بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
باب حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الأمور 2
ج ۵۴، ص ۲۸۲–۳۰۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱۰ از ۱۱
وكذا ما قيل من أن اتصافه تعالى بالبقاء يتوقف على تحقق زمان، إذا لمفهوم منه وجود أمر في آن مسبوق بوجود ذلك الامر في آن آخر يتقدمه، فلو كان الزمان منتزعا من الذات المتصفة بالبقاء لزم الدور، مدفوع بأن هذه العبارة صدرت منهم مسامحة واتكالا على وضوح الامر، بل المنشأ لانتزاع الزمان هو وجوده سبحانه الذي يمتنع عليه طريان العدم بمدخلية هذا الوصف، وظاهر أن هذا الوصف ثابت له سبحانه في ذاته من غير توقف على اعتبار بقاء أو زمان أو غير ذلك، لان هذا الوصف من لوازم الوجود الذاتي الذي هو عين ذاته، أو أمر لا يحتاج ثبوته للذات إلى أمر سوى الذات، ومجرد الاستلزام بين الوصف المذكور والبقاء غير كاف فيما المعترض بصدده كما لا يخفى، فإن انتزاع البقاء بالمعنى المذكور عن الذات متأخر عن ثبوت هذا الوصف، بل عن انتزاع الزمان أيضا.
وأورد عليه أيضا أنه لو كان منتزعا منه سبحانه لكان صفة له كما هو شأن سائر ما ينتزع منه، كالعلم والإرادة والقدرة والخلق وغير ذلك من المعاني المصدرية والتالي باطل لأنه سبحانه لا يتصف بالزمان لا بالحمل مواطاة وهو ظاهر، ولا اشتقاقا لأنه ليس بزماني كما أنه ليس بمكاني كما تشهد به العقول السليمة والنصوص الواردة عن الصادقين عليهم السلام.
وأجيب عنه أولا بأنا لا نسلم أن كل ما ينتزع من شئ يجب أن يكون صفة له، لان مناط كون شئ صفة لشئ هو وجود العلاقة الناعتية بينهما، وكون انتزاع شئ من شئ مطلقا مستلزما لوجود تلك العلاقة غير بين ولا مبين، ومن تصدى له فعليه البيان، وأما ثانيا فلانا لو سلمنا ذلك نقول: ما ورد من النصوص من أنه ليس بزماني ولا مكاني معناه أنه كما لا يحيط به مكان حتى يكون ظرفا له مشتملا عليه كذلك لا يحيط به زمان حتى يتقدم عليه جزء من ذلك الزمان، أو يتأخر عنه جزء آخر منه، فيكون وجوده مقارنا لحد خاص من الزمان مسبوقا بحد آخر منه خال عن وجوده، فيكون ذلك الحد ماضيا بالنسبة إلى وجوده الحق
وسابقا على حد آخر كذلك حتى يكون مستقبلا بالقياس إليه، وأما مقارنة الحق القديم للزمان وتحققه معه في نفس الامر من الأزل إلى الأبد فلا شك في صحته ووقوعه، ويكفي في اتصافه تعالى بالزماني تحقق المعنى الثاني، وليس لمفهوم [لفظ] الزماني لغة ولا اصطلاحا اختصاص بما يقارنه الزمان على النحو الأول وأما اتصافه سبحانه بالمكاني فإنه إنما منع لأنه لم يتحقق المقارنة بين ذاته تعالى وبين المكان بشئ من المعنيين، لا بمعنى إحاطة المكان به ولا بمعنى مقارنة وجوده لوجوده أزلا وأبدا، ولا شك أن اتصافه سبحانه بالزماني بهذا المعني مما لا ينكره العقل ولا النقل، بما ورد في النصوص من توصيفه بالباقي، والدائم، والسرمدي والأزلي والأبدي، مما يشهد بصدقه ويؤذن بأن النصوص الدالة على نفي اتصافه بالزماني إنما المراد بها نفي إحاطة الزمان بوجوده الحق، على ما هو شأنه مع المتغيرات الحادثة في حد منه دون حد، أو أنه لا يتقدر وجوده سبحانه بالليل والنهار والشهور والسنين.
الطريق الثاني بناء الجواب على عدم كونه سبحانه زمانيا كما أومأنا إليه سابقا، وعليه شواهد كثيرة من الاخبار أشرنا إلى بعضها في مواضعها، وقد مر كثير منها في كتاب التوحيد نحو ما رواه الصدوق عن الصادق عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وما رواه عن أبي إبراهيم عليه السلام أنه قال: إن الله تبارك وتعالى لم يزل بلا زمان ولا مكان، وهو
الآن كما كان (الخبر) وفي خبر آخر عنه: إن الله لا يوصف بمكان ولا يجري عليه زمان، وفي الكافي وغيره في أخبار كثيرة (والله لا يصوف بخلقه) وروي عن سيد الشهداء عليه السلام في بعض خطبه: ليس عن الدهر قدمه. إذ الظاهر أن المراد أن قدمه سبحانه ليس قدما زمانيا ينشأ من مقارنة الزمان أبدا، وقد مر قول أمير المؤمنين عليه السلام الذي ليس له وقت محدود، ولا أجل ممدود، ولا نعت محدود. وفي النهج:
لم يسبق له حال حالا فيكون أولا قبل أن يكون آخرا، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا. وقد مر قوله عليه السلام لا تصحبه الأوقات، وقوله عليه السلام: ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال، وقوله عليه السلام: ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود.
ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود.
وفي التوحيد عن الكاظم عليه السلام: إن الله لا يوصف بزمان ولا مكان، وعن أمير المؤمنين عليه السلام: لم يختلف عليه حقب الليالي والأيام، وعنه عليه السلام: لا يزال وحدانيا أزليا قبل بدو الدهور، وبعد صرف الأمور، وقد مر أيضا قوله عليه السلام: انه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان، وقد مر أيضا في حديث ذعلب: لا تضمنه الأوقات إلى قوله مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، وفي خطبة أخرى: سبق الأوقات كونه والابتداء أزله إلى قوله كيف يجري عليه ما هو أجراه، وفي خطبة أخرى:
لا يقال له متى، ولا يضرب له أمد بحتى، وقد مر في خطبة الرضا عليه السلام: لا تصحبه الأوقات إلى قوله ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد إلى قوله مخبره بتوقيتها أن لا وقت لموقتها إلى قوله ولا توقته متى، ولا تشمله حين، ولا تقارنه مع إلى قوله فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع من صانعه، ولا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجرى عليه ما هو أجراه ويعود فيه ما هو ابتداه؟ وعن الباقر عليه السلام: لم يكن له كان، وأمثال هذه كثيرة قد مر أكثرها، وظاهر الجميع بل صريح بعضها نفي كونه سبحانه زمانيا، وكذا يدل
على ذلك ما ينفي عنه سبحانه المقادير، فإن الظاهر أن الزمان أيضا من المقادير 1 وكذا ما يدل على استحالة التغير وتجدد الحال عليه تعالى، فما يدل على خلاف ذلك مثل قوله تعالى (كل يوم هو في شأن 2) وقوله (خلق السماوات والأرض في ستة أيام 3) وأمثال ذلك مما مر بعضها فيمكن حملها على ضيق العبارة، فإن أهل اللغة لا يفهمون التجرد من الزمان، ووضعوا الألفاظ للمعاني المتعارفة بينهم وإما لتفهيم عامة الناس، فإن تصور التجرد عن الزمان صعب يحتاج إلى لطف قريحة، وإما أن يكون من قبيل قوله تعالى ﴿هو معكم أينما كنتم﴾ ويكون المعية مع الزمان كالمعية مع المكان بل المكانيات، وإما أن يقال: المنفي عنه تعالى هو الزمان بالذات، والمثبت هو الزمان بالعرض، كما يفهم من كلام السيد الشريف في معنى (السرمد)، وإما أن يكون من قبيل نفي الزمان وإثبات الثمرة، كما في سائر الصفات، فإن الآلة منتفية وثمرة السمع والبصر وغيرهما ثابتة، وكذا مبدء اشتقاق الرحمة والغضب واللطف وغيرها منتفية وثمراتها ثابتة، فالزمان منفي عنه تعالى وثمرته ثابتة من توصيف أفعاله سبحانه بأوصاف الزمانيات من التعاقب والترتيب ووقوعه في اليوم دون أمس إلى غير ذلك إما في الأفعال في أنفسها أو بالنسبة إلينا بلا تغير في ذاته تعالى وتجدد وتصرم بالنسبة إليه سبحانه، وكون بعضها بالفعل وبعضها بالقوة له تعالى، ولا استبعاد فيه، فإن جميع الأمور الإلهية غريبة عجيبة لا تدركها الابصار، ولا يخطر ببال أولي الروايات خاطرة من تقدير جلاله، و لا يصل إليه ألباب البشر بالتفكير، بل ترجع خاسئة حسيرة، ونهاية علم الراسخين
في العلم الاعتراف بالعجز عن إدراك حقيقتها وكيفيتها، فليس لدوامه سبحانه امتداد وطول يمكن انطباقه على الزمان حقيقة كبقاء الممكنات المنطبقة على قطعة من الزمان بل الله تعالى فوق ما يصفه الواصفون وليس مثله شئ.
