پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

باب حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الأمور 2

ج ۵۴، ص ۲۵۲–۲۸۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۹ از ۱۱

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۴

وقال نحوا من ذلك في كتاب شرح العقائد العضدية، وقال فيه: المتبادر من الحدوث الوجود بعد أن لم يكن بعدية زمانية، والحدوث الذاتي مجرد اصطلاح من الفلاسفة. وقال: والمخالف في هذا الحكم الفلاسفة، فإن أرسطاطاليس وأتباعه ذهبوا إلى قدم العقول والنفوس الفلكية والأجسام الفلكية بموادها وصورها الجسمية والنوعية وأشكالها وأضوائها، والعنصريات بموادها، ومطلق صورها الجسمية لا أشخاصها، وصورها النوعية قيل بجنسها فإن صور خصوصيات أنواعها لا يجب أن تكون قديمة، والظاهر من كلامهم قدمها بأنواعها. ثم قال:

ونقل عن جالينوس التوقف، ولذلك لم يعد من الفلاسفة لتوقفه فيما هو من أصول الحكمة عندهم (انتهى).

ولنكتف بما أوردنا من كلام القول في ذلك، وإيراد جميعها أو أكثرها يوجب تطويلا بلا طائل، ويستنبط مما أوردنا أحد الدلائل على الحدوث، فإنه ثبت بنقل المخالف والمؤالف اتفاق جميع أرباب الملل مع تباين أهوائهم وتضاد آرائهم على هذا الامر، وكلهم يدعون وصول ذلك عن صاحب الشرع إليهم، وهذا مما يورث العلم العادي بكون ذلك صادرا عن صاحب الشريعة، مأخوذا عنه، وليس هذا مثل سائر الاجماعات المنقولة التي لا يعلم المراد منها، وتنتهي إلى واحد وتبعه الآخرون ولا يخفى الفرق بينهما على ذي مسكة من العقل والانصاف.

(المقصد الثالث) * (في كيفية الاستدلال بما تقدم من النصوص) * فأقول: إذا أمعنه النظر فيما قدمناه، وسلكت مسلك الانصاف، ونزلت عن مطية التعنت والاعتساف، حصل لك القطع من الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة الواردة بأساليب مختلفة، وعبارات متفننة، من اشتمالها على بيانات شافية وأدلة وافية، بالحدوث بالمعنى الذي أسلفناه. ومن تتبع كلام العرب وموارد استعمالاتهم وكتب اللغة، يعلم أن الايجاد، والاحداث، والخلق، والفطر ، و الابداع، والاختراع، والصنع، والابداء، لا تطلق إلا على الايجاد بعد العدم.

قال المحقق الطوسي ره في شرح الإشارات: إن أهل اللغة فسروا الفعل بإحداث شئ وقال أيضا: الصنع إيجاد شئ مسبوق بالعدم، وفي اللغة: الابداع الاحداث، ومنه (البدعة) لمحدثات الأمور، وفسروا الخلق بإبداع شئ بلا مثال سابق. وقال ابن سينا في رسالة الحدود: الابداع اسم مشترك لمفهومين: أحدهما تأييس شئ لاعن شئ ولا بواسطة شئ، والمفهوم الثاني أن يكون للشئ وجود مطلق عن سبب بلا متوسط وله في ذاته أن يكون موجودا، وقد أفقد الذي في ذاته افقادا تاما.

ونقل في الملل والنحل عن ثاليس الملطي أنه قال: الابداع هو تأييس ما ليس بأيس، فإذا كان مؤيس الآيسات فالتأييس لا من شئ متقادم (انتهى).

ومن تتبع الآيات والاخبار لا يبقى له ريب في ذلك كقوله (لا من شئ فيبطل الاختراع، ولا لعلة فلا يصح الابتداع) مع أنه قد وقع التصريح بالحدوث بالمعنى المعهود في أكثر النصوص المتقدمة، بحيث لا يقبل التأويل، وبانضمام الجميع بعضها مع بعض يحصل القطع بالمراد. ولذا ورد أكثر المطالب الأصولية الاعتقادية كالمعاد الجسماني وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام وأمثالهما في كلام صاحب الشريعة بعبارات مختلفة وأساليب شتى، ليحصل الجزم بالمراد من جميعها، مع أنها

اشتملت على أدلة مجملة من تأمل فيها يحصل له القطع بالمقصود، ألا ترى إلى قولهم عليهم السلام في مواضع (لو كان الكلام قديما لكان إلها ثانيا)) وقولهم (وكيف يكون خالقا لمن لم يزل معه) إشارة إلى أن الجعل لا يتصور للقديم، لان تأثير العلة إما إفاضة أصل الوجود وإما إفادة بقاء الوجود و استمرار الجعل الأول، و الأول هي العلة الموجدة، والثاني هي المبقية، والموجود الدائمي محال أن تكون له علة موجدة كما تحكم به الفطرة السليمة، سواء كان بالاختيار أو بالايجاب لكن الأول أوضح وأظهر.

ومما ينبه عليه أن في الحوادث المشاهدة في الآن الأول تأثير العلة هو إفاضة أصل الوجود، وفي كل آن بعده من آنات زمان الوجود تأثير العلة هو إبقاء الوجود واستمرار الجعل الأول، فلو كان ممكن دائمي الوجود فكل آن يفرض من آنات زمان وجوده الغير المتناهي في طرف الماضي فهو آن البقاء واستمرار الوجود، ولا يتحقق آن إفاضة أصل الوجود، فجميع زمان الوجود هو زمان البقاء، ولا يتحقق آن ولا زمان للإيجاد وأصل الوجود قطعا.

فنقول في توجيه الملازمة في الخبر الأول: لو كان الكلام الذي هو فعله تعالى قديما دائمي الوجود لزم أن لا يحتاج إلى علة أصلا، أما الموجدة فلما مر، وأما المبقية فلأنها فرع الموجدة، فلو انتفى الأول انتفى الثاني بطريق أولى، والمستغني عن العلة أصلا هو الواجب الوجود، فيكون إلها ثانيا وهو خلاف المفروض أيضا لأن المفروض أنه كلام الواجب وفعله سبحانه. ومثله يجري في الخبر الثاني.

ويؤيده ما روى في الكافي وغيره في حديث الفرجة عن الصادق عليه السلام حيث قال للزنديق: ثم يلزمك إن ادعيت اثنين فرجة ما بينهما حتى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما. فيلزمك ثلاثة (الخبر) حيث حكم على الفرجة

من جهة القدم بكونه إلها ثالثا واجب الوجود.

إذا تقرر هذا فاعلم أن علة الحاجة إلى المؤثر حينئذ يمكن أن تكون هي الامكان لان مصداق مفهوم الامكان حينئذ منحصر في الحوادث، والفرد المفروض أنه قديم لا يصدق عليه الامكان في نفس الامر، بل من أفراد الممتنع، لاستلزامه التسلسل المستحيل مطلقا كما سيجيئ، والممتنع بالذات قد يكون مركبا كالمجموع المركب من الضدين والنقيضين. ويمكن أن تكون علة الحاجة إلى المؤثر هي الحدوث أو الامكان بشرط الحدوث، وقد ذهب إلى كل منها جماعة، وأحد الأخيرين هو الظاهر من أكثر الاخبار كما أومأنا إليه في بعضها. ومنها حديث الرضا عليه السلام في علة خلق السماوات والأرض في ستة أيام.

ويدل عليه ما روي عن الرضا عليه السلام أنه دخل عليه رجل فقال: يا ابن رسول الله! ما الدليل على حدوث العالم؟ قال: إنك لم تكن ثم كنت، وقد علمت أنك لم تكون نفسك، ولا كونك، من هو مثلك. فإن الظاهر أن مراد السائل من حدوث العالم إثبات الصانع بناء على التلازم بينهما بقرينة الجواب، واستدل عليه السلام بوجود المخاطب بعد عدمه أي حدوثه الزماني على الصانع تعالى.

