بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
باب حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الأمور 2
ج ۵۴، ص ۱۰۱–۱۳۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۱۱
وأنشأ السحاب، وأرسل ملائكة الرحمة للأرض تأمر السحاب تمطر على الأرض و زهرت الأرض بنباتها وازدادت حسنا وبهجة، وغشى الملائكة النور، وسمى الله يوم الجمعة لذلك (يوم أزهر) و (يوم المزيد) وقال الله: قد جعلت يوم الجمعة أكرم الأيام كلها وأحبها إلي ثم ذكر شرحا جليلا بعد ذلك ثم قال: إن الأرض عرفها الله جل جلاله أنه يخلق منها خلقا فمنهم من يطيعه ومنهم من يعصيه فاقشعرت الأرض واستعفت الله وسألته أن لا يأخذ منها من يعصيه ويدخله النار، و أن جبرئيل أتاها ليأخذ عنها طينة آدم، فسألته بعزة الله أن لا يأخذ منها شيئا حتى تتضرع إلى الله تعالى، وتضرعت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها، فأمر الله ميكائيل عليه السلام فاقشعرت وسألت وتضرعت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها، فأمر الله تعالى إسرافيل بذلك فاقشعرت وسألت وتضرعت فأمره الله تعالى بالانصراف عنها فأمر عزرائيل فاقشعرت وسألت وتضرعت فقال: قد أمرني ربي بأمر أنا ماض له سرك ذاك أم ساءك؟ فقبض منها كما أمره الله، ثم صعد بها إلى موقفه، فقال الله [له]: كما وليت قبضها من الأرض وهو كاره كذلك تلي قبض أرواح كل من عليها وكلما قضيت عليه الموت من اليوم إلى يوم القيامة. فلما غابت شمس يوم الجمعة خلق الله النعاس فغشاه دواب الأرض، وجعل النوم سباتا وسمى الليلة لذلك ليلة السبت، وقال: أنا الله لا إله إلا أنا خالق كل شئ، خلقت السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى في ستة أيام من شهر (نيسان) وهو أول شهر من شهور الدنيا وجعلت الليل والنهار، وجعلت النهار نشورا ومعاشا، وجعلت الليل لباسا وسكنا ثم كان صباح يوم السبت فميز الله لغات الكلام فسبح جميع الخلائق لعزة الله جل جلاله فتم خلق الله وتم أمره في الليل والنهار، ثم كان صباح يوم الأحد الثاني اليوم الثامن من الدنيا، فأمر الله ملكا فعجن طينة آدم فخلط بعضها ببعض ثم خمرها
أربعين سنة، ثم جعلها لازبا ثم جعلها حمئا مسنونا أربعين سنة ثم جعلها صلصالا كالفخار أربعين سنة، ثم قال للملائكة بعد عشرين ومائة سنة مذ خمر طينة آدم:
إني خالق بشرا من طين! فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.
فقالوا: نعم.
فقال في الصحف ما هذا لفظه: فخلق الله آدم على صورته التي صورها في اللوح المحفوظ.
يقول علي بن موسى بن طاوس: فأسقط بعض المسلمين بعض هذا الكلام وقال:
إن الله خلق آدم على صورته. فاعتقد التجسيم، فاحتاج المسلمون إلى تأويلات الحديث، ولو نقله بتمامه استغنى عن التأويل بتصديق وشهد العقل المستقيم.
وقال في الصحف ثم جعلها جسدا ملقى على طريق الملائكة، الذي تصعد فيه إلى السماء أربعين سنة. ثم ذكر تناسل الجن وفسادهم وهرب إبليس منهم إلى الله و سؤاله أن يكون مع الملائكة وإجابة سؤاله، وما وقع من الجن حتى أمر الله إبليس أن ينزل مع الملائكة لطرد الجن، فنزل وطردهم عن الأرض التي أفسدوا فيها وشرح كيفية خلق الروح في أعضاء آدم واستوائه جالسا، وأمر الله الملائكة بالسجود فسجدوا له إلا إبليس كان من الجن فلم يسجد له، فعطس آدم فقال الله: يا آدم قل الحمد لله رب العالمين، فقال: الحمد لله رب العالمين. قال الله: يرحمك الله!
لهذا خلقتك لتوحدني وتعبدني وتحمدني وتؤمن بي ولا تكفر بي ولا تشرك بي شيئا.
87 - أقول: قد مر تمامه في كتاب النبوة وكتاب الغيبة: ووجدت في بعض الكتب: عن الصادق عليه السلام في كلام له: فألزم ما أجمع عليه أهل الصفاء والنقاء من أصول الدين، وحقائق اليقين، والرضا والتسليم، ولا تدخل في اختلاف الخلق فيصعب عليك، وقد اجتمعت الأمة المختارة بأن الله واحد ليس كمثله شئ، وأنه
عدل في حكمه، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يقال له في شئ من صفته (لم؟) ولا كان ولا يكون شئ إلا بمشيته، وأنه قادر على ما يشاء، صادق في وعده ووعيده وأن القرآن كلامه، وأنه كان قبل الكون والمكان والزمان، وأن إحداثه وافنائه غيره سواء، ما ازداد هو بإحداثه علما، ولا ينقص بفنائه ملكه، عز سلطانه وجل سبحانه فمن أورد عليك ما ينقض هذا الأصل فلا تقبله. (الخبر) 88 - الاخبار المسلسلات لجعفر بن أحمد القمي قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسين وشبك بيدي، قال: شبك بيدي عتاب بن محمد بن عتاب أبو القاسم، قال: شبك بيدي أحمد بن محمد بن عمار ببغداد، وقال لنا: شبك بيدي محمد بن همام العراقي، قال: شبك بيدي إسماعيل بن إبراهيم، قال: شبك بيدي عبد الكريم بن هشام، قال شبك بيدي إبراهيم بن أبي يحيى، قال: شبك بيدي صفوان بن سليمان، قال: شبك بيدي أيوب بن خالد، قال: شبك بيدي عبيد الله بن رافع، قال: شبك بيدي أبو هريرة، قال: شبك بيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وقال:
خلق الله الأرض يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والبحر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة.
أقول: الحديث ضعيف مخالف للمشهور وسائر الأخبار فلا يعول عليه.
89 - كتاب زيد النرسي: عن عبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام إذا أمات الله أهل الأرض لبث مثل ما كان الخلق ومثل ما أماتهم وأضعاف ذلك، ثم
أمات أهل السماء الدنيا، ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض و السماء الدنيا وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الثانية ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض والسماء الدنيا والسماء الثانية وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الثالثة، ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض والسماء الدنيا والسماء الثانية والسماء الثالثة وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الرابعة ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض وأهل السماء الدنيا والسماء الثانية والسماء الثالثة والسماء الرابعة وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء الخامسة ثم لبس مثل ما خلق الخلق الأرض ومثل ما أمات أهل الأرض وأهل السماء الدنيا والثانية والثالثة والرابعة والخامسة وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء السادسة، ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض وأهل السماء الدنيا والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة وأضعاف ذلك، ثم أمات أهل السماء السابعة، ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض وأهل السماوات إلى السماء السابعة وأضعاف ذلك ثم أمات ميكائيل، ثم لبث مثل ما خلق الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك [كله] ثم أمات جبرئيل، ثم لبث [مثل] ما خلق الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك كله، ثم أمات إسرافيل، ثم لبث [مثل] ما خلق الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك [كله] ثم أمات ملك الموت. قال: ثم يقول تبارك وتعالى: لمن الملك اليوم؟
فيرد على نفسه: لله الواحد القهار. أين الجبارون؟ أين الذين ادعوا معي إلها؟
أين المتكبرون؟ ونحو هذا، ثم يلبث مثل ما خلق الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك ثم يبعث الخلق أو ينفخ في الصور.