ويؤيد بعض هذه الوجوه ما رواه الكليني والصدوق في الكافي والمجالس بإسنادهما عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في خطبة الوسيلة: إن قيل كان فعلى تأويل أزلية الوجود، وإن قيل لم يزل فعلى تأويل نفي العدم. وفي الكافي في خطبة له عليه السلام: أزله نهية لمجاول الأفكار، ودوامه ردع الطامحات العقول، قد حسر كنهه نوافذ الابصار، وقمع وجوده جوائل الأوهام. والنهية بضم النون وسكون الهاء:
اسم من نهاه ضد أمره، والمجاول جمع مجول بفتح الميم وهو مكان الجولان أو زمانه، والجوائل جمع جائلة من الجولان.
واعلم أن عقل العقلاء في هذه المسألة متحير فكثير من المحققين أثبتوا له سبحانه زمانا وقالوا إنه موهوم انتزاعي نفس أمري ينتزع من بقائه سبحانه كما عرفت وأكثر الحكماء والمحققين ذهبوا إلى استحالة عروض الزمان ومتى للواجب تعالى وللعقول المجردة في الذات والفعل التي كمالاتها بالفعل على زعم الحكماء، [و] قال أرسطو في (اثولوجيا): الشئ الزماني لا يكون إلا في الزمان الذي وافق أن يكون فيه، فأما الفاعل الأول فقد كان لأنه ليس هناك زمان فإن الشئ الملاقي في الزمان المستقبل قائم هناك، فلا محالة أنه هناك يكون موجودا قائما كما سيكون في المستقبل، فالأشياء إذن عند البارئ جل ذكره كاملة تامة زمانية كانت أو غير زمانية، وهي عنده دائما، وكذلك كانت عنده أولا كما تكون عنده أخيرا وقال: الأشياء هناك دائم لا يتغير بل على حال واحد.
وقال أيضا: لا ينبغي لسامع قول الفيلسوف يعني شيخه أفلاطون أن ينظر إلى لفظه فيتوهم عليه أنه قال: إن البارئ خلق الخلق في زمان، فإنه إنما اضطر الأولون إلى ذكر زمان في بدء الخلق لأنهم أرادوا وصف كون الأشياء فاضطروا أن يدخلوا الزمان في وصفهم الكون، وفي وصف الخليقة التي لم تكن في زمان البتة، لان المرء إذا أراد أن يبين العلة اضطر إلى ذكر الزمان، لأنه لابد للعلة أن تكون قبل المعلول فيتوهم المتوهم أن القبلية هي الزمان وليس ذلك كذلك (انتهى).
وقيل: ولعله لهذا الوجه وقعت الألفاظ الموهمة للزمان في كلام الشارع.
أقول: وكذلك صرح الشيخ بأنه تعالى ليس بزماني في تعليقاته والشفاء كما مر بعض كلماته، والفارابي في الفصوص والتعليقات، وشيخ الاشراق، والعلامة الشيرازي، وشارح التلويحات، وفخر الدين الرازي، والمحقق الدواني.
وقال المحقق الطوسي ره في نقد المحصل: وأما البارئ تعالى وكل ما هو علة الزمان أو شرط وجوده فلا يكون في الزمان ولا معه إلا في التوهم، حيث يقيسها الوهم إلى الزمانيات، والعقل كما يأبى عن إطلاق التقدم المكاني كذلك يأبى عن إطلاق التقدم الزماني، بل ينبغي أن يقال: إن للبارئ تعالى تقدما خارجا عن القسمين، وإن كان الوهم عاجزا عن فهمه. وقال أيضا في جواب الأسئلة القونوية:
لما نفوا عنه الكون في المكان جعلوا نسبة جميع الأماكن إليه نسبة واحدة متساوية ولما نفوا عنه الكون في الزمان جعلوا نسبة جميع الأزمنة حالها وماضيها ومستقبلها إليه نسبة واحدة متساوية.
وقال ره في شرح رسالة العلم: أزليته تعالى إثبات سابقية له على غيره، ونفي المسبوقية عنه، ومن تعرض للزمان أو الدهر أو السرمد في بيان الأزلية فقد ساوق معه غيره في الوجود انتهى. واعلم أن تسليم الحكماء لهذا الأصل بل تجويز العقل على
سبيل الاحتمال كاف لحل بعض شبهاتهم على الحدوث. وقيل: ومما يدل من جهة العقل على استحالة عروض الزمان له تعالى أن الزمان حقيقته تجدد شئ، و تقضي شئ وتصرمه وهذا ظاهر عند العقل ومبين مشروحا في الكتب، وتجدد شئ وانقضاء شئ آخر محال على الله تعالى كما يدل عليه العقل والنقل (انتهى) وإذا تمهد هذا مع ما نقلنا سالفا من تحقيق الدهر والسرمد نقول في دفع شبههم:
على تقدير الحدوث لا نسلم لزوم التخلف عن العلة التامة، وإنما يتصور التخلف لو كانت العلة زمانية ووجدت العلة في زمان ولم يوجد المعلول معه في ذلك الزمان وهنا لعل العلة أو العلة والمعلول كليهما لم يكونا زمانيين، أما العلة فقد مر، و أما المعلول فالكلام في الصادر الأول، وهناك لم يوجد زمان وزماني أصلا، ولا شئ إلا الواحد القهار. وبالجملة إذا كانت العلة والمعلول كلاهما زمانيين يجب أن يجمعهما آن أو زمان، وإلا فلا، ونظيره التخلف المكاني، فإنه لو كانا مكانين يتصور الاجتماع والافتراق والمماسة والمماسة، وأما إذا لم يكن أحدهما أو كلاهما مكانين لم يتصور أمثال هذه الأمور، وكذا إنما يتصور الترجيح بلا مرجح إذا كان تحقق زمان وقع أمر في جزء منه دون جزء، وصدر المعلول من العلة مرة ولم يصدر مرة أخرى، وقبل خالق العالم الزمان والزمانيات معدومة مطلقا ونفي صرف لا يجري فيه أمثال هذه الأوهام الكاذبة المخترعة الناشئة من الألفة بالزمان والمكان. ولعله يذهب بعض الأوهام إلى أن العالم لم وجد في المكان الذي فيه الآن ولم يوجد فوقه أو تحته أو غيرهما من الجهات؟ إلى غير ذلك من الأوهام والخيالات الواهية! والواجب جل شانه مقدس عن أمثال هذه الأمور ولا يبلغ إلى كنه عظمته وجلاله عقل عاقل وذهن ذاهن، ولا يحوم حول كبريائه فكر مخلوق وما قيل إنا نجزم بأن بعض الأمور مقدم على بعض وأن بعضها مع بعض ولو لم يكن الامتداد كذلك، بل ولو لم يكن فلك ولا حركة ولا ليل ولا نهار فممنوع، ومثل هذا ما يقال في الامتداد المكاني انا نجزم بتقدم بعض الحدود على البعض بالتقدم والتأخر الوضعي والرتبي ولو لم يكن جسم ومتمكن، وبه يثبتون البعد الموهوم الغير المتناهي الذي هو الخلاء، ولعل توهم هذين الامتدادين مما يحكم به الوهم