ومن الدلائل على الحدوث ما يدل على أوليته تعالى، فإن الأولية

مفسرة بأنه سبحانه قبل كل شئ.

ومنها: الآيات والأخبار الدالة على فناء جميع الموجودات، وقد مر بعضها هنا وبعضها في المجلد الثالث، وذلك بضم مقدمة مسلمة عند القائلين بالقدم، وهي أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه.

وقد روى في الاحتجاج في حديث الزنديق الذي سأل الصادق عليه السلام عن مسائل أنه قال: فيتلاشى الروح بعد خروجها عن قالبه أم هو باق؟ قال عليه السلام بل باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى فلا حس يبقى ولا محسوس ثم أعيدت الأشياء كما بدأها يدبرها وذلك أربعمأة سنة يثبت فيها الخلق و ذلك بين النفختين.

ويدل على حدوث السماوات الآيات والأخبار الدالة على انشقاقها وانفطارها وطيها وانتشار الكواكب منها بما مر من التقريب، وقد مضى جميع ذلك في المجلد الثالث.

ومنها الآيات والأخبار الدالة على خلق السماوات والأرض في ستة أيام

لان الحادث في اليوم الأخير مسبوق بخمسة أيام فيكون منقطع الوجود في الماضي والموجود في اليوم الأول زمان وجوده أزيد على زمان الأخير بقدر متناه فالجميع متناهي الوجود حادث، فيكون الزمان الموجود الذي يثبتونه أيضا متناهيا، لأنه عندهم مقدار حركة الفلك وقد مر تأويل الأيام وكيفية تقديرها في تفسير الآيات.

وإذا أحطت خبرا بما نقلنا من الآيات والأخبار المتواترة الصريحة فهل يجترئ عاقل استشم رائحة من الدين أن يعرض عن جميع ذلك وينبذها وراء ظهره تقليدا للفلاسفة، واتكالا على شبهاتهم الكاسدة، ومذاهبهم الفاسدة؟! وستعرف أنها أوهن بيت العنكبوت، بفضل الحي الذي لا يموت.

قال المحقق الدواني في أنموذجه بعدما تكلم في شبهاتهم: لا يذهب عليك أنه إذا ظهر الخلل في دلائل قدم العالم وثبت بالتواتر وإخبار الأنبياء الذين هم أصول البرايا وإجماع أهل الملل على ذلك وقد نطق به الوحي الإلهي على وجه لا يقبل التأويل إلا بوجه بعيد تتنفر عنه الطبائع السليمة والأذهان المستقيمة فلا محيص عن اتباع الأنبياء في ذلك والاخذ بقولهم كيف وأساطين الفلاسفة ينسبون أنفسهم إليهم وينسبون أصول مقالاتهم على ما يزعمون أنها مأخوذة منهم، فإذن تقليد هؤلاء الأعاظم الذين اصطفاهم الله تعالى وبعثهم لتكميل العباد، والارشاد إلى صلاح المعاش والمعاد، وقد أذعن لكلامهم الفلاسفة أولى وأخرى من تقليد الفلاسفة الذين هم معترفون برجحان الأنبياء عليهم السلام عليهم، ويتبركون بالانتساب إليهم. ومن العجب العجاب أن بعض المتفلسفة يتمادون في غيهم ويقولون إن كلام الأنبياء مؤول ولم يريدوا به ظاهره، مع أنا نعلم أنه قد نطق القرآن المجيد في أكثر المطالب

الاعتقادية بوجه لا يقبل التأويل أصلا، كما قال الإمام الرازي: لا يمكن الجمع بين الايمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وإنكار الحشر الجسماني، فإنه قد ورد من القرآن المجيد التصريح به، بحيث لا يقبل التأويل أصلا.

وأقول: لا يمكن الجمع بين قدم العالم والحشر الجسماني أيضا، لان النفوس الناطقة أو كانت غير متناهية على ما هو مقتضى القوم بقدم العالم امتنع الحشر الجسماني عليهم، لأنه لابد في حشرهم جميعا من أبدان غير متناهية، و أمكنة غير متناهية، وقد ثبت أن الابعاد متناهية. ثم التأويلات التي يتمحلونها في كلام الأنبياء عسى أن يتأتى مثلها في كلام الفلاسفة، بل أكثر تلك التأويلات من قبيل المكابرات للسوفسطائية، فإنا نعلم قطعا أن المراد من هذه الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة هي معانيها المتعارفة عند أهل اللسان، فإنا كما لا نشك في أن من يخاطبنا بالاستفسار عن مسألة الجزء الذي لا يتجزأ لا يريد بذلك الاستفسار عن حال زيد مثلا في قيامه وقعوده، كذلك لا نشك في أن المراد بقوله تعالى:

(قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) هو هذه المعاني الظاهرة، لا معنى آخر من أحوال المعاد الروحاني الذي يقول به الفلاسفة!

وبالجملة: فنصوص الكتاب يجب الحمل على ظاهرها، والتجاوز عن هذا النهج غي وضلال، والتزامه طريق أهل الكمال (انتهى).

ولقد أحسن وأجاد، لكن ما يظهر من كلامه من أن النصوص الواردة في الحدوث قابلة للتأويل البعيد ليس كذلك، بل إن كان بعضها قابلا فالمجموع يفيد القطع بالمقصود، ولعله إنما قال ذلك لعدم اطلاعه على نصوص أئمة الهدى عليهم السلام أو لعدم اعتقاده بها كما هو ظاهر حاله، وإن أشعر بالتدين بالحق في بعض المواضع.

وأما منافاة القول بالقدم مع الحشر الجسماني فإنما يتم لو ذهبوا إلى عدم تناهي

عدد النفوس ووجوب تعلق كل واحدة بالأبدان لا على سبيل التناسخ كما ذهب إليه أرسطو ومن تأخر عنه، أما لو قيل بقدمها وحدوث تعلقها بالأبدان كما ذهب إليه أفلاطون ومن تبعه فإنه ذهب إلى قدم النفس وحدها وحدوث سائر العالم وتناهي الأبدان أو قيل بجواز تعلق نفس واحدة بأبدان كثيرة غير متناهية على سبيل التناسخ وأن في المعاد يرجع النفس مع بدن واحد فلا يتم أصلا.

نعم القول بقدم النفوس البشرية بالنوع وحدوثها بحدوث الأبدان على سبيل التعاقب وعدم تناهيها كما ذهب إليه المشائيون على ما نقل عنهم المتأخرون مما لا يجتمع مع التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله بل الأنبياء عليهم السلام من وجوه أخر أيضا:

الأول: التصديق بوجود آدم وحواء على ما نطق به القرآن والسنة المتواترة مشروحا.

الثاني: أنهم ذهبوا إلى قدم هيولي العناصر بالشخص وتعاقب صور غير متناهية عليها فلا بد لهم من القول بتكون أبدان غير متناهية من حصص تلك الهيولي وتعلق صور نفوس غير متناهية بكل حصة منها. وعندهم أيضا أنه لا يمكن اجتماع صورتين في حصة من تلك الهيولي دفعة، فيلزمهم اجتماع نفوس غير متناهية في بدن واحد إن اعترفوا بالمعاد الجسماني. إلى غير ذلك من المفاسد تركناها روما للاختصار.

(المقصد الرابع) في ذكر نبذ من الدلائل العقلية على هذا المقصد وإن كان خارجا عن مقصود الكتاب، تشييدا لهذا المقصد من كل باب، وإن أفضى إلى بعض الاطناب. وهو مشتمل على مطالب:

المطلب الأول: في إبطال التسلسل مطلقا وهو مفتقر إلى تمهيد مقدمات:

الأولى: ما ذكره السيد ره في القبسات، وهو أن الحكم المستوعب الشمول لكل واحد إذا صح على جميع تقادير الوجود لكل من الآحاد منفردا كان عن غيره أو ملحوظا على الاجتماع كان سحب ذيله على المجموع الجملي أيضا من غير امتراء، وإن اختص بكل واحد واحد بشرط الانفراد كان حكم الجملة غير حكم الآحاد.