قال عبيد بن زرارة: فقلت: إن هذا الامر كائن؟ طولت ذلك! فقال:
أرأيت ما كان قبل أن يخلق الخلق أطول أو ذا؟ قال: قلت: ذا. قال: فهل علمت به؟ قال: قلت: لا. قال: فكذلك هذا.
بيان: الخبر صريح في الحدوث، وقوله (قلت ذا) الظاهر أنه إشارة إلى المدة
قبل خلق الخلق ويدل على الزمان الموهوم..
90 - النهج: روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال:
خطب أمير المؤمنين علي عليه السلام بهذه الخطبة على منبر الكوفة، وذلك أن رجلا أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، صف لنا ربنا لنزداد له حبا وبه معرفة، فغضب عليه السلام ونادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس [عليه] حتى غص المسجد بأهله، فصعد المنبر وهو مغضب متغير اللون، فحمد الله سبحانه وصلى على النبي عليه السلام ثم قال:
الحمد لله الذي لا يفره المنع، ولا يكديه الاعطاء والجود، إذ كل معط منتقص سواه، وكل مانع مذموم ما خلاه، [و] هو المنان بفوائد النعم، وعوائد المزيد والقسم، عياله الخلائق ضمن أرزاقهم، وقدر أقواتهم، ونهج سبيل الراغبين إليه، والطالبين ما لديه، وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل، الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شئ قبله، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شئ بعده والرادع أناسي الابصار عن أن تناله أو تدركه، ما اختلف عليه دهر فتختلف منه الحال، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال، ولو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال، وضحكت عنه أصداف البحار من فلز اللجين والعقيان، نثارة الدر وحصيد المرجان، ما أثر ذلك في جوده، ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر
الانعام ما لا تنفده مطالب الأنام، لأنه الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين، ولا يبخله إلحاح الملحين، فانظر أيها السائل! فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به واستضئ بنور هدايته، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه ولا في سنة النبي وأئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه، فإن ذلك منتهى حق الله عليك. واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا، فاقتصر على ذلك فلا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين، هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته، وحاول الفكر المبرأ من خطر الوساوس أن يقع عليه من عميقات غيوب ملكوته، وتولهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم ذاته، ردعها وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب متخلصة إليه سبحانه [وتعالى] فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته، ولا تخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله، ولا مقدار احتذى عليه من خالق معبود كان قبله، وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قوته ما دلنا باضطرار قيام الحجة على معرفته، وظهرت في البدائع التي أحدثها آثار صنعته وأعلام حكمته، فصار كل ما خلق حجة له ودليلا عليه، وإن كان خلقا صامتا فحجته بالتدبير ناطقة، ودلالته على المبدع قائمة فأشهد أن من شبهك بتباين أعضاء خلقك، وتلاحم حقاق
مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك، ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ند لك، وكأنه لم يسمع تبرء التابعين من المتبوعين إذ يقولون (تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين) كذب العادلون بك إذ شبهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزؤوك تجزئة المجسمات بخواطرهم، وقدروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم، فأشهد أن من ساواك بشئ من خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافر بما تنزلت به محكمات آياتك، ونطقت به عنه شواهد حجج بيناتك، وأنك أنت الله الذي لم يتناه في العقول فيكون في مهب فكرها مكيفا، ولا في روايات خواطرها محدودا مصرفا.
ومنها: قدر ما خلق فأحكم تقديره، ودبره فألطف تدبيره، ووجهه لوجهته فلم يتعد حدود منزلته، فلم يقصر دون الانتهاء إلى غايته، ولم يستصعب إذ أمر بالمضي على إرادته ، وكيف؟ وإنما صدرت الأمور عن مشيته، المنشئ أصناف الأشياء بلا روية فكر آل إليها، ولا قريحة غريزة أضمر عليها، ولا تجربة أفادها من حوادث الدهور، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور، فتم خلقه وأذعن لطاعته، وأجاب إلى دعوته، ولم يعترض دونه ريث المبطئ، ولا أناة المتلكئ فأقام من الأشياء أودها، ونهج حدودها ولاءم بقدرته بين متضادها، ووصل أسباب قرائنها وفرقها أجناسا مختلفات في الحدود والاقدار، والغرائز والهيئات، بدايا خلائق أحكم صنعها، وفطرها على ما أراد وابتدعها.
منها في صفة السماء: ونظم بلا تعليق رهوات فرجها، ولاحم صدوع انفراجها، وشج بينها وبين أزواجها، وذلل للهابطين بأمره والصاعدين بأعمال خلقه حزونة معراجها وناداها بعد إذ هي دخان فالتحمت عرى أشراجها، وفتق
بعد الارتتاق صوامت أبوابها، وأقام رصدا من الشهب الثواقب على نقابها، وأمسكها من أن تمور في خرق الهواء بائدة [رائدة] وأمرها أن تقف مستسلمة لامره وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها، وقمرها آية ممحوة من ليلها، وأجراهما في مناقل مجراهما، وقدر مسيرهما في مدارج درجهما، ليميز بين الليل والنهار بهما، وليعلم عدد السنين والحساب بمقاديرها، ثم علق في جوها فلكها، وناط بها زينتها من خفيات دراريها ومصابيح كواكبها، ورمى مسترقي السمع بثواقب شهبها، وأجراها على إذلال تسخيرها، من ثبات ثابتها ومسير سائرها، وهبوطها وصعودها، ونحوسها وسعودها.
منها في صفة الملائكة عليهم السلام: ثم خلق سبحانه لاسكان سماواته، وعمارة الصفيح الأعلى من ملكوته، خلقا بديعا من ملائكته، ملا بهم فروج فجاجها، و حشا بهم فتوق أجوائها، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس وسترات الحجب وسرادقات المجد، ووراء ذلك الرجيج الذي تستك منه الاسماع سبحات نور تردع الابصار عن بلوغها، فتقت خاسئة على حدودها، أنشأهم على صور مختلفات، وأقدار متفاوتات. أولي أجنحة تسبح جلال عزته، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به، بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، جعلهم فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته، وأمدهم بفوائد المعونة وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة، وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده، ونصب لهم منارا واضحة على
أعلام توحيده، لم تثقلهم مؤصرات الآثام، ولم ترتحلهم عقب الليالي والأيام، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم، ولا قدحت قادحة الإحن فيما بينهم، ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم وسكن بعظمته وهيبة جلاله في أثناء صدورهم، ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم، منهم من هو في خلق الغمام الدلح وفي عظم الجبال الشمخ، وفي قترة الظلام الأيهم، ومنهم من [قد] خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء، وتحتها ريح هفافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية، قد استفرغتهم أشغال عبادته، ووسلت حقائق الايمان بينهم وبين معرفته، وقطعهم الايقان به إلى الوله إليه، ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره، قد ذاقوا حلاوة معرفته، وشربوا من كأس الروية من محبته، وتمكنت من سويداء قلوبهم وشيجة خيفته، فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم، ولم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم، ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم، ولم يتولهم الاعجاب فيستكثروا ما سلف منهم، ولا تركت لهم استكانة الاجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم، ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم ولم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم، ولم تجف لطول المناجاة أسلات ألسنتهم، ولا ملكتهم الاشغال فتنقطع بهمس الخير إليه أصواتهم، ولم تختلف
في مقاوم الطاعة مناكبهم، ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم، ولا تعدوا على عزيمة جدهم بلادة الغفلات، ولا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات، قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم، ويمموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم، لا يقطعون أمد غاية عبادته، ولا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته، إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته، لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فيوافي جدهم ، ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم، ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم، ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم، ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم، ولم يفرقهم سوء التقاطع، ولا تولاهم غل التحاسد ولا شعبتهم مصارف الريب، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم، فهم اسراء إيمان لم يفكهم من ربقته زيغ ولا عدول، ولا ونى ولا فتور، وليس في أطباق السماوات موضع إهاب إلا وعليه ملك ساجد، أو ساع حافد، يزدادون على طول الطاعة بربهم علما وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما.