على الألف والعادة ولا أصل لهما أصلا، فصاحب هذا المسلك يقول بأن الزمان والحركات وسلسلة الحوادث كلها متناهية في طرف الماضي، وأن جميع الممكنات ينتهي في جهة الماضي في الخارج إلى عدم مطلق ولا شئ بحت لا امتداد فيه ولا تكمم ولا تدريج ولا قارية ولا سيلان، وقبل ابتداء الموجودات لا شئ إلا الواحد القهار وقوله (ينتهي الموجودات إلى عدم مطلق) وكذا قوله (قبل ابتداء الموجودات لا شئ محض) من ضيق العبارة، ولا تتصور القبلية والانتهاء إلى العدم حقيقة ، ونظير تناهي الزمان والامتداد الغير القار تناهي المكان والابعاد القارة، فإن الابعاد القارة والأمكنة تنتهي إلى العدم المطلق للأبعاد والجسمانيات، ولا يتصور وراء آخر الأجسام بعد ولا فضاء، لا بعد موجود ولا موهوم، حتى أنه لو مد أحد يده فيه لا يتحرك يده ولا يلج فيه، لا لوجود حسم لا يمكن خرقه، ولا لمصادم يمنعها، بل للعدم المطلق للبعد والفضاء. وقد روي عن الصادق أنه قال بعد عد أجسام العالم (ولا وراء ذلك سعة ولا ضيق، ولا شئ يتوهم) فكذا الحال في انقطاع الزمان وجميع الموجودات الممكنة في جهة الماضي لا يتصور فيه امتداد أصلا، لا موجود كما زعم الحكماء ولا موهوم كما توهمه المتكلمون، فلا يمكن فيه حركات كما استدل به الحكماء على عدم تناهي الزمان، بل لا شئ مطلق وعدم صرف، ولما ألف الناس بالابعاد القارة وجسم خلف جسم تعسر تصور عدمه على بعض المتكلمين وذهب إلى الابعاد الموهومة الغير المتناهية وقال بالخلاء، وكذا لما شاهدوا موجودا قبل موجود وزمانا قبل زمان صعب عليهم تصور اللاشئ المحض فذهب طائفة من الحكماء إلى لا تناهي الزمان الموجود، وطائفة من المتكلمين إلى لا تناهي الزمان الموهوم، و لكن تصور اللازمان المطلق أصعب من تصور اللا مكان ويحتاج إلى زيادة دقة ولطف قريحة.
وأقول: وهذا الجواب في غاية المتانة، واختاره السيد المرتضى والشيخ الكراجكي وغيرهما، قال السيد في جواب شبهة القائل بالقدم في تضاعيف كلامه:
غير أن الصانع القديم يجب أن تتقدم صنعته بما إذا قدرناه أوقاتا وأزمانا كانت
غير متناهية ولا محصورة. فدل على أنه لا يقول بقدم الزمان، بل يقدره ويفرضه وقد مضى تصريحه رضي الله عنه بحدوث الزمان، وأنه سبحانه ابتدأ ما أحدثه من غير زمان، وأن الزمان مقدار حركة الفلك في المقصد الثاني.
وقال الكراجكي: اعلم أن الملحدة لما لم تجد حيلة تدفع بها وجوب تقدم الصانع على الصنعة قالت إنه متقدم عليها تقدم رتبة لا تقدم زمان، فيجب أن نطالبهم بمعنى تقدم الرتبة، وقد سمعنا قوما منهم يقولون إن معنى ذلك أنه الفعال فيها والمدبر لها، فسألناهم هل يدافع ذلك عنها حقيقة الحدث فعادوا إلى الكلام الأول من أن كل واحد من أجزاء الصنعة محدث، فأعدنا عليهم ما سلف حتى لزمهم الاقرار بحدث الكل، وطالبناهم بحقيقة المحدث والقديم فلم يجدوا مهربا من القول بتقدم القديم في الوجود على المحدث التقدم المفهوم المعلوم الذي يكون أحدهما به موجودا والآخر معدوما، ولسنا نقول إن هذا التقدم موجب للزمان، لان الزمان أحد الأفعال، والله تعالى متقدم لجميع الأفعال وليس أيضا من شرط التقدم والتأخر في الوجود أن يكون ذلك في زمان، لان [الزمان] نفسه قد يتقدم بعضه على بعض ولا يقال إن ذلك مقتض لزمان آخر، والكلام في هذا الموضع جليل، ومن فهم الحق فيه سقطت عنه شبه كثيرة.
وقال - ره - بعد إيراد جواب السيد عن شبهة القائل بالقدم: وجميع ما تضمنه من إطلاق القول بأن بين القديم وأول المحدثات أوقاتا لا أول لها فإنما المراد به تقدير أوقات دون أن يكون القصد أوقاتا في الحقيقة، لان الأوقات أفعال، وقد ثبت أن للأفعال أولا، فلو قلنا إن بين القديم وأول الأفعال أوقاتا في الحقيقة لناقضناه، ودخلنا في مذهب خصمنا، نعوذ بالله من القول بهذا. ثم قال: وقال بعض أهل العلم: لا ينبغي أن نقول بين القديم وبين المحدث لأن هذه اللفظة إنما تقع بين شيئين محدودين، والقديم لا أول له، والواجب أن نقول: إن وجود القديم لم يكن عن عدم. وساق الكلام إلى أن قال: ولسنا نريد بذلك
أنه كان قبل أن فعل مدة يزيد امتدادها، لان هذا هو الحدوث والتجدد و هو معنى الزمان والحركة. فإن قال قائل: إنه لا يثبت في الأوهام إلا هذا الامتداد. قيل له: ليس [بحيث] يجب إذا ثبت في الوهم أن يكون صحيحا، أليس عندكم أنه ليس خارج العالم خلا، وذلك غير متوهم؟ وساق إلى أن قال: ثم يقال لهم: أرأيتم لو قال لكم قائل: ليس يثبت في وهمي موجود ليس في جهة فيجب أن يكون البارئ عز وجل في جهة، أليس يكون الجواب أن يقال: إنما يثبت ذلك في الوهم متى فرضتموه جسما، فأما متى فرضتموه غير جسم ولا متحيز فإنه لا يثبت ذلك في الوهم؟ فهكذا يكون جوابنا لكم. قال: ثم قال هذا المتكلم: فإن قالوا: إذا لم تثبتوا مدة مديدة قبل الفعل فقد قلتم إن البارئ سبحانه لم يتقدم فعله! قيل: بل نقول: إنه يتقدم على معنى أن وجوده قارن عدم فعله، ثم قارن وجود فعله وقولنا ثم يترتب على عدم الفعل لا غيره.
أقول: وتكلم في ذلك كثيرا إلى أن قال: وهذه الطريقة التي حكيتها هي عندي قاطعة لمادة الشبهة، كافية في إثبات الحجة على المدل بها، وهي مطابقة لاختيار أبي القاسم البلخي لأنه لا يطلق القول بأن بين القديم وأول المحدثات مدة، ويقول: إنه قبلها بمعنى أنه كان موجودا ثم وجدت، وهو معنى ما ذكره هذا المتكلم في قوله (إن وجوده قارن عدم فعله ثم قارن وجود فعله) فهو على هذا الوجه قبل أفعاله.