فإنه إذا كان سلسلة فرد منها أبيض فالجملة أيضا أبيض، وإذا كان لكل جزء مقدار فللكل أيضا كذلك إلى غير ذلك من الأمثلة المنبهة على المطلب، و إذا كان فرد متناهيا لم يلزم أن يكون المجموع متناهيا، وإذا كان كل جزء من الاجزاء لا يتجزأ غير منقسم لا يكون الكل غير منقسم، وإذا كان كل فرد من أفراد السلسلة واجبا بالذات لا يلزم أن تكون الجملة واجبا بالذات لان في تلك للانفراد مدخلا وتأثيرا.

الثانية: ما أشار إليه المحقق الدواني وغيره، وهي أن العقل قد يحكم على الاجمال حكما كليا بالبديهة أو الحدس على كل فرد وعلى كل جملة سواء كانت متناهية أو غير متناهية، وإن كان لو لاحظ التفصيل ابتداء توقف في بعض الافراد والجمل، كما يحكم العقل مجملا بأن كل موجد يجب أن يتقدم على الموجد من غير تفصيل بين موجد نفسه وموجد غيره، ثم يثبت به أن الماهية لا يجوز أن تكون علة لوجودها، وهذا جار في جميع كبريات الشكل الأول بالنسبة إلى الأصغر (انتهى).

وبهذه يمكن تتميم البرهان السلمي بأن كل بعد من الابعاد المفروضة [فيه] يجب أن يوجد فيما فوقه فكذا الكل الغير المتناهي.

الثالثة: اعلم أن من النسب والإضافات ما هي فرع اعتبار العقل وانتزاعه

حتى لو لم يعتبرها العقل لم يتحقق في نفس الامر أصلا، وذلك إنما يكون إذا كان الموصوف أو الاتصاف والنسبة والإضافة اعتباريا محضا يتوقف تحققه على اعتبار العقل وفرضه، ومنه العدد إذا كان معروضه غير موجود، فإن العدد عرض لا يتحقق إلا بتحقق معروضه وهو المعدود، ومنه وجود الوجود ولزوم اللزوم وهكذا لان الموصوف والمنتزع عنه فيهما لا يتحقق إلا بعد الانتزاع وتوجه العقل إليه قصدا وبالذات، فإن الموصوف لا يتحقق إلا بهذا، ومنه النسب الاعتبارية المحضة والانطباقات الحاصلة بين آحاد السلسلتين إذا كانت باعتبار هذه الوجوه كانت اعتبارية محضة تنقطع بانقطاع الاعتبار ومن الاتصافات والنسب ما ليست كذلك ولا يتوقف على اعتبار وفرض، بل هي متحققة في الواقع بدون فرض فارض، مثل لوازم الماهية والاتصافات الخارجية والنفس الأمرية، فإنا نجزم بديهة أن العدد موصوف بالزوجية أو الفردية، والسماء موصوفة بالفوقية بالنسبة إلى الأرض، والأب بالأبوة، والابن بالنبوة وإن لم يفرض العقل، بل انتزاع العقل تابع لما هو متحقق في الواقع وإلا صح انتزاع كل أمر من كل شئ، والمنبهات عليه كثيرة لا تخفى. فظهر أن انتزاع العقل وصحة حكمه تابع وفرع للواقع، وليس لفرض العقل مدخل في صحة هذه الأمور وتحققها، وهذا القدر كاف في دفع الاعتراضات الواردة على البراهين الآتية. ولنشرع في إيراد البراهين على وجه الاختصار وإن كانت مذكورة في كتب القوم.

الأول: برهان التطبيق، وهو أم البراهين وله تقريرات:

الأول: لو تسلسلت أمور مترتبة إلى غير النهاية بأي وجه من وجوه الترتيب

اتفق كالترتيب الوضعي والطبعي، أو بالعلية، أو بالزمان، وسواء كانت عددا أو زمانا، أو كما قارا، أو معدودا، أو حركة، أو حوادث متعاقبة فنفرض من حد معين منها على سبيل التصاعد مثلا سلسلة غير متناهية، ومن الذي من فوق الأخير أيضا سلسلة أخرى، ولا شك في أنه يتحقق هناك جملتان إحداهما جزؤ للأخرى ولا في أن الأول من إحداهما منطبق على الأول من الأخرى والثاني على الثاني في نفس الامر، وهكذا حتى يستغرق التطبيق كل فرد فرد بحيث لا يشد فرد فإن كان في الواقع بإزاء كل واحد من الناقصة واحد من الزائدة لزم تساوي الكل والجزء وهو محال، أو لا يكون فقد وجد في الزائدة جزء لا يكون بإزائه من الناقصة شئ، فتتناهى الناقصة أولا، ويلزم تناهي الزائدة أيضا، لان زيادتها بقدر متناه هو ما بين المبدئين وقد فرضناهما غير متناهيين وهذا خلف.

واعلم أنه لا حاجة في التطبيق إلى جذب السلسلة الناقصة أو رفع التامة و تحريكهما عن موضعهما حتى تحصل نسبة المحاذاة بين آحاد أجزاء السلسلتين ويحصل التطبيق باعتبار هذه النسبة، بل النسب الكثيرة في الواقع متحققة بين كل واحدة من آحاد إحدى السلسلتين مع آحاد السلسلة الأخرى بلا تعمل من العقل فإنه للأول من السلسلة التامة نسبة إلى الأول من الناقصة وهو الخامس من السلسلة الأولى بعد اسقاط أربعة من أولها وللثاني من الأولى إلى السادس من الثانية، وللثالث من الأولى إلى السابع من الثانية تلك النسبة بعينها، وهكذا في جميع آحاد السلسلتين على التوالي حتى يستغرق، وكذا الأول من السلسلتين موصوف بالأولية، والثاني بالثانوية والثالث بالثالثية وهكذا، وباعتبار كل من تلك النسب والمعاني تنطبق السلسلتان في الواقع كل جزء على نظيره على التوالي، ولما كان أول الناقصة منطبقا على أول الزائدة وتاليها على تاليها وهكذا على التوالي كل على نظيره حتى يستغرق [الكل] ولا يمكن فوات جزء من البين لترتب الجملتين واتساقهما، فلا بد أن يتحقق في الزائدة جزء لا يوجد في الناقصة نظيره، وإلا لتساوي الجزء والكل

فيلزم انقطاع الناقصة وزيادة الزائدة بقدر متناه.

واعترض على هذه الدليل بالنقض بمراتب العدد وكل متناه بمعنى لا يقف كأجزاء الجسم ومثل اللزوم ولزوم اللزوم وهكذا والامكان ونظائرهما، فان الدليل يجري فيها.

والجواب: أن غير المتناهي اللا يقفي يستحيل وجود جميع أفراده بالفعل لاستحالة وجود غير المتناهي، بل لان حقيقة اللا يقفية تقتضي ذلك، فإنه لو خرج جميع أفرادها إلى الفعل ولو كانت غير متناهية يقف ما فرضنا أنه لا يقف، ويلزم في أجزاء الجسم الجزء الذي لا يتجزأ، وفي المراتب العددية أن لا يتصور فوقه عدد آخر، وهو خلاف البديهة، بل مفهوم الجميع ومفهوم اللا يقف متنافيان كما قرروه في موضعه.

إذا تقرر هذا فنقول: لعله يكون وجود جميع الافراد خارجا وذهنا مستحيلا نعم يمكن ملاحظتها إجمالا في ضمن الوصف العنواني فلا يجري فيه البرهان، وإنما يتم النقض لو ثبت أن جميع مراتب الاعداد المستحيلة الخروج إلى الفعل موجودة مفصلا مرتبا في الواقع.

