت، فرأيت ما لا عين رأت ولا اذن سمعت، وكان قد دخل الديار العجمية فقطن منها بفارس، ولم يزل بها وهو لرياض الآداب جان وغارس، حتى اختطفته أيدي المنون، فغرس بفناء الغناء وخلد عرايس الغنون.

وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وألف رحمه الله تعالى، ولما دخل إصبهان اجتمع بالشيخ بهاء الدين محمد العاملي رحمه الله تعالى، وعرض عليه أدبه، فاقترح عليه معارضة قصيدته الرائية المشهورة.

السيد علي بن خلف بن مطلب بن حيدر المشعشعي ملك الحويزة في هذا العصر أخبرني بعض الوافدين علينا من تلك الديار، قال: كانت بينه وبين السيد حسن الشهير بخليفة سلطان رابطة محبة، فلما بلغه أنه ولي الوزارة لسلطان العجم قال شعرا:.

السيد أبو الغنايم محمد الحلي فرع من ذؤابة عبد مناف، ودوحة علم مخضرة الأكناف، له في منهل الفضل إيراد وإصدار، ومورد لم يشب صفوه للنقص إكدار، وكان قد دخل الهند فخدم ملكها أكبر شاه، ولبس من برود الجاه ما طرزه العز ووشاه، ولم يزل في خدمته محمود الجناب راسخ الأوتاد مشدود الاطناب، حتى وسوس الشيطان للسلطان، فادعى الربوبية في تلك الأوطان، واستكبر واستعلى، وقال: (أنا ربكم الاعلى) وزعم أن كل من أذن وكبر، إنما يعنيه بقوله الله أكبر، فأكبر السيد هذه المقالة، واستقاله من خدمته فأقاله، فانفصل عنه غيرة على الاسلام، وأنفة لشريعة جده عليه السلام، وقد وقفت له على أبيات هي في سور البلاغة آيات.

السيد حسين بن كمال الدين الأبرز الحسيني الحلي سيد ساد بالجد والجد، وجد في اكتساب المعالي فقطع طمع اللاحق به وجد، وسعى إلى نيل غايات الفضايل ودأب، وأنشد لسان حاله:

وما سودتني هاشم من وراثة * أبي الله أن أسمو بأم ولا أب وهو في الأدب عمدة أربابه، ومنار الا حبه ولجة عبابه، وقفت له على رسالة في علم البديع سماها درر الكلام، ويواقيت النظام، وأثبت فيها من نثره في باب الملايمة قوله فيمن ألف الرسالة باسمه " مكي الحرم، برمكي الكرم، هاشمي الفصاحة، حاتمي السماحة، يوسفي الخلق، محمدي الخلق، خلد الله ملكه، وأجرى في بحار الاقتدار فلكه ".

الشيخ عبد علي بن ناصر بن رحمة الحويزي فاضل قال من الفضل بظل وريف، وكامل حل من الكمال بين خصب وريف فالاسماع من زهرات أدبه في ربيع، ومن ثمرات فضله في خريف، إن أنشأ ينشئ أبدى من فنون السجع ضرائب، أو طفق ينظم أهدى الشنوف للاسماع والعقود للترائب ومؤلفاته في الأدب، أحلى من رشف الضرب، بل أجدى من نيل الإرب، ومتى جاراه قوم في كلام العرب، كان المنبع وكانوا القرب.

واتصل بحكام البصرة وولاتها، فوصلته بأسنى إفضالها وأهنى صلاتها، وهبت عليه من قبلهم رخاء الاقبال، وعاش في كنفهم بين نضرة العيش ورخاء البال، ولم يزل بها حتى انصرمت من الحياة أيامه، وقوضت من هذه الدار الفانية خيامه.

ومن مؤلفاته المعول في شرح شواهد المطول، وقطر الغمام في شرح كلام الملوك ملوك الكلام، وغير ذلك، وله ديوان شعر بالعربية وانتخب منه نبذة سماها مجلي الأفاضل، وله أشعار بالفارسية والتركية، إلا أنها عند العارفين بها متروكة منسية، ومن إنشائه ما كتبه إلى القاضي تاج الدين المالكي.

طبقات صحايف الأوراق، وإن كانت السبع الطباق، وأعلام الأقلام، وإن كانت عدد الآجام، وبحار المداد، وإن سفحت على الأطواد، ليست بمستقلة بالإحاطة بيسير من كثير الاشتياق، وليس ضرب الصفح وطي الكشح عن اعلامه من مكارم - الأخلاق، فرقمت هذه الصحيفة عن سويداء القلب بسواد الأحداق، أنموذجا يستدل به الاخوان على الأحزان، بما جرى من الشأن عن الشأن، محيلة ما تجده القلوب عليها مرجعة ما يطلب منها إليها.

جمال الدين محمد بن عواد الحلي الشهير بالهيكلي شاعر متقعر في الكلام، يقرع السمع من حوشي ألفاظه ما يربي على قوارع الملام، دخل الديار الهندية فمدح عظماءها بمدايح، نال بجوايزها المنى والمنايح.

الشيخ عيسى بن حسن بن شجاع أحد من عاني الشعر ونظم، وخضم فيه الكلام وقضم، له أشعار لم يعن بتنقيحها

وتهذيبها، وكأنه لم يسمع قول القايل:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.