ثم قال: واعلم أيدك الله أن العبارات في هذه المواضع تضيق عن المعاني وتدعوا الضرورة إلى النطق بما عهد ووجد في الشاهد وإن لم يكن المراد حقيقته في المتعارف، ويجوز ذلك إذا كان مؤديا لحقيقة المعنى إلى النفس، كقولنا: قبل وبعد، وكان، وثم، فليس المعهود في الشاهد استعمال هذه الألفاظ إلا في الأوقات والمدد، فإذا قلنا إن الله تعالى كان قبل خلقه ثم أوجد خلقه فليس هذا التقديم والتأخير مفيدا لأوقات ومدد، وقد يتقدم الأوقات بعضها على بعض بأنفسها من غير أن يكون لها أوقات اخر. وكذلك ما يطلق به اللفظ من قولنا إن وجود الله قبل
وجود خلقه، فليس الوجود في الحقيقة معنى غير الموجود، وإنما هو اتساع في القول، والمعنى مفهوم معقول (انتهى).
وقال الشيخ المفيد - ره - في كتاب المقالات: الوقت هو ما جعله الموقت وقتا للشئ، وليس هو بحادث مخصوص، والزمان اسم يقع على حركات الفلك فلذلك لم يكن الفعل محتاجا في وجوده إلى وقت ولا زمان، وعلى هذا القول سائر الموحدين انتهى.
وإنما أوردت كلام هؤلاء الاجلاء لئلا يتوهم أن هذا القول مستحدث مخالف لمذهب الامامية ولم يقل به القدماء، بل الظاهر من كلام أكثر القدماء ذلك والله يعلم حقيقة الحال.
الطريق الثالث: أن إمكان وجود المعلول معتبر، وهو من شرائط قبول المعلول للوجود، ولا من شرائط تمامية الفاعل في التأثير، لكونه من متممات ذات المعلول المفتقر إلى المؤثر، ويجوز أن يكون بعض أنحاء الوجود بالنسبة إلى ماهية واحدة ممكنا دائما وبعض آخر ممتنعا بالذات دائما كما بين في محله، ومثل هذا لا يستلزم تغييرا أصلا لا من طرف العلة ولا من طرف المعلول حتى نطلب له سببا، بل أبدا هذا النحو من الوجود ممكن وذاك ممتنع، إذا تقرر هذا فنقول: لعل الوجود الدائمي لا تقبله الماهية الممكنة أصلا وقد مر من الاخبار والمؤيدات العقلية ما يؤكده، وسيظهر تأييد آخر من جواب النقض على دليلهم، وبالجملة يجب عليهم إثبات أن الممكن يقبل الوجود الأزلي حتى يتم دليلهم ودونه خرط القتاد.
الطريق الرابع: النقض بالحوادث اليومية، فإنا نقول: لو كان الواجب
تعالى في طرف، وجميع ما عداه بحيث لا يشذ منها شئ في طرف آخر، فإما أن يكون ذاته تعالى وحده علة تامه لشئ ما أولا يكون، وعلى الأول يلزم قدم شئ ما، و على الثاني يلزم أن لا يوجد شئ أبدا، ثم نأخذ الصادر الأول معه تعالى ونقول:
الواجب مع هذا الصادر إما أن يكونا علة تامة لشئ (ما) مما عداهما أولا، ويلزم قدم الصادر الثاني، وهكذا في الصادر الثالث والرابع حتى ينتهي إلى الحادث اليومي، ولا ينفعهم توسط الزمان والحركة والاستعداد.
قال المحقق الدواني في بحث إعادة المعدوم: إذا اقتضي ذات الشئ في الأزل وجوده فيما لا يزال يلزم كونه موجودا في الأزل فيما لا يزال ويلزم اجتماع أجزاء الزمان انتهى وتفصيله أنه إذا أخذنا من العلة الأولى ثم لاحظنا الأشياء على سبيل التنازل فلا بد من أن تنتهي نوبة الايجاد إلى الزمان والحركة لأنهما من جمله الممكنات، فلا بد من أن يكونا في سلسلة المعلولات، ولا شك في أن كل مرتبة منها علة تامة للاحقها وقديمة عندهم، فعلة الزمان والحركة تامة مستقلة بلا مشاركة حادث أصلا فيلزم انقطاعهما واجتماع أجزائهما وقدم جميع الحوادث، لان العلة إذا كانت علة لجميع أجزائهما فظاهر، وأما إذا لم تكن بل تكون علة لجزء ما منهما ثم يكون ذلك الجزء معدا لجزء آخر وهكذا فلان ذلك الجزء وإن كان قصيرا جدا فهو قابل للقسمة إلى أجزاء بعضها متقدم وبعضها متأخر، فيلزم اجتماع أجزاء هذا الجزء فيلزم من اجتماع هذا الجزء اجتماع أجزاء الجزء الذي يليه وهكذا، وأنت خبير بأن الاخذ من الحادث اليومي على سبيل التصاعد والقول بأن كل سابق معد للاحقه إلى غير النهاية تدليس محض.
وتمسك بعضهم لدفع هذا الاشكال بالحركة التوسطية والآن السيال، لأنهما ذات جهتين: الاستمرار، والتجدد، فمن جهة الاستمرار صدرتا عن القديم، ومن جهة التجدد صارتا واسطتين في صدور الحادث عن القديم. وفيه أنه لو تم هذا
لزم إمكان حدوث جميع أجزاء العالم بهذا الوجه فلا يلزم القدم الشخصي في شئ من أجزاء العالم وهو خلاف مذهبهم، مع أنه لنا أن ننقل الكلام إلى جهة التجدد، فإن كانت موجودة في الواقع فيعود الكلام السابق بعينه، وإذا لم تكن موجودة فلا يمكن أن يصير واسطة.
وقال الغزالي ردا لجوابهم: إن هذه الحركة مبدأ للحوادث إما من حيث إنها مستمرة أو من حيث إنها متجددة، فإن كان من حيث إنها مستمرة فكيف صدر من مستمر متشابه الاجزاء شئ في بعض الأحوال دون بعض؟ وإن كانت من حيث إنها متجددة فما سبب تجددها في أنفسها فتحتاج إلى سبب آخر ويتسلسل.
واعترض عليه بأن هذا التسلسل عندهم جائز لعدم وجوب اجتماع الآحاد ههنا.
وقال المحقق الدواني في شرح العقائد في دفعه: إن التجدد عبارة عن انقضاء شئ وحدوث شئ آخر، فإذا عدم جزء من الحركة فلا بد لعدمه من علة حادثة وتلك العلة إما أمر موجود أو عدم أمر موجود أو بعضها موجود وبعضها عدم أمر موجود، وعلى الأول ننقل الكلام إلى علة ذلك الامر وهكذا حتى يلزم التسلسل في الأمور الموجودة المجتمعة المترتبة، وعلى الثاني فيكون ذلك العدم عدم جزء من أجزاء علة وجوده، ضرورة أن ما لا يكون وجوده علة لوجود أمر لا يكون عدمه علة لعدمه فيلزم التسلسل في الموجودات التي هذه الاعدام أعدام لها، وعلى الثالث لابد أن يكون أحد القسمين من الأمور الموجودة وتلك الاعدام أو كلاهما غير متناه، وعلى الوجهين يلزم التسلسل في الأمور الموجودة المترتبة المجتمعة والحاصل أن يلزم التسلسل في الأمور الموجودة المترتبة المجتمعة إما في حال وجوده السابق أو حال عدمه اللاحق، لان عدمه إن كان بسبب أمر موجود أو عدمه بسبب عدم يستلزم حدوث أمر موجود كعدم عدم المانع المستلزم لوجود المانع يلزم التسلسل في الموجودات المترتبة المجتمعة الحادثة في حال عدمه، وإن كان بسبب عدم أمر موجود لا يستلزم أمرا موجودا لزم التسلسل المذكور وقت وجود ذلك
الحادث، وقس عليه الشق الثالث.