وإن أورد النقض بتحققها في علمه سبحانه فالجواب أن علمه سبحانه مجهول الكيفية لا تمكن الإحاطة به، وأنه مخالف بالنوع لعلومنا، وإنما يتم النقض لو ثبت تحقق جميع شرائط البرهان في علمه تعالى، وفي المعلومات باعتبار تحققه في هذا النحو من العلم وهو ممنوع. وفي خبر سليمان المروزي في البداء إيماء إلى حل هذه الشبهة لمن فهمه، وقد مر في المجلد الثاني والرابع.

الثاني: لو كانت الأمور الغير المتناهية ممكنة لأمكن وقوع كل واحد من إحدى السلسلتين بإزاء واحد من الأخرى على سبيل الاستغراق، إلى آخر الدليل.

وهذا التقرير جار في غير المرتبة أيضا، لكنه في المرتبة المتسقة أظهر، ومنع الامكان الذاتي مكابرة. وكيف يتوقف الذكي في أن القادر الذي أوجده أولا مرتبا يمكنه أن يوجده مرة أخرى مرتبا منطبقا، وأن يرتب الغير المرتبة؟

وإنكاره تحكم، ومنعه مكابرة.

الثالث: ما قرره المحقق الطوسي وهذبه الفاضل الدواني، ولا يرد عليه شئ من الايرادات المشهورة، ويكون الانطباق فيه انطباقا برهانيا لا مجال لتشكيك الوهم فيه. وتقع فيه الزيادة والنقصان في الجهة التي فرض فيها عدم التناهي، وهو أن يقال: تلك السلسلة المرتبة علل ومعلولات بلا نهاية في جانب التصاعد مثلا، وما خلا المعلول الأخير علل غير متناهية باعتبار، ومعلولات غير متناهية باعتبار، فالمعلول الأخير مبدء لسلسلة المعلولية، والذي فوقه مبدء لسلسلة العلية، فإذا فرضنا تطبيقهما بحيث ينطبق كل معلول على علته وجب أن تزيد سلسلة المعلولية على سلسلة العلية بواحد من جانب التصاعد، ضرورة أن كل علة فرضت لها معلولية وهي بهذا الاعتبار داخلة في سلسلة المعلول، والمعلول الأخير داخل في جانب المبدء في سلسلة المعلول دون العلة، فلما لم تكن تلك الزائدة بعد التطبيق من جانب المبدء كانت في الجانب الآخر لا محالة، لامتناع كونها في الوسط لاتساق النظام، فيلزم الانقطاع وأن يوجد معلول بدون علة سابقة عليه، تأمل فإنه دقيق. ويجري هذا الدليل في غير سلسلة العلل والمعلولية من الجمل المترتبة، فإن كل جملة فإن آحادها موصوفة في الواقع بالسابقية والمسبوقية بأي نوع كان من السبق، وبغيرها من النسب الواقعية المتضائفة.

البرهان الثاني: برهان التضايف، وتقريره لو تسلسلت العلل إلى غير النهاية لزم زيادة عدد المعلولية على عدد العلية، والتالي باطل. بيان الملازمة أن آحاد السلسة ما عدا المعلول الأخير لها علية ومعلولية فيتكافأ عددهما ويتساوى فيما سواه وبقيت معلولية المعلول الأخير زائدا، فيزيد عدد المعلوليات الحاصلة في السلسلة على عدد العليات الواقعة فيها بواحد. وهذا الدليل يجري في كل سلسلة يتحقق فيها الإضافة في كل فرد منها في الواقع لا بحسب اختراع العقل، وجريانه في المقادير المتصلة مشكل، فإن إثبات إضافة في كل حد من الحدود المفروضة فيها في الواقع

مشكل، اللهم إلا أن يقال: كل جزء من أجزاء المقدار المتصل متصف في الواقع لا بمجرد الفرض بصفات حقيقية يتصف باعتبارها بالتقدم والتأخر بحسب الوضع وهما متضائفان حقيقيان ويؤيد ذلك أنهم قد صرحوا بأن أجزاء الأجسام موجودة في الواقع بوجود الكل، وليست القسمة إيحادا للجزئين من كتم العدم بل تمييز وتعيين حد بين الجزئين الموجودين فيه. وفيه أنه يلزم انتهاء أجزاء الجسم ويلزم الجزء الذي لا يتجزأ.

ثم اعلم أن هذا البرهان في التسلسل في أحد الجانبين فقط ظاهر، وأما في التسلسل في الجانبين فقد يتوهم عدم جريانه فيه، ودفعه أنا إذا أخذنا معلولا معينا ثم تصاعدنا أو تسافلنا يجب أن يكون المتضائفان الواقعان في تلك السلسلة متساويين ويتم الدليل، ضرورة أن مضائف العلية الواقعة في تلك القطعة هو المعلولية الواقعة فيها، لا ما يقع فيما تحت القطعة من الافراد، مثلا إذا كان زيد علة لعمرو وعمرو لبكر فمضائف معلولية عمرو هو علية زيد لا غير، بل الاثنان منها على التوالي متضائفان تتحقق بينهما إضافة شخصية لا تتحقق في غيرهما، فالمضائف للمعلول الأخير المأخوذ في تلك القطعة هي علية القرينة التي فوقها لا غير فافهم. والاعتراضات الواردة على هذا الدليل من اعتبارية المتضائفين وغيرها مدفوعة بما مهدنا من المقدمات بعد التأمل فلا نطيل الكلام بالتعرض لدفعها.

البرهان الثالث: ما أبداه بعض الأزكياء من المعاصرين، وسماه (برهان العدد والمعدود) وهو عندي متين، وتقريره: أنه لو تحققت أمور غير متناهية سواء كانت مجتمعة في الوجود أولا وسواء كانت مترتبة أم لا، تحقق لها عدد، لان حقيقة العدد هي مجموع الوحدات، ولا ريب في تحقق الوحدات وتحقق مجموعها في السلسلة فتعرض العدد للجملة لا محالة، إذ لا حقيقة للعدد إلا مبلغ تكرار الوحدات، ويظهر من التأمل في المقدمات ذلك المطلوب أيضا كما لا يخفى، وكل مرتبة يمكن فرضها من مراتب الاعداد على سبيل الاستغراق الشمولي فهي متناهية لأنه يمكن فرض مرتبة أخرى فوقها، وإلا لزم أن تقف مراتب العدد، وهو خلاف

البديهة، بل هي محصورة بين حاصرين: أحدهما الوحدة، والآخر تلك المرتبة المفروضية أخيرا، فالمعدود أيضا وهو مجموع السلسلة الغير المتناهية أيضا متناهية لأنه لا يمكن أن يعرض للمجموع بحيث لا يشذ منه فرد إلا مرتبة واحده من مراتب العدد من جهة واحدة، وكل مرتبة يمكن فرضها فهي متناهية كما مر نعم لو أمكن فرض جميع المراتب اللا يقفية للعدد، وأمكن تصور خروج جميع المراتب اللا يقفية إلى الفعل، وأمكن عروض أكثر من مرتبة واحدة للعدد للجملة الواحدة من جهة واحدة أمكن عروض العدد الغير المتناهي لهذه الجملة، لكنه محال. لأنه لا يمكن أخذ المجموع من الأمور اللا يقفية، ولا يتصور خروج الجميع إلى الفعل ولو على سبيل التعاقب، وإلا لزم أن يقف وهذا خلف وقد التزمه النظام في أجزاء الجسم بل نقول: مفهوم اللا يقفية ومفهوم المجموع متنافيان كما قرر في محله.

وهذا البرهان واضح المقدمات، يجري في المجمعة والمتعاقبة، والمترتبة وغير المترتبة بلا تأمل، وكذا جريان برهاني التطبيق والتضايف ظاهر بعد الرجوع في المقدمات الممهدة، والنظر الجميل في التقريرات السابقة. وذهب المحقق الطوسي - ره - في التجريد إلى جريان التطبيق والتضايف فيها، وقال في نقد المحصل بعد تزييف أدلة المتكلمين على إ بطل التسلسل في المتعاقبة. فهذا حاصل كلامهم في هذا الموضع، وأنا أقول: إن كل حادث موصوف بكونه سابقا على ما بعده، ولاحقا بما قبله، والاعتباران مختلفان، فإذا اعتبرنا الحوادث الماضية المبتدئة من الآن تارة من حيث كل واحد منهما سابق وتارة من حيث هو بعينه لاحق كانت السوابق واللواحق المتبائنتان بالاعتبار متطابقتين في الوجود لا نحتاج في تطابقهما إلى توهم تطبيق، و مع ذلك يجب كون السوابق أكثر من اللواحق في الجانب الذي وقع النزاع فيه فإذن اللواحق متناهية في الماضي لوجوب انقطاعها قبل انقطاع السوابق، والسوابق زائدة عليها بمقدار متناه فتكون متناهية أيضا (انتهى).

