بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
باب حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الأمور 2
ج ۵۴، ص ۳۰۸–۳۱۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱۱ از ۱۱
إن الله خلق العقل وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره (الخبر) وهذا لا يدل على تقدم العقل على جميع الموجودات، بل على خلق الروحانيين، ويمكن أن يكون خلقها متأخرا عن خلق الماء والهواء، وأما خبر (أول ما خلق الله العقل) فلم أجده في طرقنا، وإنما هو في طرق العامة، وعلى تقديره يمكن أن يراد به نفس الرسول صلى الله عليه وآله لأنه أحد إطلاقات العقل، على أنه يمكن حمل العقل على التقدير في بعض تلك الأخبار، كما هو أحد معانيه، وكذا حديث (أول ما خلق الله القلم) يمكن حمله على الأولية الإضافية بالنسبة إلى جنسه من الملائكة، أو بعض المخلوقات كما يدل عليه خبر عبد الرحيم القصير الآتي في بابه.
(فائدة جليلة) اعلم أنه أورد إشكال في آيات سورة السجدة، حيث ظاهرها كون خلق السماوات والأرض وما بينهما في ثمانية أيام، مع أن سائر الآيات تدل على خلقها في ستة أيام والثاني ظاهر، والأول لأنه قال سبحانه أولا (خلق الأرض
في يومين) وقال بعده (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام) وقال بعد ذلك (فقضيهن سبع سماوات في يومين فيصير المجموع ثمانية، ويمكن التفصي عن ذلك بوجوه:
الأول: ما مر، وهو المشهور بين المفسرين، أن المراد بقوله (أربعة أيام) في تتمة أربعة أيام، بأن يكون خلق الأرض في يومين منها، وتقدير الأقوات فيها أو هو مع جعل الرواسي من فوقها والبركة فيها في يومين آخرين، ويؤيده كثير من الأخبار المتقدمة.
الثاني: ما ذكره بعض الأفاضل ممن كان في عصرنا - ره - في شرحه على الكافي: أن أربعة أيام مخصوصة بخلق ما على الأرض، أولها بخلق الرواسي، و الثاني بخلق البركة، والثالث والرابع بخلق الأقوات التي هي عبارة عن خلق الماء والمرعى المذكورين في سورة النازعات بقوله تعالى (أخرج منها ماءها ومرعاها) وأن اليومين اللذين خلق فيهما الأرض متحدان مع ما خلق فيهما السماوات، إلا أن الخلق في اليوم الأول متعلق بأصل السماوات والأرض، وفي اليوم الثاني بتمييز بعض أجزائهما عن بعض، فيصدق أن السماوات مخلوقة في يومين، والأرض في يومين ولا تزيد أيام خلق المجموع على الستة.
الثالث: ما ذكرناه في تأويل خبر الكافي بأن يكون يوما خلق السماوات داخلين في الأربعة فتذكر.