فان قلت: على تقدير أن يكون عدم كل جزء مستندا إلى عدم عدم المانع المستلزم لوجود المانع لا يلزم الترتيب بين تلك الموانع حتى يلزم التسلسل المستحيل بل لا يلزم اجتماع تلك الموانع في الوجود أيضا لجواز أن يكون حدوثها ولو في آن كافيا في انتفاء ما هي مانعة عنه.
قلت: تلك الموانع متعاقبة في الحدوث، فإن اجتمعت في الوجود لزم التسلسل المستحيل، لان آحادها مترتبة في الحدود (و) بحسب الزمان ومجتمعة في الوجود، فيجري فيه التطبيق، ولا يقدح فيه عدم ترتبها بحسب الذات كما لا يخفى على ذي فطرة سليمة، فإنا نأخذ السلسلة المبتدأة من الحادث في اليوم ونطبقها على السلسلة المبتدأة من الحادث بالأمس ونسوق البرهان، وإن لم تجتمع في الوجود نقلنا الكلام إلى علة عدمها حتى يلزم التسلسل المستحيل في الموجودات الحادثة وقت عدمها أو وقت وجودها، فإن علة عدم كل مانع إما عدم المانع المستلزم لوجود المانع، أو عدم جزء من أجزاء علته، وعلى الأول يلزم وجود الموانع المترتبة في الحدوث الغير المتناهية، وعلى الثاني يلزم أن يكون تحقق ذلك المانع موقوفا على أمور موجودة غير متناهية مترتبة، فيلزم التسلسل المستحيل في أسباب وجوده انتهى وأنت خبير بأنه على سبيل المماشاة مع الحكماء، (وإلا) فقد بيناه وبين هو نفسه أيضا ببعض الوجوه التي ذكرنا أن التسلسل مطلقا محال، سواء كانت متعاقبة أو مجتمعة، فظهر أن لا مخلص للحكماء إلا بالتزام أن إمكان نحو الوجود معتبر في جانب المعلول، ولا يضر في تمامية العلة، فلما استحال اجتماع أجزاء الحركة والزمان لكونهما غير قارين وقع التخلف وصارا واسطتين بين العلة القديمة و المعلول الحادث، وهو بعينه الجواب عن أصل الدليل. والحاصل أنهم بأي وجه يسندون الحادث إلى القديم فلنا أن نسند جميع العالم إلى الواجب تعالى بلا فرق.
وقد يقرر النقض بعبارة أخرى، وهي أنه يرد على ما قرروه من كون
الحادث اليومي مرتبطا بالأزلي بسبب توسط أمر شخصي له جهتا استمرار وتجدد وهو الحركة التوسطية السرمدية، إذ هي باعتبار استمرارها تصدر عن القديم وباعتبار تجدد ذاتها تكون سببا للحادث أنه حينئذ تكون العلة التامة لوجود الحادث أمرا تدريجا واقعا في زمان غير متناه من جانب الأزل، ويكون الحادث الذي هو معلوله موجودا في الآن الذي هو طرف لذلك الزمان، وما هذا إلا تخلفا للمعلول عن علته التامة، إذ لا معنى للتخلف إلا كون ظرف وجود المعلول مغايرا لظرف وجوده العلة، فقد وقعوا فيما هربوا عنه من لزوم التخلف.
وأجيب عنه بأن التخلف المستحيل هو ما استلزم الترجيح بلا مرجح، و ذلك إنما يتصور بأن يتخلل زمان بين وجود العلة ووجود معلوله، إذ حينئذ يتوجه السؤال بأنه لم لم يوجد المعلول في جزء آخر من ذلك الزمان المتخلل ووجد في الحد الذي وجد فيه مع أن الايجاب الحاصل من العلة متساوي النسبة إلى الزمانين وفيما نحن فيه ليس كذلك، إذ لم يتخلل بين وجودي العلة والمعلول زمان ، بل كان وجود المعلول في آن هو طرف لزمان وجود العلة، وحينئذ لم يتوجه لا بأن يقال لم لم يوجد المعلول في حد آخر غير ما وجد فيه بكون (ذلك) الحد بعد زمان وجود العلة، لانتفاء زمان متخلل يفرض فيه حد بينهما، ولا بأن يقال لم لم يوجد المعلول في آن قبل الآن الذي هو الطرف من آنات زمان وجود العلة، إذ في شئ من تلك الآنات لم تخرج العلة التدريجية بتمامها من القوة إلى الفعل ووجود المعلول يتوقف على تمامها.
قيل: وبهذا الجواب وإن اندفع المحذور المذكور فيما إذا كان المعلول آنيا وعلته زمانية لكن لا تنحسم مادة الاشكال في المعلول الذي هو تدريجي بيان ذلك أن الواسطة التدريجية التي قرروها مشتملة على أجزاء تحليلة وقطعات يحكم العقل على كل منها بالكون بعد أن لم يكن، فلا بد فيها من القول بكون كل سابقة من القطعات شرطا لوجود اللاحقة حتى يصح ارتباطها بالقديم، وكون تلك القطعات غير موجودة على سبيل الجزئية بالفعل لا يقدح فيما قلنا كما تشهد
به الفطرة السليمة، على أن كتب الفلاسفة مملوءة بما يصرح بذلك. ولا شك أن الجواب المذكور لا ينفع لدفع التخلف ههنا، إذ يتوجه أن يقال إن القطعة السابقة إذا وجدت بتمامها في مجموع زمان كانت تمامها علة موجبة للاحقه فلم لم توجد اللاحقة في الآن الذي هو طرف لذلك الزمان، أو لم يقع في نفس الزمان الذي هو ظرف لوجود علتها حتى تكون القطعتان من الحركة التي إحديهما علة والأخرى معلولة متطابقتين في الزمان، متوافقتين في الاخذ والترك، فإنه كما أن العلة زمانية الوجود فكذلك معلولها، وكما أن العلة لم تخرج من القوة إلى الفعل في شئ من الآنات المفروضة في زمان وجوده فكذلك المعلول فكما أنه إذا انقضى مجموع ذلك الزمان تم وجود العلة في مجموعها صح كون مجموعها كذلك بلا تقدم للعلة على المعلول بالزمان، وإذا لم يقع المعلول كذلك بل وجد في مجموع زمان آخر يتصل بالأول لم يكن ذلك إلا تخلفا.
والجواب: بأنه لو وجدت القطعة اللاحقة على (أحد) الوجهين اللذين ذكرتهما لزم كون الحركة قار الذات، وماهية الحركة لا تحتمل هذا النحو من الوجود، فلم يكن ما فرضته حركة حركة. وبأن الاحتمال الثاني يستلزم اجتماع المثلين في محل واحد هو المتحرك وهو محال على ما بين في محله.
مدفوع: بأن ما يدفع التخلف المستحيل الذي حقيقته تحقق ظرفين في نفس الامر يتصور وجود المعلول في كل منهما ويكون تمامية العلة وشرائطها و إيجابها متحققة فيهما بلا تفاوت، ويكون مع ذلك وجود المعلول واقعا في أحدهما على سبيل الترجيح من غير مرجح هو الجواب، إما بانحصار الظرف في واحد كالمعلول الآني الواقع في طرف زمان العلة، أو ببيان مرجح مختص بأحد الطرفين حتى تكون العلة في أحدهما لم تتم ولم توجب بعد، وتمت في الآخر واستجمعت شرائط التأثير فخص وجود المعلول بالثاني ليس إلا.