واعترض عليه بأن في التطبيق لا بد من وجود الآحاد على نحو التعدد والامتياز، أما في الخارج فليس، وأما في الذهن فكذلك لعجز الذهن عن ذلك، و

كذا لا يمكن للعقل تحصيل الامتياز، ووجود كل واحد في الأوقاف السابقة على زمان التطبيق لا يفيد، لأنه يرجع إلى تطبيق المعدوم، فإن الوجود ضروري عند التطبيق. وأيضا لابد في الانطباق من وجود مجموع الآحاد، وذلك المجموع لا يمكن وجودها، لان ذلك المجموع لم يكن موجود أقبل الحادث الأخير، وبعده لم يبق شئ منه موجودا، والقول بوجودها في مجموع الأوقاب على سبيل التدريج كالحركة القطعية يدفعه أن وجود الكل في جميع الأوقاف على هذا النحو يستلزم وجود الكل بدون شئ من أجزائه. وفيه بحث، إذ يكفي لوجود هذا الكل وجود أجزائه في أجزاء زمان الكل (انتهى).

والتحقيق أن الموجود قد يوجد في ظرف الزمان وهو الدفعيات، وقد يوجد في نفس الزمان وهو التدريجيات، والامر التدريجي مجموعها موجودة في مجموع زمان وجودها على سبيل الانطباق، وليس المجموع موجودا في أبعاض الزمان، ولا في آن من الآنات. فإن سئل: الحركة في اليوم هل هي موجودة في آن من آنات اليوم المفروض أو شئ من ساعاته؟ فالجواب أنها ليست بموجودة أصلا بل في مجموع اليومين، وقد بين ذلك بوجه شاف في مظانه، وانطباق الحوادث المتعاقبة الزمانية بعضها على بعض من قبيل الثاني، فالتطبيق موجود في كل زمان لا في آن فآن، و الانطباق حكمه حكم المنطبقين، كانطباق الحركة على الزمان وانطباق الحركة على المسافة، وهذا ظاهر، ألا ترى أن الكرة المدحرجة على سطح مستو تنطبق دائرة من محيط الكرة على المسافة جزما، وانطباقها لا يمكن أن يكون في آن لأنه لا يمكن التماس بين المستدير والمستوي إلا بنقطة، فظهر أن انطباقهما تدريجي في كل الزمان، أو لا تعلم أن الحركة والزمان متطابقان تدريجا في كل زمان الحركة، ولو لم ينطبق الزمان على الحركة لم يكن مقدارا لها، سواء كانا موجودين في الخارج أولا.

ويمكن الجواب أيضا على القول بعدم وجود الزمانيات بأنه لا شك أن الآحاد المتعاقبة من إحدى السلسلتين منطبقة في الواقع على الآحاد السلسلة الأخرى التي كانتا هما معا في الوجود في أزمنة وجودهما وإن لم يكونا موجودين حال حكمنا ووجودهما حال الحكم غير لازم في جريان البرهان، بل وجودهما حين الانطباق وليس من قبيل تطبيق المعدوم على المعدوم، بل من قبيل الحكم بانطباق المعدوم في حال الحكم على المعدوم الموجودين معافي حال الانطباق وذلك مثل سائر الأحكام الصادقة على الأمور الماضية.

وقيل أيضا: إن التطبيق يتوقف على الترتيب، وهو يتوقف على تحقق أوصاف ونسب وإضافات يسلكها في سلك الترتيب، وفي المتعاقبة لا يوجد ذلك، فإن فيما عدا الحادث الأخير لا يوجد شئ من طرفي النسبة، وفي الحادث الأخير لا يوجد إلا طرف واحد، فلا يتحقق النسبة أيضا ضرورة أنها فرع المنتسبين.

فان قلت: لعل الاتصاف في الذهن كما قالوا في اتصاف أجزاء الزمان بالتقدم والتأخر.

قلت: لما كانت الحوادث لا نهاية لها فلا يمكن التفصيل في الأذهان والمبادئ العالية، والوجود الاجمالي غير كاف لعدم الامتياز فيه (انتهى).

والجواب: أنه يجزم العقل بأن حوادث زمان الطوفان في الخارج قبل حوادث زمان البعثة وقبل الحادث اليومي بلا ريب، ولا يتفرع على اعتبار العقل كيف وهم معترفون بأن الحادث المتقدمة علة معدة للحادث المتأخر بالعلية و المعلولية الخارجية، فإن العلة ما لم توجد في الخارج من حيث إنها علة لم يوجد المعلول في الخارج، وهما متضائفان، فظهر أن النسبة بالعلية والمعلولية متحققة بين المعلول والعلة المعدة، ووجودها السابق وعدمها علة، فتحققت النسبة بين

المعدوم والموجود. والحق أن طرفي النسبة لا يمكن أن يكونا معدومين بالعدم المطلق، وإذا تحققا نوع تحقق لم يجتمعا في الوجود فإن العقل يجوز تحقق النسبة بينهما ولم ينقبض عنه. ومن تصور حقيقة وجود الاعراض التدريجية تصور كيفية النسبة بين أجزائها المتعاقبة، وقل استبعاده وأذعن بها.

ثم إن النسبة بالتقدم والتأخر بين أجزاء الزمان في الواقع من غير فرعية ولا اعتبار العقل وتصوره واتصافها بالصفات الثبوتية والحكم بالأحكام النفس الأمرية بل الخارجية المستلزمة لثبوت المثبت له في الواقع مما لا يشك فيه أحد وليس من الاحكام المتفرعة على اعتبار العقل الحاصلة بعد فرضه، وليس بحاصل بالفعل إلا بعد الفرض، فإنه لو كان كذلك لكان حكم العقل بأن هذا الجزء متقدم وذاك متأخر في الخارج من الاحكام الكاذبة، لأنه في الخارج ليس كذلك في الحقيقة ألا ترى أنه يصح الحكم على الدورات الغير المتناهية من الحركة و الزمان بالتقدم والتأخر والقسمة، والانتزاع الاجمالي غير كاف لاتصاف كل جزء جزء بالتقدم والتأخر، والتفصيل يعجز عنه العقل عندهم، فكيف تكون هذه الاتصافات بعد فرض الاجزاء كما ذهبوا إليه.

وقد ذهب بعض المحققين في جواب شك من قال: لم اتصف هذا الجزء من الزمان بالتأخر وذاك بالتقدم؟ إلى أن هذه الاتصافات مستندة إلى هويات

الاجزاء وتشخصاتها الحاصلة لها، فكما أنه لا يصح السؤال بأن زيدا لم صار زيدا وعمروا عمروا لا يصح السؤال بأنه لم صار أمس أمس واليوم اليوم. و ذهبوا أيضا إلى أن اختلاف أجزاء الفلك بالقطب والمنطقة مستند إلى هوية الاجزاء ليس بفرض فارض بل موجودة فيه حقيقة، لكن الاجزاء وهوياتها موجودة بوجود الكل بوجود واحد، وكما أن أجزاء الجسم وتشخصاتها موجودة بوجود الجسم [و] بوجود قار كذلك أجزاء الزمان والحركة موجودة بوجود الكل بوجود تدريجي بلا تفاوت، والمناقشة في هذه ناشئة من عدم تصور الوجود التدريجي كما ينبغي، فلا ينافي اتصال الزمان والحركة إذا كانت موجودة بوجود واحد، فإن هذا النوع من الاختلاف لا يستلزم القسمة بالفعل والانفصال بعد الاتحاد بوجود الكل.