ومنها في صفة الأرض ودحوها على الماء: كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة، ولجج بحار زاخرة، تلتطم أواذي أمواجها، وتصطفق متقاذفات أثباجها، وترغو زبدا كالفحول عند هياجها، فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها وسكن هيج ارتمائه إذ وطأته بكلكلها، وذل مستخذيا إذ تمعكت عليه بكواهلها فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا مقهورا، وفي حكمة الذل منقادا أسيرا، وسكنت الأرض مدحوة في لجة تياره، وردت من نخوة بأوه واعتلائه، وشموخ أنفه وسمو غلوائه، وكعمته على كظة جريته فهمد بعد نزقاته، ولبد بعد زيفان وثباته، فلما سكن هيج الماء من تحت أكنافها، وحمل شواهق الجبال البذخ
على أكنافها، فجر ينابيع العيون من عرانين أنوفها، وفرقها في سهوب بيدها وأخاديدها، وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها، وذوات الشناخيب الشم من صياخيدها، فسكنت من الميدان برسوب الجبال في قطع أديمها وتغلغلها متسربة في جوبات خياشيمها، وركوبها أعناق سهول الأرضين وجراثيمها، وفسح بين الجو وبينها، وأعد الهواء متنسما لساكنها، وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها، ثم لم يدع جرز الأرض التي تقصر مياه العيون عن روابيها، و لا تجد جداول الأنهار ذريعة إلى بلوغها، حتى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيي مواتها وتستخرج نباتها الف غمامها، بعد افتراق لمعه، وتباين قزعه، حتى إذا تمخضت لجة المزن فيه، والتمع برقة في كففه، ولم ينم وميضه في كنهور ربابه، ومتراكم سحابه، أرسله سحا متداركا قد أسف هيدبه تمر به الجنوب درر أهاضيبه ودفع شئابيبه، فلما ألقت السحاب برك بوانيها، وبعاع ما استقلت به من العب المحمول عليها، أخرج به من هوامل الأرض النبات، ومن زعر الجبال الأعشاب، فهي تبهج بزينة رياضها، وتزدهي بما ألبسته من ربط أزاهيرها، وحلية ما شمطت به من ناضر أنوارها، وجعل ذلك بلاغا للأنام، ورزقا للأنعام وخرق الفجاج في آفاقها وأقام المنار للسالكين على جواد طرقها، فلما مهد أرضه وأنفذ أمره اختار آدم عليه السلام خيره من خلقه، وجعله أول جبلته، وأسكن جنته، وأرغد فيها أكله، وأوعز إليه فيما نهاه عنه، وأعلمه أن في الاقدام عليه التعرض لمعصيته والمخاطرة بمنزلته، فأقدم على ما نهاه عنه موافاة لسابق علمه، فأهبطه بعد التوبة ليعمر أرضه بنسله، وليقيم الحجة به على عباده، ولم يخلهم بعد أن قبضه مما يؤكد عليهم حجة ربوبيته، ويصل بينهم و بين معرفته، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة
من أنبيائه، ومتحملي ودائع رسالاته قرنا فقرنا حتى تمت بنبينا [محمد] صلى الله عليه وآله حجته، وبلغ المقطع عذره ونذره، وقدر الأرزاق فكثرها وقللها، وقسمها على الضيق والسعة، فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها، ثم قرن بسعتها عقابيل فاقتها، وبسلامتها طوارق آفتها، وبفرج أفراجها غصص أتراحها، وخلق الآجال فأطالها وقصرها وقدمها وأخرها، ووصل بالموت أسبابها، وجعله خالجا لأشطانها، وقاطعا لمرائر قرانها، عالم السر من ضمائر المضمرين، ونجوى المتخافتين، وخواطر رجم الظنون، وعقد عزيمات اليقين، ومسارق إيماض الجفون، وما ضمنته أكناف القلوب وغيابات الغيوب، وما أصغت لاستراقه مصائخ الاسماع، ومصايف الذر، ومشاتي الهوام، ورجع الحنين من المولهات، وهمس الاقدام، ومنفسح الثمرة من ولائج غلف الأكمام، ومنقمع الوحوش من غيران الجبال وأوديتها ومختباء البعوض بين سوق الأشجار وألحيتها، ومغرز الأوراق من الأفنان، ومحط الأمشاج من مسارب الأصلاب، وناشئة الغيوم ومتلاحمها، ودرور قطر السحاب ومتراكمها، وما تسفي الأعاصير بذيولها، وتعفو الأمطار بسيولها، وعوم نبات الأرض في كثبان الرمال، ومستقر ذوات الأجنحة بذرى شناخيب الجبال وتغريد ذوات المنطق في دياجير الأوكار، وما أوعته الأصداف وحضنت عليه أمواج البحار ، وما غشيته سدفة ليل أو ذر عليه شارق نهار، وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير وسبحات النور، وأثر كل خطوة، وحس كل حركة، ورجع كل كلمة، وتحريك كل شفة، ومستقر كل نسمة، ومثقال كل ذرة، وهماهم كل نفس هامة، وما عليها من ثمر شجرة، أو ساقط ورقة، أو قرارة نطفة، أو نقاعة دم ومضغة، أو ناشئة خلق وسلالة، لم تلحقه في ذلك كلفة، ولا اعترضته في حفظ
ما ابتدع من خلقه عارضة، ولا اعتورته في تنفيد الأمور وتدابير المخلوقين ملالة ولا فترة، بل نفذ فيهم علمه وأحصاهم عده ووسعهم عدله، وغمرهم فضله، مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله.
اللهم أنت أهل الوصف الجميل، والتعدد الكثير، إن تؤمل فخير مأمول، وإن ترج فخير مرجو، اللهم وقد بسطت لي [لسانا] فيما لا أمدح به غيرك، ولا اثني به على أحد سواك، ولا أوجهه إلى معادن الخيبة ومواضع الريبة، وعدلت بلساني عن مدائح الآدميين، والثناء على المربوبين المخلوقين.