ولا شك في أن الجوابين المذكورين لا يفيدان شيئا من هاتين الإفادتين
بل ليس حاصلهما إلا أن عدم وقوع تخلف المحال لما استلزم محالا آخر هو اجتماع المثلين أو انقلاب ماهية الحركة فلا محالة وقع التخلف، وأنت خبير بأن استلزام عدم التخلف للمحالين المذكورين لا يصير رافعا لوصف الاستحالة عن التخلف الممتنع في بداهة العقول، ولا مجوزا لوقوعه بل حاصل هذا الكلام في الحقيقة ليس إلا مغالطة ألزمت كون الواقع ظرفا لأحد المحالات إما المحالين المذكورين أو التخلف ولا محيص عن هذا الاشكال إلا بأن يقال: القطعة اللاحقة كما توقف وجودها على السابقة توقف على أمر آخر هو الاجزاء التحليلية المفروضة في نفس اللاحقة كهذا النصف وذاك النصف منها وبذلك يظهر أنه لا يمكن وجود اللاحقة في نفس زمان السابقة، لتوقف اللاحقة حينئذ على أجزاء لم يشرع بعد في الخروج من القوة إلى الفعل أصلا. وفيه بعد كلام، والأصل ما قدمناه من أن عذر الاستحالة مشترك كما عرفت، وهذا الوجه الأخير أيضا يمكن إجراؤه في الزمان الموهوم كما عرفت.
الطريق الخامس: ما ذكره المحقق الدواني، وهو اختيار أنه لم يكن جميع ما لابد منه في وجوده متحققا في الأزل، إذ من جملته تعلق الإرادة بوجوده في الأزل، ولم تتعلق الإرادة بوجوده في الأزل، بل بوجوده فيما لا يزال من الأوقات الآتية لحكمة ومصلحة. ولا يرد أن التعلق الأزلي بوجوده إما أن يكون متمما للعلة أم لا، وعلى الأول يلزم وجوده في الأزل لامتناع التخلف، وعلى الثاني يحتاج المعلول إلى أمر آخر سوى هذا التعلق وهو خلاف المفروض، على أنا ننقل الكلام إلى هذا الامر، لأنا نقول: القدرة تؤثر على وفق الإرادة، وقد تعلقت الإرادة بوجوده في وقت معين فلا يوجد إلا فيه.
فان قيل: لا بد من اختيار أحد شقي الترديد الذي أوردناه.
قلنا: إن أردتم أنه متمم لعلة وجوده في الأزل فنختار أنه ليس كذلك، و إن أردتم أنه متمم لعلة وجوده فيما لا يزال فنختار أنه كذلك، ولا يلزم أزليته ولا احتياجه إلى أمر آخر، كما أن الفاعل المختار إذا أراد إيجاد جسم ما على
صفة معينة كالطول مثلا أو القصر يوجد المعلول بهذه الصفة، فكذا ههنا لما تعلق إرادة الفاعل المختار بوجود الحادث لم يتصور إلا كونه حادثا والحاصل أن المعلول إنما يوجد بإرادة الفاعل المختار على النحو الذي تعلق به إرادته، سواء كان مقارنا لوجوده أو متأخرا عنه.
وقد يقال إن الأزل فوق الزمان، ومعنى كون الشئ أزليا أن يكون سابقا على الزمان، فالواجب تعالى لما كان متعاليا عن الزمان لا يوصف بكونه في الزمان كما لا يوصف بكونه في المكان، فلا شئ غيره في الأزل، وإنما يوجد ما يوجد حسب ما تعلقت به الإرادة الأزلية من تخصيصها الأزلي بأوقاتها، والزمان من جمله الممكنات، وقد تعلقت الإرادة الأزلية بوجوده المتناهي، وليس الله تعالى متقدما عليه بالزمان، إذا لواجب تعالى ليس بزماني حتى يقال إنه متقدم على غيره بالزمان.
فان قيل: لا شبهة في أن الإرادة القديمة بذاتها ليست كافية في وجود الممكن وعلى فرض أن تكون كافية يلزم قدم الممكن فلا بد من تعلقها وحينئذ لا يخلو هذا التعلق من أن يكون حادثا أو قديما، وعلى الأول يلزم التسلسل، لأنا ننقل الكلام إلى سبب هذا التعلق حتى يلزم التسلسل، وعلى الثاني قدم الممكن الذي تعلقت به الإرادة.
فقد أجيب عنه تارة بأن التعلق أمر عدمي فلا يحتاج إلى أمر يخصصه بوقت دون وقت، ولئن سلم فالتسلسل في الأمور الاعتبارية وهي التعلقات غير ممتنع، و أنت تعلم أن اختصاص كل صفة سواء كانت وجودية أو عدمية بوقت يحتاج إلى مختص بالبديهة، وأما التسلسل في التعلقات بأن يكون مخصص تعلق الإرادة بذلك الوقت تعلق الإرادة بتعلق الإرادة في ذلك الوقت وهكذا حتى تكون إرادة وجود الممكن في ذلك الوقت لأنه أراد إرادة وجوده في ذلك الوقت، وأراد إرادة إرادة وجوده في ذلك الوقت لأنه أراد إرادة تلك الإرادة وهكذا فيتسلسل تعلقات الإرادة من جانب المبدأ وينتهي من الجانب الآخر إلى إرادة ذلك الممكن، وحينئذ تكون
الحال كما تقول به الفلاسفة من تعاقب الاستعدادات الغير المتناهية حتى ينتهي إلى الاستعداد القريب الذي يلي المعلول. فقد قيل عليه أنه باطل مع قطع النظر عن جريان التطبيق فيه، لأنه يلزم انحصار الأمور الغير المتناهية بين حاصرين، وهما نفس الإرادة وتعلقها الذي يلي الممكن.
أقول: وأنت تعلم أنه لا انحصار هنا بين حاصرين أصلا، بل ذات الإرادة محفوظة في جميع المراتب وتتوارد عليها تعلقات مترتبة غير متناهية على نحو تعاقب الاستعدادات الغير المتناهية على المادة، فليست الإرادة ولا المريد طرف السلسلة كما ليست المادة طرف السلسلة، فالقول بالانحصار هنا وهم ظاهر الفساد، وإن ظهر بعض من يعقد عليه الأنامل بالاعتقاد (انتهى).
وأورد عليه إيرادات لا طائل في إيرادها وهي مع أجوبتها مذكورة في كتب القوم.
الطريق السادس: ما ذكره المحقق الطوسي ره في التجريد، وهو أن التخلف عن العلة التامة إنما يستحيل إذا أمكن وجود ظرفين يمكن تحقق المعلول في كل منهما، ومع ذلك خص وجود المعلول بالأخير منهما من غير تفاوت في أجزاء العلة وشرائط إيجابها بالنسبة إلى الوقتين، وههنا ليس كذلك، إذا لوقت من جمله أجزاء العالم، فلا وقت قبل حدوث العالم حتى يسأل عن حدود ذلك الوقت وأنه لم لم يقع المعلول في تلك الحدود ووقع فيما وقع فيه، ولما كان هذا الوجه بعد التحقيق يرجع مآله إلى ما حررنا في الطريق الثاني لم نتعرض لبسط القول فيه.
المرصد الثاني:. دفع شبهة أخرى لهم، وهي أن العالم ممكن، وإمكان وجوده أزلي. إذ لو كان ممتنعا في الأزل وصار ممكنا لزم الانقلاب المحال، وإذا أمكن وجوده في الأزل والبارئ تعالى قادر كامل في تأثيره جواد فحض لا يفيد إلا ما ينبغي لا لعوض ولا لغرض فما أوجد العالم إلا لجوده الذي هو مقتضى ذاته، فوجب أن يوجد العالم أزلا.
والجواب أن يقال: ما أردت بقولك (والبارئ تعالى قادر كامل في تأثيره) إن أردت أن لا نقص في ذاته وصفاته الكمالية كقدرته وعلمه وإرادته وفي اقتضاء ذاته القديمة إفاضة الخير والجود فذلك مسلم، ولا يلزم (منه) وجوب إيجاد العالم أزلا، لجواز توقف الايجاد على شرط يقتضيه العلم بالأصلح، وإن أردت به أن الفاعل في الأزل مستجمع لشرائط التأثير فهو ممنوع، والسند ما مر. والحاصل أن مقتضى كونه كاملا جوادا في ذاته أن لا ينفك عن ذاته إفادة ما ينبغي، ولا نسلم أن وجود العالم في الأزل كذلك، إذ ما ينبغي عبارة عما هو أصلح بالنظام بحسب علمه القديم، والأصلح إنما هو وجود العالم فيما لا يزال.