ثم إنهم قاطبة صرحوا بأن الصفة لا يجب تحققها في ظرف الاتصاف، و المحكوم به لا يجب وجوده في الحكم مع أنه نسبة، وذهبوا أيضا إلى تساوي نسبة الممكن إلى طرفي الوجود والعدم، وإلى صحة الاتصاف بنحو العمى من الأمور العدمية في الخارج إلى غير ذلك من النظائر. ولا يخفى أنه يمكن إجزاء جميع

ما ذكرنا في جريان هذا الدليل في المتعاقبة في جريان سائر البراهين فيها، فلا نطيل الكلام بالتعرض لخصوص كل مها.

البرهان الرابع: ما أورده الشيخ الكراجكي في الكنز بعدما أورد برهان التطبيق بوجه مختصر أنيق، قال: دليل آخر على تناهي ما مضى، وهو أنه قد مضت أيام وليالي وقفنا اليوم عند آخرها، فلا يخلو أن تكون الأيام أكثر عددا من الليالي، أو الليالي من الأيام، أو يكونا في العدد سواء، فإن كانت الأيام أكثر من الليالي تناهت الليالي، لأنها أقل منها، واقتضى ذلك تناهي الأيام أيضا، لبطلان اتصالها قبل الليالي بغير ليال بينها، فوجب على هذا الوجه تناهيهما معها، وإن كانت الليالي أكثر من الأيام، كان الحكم فيهما نظير ما قدمنا من تناهي الأول، فتتناهى الأيام لزيادة الليالي عليها، ويقتضي ذلك تناهي الليالي أيضا لما مر، فيلزم تناهيهما معها. وإن كانت الأيام والليالي في العدد سواء، كانا بمجموعهما أكثر عددا من أحدهما بانفراده، وهذا يشهد بتناهيهما، إذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عددا أكثر منه، وقد علمنا أن الأيام مع الليالي جميعا أكثر عددا من أحدهما، وهذا موضح عن تناهيهما. وبهذا الدليل نعلم أيضا تناهي جميع ما مضى من الحركات والسكنات، ومن الاجتماعات والافتراقات، ومن الطيور و البيض والشجر والحب وما يجري مجرى ذلك (انتهى).

ثم اعلم أنه يمكن إبطال ما ادعوه من التسلسل في الأمور المتعاقبة بل في غير المرتبة أيضا بوجوه أخرى نذكر بعضها:

الأول أنهم قالوا بالحوادث الغير المتناهية التي كل سابق منها علة معدة للاحق على سبيل الاستغراق، وأن إيجاد الواجب تعالى لكل منها مشروط بالسابق تحقيقا للأعداد، وتصحيحا لارتباط الحادث بالقديم، وأنه تعالى ليس بموجب تام لواحد منها. إذا تقرر هذا فنقول: لو تسلسلت المعدات على ما ذهبوا إليه لا إلى نهاية لزم أن يكون وجوب كل واحد منها وجوبا شرطيا، بمعنى أنه يجب كل

منها بشرط وجود سابقة، ولا ينتهي إلى الوجوب القطعي البت الذي يكون تعالى موجبا له لذاته بدون شرط، لأنه عندهم أنه تعالى ليس بموجب تام لكل واحد من المعدات بل الحوادث مطلقا، وتأثيره تعالى في كل منها موقوف على تأثيره في معد سابق عليه لا إلى نهاية فوجوب كل منها وجوب شرطي لا يجب حتى يجب سابقه والوجوب الشرطي غير كاف لتحقق واحد منها، فإنه بمنزلة قضايا شرطية غير متناهية مقدم كل لاحق تال لسابقه، فإنه ما لم ينته إلى وضع مقدم لم ينتج شيئا ولو توقف تأثير الواجب في كل حادث وإيجاده إياه على إيجاد حادث آخر ولم تجب لذاتها تلك الايجادات لكان يجوز للواجب ترك إيجاد الحوادث بالكلية، و ما لم يمتنع هذا الاحتمال في نفس الامر لم يجب واحد منها في الواقع، لان وجوب كل حادث إنما هو بشرط إيجاد حادث آخر، وهكذا الكلام في ترك الايجاد رأسا وما لم يمتنع جميع أنحاء ارتفاعاته وعدماته في الوقع لم يجب وجوده.

وتوهم بعضهم أنه لا يمكن ارتفاع جميع الحوادث، لاستلزامه ارتفاع الطبيعة القديمة المستندة بلا شرط إلى الواجب تعالى شأنه. وهو مردود بأنه لا يعقل استناد

الطبيعة بلا شرط إلى الواجب جل شأنه، لان الطبيعة عندهم إذا كانت ذاتية لما تحتها فإنما هي مجعولة بجعل ما هي ذاتية له جلا واحدا، ولا يمكن تعلق جعل على حدة بالطبيعة الكلية قطعا، وجعل كل فرد من أفراد الطبيعة عندهم إنما هو بشرط سبق معد. نعم لو تحقق تأثير منفرد في الطبيعة وراء التأثير في الافراد لوجب أن يكون التأثير من الواجب فيها إما ابتداء، أو بواسطة قديمة، وتأثير الواجب في القديم بلا واسطة وشرط أو بواسطة قديمة إنما هو منشأ استحالة انعدام القديم عندهم. فظهر أن سلسلة الحوادث يجب أن تنتهي إلى حادث يجب وجوده عن الواجب بلا شرط معد فتنقطع سلسلة الحوادث به لأنه لا يجوز تقدم شرط أو معد من الحوادث عليه. وكذا يمكن إجراء كثير من براهين إثبات الواجب التي لا يتوقف على إبطال الدور والتسلسل هنا بأدنى تصرف لا يخفى على الفطن اللبيب، فإن تأثير الواجب تعالى عندهم في كل حادث يتوقف على معد، ووجود الواجب مع عدم المعد في حكم قوة فرض عدمه تعالى والعياذ بالله في عدم التأثير والعلة التامة عندهم هو الواجب مع المعد، ومجموع المركب من الواجب والممكن ممكن، فالعلل التامة لجميع الحوادث الغير المتناهية ممكنات، فكما لا ينفع التزام التسلسل في مسألة إثبات الواجب لا ينفع التزامه هنا أيضا، إذ الأدلة الدالة على إثبات الواجب بدون التمسك بإبطال التسلسل يجري هنا أيضا بأدنى تفاوت.

الثاني أن نقول: على تقدير تسلسل الحوادث على سبيل التعاقب يلزم أن يتقدم على كل حادث من الحوادث على سبيل الاستغراق عدم أزلي لحادث حادث والحادث الأول والثاني يجتمعان في العدم، إذ يوجد في الواقع مرتبة من المراتب

كانا معدومين فيها، واجتمع معهما عدم الحادث الثالث، ضرورة أن عدم كل حادث أزلي، وأن عدم الحادث المتأخر وإن كان أطول امتدادا من الحادث المتقدم إلا أن الكل متحقق في ظرف الزمان إذ طبيعة الزمان أزلية عندهم، والاعدام كلها أزلية فلا بد من اجتماعها قطعا في زمان ما، ويجتمع مع هذه الاعدام الثالث عدم الحادث الرابع، وهكذا على ترتيب الآحاد على التوالي، فإما أن يستغرق هذا الاجتماع أعدام جميع الآحاد فيكون جميع الحوادث معدوما في مرتبة ما من المراتب الواقعية فتأخر جميع الحوادث عن تلك المرتبة الواقعية، ويكون الجميع معدوما في تلك المرتبة فيكون لها مبدأ وانقطاع، وهو المطلوب. وإن لم يستغرق فينتهي إلى حادث معين لا يجتمع عدمه مع عدم ما قبله من الحوادث إما لان هذا الحادث لا يسبقه عدمه فيكون قديما بالشخص، وإما لان الحادث الذي قبله لا يسبقه عدم أزلي فيكون ذلك قديما، ضرورة أنه لو تقدمهما عدم أزلي يجب اجتماعهما مع ما تأخر عنهما، فنقطع سلسلة الحوادث على أي تقدير.