الرابع: ما ذكره بعض المحققين من المعاصرين وهو أن يكون الأيام الأربعة بل اليومان الأخيران أيضا في سورة السجدة غير الأيام الستة التي في سائر السور، ويؤيده تغيير الأسلوب بايراد لفظ الخلق في سائر الآيات، ولفظ الجعل والبركة والتقدير والقضاء سبعا في السجدة، ويؤيده لفظ (ما بينهما) في آيات سور الفرقان والتنزيل وق، فإنه سواء كان خلق الأرض وبعض ما عليها في أربعة
أيام وخلق السماوات في يومين أو خلق ما على الأرض في أربعة أيام وخلق السماوات والأرض في يومين كما في التأويلين السابقين لا يبقى لخلق ما بين السماوات والأرض كالهواء وما فيها من كائنات الجو وقت، فينبغي أن يحمل على أن خلق السماوات في يومين، وخلق الأرض في يومين غيرهما، وخلق ما بينهما في يومين غير الأربعة فيبلغ ستة كما هو ظاهر الآيات، فتتم في هذه الستة ما ذكره تعالى في سورة النازعات بقوله (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها) فيكون كل ما ذكره فيها متصلا به بقوله (والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها) في يوم آخر أو أيام أخر غير الستة المذكورة، ويؤيده ما روي أن دحو الأرض كان بعد خلقها بألفي سنة، فعلى ذلك لا يبعد أن يكون خلق ما سوى المذكورات كتقدير الأقوات و سار المخلوقات التي لا تعد ولا تحصى في أيام أخر، كيف وما في السماوات كالملائكة وما في تحت الأرض كالصخرة والديك والحوت وغيرها المذكورات في حديث زينب العطارة غير السماوات والأرض وما بينهما كما يرشد إليه التسبيح المأثور المشهور (سبحان الله رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن) فيكون خلقها في غير الستة المذكورة، فلا حاجة إلى تكلف لادخال زمان تقدير الأقوات وجعل الرواسي مثلا في زمان خلق السماوات والأرض وما بينهما، حتى لا يزيد زمان خلق المجموع على ستة أيام، وأما الروايات التي أيد بها التأويل فحملها على أن يكون المراد بها التعيين النوعي في أيام خلق كل من المذكورات فيها فلا ينافي أن يكون خلق الأشجار مثلا في أربعاء والمياه في أربعاء أخرى، وكذا خلق الشمس والقمر مثلا في جمعة وكل من النجوم والملائكة وآدم عليه السلام في جمعات اخر، فلا يلزم الاتحاد الشخصي، ولا التوالي في تلك الأيام، كيف ولو لم تحمل على ذلك لما أمكن الجمع بينها وبين
ما مر من الرضا عليه السلام من أن خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والأرض، وكذا بينها وبين ما لا ريب فيه لأحد من أن خلق الملائكة والجان قبل خلق آدم عليه السلام بدهور طويلة، وأما المنظومة المشهورة المنسوبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام من قوله:
لنعم اليوم يوم السبت حقا * لصيد إن أردت بلا امتراء وفي الأحد البناء لان فيه * تبدى الله في خلق السماء حيث صرح فيها بأن خلق السماء في يوم الأحد، فيمكن أن يجمع بينها و بين الروايات الدالة على أن خلقها في يوم الخميس بكون أصل خلقها في أحد ذينك اليومين، وتمييز بعضها عن بعض في اليوم الآخر، ومما يلائم هذا الجمع وقوع السماء بلفظ المفرد في المنظومة وبلفظ الجمع في الروايات، وإدراج لفظ الابتداء في المنظومة دون الروايات، فيسهل بما ذكرنا طريق الجمع بين الروايات المتعارضة الظواهر في هذا الباب.
ولنختم الكلام بذكر أقوال بعض من يعول على قوله من قدماء المؤرخين ليعلم اتفاق جميع فرق المسلمين على الحدوث، قال المسعودي - ره - وكان من علماء الإمامية في كتاب (مروج الذهب): اتفق أهل الملة جميعا من أهل الاسلام على أن الله خلق الأشياء على غير مثال، وابتدعها من غير أصل، ثم روى عن ابن عباس وغيره أن أول ما خلق الله عز وجل الماء فكان عرشه عليه، فلما أراد أن يخلق السماء أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسمي (السماء) ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين، و خلق الأرض على حوت، والحوت هو الذي ذكره الله في كتابه (ن والقلم وما يسطرون) والحوت والماء على الصفا، والصفا على ظهر ملك، والملك على صخرة والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي في القرآن (فتكن في صخرة) فاضطرب الحوت، فتزلزلت الأرض، فأرسى الله عليها الجبال فقرت، كما قال تعالى (أن تميد بكم) وخلق الجبال فيها، وخلق أقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في
يومين في يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، كما قال تعالى (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله ثم استوى إلى السماء وهي دخان) فكان ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها وجعلها سبعا في يومين في يوم الخميس ويوم الجمعة، وإنما سمي بالجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات و الأرض، ثم قال تعالى (وأوحى في كل سماء أمرها) أي وجعل في كل سماء خلقها من الملائكة والبحار وجبال البرد، ثم قال: وما ذكرنا من الاخبار عن بدء الخليقة هو ما جاءت به الشريعة، ونقله الخلف عن السلف، والباقي عن الماضي، عبرنا عنهم على ما نقل إلينا من ألفاظهم، ووجدنا في كتبهم من شهادة الدلائل بحدوث العالم وإيضاحها بكونه، ولم نعرض لوصف قول من وافق ذلك و انقاد إليه من الملل القائلين بالحدوث، ولا الرد على من سواهم ممن خالف ذلك و قال بالقدم، لذكرنا ذلك فيما سلف من كتبنا وتقدم من تصانيفنا (انتهى).