وقال بعض المحققين في الجواب عن هذه الشبهة: إنها مبنية على استلزام أزلية الامكان إمكان الأزلية وهو ممنوع، فإن معنى الأول استمرار إمكان الشئ وجواز وجوده، ومعنى الثاني جواز أن يوجد الشئ وجودا مستمرا أزلا وأبدا وظاهر أن استلزام الأول للثاني ليس مما لا يطلب له دليل. واستدل عليه بأنه إذا استمر الامكان أزلا لم يكن في ذاته مانع من الوجود في شئ من أجزاء الأزل فعدم منعه أمر مستمر في جميع أجزاء الأزل، فإذا نظر إلى ذاته جاز له الاتصاف بالوجود في كل جزء منها لابد لا فقط بل ومعا أيضا، وهو إمكان اتصافه بالوجود المستمر الأزلي، فأزلية الامكان استلزمت إمكان الأزلية. وفيه نظر إذ قوله (ومعا أيضا) ممنوع، بل وقوله (جاز له الاتصاف بالوجود في كل جزء منها) أيضا ممنوع، فإن الآنيات يمتنع وجودها في الزمان، وأيضا ما ذكره منقوض بالحركة التوسطية الآخذة من مبدأ معين، فإنها ممكنة أزلا ولا يمكن لها الوجود أزلا لوجود مبدء لها فرضا (انتهى).
وأقول: ويظهر من أجوبة سائر الشبه أجوبة أخرى لهذه الشبهة تركناها للمتأمل الفطن.
المرصد الثالث: دفع الشبهة التي أوردها صاحب المحاكمات، وهي أنه لا يجوز أن يكون فعله تعالى معدوما ثم يوجد، إذ العدم الصريح لا تمييز فيه حتى
يكون إمساك الفاعل من إيجاده في بعض الأحوال أولى من إيجاده في بعض، وحتى يكون الصدور من الفاعل في بعض الأحوال أولى من صدوره في بعض، بل لو كان صدوره واجبا كان في جميع الأحوال. أولا صدوره كان في جميع الأحوال، فيلزم إما قدم الفعل أو عدمه بالمرة. وهذا بالحقيقة رد على من قال: إنما حدث في الوقت لأنه كان أصلح لوجوده أو كان ممكنا فيه، وتقييد العدم بالصريح احتراز عن العدم الحادث المسبوق بالمادة (انتهى كلامه).
والجواب: أنه لا شك أن جميع المعلولات قديمها وحديثها معدوم مطلق في مرتبة وجود العلة، فكيف تعلق الجعل بالممكنات دون الممتنعات؟ وكيف تعلق بالقديم وهو معدوم مطلق في هذه المرتبة؟ وكيف تعلق الجعل بالقديم ولم يتعلق بالحوادث إلا بعد مدة غير متناهية؟ فالحق أن التميز العلمي في علمه تعالى كاف في الجميع، وإن كانت في الخارج معدومة صرفة، فهو سبحانه يعلم في ذاته الجميع ممكنها وممتنعها مطلقا، أو على بعض أنحاء الوجود، ويريد ما أراد منها على الوجه الذي تقتضيه الحكمة والمصلحة، وتؤثر القدرة على وفق الإرادة، فيوجد العادم على النظام الذي وجد بلا تغير في ذاته وصفاته الذاتية، وإنما التغير والتفاوت فيما عداه بالامكان والامتناع، والتقدم والتأخر، والصغر والكبر، إلى غير ذلك من وجوه التفاوت، ولا يمكن للعقول إدراك كنه تأثيراته وايجاداته تعالى شأنه، كما يستفاد من الخطب والاخبار المأثورة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام، و السؤال بأنه لم لم يخلق العالم قبل هذا أو بعد ذاك، أو فوق الفضاء الذي هو الآن فيه أو تحته، أو يمينه أو يساره، أو قدامه أو خلفه، أو أصغر أو أكبر، أو المواد بحيث تقبل الاستعدادات على نحو آخر، فهو من هذر السؤال، وقد ظهر الفرق بين أزلية الامكان وإمكان الأزلية، وأن الامكان الذاتي من متممات ذات المعلول المحتاج، ومن مصححات المعلولية ومكملات الاحتياج إلى العلة على سبيل لوازم الماهية المعلولية وذاتياتها، وليس ملحوظا في طرف العلة التامة المفتقرة إليها، وقد مر ما يمكن استنباط أجوبة أخرى منه لهذه الشبهة فتفطن.
المرصد الرابع: دفع شبهة أخرى لهم، وهي أن الزمان لو كان حادثا لكان معدوما قبل وجوده قبلية انفكاكية لا يجامع بحسبها القبل البعد في الواقع وهذه القبلية معروضها بالذات أجزاء الزمان بعضها بالنسبة إلى بعض، ولا يوصف بها ما عدا الزمان إلا بالعرض من جهة مقارنة الزمان، فإذن يلزم وجود الزمان على تقدير عدمه، وهذا خلف. ويمكن بمثل هذا البيان إثبات امتناع العدم اللاحق على الزمان فثبت سرمديته.
ومما ينبه أن هذا البيان مغالطة هو أن الزمان إما أن يكون مستندا إلى الواجب بلا واسطة، فيكون هو الصادر الأول وهو خلاف معتقدهم، وإما أن يكون بواسطة علة ممكنة ولا شك أن هذه العلة ممكنة لذاتها وبالنسبة إلى الزمان الذي هو معلولها، لان بالمعلول لا تجب العلة، ولا يصير منشأ لوجوب علته، فظهر أن علة الزمان ممكنة بالذات وبالنسبة إلى الزمان أيضا، وعدم الممكن بالوصف المذكور لا يلزم من فرضه محال أصلا، فإذا فرضنا انعدام علة الزمان فإما أن يبقى الزمان موجودا بلا علة مبقية وهو محال، لأن علة الحاجة إلى المؤثر عندهم هو إمكان المعلول وحده، وإما أن ينعدم الزمان أيضا وهو محال عندهم، واقتضاه هذا الدليل، فإن مذهبهم أن العدم بعد الوجود محال بالذات على الزمان، وإنما الممكن بالنظر إلى الزمان هو العدم رأسا وابتداء، وأما العدم بعد الوجود فلا يجوزونه ويصرحون بامتناعه بالذات.
والجواب عن أصل الدليل أنا لا نسلم أن العدم الصرف الذي صورناه قبل العالم يمكن أن يتصف بشئ، كيف وهو نفي صرف ولا شئ محض في الواقع، نعم بعد وجود العالم وتحقق الموجودات ربما يمكن سريان بعض هذه الأحكام إلى العدم، ولو سلم فلا نسلم أن منشأ استحالة اجتماعه مع الوجود اللاحق هو اتصافه بالسبق، بل يجوز أن يكون لأنهما متقابلان بالايجاب والسلب، ولأجل هذا التقابل لا يجتمعان، ولو سلم فلا نسلم أن مثل هذا السبق لا يعرض إلا للزمان و دون إثباته خرط القتاد، وغاية ما لزم من دليلهم على تقدير تسليمه أن هذا النوع
من السبق يعرض للزمان بالذات وأما إثبات أنه لا يعرض لغير الزمان إلا بواسطة فلا سبيل لهم إليهم.
والمشهور بين المتكلمين في جواب هذا الدليل إثبات قسم آخر للسبق سموه بالسبق بالذات، وهو في مقام المنع حسن، وإن أريد إثباته فمشكل. قال المحقق الطوسي - ره - في قواعد العقائد: التقدم يكون بالذات كتقدم الموجد على ما يوجد، أو بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين، أو بالزمان كتقدم الماضي على الحاضر، أو بالشرف كتقدم العالم على المتعلم أو بالوضع كتقدم الأقرب إلى مبدء على الأبعد، والمتكلمون يزيدون على ذلك التقدم بالرتبة كتقدم الأمس على اليوم.