لا يقال: كل جمله متناهية يجتمع في العدم ويتحقق عدم سابق على الجميع وأما جملة الحوادث الغير المتناهية فلا.

لأنا نقول: قد بينا أن هذا الحكم مستغرق لجميع الآحاد على التوالي وقد مر في المقدمات الممهدة أن أمثال هذه الأحكام على كل فرد تسري إلى الجملة، فلا مجال لهذا التوهم.

ولك أن تقول: ههنا سلسلتان: إحداهما سلسلة وجودات الحوادث، والأخرى سلسلة عدماتها، فإذا أخذنا مجموع الوجودات بحيث لا يشذ عنها فرد وكذا العدمات فلا شك أن جملة العدمات بحيث لا يشذ فرد متقدمة على جملة الوجودات، لتقدم كل فرد منها على نظيره وعديله، ومثل هذا الحكم يسري من الآحاد إلى الجملة ولان جملة العدمات لما كان كل فرد منها أزليا وجملة الحوادث حادثة وتقدم الأزلي على الحادث ضرورية، ولا شبهة في إمكان أخذ المجموع بحيث لا يشذ فإنه ليس من قبيل الجملة اللا يقفية التي لا يمكن فيها أخذ المجموع بحيث لا يشذ وقد أخذوا جملة الممكنات في دليل إثبات الواجب، فيكون ممكنا، فلا يكون في تلك المرتبة شئ من الحوادث، وهو الانقطاع.

ولنا أيضا أن نقول: يتقدم على كل حادث عدم أزلي هو عدم لهذا الحادث وينعدم معه جميع ما بعده من الحوادث التي هو معدلها، وسبق هذا العدم يستوعب جميع آحاد سلسلة الحوادث، وحكم الآحاد يسري إلى الجملة فيلزم عدم مجموع الحوادث رأسا وانقطاعها. أو نقول: مجموع الحوادث واحد شخصي، لان كل جزء منه واحد شخصي وحادث أيضا، لان جميع أجزائه حادث فيلزم الانقطاع.

ونقول أيضا: السلسلة المذكورة معدات عندهم، والمعد يعتبر وجوده وعدمه في المعلول المتأخر، وكلاهما سابق عليه، فنأخذ سلسلة العدمات اللاحقة السابقة على وجود المعلولات ونقول: إما أن يستغرق سبق كل فرد من العدمات لكل فرد من وجودات الحوادث، النظير على النظير، فيلزم تقدم جملة سلسلة العدمات إذا أخذنا بحيث لا يشذ منها شئ على سلسلة وجودات الحوادث، وهو يستلزم الانقطاع وتقدم عدم اللاحق على الموجود، وهذا خلف. وإن لم يستغرق فينتهي إلى فرد لا يسبقه عدم المعد، فتنقطع سلسلة المعدات.

وعلى هذه التقريرات لا يتوجه ما قيل إن الأزل ليس وقتا محدودا تجتمع فيه العدمات وغيرها، بل مرجعه إلى أن قبل كل حادث حادث إلى غير النهاية

وهكذا عدم الحوادث ولا محذور فيه، لان اجتماع العدم الأزلي الغير المتناهي في الماضي في زمان مع عدم تناهي الزمان عندهم مع مثله بالغا ما بلغ سواء كانت الاعدام متناهية أم لا بديهي، ولا يلزمنا تعيين زمان معين للأزل. وكذا ما قيل: وإن تحقق في الأزل عدم الحوادث لكنه عدم كل حادث مقرون بوجود حادث تقدم على ذلك الحادث أبدا فلا يتحقق وقت ينتهي فيه جميع الموجودات ويبقى صرف العدم. وهذا مع أنه مدفوع بما قررنا لو تم فهو فساد آخر نشأ من عدم تناهي الحوادث، إذ جميع المفاسد التي ذكرنا إنما نشأت من الحوادث إلى غير النهاية.

ويمكن أن يقال أيضا: إن الحادث اليومي مسبوق بعدم معده، وبعدم معد معده وهكذا إلى غير النهاية، وعدم المعد البعيد بواسطة أطول امتدادا من عدم المعد القريب، والمعد البعيد بواسطتين أطول منهما، والمعد الأبعد بثلاث وسائط أطول من الثلاثة، وكلما تمتد سلسلة المعدات تتزايد امتداد الاعدام اللاحقة للمعدات فلو ذهبت السلسلة إلى غير النهاية لزم أن يمتد العدم اللاحق لا إلى نهاية، مع أنه عدم لاحق مسبوق بوجود المعد، واستحالته ظاهرة. وهذا برهان لطيف قوي لا يرد عليه ما يرد على برهان السلم، لان جميع الاعدام الغير المتناهية جزء للعلة التامة للحادث اليومي [مجتمعة ووجودات المعدات] متحققة في الواقع، متمائزة بخلاف برهان السلم لان ازدياد الانفراج هنا على سبيل اللا يقف وموقوف على فرض النقاط في الساقين.

الثالث: قال بعض المحققين: إن الأمور الغير المتناهية مطلقا يستلزم الأمور الغير المتناهية المترتبة، ويلزم منه تناهي النفوس وحدوثها على بعض الوجوه، كما سلف بيانه أن المجموع متوقف على المجموع إذا أسقط منه واحد، وذلك المجموع على مجموع أقل منه بواحد، وهكذا إلى غير النهاية، فيجري التطبيق والتضايف بين المجموعات الغير المتناهية إذ هي أمور موجودة مترتبة.

(المقصد الخامس) في دفع بعض شبه الفلاسفة الدائرة على ألسنة المنافقين، والمشككين القاطعين لطريق الطالبين للحق واليقين، وفيه مراصد:

المرصد الأول: قالوا: إذا لاحظنا الواجب تعالى شأنه في طرف، وجميع ما عداه بحيث لا يشذ منها شئ في طرف آخر، فحينئذ إما أن يكون الواجب سبحانه علة تامة لشئ ما أولا؟ وبعبارة أخرى: جميع ما لابد منه في وجود شئ ما سواء كان ذلك الشئ الإرادة الزائدة أو غيرها إما ذاته تعالى أولا؟ وعلى الأول يكون ذلك الشئ معه دائما في الأزل، لاستحالة تخلف المعلول عن العلة التامة، وعلى الثاني يستحيل وجود شئ ما أبدا، لاستحالة التغير في ذاته تعالى. وبعبارة أخرى وبوجه أبسط وهو أن يقال: ذات الواجب تعالى إما أن يستجمع جميع شرائط التأثير في الأزل أولا؟ وعلى الأول يلزم قدم الأول بالضرورة، لامتناع التخلف عن الموجب التام، وعلى الثاني توقف وجود الأثر وهو العالم على شرط حادث، وننقل الكلام إليه حتى يلزم التسلسل:

اما على سبيل الاجتماع: وهو باطل بما مر، وأيضا نقول: إذا أخذنا مجموع تلك الشروط بحيث لا يشذ عنها شرط، فإما أن يتوقف وجودها على شرط آخر غير ذات الواجب تعالى خارج عن مجموع الشروط، فلم يكن ما فرضناه جميعا جميعا وهذا خلف، أو لا يتوقف فيكون الذات وحده مستقلا بإيجاد ذلك المجموع، فإما أن يكون اجتماعها في آن حدوث الأثر فيلزم إما حدوث الواجب بالذات، وإما تخلف الشروط عن موجبها التام وكلاهما محالان، أو يكون اجتماعها في الأزل فيلزم قدم أشخاص غير متناهية من العالم هي الشروط، بل والمشروط وجوده بها أيضا، وإلا لزم تخلف المشروط عن موجبه التام وهو الواجب مع جميعها، إذا المفروض عدم شرط خارج عن المجموع. أو على سبيل تعاقب تلك الشروط إما في الحدوث