اللهم ولكل مثن على من أثنى عليه مثوبة من جزاء، أو عارفة من عطاء وقد رجوتك دليلا على ذخائر الرحمة، وكنوز المغفرة.
اللهم وهذا مقام من أفردك بالتوحيد الذي هو لك، ولم ير مستحقا لهذه المحامد والممادح غيرك، وبي فاقة إليك لا يجبر مسكنتها إلا فضلك، ولا ينعش من خلتها إلا منك وجودك، فهب لنا في هذا المقام رضاك، أغننا عن مد الأيدي إلى من سواك، إنك على كل شئ قدير.
التوحيد: عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن جعفر الأسدي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن العباس، عن إسماعيل بن مهران، عن إسماعيل ابن الحق الجهني، عن فرج بن فروة، عن مسعدة ابن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله مع اختصار، وقد مر في كتاب التوحيد.
بيان: قد مضى شرح أكثر أجزاء هذه الخطبة في كتاب التوحيد، ولعل غضبه عليه السلام لعلمه بأن غرض السائل وصفه سبحانه بصفات الأجسام، أو لأنه سأل بيان كنه حقيقته سبحانه أو وصفه بصفات أرفع وأبلغ مما نطق به الكتاب والآثار لزعمه أنه لا يكفي في معرفته سبحانه، ويؤيد كلا من الوجوه بعض الفقرات.
و (جامعة) منصوبة على الحالية، أي: عليكم الصلاة. على رفع الصلاة كما حكي أو احضروا الصلاة على نصبها جامعة لكل الناس. وربما يقرء برفعهما على الابتداء والخبرية. وهذا النداء كان شائعا في الخطوب الجليلة وإن كان أصله للصلاة.
(لا يفره) أي لا يكثره (المنع) أي ترك العطاء (ولا يكديه الاعطاء) أي لا يجعله قليل الخير مبطئا فيه، يقال (كدت الأرض) إذا أبطأ نباتها، (وأكدى
فلان الأرض) إذا جعلها كادية، أو لا ترده كثرة العطاء عن عادته فيه، من قولهم (أكديت الرجل عن الشئ) أي رددته عنه، ذكره الجوهري، وقال: الكدية:
الأرض الصلبة، وأكدى الحافر: إذا بلغ الكدية فلا يمكنه أن يحفر، وأكدى الرجل: إذ قل خيره وانتقض، يكون متعديا ولازما كنقص. وهذا في النسخ على بناء المفعول، والتعليل بالجملتين باللف والنشر المرتب أو المشوش لمطابقة الاعطاء والمنع في كل منهما، وعلى التقديرين التعليل في الأولى ظاهر، والفقرة الثانية ليست في نسخ التوحيد وهو الصواب، وعلى تقديرها ففي أصل الجملة والتعليل بها معا إشكال، أما الأول فلانه إن أريد بالمنع ما كان مستحسنا أو الأعم فكيف يصح الحكم بكونه مذموما، وإن أريد به ما لم يكن مستحسنا فلا يستقيم الاستثناء.
ويمكن أن يجاب باختيار الثاني من الأول أي الأعم ويقال: المراد بالمذموم من أمكن أن يلحقه الذم، يصير حاصل الكلام أن كل مانع غيره يمكن أن يلحقه الذم بخلافه سبحانه، فإنه لا يحتمل أن يلحقه بالمنع ذم أو يقال المانع لا يصدق على غيره تعالى إلا إذا بخل بما افترض عليه، وإذا أطلق عليه سبحانه يراد به مقابل المعطي، والمراد بالعنوان المعنى الشامل لهما. ويدل عليه ما مر مرويا عن الرضا عليه السلام أنه سئل عن الجواد فقال عليه السلام: إن لكلامك وجهين: فان كنت تسأل عن المخلوق فإن الجواد هو الذي يؤدي ما افترض الله سبحانه عليه والبخيل هو الذي يبخل بما افترض الله عليه، وإن أردت الخالق لهو الجواد إن أعطى، وهو الجواد إن منع، لأنه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له، وإن منعه منعه ما ليس له.
وأما الثاني فيحتمل أن تكون جملة مستقلة غير داخلة تحت التعليل مسوقة لرفع توهم ينشأ من التعليل بعدم الانتقاص بالاعطاء، فإن لمتوهم أن يقول: إذا لم ينقص من خزائنه شئ بالاعطاء فيجب أن لا يتصف بالمنع أصلا، ولو اتصف به لكان مذموما، مع أن من أسمائه تعالى المانع. فرد ذلك الوهم بأن منعه سبحانه
ليس للانتقاص بالاعطاء، بل لقبح الاعطاء وعدم اقتضاء المصلحة له، ومثل ذلك المنع لا يستتبع الذم واستحقاقه. ولو حملت على التعليل فيمكن أن يكون من قبيل الاستدلال بعدم المعلول على عدم العلة، فإن الوفور بالمنع أو اكداء الاعطاء علة للبخل التابع للخوف من الفاقة، وهو علة لترتب الذم من حيث إنه نقص أو لاقتضائه المنع ورد السائل، ونفي الذم يدل على عدم الوفور أو الاكداء المدعى في الجملتين المتقدمتين.
(المنان بفوائد النعم) المن يكون بمعنى الانعام وبمعنى تعديد النعم والأول هنا أظهر، وربما يحمل على الثاني فإن منه سبحانه حسن وإن كان في المخلوق صفة ذم. والفائدة: الزيادة تحصل للانسان من مال أو غيره والعائد:
المعروف [والعطف]، وقيل: عوائد المزيد والقسم: معتادهما، والمزيد: الزيادة ولعل المراد به ما لا يتوهم فيه استحقاق العبد. و (القسم) جمع القسمة، هي الاسم من قسمه [كضربه] وقسمه بالتشديد أي جزأه. وعيال الرجل بالكسر أهل بيته ومن يمونهم، جمع (عيل) وجمعه (عيائل)).
(ضمن أرزاقهم) أي كفلها (وقدر أقواتهم) أي جعل لكل منهم من القوت قدرا تقتضيه الحكمة والمصلحة. (ونهج سبيل الراغبين إليه) نهجت الطريق: أبنته وأوضحته ونهج السبيل لصلاح المعاد كما أن ضمان الأرزاق لصلاح المعاش، ويحتمل الأعم (ليس بما سئل الخ) عدم الفرق بينهما بالنظر إلى الجود لا ينافي الحث على السؤال لأنه من معدات السائل لاستحقاق الانعام، لان نسبته سبحانه إلى الخلق على السواء، وإن استحق السائل ما لا يستحقه غيره، بخلاف المخلوقين فإن السؤال يهيج جودهم بالطبع مع قطع النظر عن الاستعداد.
(الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شئ قبله) قيل: وجوده سبحانه ليس بزماني فلا يطلق عليه القبلية والبعدية كما يطلق على الزمانيات، فمعناه الأول
الذي لا يصدق عليه القبلية ليمكن أن يكون شئ [ما] قبله، والآخر الذي لا يصدق عليه البعدية الزمانية ليمكن أن يكون شئ ما بعده. وقد يحمل على وجه آخر وهو أنه لم يكن سبقه عدم فيقال إنه مسبوق بشئ من الأشياء إما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه، وأنه ليس بذات يمكن فناؤها وعدمها فيكون بعده شئ من الأشياء إما الزمان أو غيره. ويمكن أن يكون المراد بالقبل الزمان المتقدم سواء كان أمرا موجودا أو موهوما، وبالشئ موجودا من الموجودات أي ليس قبله زمان حتى يتصور تقدم موجود عليه، وكذا بقاء موجود بعده.