وقد ذكر أبو ريحان البيروني في تاريخه مدة عمر الدنيا وابتداء وجودها عن جماعة من المنجمين والحكماء، وقطع لها بالابتداء، واستدل عليه فلا نطيل الكلام بإيرادها.
وقال ابن الأثير في (الكامل): صح في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله فيما رواه عنه عبادة بن الصامت أنه سمعه يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن. وروى نحو ذلك عن ابن عباس. وقال محمد ابن إسحاق أول ما خلق الله تعالى النور والظلمة، فجعل الظلمة ليلا أسود، و جعل النهار نورا مضيئا، والأول أصح. وعن ابن عباس أنه قال: إن الله تعالى كان عرشه! قبل أن يخلق شيئا، فكان أول ما خلق القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال : ثم خلق بعد القلم الغمام، وقيل: ثم اللوح ثم الغمام.
ثم اختلف فيما خلق بعد الغمام، فروى الضحاك عن ابن عباس: أول ما خلق الله العرش فاستوى عليه، وقال آخرون: خلق الله الماء قبل العرش، ثم خلق العرش فوضعه على الماء، وهو قول أبي صالح عن ابن عباس وقول ابن مسعود ووهب بن منبه وقيل: إن الذي خلق بعد القلم الكرسي، ثم العرش، ثم الهواء، ثم الظلمات، ثم الماء، فوضع عرشه عليه. وقال: وقول من قال: إن الماء خلق قبل العرش أولى بالصواب، لحديث ابن أبي رزين عن النبي صلى الله عليه وآله، وقد قيل:
إن الماء كان على متن الريح حين خلق العرش، قاله ابن جبير عن ابن عباس، فإن كان كذلك فقد خلقا قبل العرش، وقال ضمرة: إن الله خلق القلم قبل أن يخلق شيئا بألف عام، واختلفوا أيضا في اليوم الذي ابتدء الله فيه خلق السماوات والأرض فقال عبد الله بن سلام وكعب والضحاك ومجاهد: ابتداء الخلق يوم الأحد، وقال محمد بن إسحاق: ابتدأ الخلق يوم السبت، وكذلك قال أبو هريرة، واختلفوا أيضا فيما خلق في كل يوم: فقال ابن سلام: إن الله تعالى بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين يوم الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، و خلق السماوات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من الجمعة، فخلق
فيها آدم عليه السلام فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة، ومثله قال ابن مسعود، وابن عباس من رواية أبي صالح عنه، إلا أنهما لم يذكرا خلق آدم ولا الساعة، وقال ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة عنه: إن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله (والأرض بعد ذلك دحاها) وهذا القول عندي هو الصواب.
وقال ابن عباس أيضا من رواية عكرمة عنه: إن الله وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.
ومثله قال ابن عمر، ورواه السدي عن أبي صالح وعن أبي مالك عن ابن عباس وأبي مرة عن ابن مسعود في قوله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء) إن الله عز وجل كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه (سماء) ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين يوم الأحد ويوم الاثنين، فخلق الأرض على حوت، والحوت النون الذي ذكره الله في القرآن (ن والقلم) والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت واضطربت وتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فقرت، والجبال تفخر على الأرض فذلك قوله تعالى (وجعل فيها رواسي). وقال ابن عباس والضحاك ومجاهد وكعب وغيرهم: كل يوم من هذه الأيام الستة التي خلق الله فيها السماء والأرض كألف سنة (انتهى).
وكلام سائر المؤرخين جار هذا المجرى، ولا جدوى في إيرادها.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.