وقال الرازي في الأربعين: إنا نثبت نوعا آخر من التقدم وراء هه الأقسام الخمسة، والدليل عليه أنا ببديهة العقل نعلم أن الأمس متقدم على اليوم وليس تقدما بالعلية، ولا بالذات، ولا بالشرف، ولا بالمكان، ولا يمكن أن يكون تقدما بالزمان، وإلا لزم أن يكون ذلك الزمان حاصلا في زمان آخر، ثم الكلام في الزمان الثاني كما في الأول فيفضي إلى أن تحصل أزمنة لا نهاية لها دفعة واحدة ويكون لكل منها ظرفا للاخر وذلك محال، فهو تقدم خارج عن هذه الأقسام فنقول تقدم عدم العالم على وجوده وتقدم وجود الله على وجود العالم يكون على هذا الوجه، ويزول الاشكال (انتهى).
وأقول: لهم شبهه واهية أخرى يظهر جوابها للمتأمل فيما أوردناه، وأنت بعدما أحطت خبرا بما حققناه، وتركت تقليد السادة والكبراء، والتمسك بالشكوك والأهواء، لا أظنك تستريب في قوة دلائل الحدوث وضعف شبه القدم ولو لم تكن أقوى فلا ريب في أنها متعارضة، فلو كانت متكافئة أيضا كيف تجترئ على مخالفة الكتب السماوية، والأخبار المتواترة النبوية، والآثار المتظافرة المأثورة عن الأئمة الهادية، والعترة الطاهرة، الذين هم معادن الحكمة والوحي
والالهام، وبعثهم الله لتكميل الانعام. لشبه واهية اعترف مبدؤها بضعفها، حيث قال الشيخ وأرسطو: إنها مسألة جدلية الطرفين فيا إخوان الدين، وخلان اليقين إن لم يغلب على قلوبكم الرين، فافتحوا العين، وارفعوا العناد من البين، وانظروا بأبصار مكحولة بالانصاف مشفية من رمد التعصب والاعتساف، فتكونوا في أصول الدين من أصحاب اليقين، وتدخلوا في حزب الأنبياء والأوصياء و الصديقين، ولا تعتمدوا على أصولكم، ولا تتكلموا على عقولكم، لا سيما في المقاصد الدينية، و المطالب الإلهية، فإن بديهة العقل كثيرا ما تشتبه ببديهة الوهم، والمألوفات الطبيعية بالأمور اليقينية، والمنطق لا يفي بتصحيح مواد الأقيسة، وزن أفكارك بميزان الشرع المبين، ومقياس الدين المتين، وما تحقق صدوره عن الأئمة الراسخين، صلوات الله عليهم أجمعين، لئلا تكون من الهالكين.
(تكملة) اعلم أن العلماء اختلفوا في أول المخلوقات، واختلف الاخبار أيضا في ذلك فالحكماء يقولون: أول المخلوقات العقل الأول، ثم العقل الأول خلق العقل الثاني والفلك الأول، وهكذا إلى أن انتهى إلى العقل العاشر فهو خلق الفلك التاسع وهيولي العناصر، وجماعة منهم يقول بأن تلك العقول وسائط لايجاده تعالى ولا مؤثر في الوجود إلا الله، وكل ذلك مخالف لما ظهر وتبين من الآيات و الاخبار، وأجمع عليه المليون.
وأما غير هم فقيل: أولها الماء، كما يدل عليه أكثر الأخبار المتقدمة، و نقلنا ذلك سابقا عن (ثاليس الملطي) ورأيت في كتاب (علل الأشياء) المنسوب إلى (بليناس الحكيم) أنه قال: إن الخالق تبارك وتعالى كان قبل الخلق، و أراد أن يخلق الخلق، فقال: ليكن كذا وكذا فكانت هذه الكلمة علة الخلق، و سائر المخلوقات معلول، وكلام الله عز وجل أعلى وأعظم وأجل من أن يكون شيئا تدركه الحواس، لأنه ليس بطبيعة، ولا جوهر، ولا حار، ولا بارد، ولا رطب، ولا يابس. ثم قال بعده: إن أول ما حدث بعد كلام الله تعالى الفعل، فدل بالفعل على الحركة، ودل بالحركة على الحرارة، ثم لما نقصت الحرارة جاء السكون عند فنائها، فدل بالسكون على البرد، ثم ذكر بعد ذلك أن طبائع العناصر الأربعة إنما كانت من هاتين القوتين أعني الحر والبرد، قال: وذلك أن الحرارة حدث منها اللين، ومن البرودة اليبس، فكانت أربع قوى مفردات فامتزج بعضها ببعض فحدث من امتزاجها الطبائع، وكانت هذه الكيفيات قائمة
بأنفسها غير مركبة، فمن امتزاج الحرارة واليبس حصلت النار، ومن الرطوبة و البرد حدث الماء، ومن الحرارة والرطوبة حدث الهواء، ومن امتزاج البرد و اليبس حصلت الأرض، ثم قال: إن الحرارة لما حركت طبيعة الماء والأرض تحرك الماء للطفه عن ثقل الأرض، وانقلب ما أصابه من الحر فصار بخارا لطيفا هوائيا رقيقا روحانيا، وهو أول دخان طلع من أسفل الماء وامتزج بالهواء فسما إلى العلو لخفته ولطافته، وبلغ الغاية في صعوده على قدر قوته ونفرته من الحرارة، ثم وقف فكان منه الفلك الأعلى، وهو فلك زحل، ثم حركت النار الماء أيضا فطلع منه دخان هو أقل لطفا مما صعد أو لا وأضعف، فلما صار بخارا سما إلى العلو بجوهره ولطافته ولم يبلغ فلك زحل لقلة لطافته عما قبله فكان منه الفلك الثاني، وهو فلك المشتري، وهكذا بين طلوع الدخان مرة مرة وتكون الأفلاك الخمسة الباقية عنه. ثم قال: والأفلاك السبعة بعضها في جوف بعض، وبين كل فلكين منها هواء واسع مملو أجزاء لا تتحرك.
ونقل صاحب الملل والنحل عن (فلو طرخيس) أيضا من الحكماء القدماء أنه قال: أصل المركبات هو الماء، فإذا تخلخل صافيا وجدت النار، وإذا تخلخل وفيه بعض الثقل صار هواء، وإذا تكاثف تكاثقا مبسوطا بالغا صار أرضا. وقد مر نقلا من التورية أن مبدء الخلق جوهر خلقه الله ثم نظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء إلى آخر ما مر، وقريب منه ما رواه العامة عن كعب أنه قال:
إن الله خلق ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء، كما قال تعالى (وكان عرشه على الماء).
وقيل: أول المخلوقات الهواء، كما دل عليه ما ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره، والظاهر أنه اخذ من خبر، لكن لا تعارض به الأخبار الكثيرة المسندة ومع صحته يمكن الجمع بحمل أولية الماء على التقدم الإضافي بالنسبة إلى الأجسام المشاهدة المحسوسة التي يدركها جميع الخلق، فإن الهواء ليس منها، و
لذا أنكر وجوده جماعة.
وقيل: أول المخلوقات النار. كما مر، وقد مر (في) بعض الأخبار أن أول ما خلق الله النور، وفي بعضها نور النبي صلى الله عليه وآله وفي بعضها نوره مع أنوار الأئمة عليهم السلام وفي بعض الأخبار العامية عن الني صلى الله عليه وآله أول ما خلق الله روحي فيمكن أن يكون المراد بالجميع واحدا، ويكون خلق الأرواح قبل خلق الماء وسائر الأجسام، وتكون أولية الماء بالنسبة إلى العناصر والأفلاك، فإن بعض الأخبار يدل على تقدم خلق الملائكة على خلق العناصر والأفلاك كما مر، و دلت الأخبار الكثيرة على تقدم خلق أرواحهم وأنوارهم عليهم السلام على كل شئ.
وروى الكليني وغيره بأسانيدهم الكثيرة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.