(والرادع أناسي الابصار عن أن تناله أو تدركه) الأناسي بالتشديد جمع (انسان) وإنسان العين المثال الذي يرى في السواد، ولا يجمع على (أناس) كما يجمع الانسان بمعنى البشر عليه. وقيل: الأناسي جمع (انسان العين) مشدد، و الآخر يشدد ويخفف وقرء (أناسي كثيرا) بالتخفيف. وردعها أي منعها كناية عن عدم إمكان إحساسها له، لأنه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ولا في جهة، ونلت الشئ أصبته وأدركته: أي تبعته فلحقته، والمراد بالنيل الادراك التام وبالادراك غيره، ويحتمل العكس، وأن يكون العطف لتغاير اللفظين أو يكون إشارة إلى جهتين لامتناع الرؤية، فالنيل إشارة إلى استلزام كونه ذا جهة وجسمانيا، والادراك إلى أنه يستلزم وجود كنه ذاته في الأذهان وهو ممتنع كما أشرنا إليه في كتاب التوحيد.
(ما اختلف عليه دهر) ظاهره نفي الزمانية عنه تعالى، ويحتمل أن يراد به جريانه على خلاف مراده أحيانا وعلى وفق إرادته أحيانا حتى يلحقه ما يلحق الخلق من الشدة والرخاء، والنعم والبؤس، والصحة والسقم ونحو ذلك.
(ولو وهب ما تنفست) استعار التنفس هنا لابراز المعادن ما يخرج منهما كما يخرج الهواء من تنفس الحيوان (وضحكت عنه) أي تفتحت وانشقت حتى ظهر ويقال للطلع حين تنشق (الضحك) بفتح الضاد، وقد مربيان لطف تلك التشبيهات.
(والفلز) بكسر الفاء واللام وتشديد الزاي: الجواهر المعدنية كالذهب
الفضة، وفي الصحاح: ما ينقيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض. (واللجين) مصغرا الفضة، (والعقيان) بالكسر: الذهب الخالص، ونثرت الشئ كنصرت رميته متفرقا، ونثارة الدر بالضم: ما تناثر منه، والدر جمع (درة) وهي اللؤلؤة العظيمة أو مطلقا. وحصد الزرع قطعه بالمنجل، والحصيد: المحصود، والمراد بالمرجان إما صغار اللؤلؤ ووصفه بالحصيد لعله يناسب ما تذكره التجار أن الصدف كثيرا ما يغرز عرقه في أرض البحر فتحصده الغواصون، ولذا قيل إنه حيوان يشبه النبات.
وقال بعض شارحي النهج: كأن المراد المتبدد من المرجان كما يتبدد الحب المحصود، ويجوز أن يعنى المحكم، من قولهم (شئ مستحصد) أي مستحكم، قال:
ويروى (وحصباء المرجان) والحصباء: الحصا، وقال قوم: هو البسد يعني الحجر الأحمر. وأنفده: أي أفناه، وذخائر الانعام ما بقي عنده من نعمه الجسام بعد العطايا المفروضة. والمطالب: جمع المطلب بمعنى المصدر. (لا يغيضه) جاء متعديا كما جاء لازما (ولا يبخله) أي لا يجعله بخيلا، ويقال أيضا (بخله تبخيلا) إذا رماه بالبخل وروي على صيغة الأفعال أي لا يجده بخيلا. والتعليل بقوله (لأنه الجواد) إما للجملة الشرطية بتواليها فالوجه في التعليل بنفي التبخيل ظاهر، إذ لو أثره العطاء المفروض في جوده لبخله الالحاح، فإنه في الحقيقة منع التأثير في الجود، فنفيه يدل على نفيه، وإما لبقاء ما لا ينفده المطالب فوجه التعليل أن العادة قد جرت بلحوق البخل لمن ينفد ما عنده بالطلب وإن أمكن عقلا عدمه بأن يسمح بكل ما عنده، فنفي التبخيل يدل على نفي الانفاد.
(فانظر أيها السائل الخ) الايتمام: الاقتداء، والأثر بالتحريك: نقل الحديث وروايته. ووكل الامر إليه وكلا ووكولا: سلمه وتركه، ويدل على المنع من الخوض في صفاته سبحانه ومن البحث عما لم يرد منها في الكتاب والسنة.
(واعلم أن الراسخين في العلم) إلى آخره. الراسخ في العلم: الثابت فيه (واقتحم المنزل) أي دخله بغتة ومن غير روية، (والسدد) جمع (سدة) وهي باب الدار، وضرب الباب: نصبه، ودون الشئ: ما قرب منه قبل الوصول إليه، والمتعمق في الامر: الذي ببالغ فيه ويطلب أقصى غايته، وقدر الشئ: مبلغه، وتقديره:
أن تجعل له قدرا وتقيسه بشئ، والمعنى: لا تقس عظمة الله بمقياس عقلك ومقداره.
والظاهر أن المراد بإقرار الراسخين في العلم ومدحهم ما تضمنه قوله سبحانه (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إلى قوله وما يتذكر إلا أولو الألباب) فإقرارهم قولهم (آمنا به كل من عند ربنا) ومدح الله تعالى إياهم ذكر كلامهم المتضمن للايمان والتسليم في مقام المدح، أو تسمية ترك تعمقهم رسوخا في العلم، فالعطف في قوله (وسمى) للتفسير أو الإشارة إلى أنهم أولوا الألباب بقوله (وما يتذكر إلا أولوا الألباب) وحينئذ فالمراد بالمتشابه ما يشمل كنه ذاته وصفاته سبحانه مما استأثر الله بعلمه، وعلى هذا فمحل الوقف في الآية (إلا الله) كما هو المشهور بين المفسرين والقراء، فتفيد اختصاص علم المتشابه به سبحانه، وقوله (والراسخون) مبتدأ و (يقولون) خبره، وهو بظاهره مناف
لما دلت عليه الأخبار المستفيضة من أنهم عليهم السلام يعلمون ما تشابه من القرآن كما مر في كتاب الإمامة، وعلى هذا فالوقف على (العلم) وإليه ذهب أيضا جماعة من المفسر بن، فقوله (يقولون) حال من الراسخين أو استئناف موضح لحالهم ويمكن الجمع بينها بوجوه:
الأول: أن يكون ما ذكره عليه السلام هنا مبنيا على ما اشتهر بين المخالفين إلزاما عليهم.
الثاني: أن يكون للآية ظهر وبطن أحدها أن يكون المراد بالمتشابه مثل العلم بكنه الواجب وما استأثر الله عز وجل بعلمه من صفاته وكنه ذاته وأمثال ذلك مما تفرد سبحانه بعلمه، وإليه يشير ظاهر هذا الكلام، وثانيهما أن يراد به ما علم الراسخون في العلم تأويله، وإليه أشير في سائر الأخبار فيكون القارئ مخيرا في الوقف على كل من الموضعين.