مع اجتماعها في البقاء فتجتمع في آن الحدوث أمور غير متناهية مترتبة موجودة وتجري فيها براهين إبطال التسلسل بالاتفاق، على أنه يلزم حينئذ قدم نوع الفعل وطبيعته وهو مطلوب في الجملة، وإما على سبيل تعاقبها حدوثا وبقاء بأن لا يجتمع اثنان منها في الوجود في زمان ولا في آن، فتكون طبيعة العالم قديمة محفوظة بتعاقب تلك الافراد الغير المتناهية، وتلك الأمور إنما يكون تعاقبها على مادة قديمة فيلزم أيضا قدم شخص هو المادة، ولكونها لا تنفك عن الصورة يكون الجسم قديما أيضا، أو يقال: لا يجوز وجود الشرائط على التعاقب أيضا فإن الفاعل لما توقف تأثيره في كل من الشرائط على شرط آخر، فهو في حد ذاته متساوي النسبة إلى طرفي الايجاد وتركه، فيتساوى فرض وجوده بحيث لا يوجد منه شئ من تلك الشروط أصلا وفرض وجوده موجدا له فلا يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لأمر خارج وننقل الكلام إليه حتى يظهر أنه يجب أن يكون بين البارئ تعالى والحوادث توسط أمر واحد ذاتا تتكثر إضافاته ونسبه، فيكون قديما بالذات وحادثا بالإضافة وهو الحركة، فأوجبوا وجود حركة قديمة بل وجود جسم قديم هو المتحرك بتلك الحركة وادعوا أنها حركة الفلك الأعظم فيكون قديما، وكذا ما في جوفه لامتناع الخلاء، ولان الحركة الواحدة البسيطة كما لا تختلف ذاتها لا تختلف اعداداتها للمادة الواحدة، لتشابه أجزائها في الحقيقة، وأثبتوا حركات مختلفة وأفلاكا كثيرة يحصل من اجتماعها واختلافها سرعة وبطء وجهة وأوضاع مختلفة من المقارنات والمقابلات والتربيعات والتسديسات والتثليثات وغير ذلك فتنتظم بها سلسلة الحوادث عندهم.

وهذه الشبهة بتلك التقريرات أقوى شكوكهم، وللتفصي عنها طرق:

الطريق الأول: ما هو المشهور بين المتكلمين، وهو أن يقال: إنهم يقولون بقدم العالم، لزعمهم لزوم توسط أمر ذي جهتي استمرار وتجدد بين الحادث اليومي والقديم لئلا يلزم التخلف عن العلة التامة، ونحن نقول: إنه الزمان، ولا يلزم القدم لكونه أمرا اعتباريا انتزاعيا، وأدلة وجوده مدخولة، ولا نقول بانتزاعه من

موجود ممكن حتى يلزم القدم أيضا بل هو منتزع من بقائه تعالى، فكما أنهم يصححون ربط الحادث بالقديم بالحركة والزمان كذلك نصححه أيضا بالزمان وكون الزمان مقدار حركة الفلك ممنوع، بل نعلم بديهة أنه إذا لم يتحرك الفلك مثلا يتوهم هذا الامتداد المسمى بالزمان، والقول بأنه لعله من بديهة الوهم لا يصغى إليه.

ثم إن الزمان وإن كان وهميا فمعلوم أنه ليس وهميا اختراعيا بل وهميا نفس أمري، ومثل الوهمي يصح أن يكون منشأ للأمور الموجودة في الخارج لا بأن يكون فاعلا لها بل دخيلا فيها مع أن محققي الفلاسفة وافقونا على كون الزمان الممتد المتصل أمرا انتزاعيا مرتسما في الخيال وخالفونا فيما هو منشأ لانتزاعه فقالوا بوجود أمر قديم سرمدي في الخارج لا امتداد له ولا تقدر، واعتقدوا أن له جهتي استمرار وتنقل كالحركة التوسطية وسموه بالآن السيال، وزعموا أن ذلك الامر يفعل باستمراره وسيلانه في الخيال أمرا ممتدا متصلا غير قار الاجزاء في الوجود

الفرضي الخارجي، أو في حدوث الارتسام كالحركة بمعنى القطع، وسموه بالزمان بمعنى القطع، كل ذلك من غير ضرورة ولا برهان يدل على ذلك الامر البسيط في الخارج، فإن الشيخ لم يزد في الشفاء على تحرير الدعوى وإعادته بعبارات متكررة في فصول شتى، ولا نقل عن السابقين عليه دليل في هذا الباب، واقتفى المقلدون أثرهم بحسن الظن بهم، وليت شعري إذا قنعوا بالتقليد فلم لم يقلدوا من قلدهم الله تقليده وتصديقه؟! على أن العقل المستقيم ينقبض عن وجود ذلك الامر في الخارج بل يمكن إبطاله أيضا بوجوه ليس هذا مقام إيرادها، مع أنه على هذا القول يرد عليهم ما يرد علينا.

وما قيل من أن الزمان الموهوم لا تمايز بين أجزائه وطلب الترجيح فيما بينها غير معقول، مدفوع بما مر من أنه وإن لم يكن موجودا لكنه من الأمور الواقعية التي يحكم العقل عليها بتلك الاحكام حكما واقعيا، مع أنه لو كان وهميا محضا لا يترتب عليه حكم لا يتحقق التخلف أيضا إذا لم يتخلل زمان بين العلة وأول المعلولات أصلا حتى يسأل عن الترجيح بين أجزائه فيلزم الترجيح بلا مرجح والامتداد المتوهم محض اختراع الوهم حينئذ.

وحاصل الجواب حينئذ: أنا نختار أنه ليس في الأزل مستجمعا لشرائط التأثير، قوله (توقف على شرط حادث) قلنا: هو تمام قطعة من الزمان يتوقف عليها وجود العالم ويرتبط به الحادث بالقديم على نحو ما التزمه الفلاسفة في الحركة إلا أن توسيط الحركة يستدعي قدم الحركة التوسطية السرمدية، بل قدم المتحرك بها، بل سائر الأجسام على ما عرفت، وفي هذا المسلك لا يلزم شئ من ذلك، لان الزمان وإن كان من الأمور المتحققة في نفسه الامر لكنه ليس من الموجودات الخارجية، ولا مما ينتزع من حركة أو جسم حتى يلزم من تحققه في الأزل قدمه، أو قدم منشأ انتزاعه، بل إنما ينتزع من ذات الأول تعالى وما قيل من أن حقيقة الزمان هي التقضي والاستمرار الممتد فلو كان انتزاعيا لكان منتزعا مما يناسبه ويشابه ماهيته كالحركة القطعية التي هي أمر تدريجي متصل غير قار

ووجود الواجب سبحانه أمر ثابت لا يتصور فيه شائبة تدريج وانقسام، فأي مناسبة بينه وبين ما ينتزع منه؟ فجوابه أن ما ادعيت من لزوم تحقق المناسبة بين كل انتزاعي ومنشأ انتزاعه حكم غير بين ولا مبين، ولئن سلمنا لزومه فهو لا ينحصر فيما نفهمه من الزمان من معنى التجدد والاتصال، ولعله تتحقق مناسبة ما بينهما من جهة أخرى خفية عن إدراكنا، وعدم الوجدان لا يعطي العدم، ألا ترى أن أكثر الانتزاعيات كالزوجية والفردية والفوقية والتحتية وغيرها ينتزع من محالها ولا يحكم وجداننا بتحقق مناسبات تفصيلية كل منتزع وما ينتزع منه، وذلك إما لعدم لزوم تحققها في الواقع، أو لعدم اطلاعنا على تفاصيلها، وأيام ما كان فليكن الامر فيما نحن بصدده كذلك، على أنه يرد مثل ذلك على الفلاسفة أيضا، إذ الزمان والحركة بمعنى القطع منتزعان عندهم من الآن السيال والحركة التوسطية مع مباينتهما فيما ذكره المورد من الأوصاف.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.