الثالث: ما قيل إنه يمكن حمل حكاية قول الراسخين على اعترافهم وتسليمهم قبل أن يعلمهم الله تأويل ما تشابه من القرآن فكأنه سبحانه بين أنهم لما آمنوا بجملة ما انزل من المحكمات والمتشابهات ولم يتبعوا ما تشابه منه كالذين في قلوبهم زيغ بالتعلق بالظاهر أو بتأويل باطل فآتاهم الله علم التأويل وضمهم إلى نفسه في الاستثناء.
والاستئناف في قوة رفع الاستبعاد عن مشاركتهم له تعالى في ذلك العلم، وبيان أنهم إنما استحقوا إفاضة ذلك العلم باعترافهم بالجهل وصورهم عن الإحاطة بالمتشابهات من تلقاء أنفسهم، وإن علموا التأويل بتعليم إلهي. وقد ورد عنه عليه السلام أنه لما أخبر ببعض الغيوب قال له رجل: أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب! فقال عليه السلام:
ليس هو بعلم غيب، وإنما هو تعلم من ذي علم. وقد مر بعض الكلام فيه في كتاب التوحيد.
(إذا ارتمت) يقال: ارتمى القوم، إذا تراموا بالنبال. والأوهام: خطرات القلب، وفي اصطلاح المتكلمين إحدى القوى الباطنة، شبه عليه السلام جولان الأفكار وتعارضها بالترامي. و (المنقطع) موضع الانقطاع، ويحتمل المصدر. وحاولت
الشئ: أردته، والخطر بالتسكين: مصدر (خطر له خاطر) أي عرض في قلبه وروي (من خطرات الوساوس) والوسوسة حديث النفس والشيطان بما لا خير فيه ولا نفع، والاسم الوسواس.
و (الملكوت) العز والسلطان، و (تولهت إليه) أي اشتد عشقها وحنت إليه والوله بالتحريك التحير وذهاب العقل من حزن أو فرح. (لتجري في كيفية صفاته) أي لتجد مجرى ومسلكا في ذلك. وغمض الشئ بالفتح والضم أي خفي مأخذه، والغامض من الكلام: خلاف الواضح، ومداخل العقول: طرق الفكر. وفاعل (تنال) ضمير العقول، أي إذا دقت وغمضت طرق العقول ووصلت إلى حد لا تبلغ الصفات لدقة تلك الطرق وخفائها، أو إذا دقت وانتهت العقول إلى أنها لا تعتبر مع ملاحظة الحق صفة من صفاته كما قيل طالبة بذلك أن تصل إلى علم ذاته، وفي بعض النسخ (علم ذلك) والأول أظهر.
(ردعها) الردع الرد والكف، والجملة جزاء للشرط السابق، والضمير المنصوب راجع إلى الأوهام أو غيرها مما سبق. (وهي تجوب) أي تقطع، والواو للحال. والمهاوي: جمع (مهواة) وهي الحفرة أو ما بين الجبلين، والمراد هنا المهلكة. والسدف: جمع (سدفة) وهي القطعة من الليل المظلم، ويطلق على الضياء أيضا وخصلته تخليصا: نحيته فتخلص فقول (متخلصة إليه) أي متوجهة إليه بكليتها متنحية عن غيره، وجبهه كمنعه أي ضرب جبهته فرده، والجور: العدول عن الطريق، والاعتساف: قطع المسافة على غير جادة معلومة، والمراد بجور اعتسافها شدة جولانها في ذلك المسلك الذي لا جادة له، ولا يفضي إلى المقصود. والخاطرة المنفية ما يكون مطابقا للواقع.
(الذي ابتدع الخلق) الابتداع: الانشاء والاحداث، ومثال الشئ بالكسر صورته وصفته ومقداره، و (امتثله) أي تبعه ولم يتجاوز عنه، و (احتذى عليه) أي اقتدى به. وقوله (من خالق) متعلق بمحذوف [و] هو صفة لمقدار أو لمثال أيضا كناشئ، والمراد بنفي امتثال المثال أنه لم يمثل لنفسه مثالا قبل شروعه في خلق العالم ليخلق العالم على هيئته، وبنفي احتذاء المقدار أنه لم يقتد بخالق كان قبله، فالظرف صفة للمقدار فقط. ويحتمل أن يكون الثاني كالتأكيد للأول فالظرف صفة للمثال والمقدار معا، ويكون المراد بالأول نفي الاقتداء بالغير في التصوير، وبالثاني في التقدير، أو يكون المراد بالمثال ما يرتسم في الخيال من صورة المصنوع وهيئته، ولم يكن على حذو فعل فاعل آخر لتنزهه عن الصور والخواطر، فالظرف صفة لمقدار. ووصف الخالق بالمعبود لأنه من لوازمه، أو لأنه لو كان كذلك لكان هو المعبود.
(والمسالك) بالكسر ما يمسك به، وفيه دلالة على احتياج الباقي في بقائه إلى المؤثر. وقوله (ما دلنا) مفعول ثان لأرانا، واضطرار قيام الحجة عبارة عن إفادتها العلم القطعي بعد تحقيق الشروط وارتفاع الموانع، والظرف في قوله (على معرفته) متعلق بقوله (دلنا) وأعلام الحكمة ما يدل عليها، والضمير في قوله (فحجته) يحتمل عوده إلى الخلق الصامت، كالضمير في (دلالته) أو إلى الله سبحانه (فأشهد) وفي بعض النسخ بالواو (بتباين) المشبه به في الحقيقة هو الخلق، وإنما ادخل الباء على التباين تنبيها على وجه الخطاء في التشبيه، والتلاحم: التلاصق.
و (الحقاق) بالكسر جمع (حقة) بالضم وهي في الأصل وعاء من خشب، وحقاق المفاصل النقر التي ترتكز فيها العظام، واحتجابها استتارها بالجلد واللحم. وقوله (لتدبير) متعلق بالمحتجبة أي المستورة للتدبير الذي اقتضته الحكمة. قيل: ومن حكمة احتجابها أنها لو خلقت ظاهرة ليبست رباطاتها فيتعذر تصرف الحيوان وكانت معرضة للآفات أو بالتباين والتلاحم. وقال بعض شارحي النهج: ومن روى
(المحتجة) أراد أنها كالمستدل على التدبير الحكمي من لدنه سبحانه. والعقد:
الشد، وفاعل الفعل الموصول المشبه، و (غيب) منصوب على المفعولية، وهو كل ما غاب. والضمير اسم من أضمرت في نفسي شيئا، أو إضافة الغيب [إلى الضمير] من إضافة الصفة إلى الموصوف، والمراد بغيب الضمير حقيقة عقيدته وباطنها لاما يظهره منها لغيره أو يظهر له بحسب توهمه. وفي بعض النسخ (لم يعتقد) على صيغة المجهول، و (غيب) بالرفع. والمباشرة: لمس البشرة، والفاعل: اليقين، وفي بعض النسخ (قلبه) بالرفع على أنه الفاعل و (اليقين) بالنصب، والأول الأظهر.
و (الند) المثل، و (ان) في الآية مخففة من المثقلة. ويظهر من كلامه عليه السلام أن التسوية في الآية يشمل هذا التشبيه، ولا يخص التسوية في استحقاق العبادة (كذب العادلون بك) أي المسوون بك غيرك، و (نحلوك) أي أعطوك حلية المخلوقين أي صفاتهم، والتعبير بالنحلة والحلية لزعم هؤلاء أنها كمال له عز وجل. و (جزؤوك) أي أثبتوا لك أجزاء، و (خواطرهم) ما يخطر ببالهم من الأوهام الفاسدة. (وقدروك على الخلقة) أي جعلوا لك قدرا في العظمة المعنوية كقدر الخلق فأثبتوا لك صفاتهم، و (قرائح عقولهم) ما يستنبطونه بآرائهم، والقريحة في الأصل أول ما يستنبط من البئر ومحكمات الآيات: نصوص الكتاب، وشواهد الحجج: الأدلة العقلية، ونطقها دلالتها القطعية، أو الشواهد الهداة المبينون للحجج التي هي الأدلة، وكأنه ضمن النطق معنى الكشف فعدى بعن، وإضافة الحجج إلى البينات للمبالغة.
(لم يتناه في العقول) أي لم تقدرك العقول بالنهاية والكنه بحيث لا تكون لك صفة وراء ما أدركته، أو لم تحط بك العقول فتكون محدودا متناهيا فيها. و (مهب الفكر) هبوبها، ولعله عليه السلام شبه الحركات الفكرية بهبوب الرياح، و الأفكار بما تجمعها وتذروها من الحشايش، إشعارا بضعفها وسفالة ما يحصل منها.
وقيل: التناهي في العقل هو أن يدرك العقل الشئ مرسما في القوى الجزئية وهي مهاب الفكر التي ترتسم فيها الصور وتزول، كالريح الهابة تمر بشئ. وقيل:
مهاب الفكر جهاتها. و (رويات الخواطر) ما يخطر بالبال بالنظر والفكر، و (المحدود) المحاط بالحدود، والمراد بالحدود ما يلزم الإحاطة التامة، أو الصفات والكيفيات التي لا يتعداها المعلوم. و (المصرف) القابل للتغير والحركة أو المحكوم عليه بالتجزئة والتحليل والتركيب.
(قدر ما خلق فأحكم تقديره) أي جعل لكل شئ مقدارا مخصوصا بحسب الحكمة، أو هيأ كل شئ لما أراد منه من الخصائص والأفعال، أو قدره للبقاء إلى أجل معلوم (فأحكم) أي أتقن، والتدبير في الامر: النظر إلى ما تؤول إليه عاقبته (فألطف تدبيره) أي أعمل فيه تدبيرات دقيقة لطيفة، أو كانت تدبيراته مقرونة باللطف والرفق والرحمة على عباده. (ووجهه لوجهته) أي جعل كلا منها مهيأة وميسرة لما خلق له كالحبوب للأكل والدواب للركوب، وكل صنف من الانسان لأمر من الأمور المصلحة للنظام. ويحتمل أن يكون إشارة إلى أمكنتها، والأول أعم وأظهر، و (الوجهة) بالكسر الناحية وكل أمر استقبلته. وقصر السهم عن الهدف إذا لم يبلغه، وقصرت عن الشئ أي عجزت عنه، واستصعب الامر علينا أي صعب والصعب: غير المنقاد، ومضى الشئ مضيا ومضوا أي نفذ ولم يمتنع، و (صدر) كعقد رجع وانصرف كرجوع الشاربة عن الماء والمسافرين عن مقصدهم، ولما كانت الأمور لامكانها محتاجة في الوجود إلى مشيته فكأنما توجهت إليها فرجعت فائزة بمقصدها، و (المشية) الإرادة، وأصلها المشيئة بالهمز.
(آل إليها) أي رجع، والغريزة الطبيعة، وقريحة الغريزة ما يستنبطه الذهن، وقيل: قوة الفكر للعقل. (أضمر عليها) أي أخفاه في نفسه محتويا عليها و (التجربة) الاختبار مرة بعد أخرى. ويقال: (أفدته مالا) أي أعطيته
و (أفدت منه مالا) أخذته. وحكى الجوهري عن أبي زيد: أفدت المال: أعطيته غيري، وأفدته: استفدته. وابتداع الخلائق: إحداثهما (فتم خلقه) يمكن أن يراد بالخلق المعنى المصدري، ويكون الضمير راجعا إليه سبحانه كالضمير في (طاعته) و (دعوته) إلى (ما خلق) المذكور سابقا، وعلى الأول يكون في (أذعن) و (أجاب) راجعين إلى الخلق على الاستخدام، أو إلى (ما خلق) ويمكن أن يراد به المخلوق، وتمام مخلوقاته بإفاضته عليها ما يليق بها وتستعد له. وإذعان ما خلق لطاعته وإجابته إلى دعوته إما بمعنى استعداده لما خلق له أو تهيؤه لنفوذ تقديراته وإرادته سبحانه فيه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى (أتينا طائعين) وربما تحمل أمثالها على ظاهره بناء على أن لكل مخلوق شعورا كما هو ظاهر قوله تعالى (وإن من شئ إلا يسبح بحمده).
واعتراض الشئ دون الشئ: أي حال بينه وبينه، و (دونه) أي قبل الوصول إليه، والضمير في (دونه) أيضا راجع إليه سبحانه ويحتمل أن يكون راجعا إلى مصدر (أذعن) و (أجاب). والريث: البطؤ، والأناة كفتاة الاسم من (تأنى في الامر) أي تمكث ولم يعجل. وتلكأ: توقف وأبطأ.
(فأقام من الأشياء أودها) الأود بالتحريك: الاعوجاج، وإقامته إعداد كل شئ لما ينبغي له، أو دفع المفاسد التي تقتضيه الأشياء لو خليت وطباعها.
و (نهج) أي أوضح، وحد الشئ: منتهاه، وأصل الحد المنع والفصل بين الشيئين ونهج الحدود قيل إيضاحه لكل شئ غايته وتيسيرها له، أو المعنى: جعل لكل شخص ونوع مشخصا ومميزا واضحا يمتاز به عن غيره، فإن من أعاظم المصالح وأعزها
امتياز الأنواع والاشخاص بعضها عن بعض.
أقول: ويحتمل أن يكون المراد بالحدود حدود أمكنتها كمكان العناصر فإن لكل منها حدا لا تتجاوزه: ولعله أنسب بما بعده.
(ولاءم) أي جمع (بين متضاداتها) كجمع العناصر المتبائنة في الكيفيات والصفات لحصول المزاج، وكالألفة بين الروح والبدن.
(ووصل أسباب قرائنها) السبب في الأصل الحبل، ويقال لكل ما يتوصل به إلى شئ، و (القرينة) فعلية بمعنى مفعولة، وقرائن الأشياء ما اقترن منها بعضها ببعض، ووصل أسبابها ملزوم لاتصالها. وقال ابن ميثم: القرائن النفوس المقرونة بالأبدان، واعتدال المزاج بسبب بقاء الروح، أي وصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها، والمراد بالأجناس هنا أعم مما هو مصطلح المنطقيين، وكذا المراد بالحدود غير ما هو المعروف عندهم، وإن كان المقام لا يأباهما.
والغرائز: الطبائع والقوى النفسانية، و (البدايا) جمع (بداية) وهي الحالة العجيبة، يقال: أبدأ الرجل إذا أتى بالأمر المعجب و (البديئة) أيضا الحالة المبتدأة المبتكرة، أي عجائب مخلوقات، أو مخلوقات مبتدأة بلا اقتضاء مثال، وهو خبر مبتدأ محذوف أي: هي بدايا. و (الفطر) الابتداء والاختراع، و (الابتداع) كالتفسير له، و (نظم) أي جمع. و (ألف بلا تعليق) أي من غير أن يعلق بعضها ببعض بخيط أو نحوه. و (رهوات فرجها) الرهوة: المكان المرتفع والمنخفض أيضا، فنظمها تسويتها. وقال في النهاية: في حديث علي: (ونظم رهوات فرجها) أي المواضع المنفتحة منها. وهو مأخوذ من قولهم (رها رجليه رهوا) أي فتح، وفيه دلالة على أن السماء كانت ذات فرج وصدوع فنظمها سبحانه، وهو مناسب لما مر من أن مادتها الدخان المرتفع من الماء، إذ مثل ذلك تكون قطعا وذات فرج.
وأول بعض الشارحين بتباين أجزاء المركب لولا التركيب والتأليف، أو بالفواصل التي كانت بين السماوات لولا أن الصانع خلقها أكرا متماسة. وإنما اضطره إلى ذلك الاعتقاد بقواعد الفلاسفة وتقليدهم.
و (ملاحمة الصدوع) إلصاق الاجزاء ذوات الصدوع بعضها ببعض، وإضافة الصدوع إلى الانفراج من إضافة الخاص إلى العام. و (وشج) بالتشديد أي شبك والضمير في (بينها) راجع إلى ما يرجع إليه الضمائر السابقة.
وقال ابن ميثم: المراد بأزواجها نفوسها التي هي الملائكة السماوية بمعنى قرائنها وكل قرين زوج، أي ربط ما بينها وبين نفوسها بقبول كل جرم سماوي لنفسها التي لا يقبلها غيره.
وأقول: القول بكون السماوات حيوانات ذوات نفوس مخالف للمشهور بين أهل الاسلام، بل نقل السيد المرتضى رضي الله عنه إجماع المسلمين على أن الأفلاك لا شعور لها ولا إرادة، بل هي أجسام جمادية يحركها خالقها. ويمكن أن يراد
بالأزواج الملائكة الموكلون بها أو القاطنون فيها، أو المراد أشباهها من الكواكب والأفلاك الجزئية، ويمكن حمل الفقرات السابقة أيضا على هذين الوجهين الأخيرين ويمكن أن يكون المراد بأزواجها أشباهها في الجسمية والامكان من الأرضيات ويناسب ما جرى على الألسن من تشبيه العلويات بالآباء والسفليات بالأمهات.
(وذلل للهابطين) يقال (ذلل البعير) أي جعله ذلولا وهو ضد الصعب الذي لا ينقاد من الذل بالكسر وهو اللين والحزونة: خلاف السهولة، والمعراج: السلم والمصعد، و (نداء السماء) إشارة إلى ما مر من قوله سبحانه (فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها).
(فالتحمت عرى أشراجها) التحمت أي التزقت والتأمت، وعرى العيبة هي الحلق التي تضم بعضها إلى بعض وتشد وتقفل، و (الشرج) بفتحتين عرى العيبة والجمع: أشراج، وقيل: قد تطلق الأشراج على حروف العيبة التي تخاط. ولعل هذا الالتحام كناية عن تمام خلقها وفيضان الصور السماوية عليها.
(وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها) فتق الثوب فتقا: نقضت خياطته حتى انفصل بعضه عن بعض، ورتقت الفتق رتقا: أي سددته فارتتق، والأبواب الصامتة والمصمتة: المغلقة منها، وفتق صوامت الأبواب إما كناية عن إيجاد الأبواب فيها وخرقها بعد ما كانت رتقا لا باب فيها، أو فتح الأبواب المخلوقة فيها حين إيجادها وهذه الأبواب هي التي منها عروج الملائكة وهبوطها، وصعود أعمال العباد وأدعيتهم
وأرواحهم، كما قال تعالى (لا تفتح لهم أبواب السماء) والتي تنزل منها الأمطار كما أشار إليه بقوله (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر).
(وأقام رصدا) هو بالتحريك جمع (راصد) كخدم وخادم، أو اسم جمع كما قيل ويكون مصدرا كالرصد بالفتح، (والراصد) القاعد على الطريق منتظرا لغيره للاستلاب أو المنع، والمرصاد: الطريق والمكان يرصد فيه العدو وأرصدت له:
أعددت. (والثواقب) التي تثقب الشياطين أو الهواء، أو يثقب الجو بضوئها، (والنقاب) بالكسر جمع (نقب) بالفتح وهو الثقب والخرق، والمراد إقامة الشهب الثواقب لطرد الشياطين عن استراق السمع كما أشار إليه سبحانه بقوله (وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا) ولا صراحة فيه بكون ذلك المنع مقارنا لايجاد السماء حتى ينافي ما دل على حدوثها ويحتمل تخلل الرخصة بين المنعين أيضا.
(وأمسكها من أن تمور) أي تموج وتضطرب، والخرق يكون بمعنى الثقب في الحائط والشق في الثوب وغيره، وهو في الأصل مصدر خرقته إذا قطعته ومزقته ويكون بمعنى القفر والأرض الواسعة، تنخرق فيها الرياح: أي تهب وتشتد و (الهواء) يقال للجسم الذي هو أحد العناصر، ويقال لكل خال هواء كما قال سبحانه (وأفئدتهم هواء) أي خالية من العقل أو الخير، والمراد بالمورفي خرق الهواء إما الحركة الطبيعية أو القسرية في الفواصل التي تحدث بحركتها في الجسم الذي هو أحد العناصر، إذ لا دليل على انحصاره في الذي بين السماء والأرض أو حركتها في المكان الخالي الموهوم أو الموجود طبعا أو قسرا، أو حركة أجزائها فيما بين السماء
والأرض. والأيد بالفتح: القوة، والظرف متعلق بالامساك، والاستسلام:
الانقياد، ويحتمل أن يكون الامر كناية عن تعلق الإرادة كما مر.
(آية مبصرة) الآية: العلامة: [و] المبصر: المدرك بالبصر، وفسرت المبصرة في قوله تعالى (وجعلنا آية النهار مبصرة) بالبينة الداحضة، وبالمضيئة التي يبصر بها، وبالمبصرة للناس من (أبصرته فبصر) وبالمبصر أهله كقولهم (أجبن الرجل) إذا كان أهله جبناء، والمحو: إذهاب الأثر وطمس النور، وفسر محو القمر بكونه مظلما في نفسه غير مضيئ بذاته كالشمس وبنقصان نوره بالنظر 1 إلى الشمس وبنقصان 2 نوره شيئا فشيئا إلى المحاق.
وروي أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن اللطحة التي في وجه القمر فقال: ذاك محو آية الليل. ويمكن أن يكون لها مدخل في نقصان ضوء القمر من ليلها.
قيل: (من) لابتداء الغاية أو لبيان الجنس ويتعلق بممحوة أو يجعل، وقيل: أراد من آيات ليلها.
و (المنقل) في الأصل الطريق الجبل، والمدرج: المسلك، ودرج: أي مشى، والدرج بالتحريك: الطريق، و (درجيهما) في بعض النسخ على لفظ التثنية وفي بعضها مفرد، ومناقلهما ومدارجهما: منازلهما وبروجهما، والظاهر أن التمييز والعلم غايتان لمجموع الأفعال السابقة، فيكون إشارة إلى قوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب 3) وإلى قوله عز وجل ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ ويحتمل
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.