بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
باب حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الأمور 2
ج ۵۴، ص ۱۸۸–۲۲۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۷ از ۱۱
(ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهن أطوارا من ملائكته) الظاهر أن كلمة (ثم) للترتيب المعنوي، فيكون فتق السماوات بعد خلق الشمس والقمر بل بعد جعلها سبعا وخلق الكواكب فيه، ويحتمل أن يكون للترتيب الذكري والظاهر أن المراد بفتقها فصل بعضها عن بعض فيؤيد بعض محتملات الآية كما أشرنا إليه سابقا. ويدل على بطلان ما ذهبت الفلاسفة 2 إليه من تماس الأفلاك وعدم الفصل بينها بهواء ونحوه. والأطوار: جمع طور بالفتح، وهو في الأصل التارة، قال الله تعالى ﴿وقد خلقكم أطوارا﴾ قيل: أي طورا نطفة، وطورا علقة، وطورا مضغة. وقيل: أي حالا بعد حال، وقيل: أي خلقكم مختلفين في الصفات: أغنياء وفقراء، وزمنى وأصحاء. ولعل الأخير هنا أنسب. ولو كانت
الملائكة مخلوقة قبل السماوات كما هو ظاهر بعض الأخبار الآتية فقبل فتقها كانوا في مكان آخر يعلمه الله 1.
(منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون ومسبحون لا يسأمون السجود والركوع هنا جمع (ساجد) و (راكع) وفاعل الصفة يجمع على فعول إذا جاء مصدره عليه أيضا، والانتصاب: القيام، والصف:
ترتيب الجمع على خط، كالصف في الصلاة والحرب، وقال أبو عبيدة: كل شئ بين السماء والأرض لم يضم قطريه فهو صاف، ومنه قوله تعالى ﴿والطير صافات﴾ 2 أي نشرت أجنحتها، وبالوجهين فسرق قوله تعالى (والصافات صفا 3) والتزايل: التباين والتفارق، والسأمة: الملالة والضجر .
(لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان) غشيه كعلمه إذا جاءه، أي لا يعرضهم، والفترة: الانكسار والضعف، وظاهر الكلام اختصاص الأوصاف بهذا الصنف، ويمكن أن يكون التخصيص بها جميعا أو ببعضها لأمر آخر غير الاختصاص. (ومنهم امناء على وحيه) الوحي في الأصل أن يلقي الانسان إلى صاحبه شيئا بالاستتار والاخفاء، ويكون بمعنى الكتابة والإشارة والرسالة. (وألسنة إلى رسله) أي رسلا إليهم، كما قال تعالى ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا﴾ 4 (ومختلفون بقضائه) أي 5 مقتضياته كما يأتون به في ليلة القدر وغيرها، (وأمره) أي أحكامه، أو الأمور المقدرة، كما قال تعالى ﴿بإذن ربهم من كل أمر﴾ فالاحكام داخلة في السابقتين، ويمكن تخصيص الأخير بغير الوحي
أي يختلفون لتمشية قضائه وأمره وتسبيب أسبابهما.
(ومنهم الحفظة لعباده) لعل المراد غير الحافظين عليهم الذين ذكرهم الله في قوله (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين) بل من ذكرهم بقوله سبحانه (له معقبات من بين يديه ومن خلقه يحفظونه من أمر الله) ويمكن أن يكون المراد في كلامه الكاتبين للأعمال بتقدير مضاف، وربما يفهم من بعض الأخبار اتحاد الصنفين.
والسدنة لأبواب الجنان هم المتولون لأمور الجنان وفتح أبوابها وإغلاقها. وأصل السدانة في الكعبة وبيت الأصنام.
(ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم) وفي بعض النسخ (في الأرض أقدامهم) وهو أظهر. والجمع على الأول إما باعتبار القطعات والبقاع، أو لان كلا من الأرضين السبع موضع قدم بعضهم، والوصف على الأول بالقياس على سائر الطبقات، وعلى الثاني بالقياس إلى السماء. (والمارقة) أي الخارجة، يقال:
مرق السهم من الرمية إذ اخرج من الجانب الآخر (من السماء العليا) أي السابعة (أعناقهم والخارجة من الأقطار) أي من جوانب الأرض أو جوانب السماء (أركانهم) أي جوارحهم، فهذا بيان لضخامتهم وعرضهم (والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم) لعل المراد بالمناسبة القرب والشباهة في العظم، ويمكن أن يراد بها التماس، فالمراد بهم حملة العرش (ناكسة دونه) أي دون العرش (أبصارهم) والناكس: المطاطئ رأسه ) وفي إسناده إلى الابصار دلالة على عدم التفاتهم في النكس يمينا وشمالا (متلفعون تحته بأجنحتهم) اللفاع ثوب يجلل به الجسد كله كساء كان أو غيره وتلفع بالثوب إذا اشتمل به (وبين من دونهم) أي سائر الملائكة: أو البشر أو الجن أو الأعم، وفي بعض النسخ (ناكسة) و (مضروبة) و (متلفعين) بنصف الجميع.
(لا يتوهمون ربهم بالتصوير) أي بأن يثبتوا لله صورة، والغرض تقديس الملائكة عن إثباتهم لوازم الجسمية والامكان له سبحانه، والتعريض والتوبيخ للمشبهين من البشر. والنظائر: جميع نظيرة وهي المثل والشبه في الاشكال والأخلاق والأفعال، والنظير: المثل في كل شئ، وفي بعض النسخ (بالنواظر) أي بالابصار أي لا يجوزون عليه الرؤية، وفي بعضها (بالمواطن) أي الأمكنة.
137 - النهج: في وصية أمير المؤمنين للحسن عليهما السلام قال: ولكنه إله واحد كما وصف نفسه و لا يضاده في ملكه أحد، ولا يزول أبدا، ولم يزل أولا قبل الأشياء بلا أولية، وآخرا بعد الأشياء بلا نهاية.
138 - تأويل الآيات الظاهرة نقلا من كتاب الواحدة عن الحسن بن عبد الله الكوفي، عن جعفر بن محمد البجلي، عن أحمد بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى أحد واحد تفرد في وحدانيته، ثم تكلم بكلمة فصارت نورا، ثم خلق بذلك النور محمدا صلى الله عليه وآله وخلقني وذريتي، ثم تكلم بكلمة فصارت روحا، فأسكنه الله في ذلك النور، وأسكنه في أبداننا، فنحن روح الله وكلماته، وبنا احتجب عن خلقه فما زلنا في ظلة خضراء، حيث لا شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار، ولا عين تطرف نعبده ونقدسه ونمجده ونسبحه قبل أن يخلق الخق (الخبر).
139 - مصباح الأنوار: بإسناده عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله خلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق آدم حين لا سماء مبنية ولا أرض مدحية، ولا ظلمة ولا نور، ولا شمس ولا قمر، ولا نار. فقال العباس:
فكيف كان بدء خلقكم يا رسول الله؟ فقال: يا عم لما أراد الله أن يخلقنا تكلم بكلمة فخلق منها نورا، ثم تكلم بكلمة أخرى فخلق منها روحا، ثم خلط النور بالروح فخلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن والحسين فكنا نسبحه حين لا تسبيح، ونقدسه حين لا تقديس، فلما أراد الله تعالى أن ينشئ خلقه فتق نوري فخلق منه العرش فالعرش من نوري، ونوري من نور الله، ونوري أفضل من العرش، ثم فتق نور أخي على، فخلق منه الملائكة، فالملائكة من نور علي ونور علي من نور الله وعلى أفضل من الملائكة، ثم فتق نور ابنتي فخلق منه السماوات والأرض فالسماوات والأرض من نور ابنتي فاطمة ونور ابنتي فاطمة من نور الله، وابنتي فاطمة أفضل من السماوات والأرض ثم فتق نور ولدي الحسن، وخلق منه الشمس والقمر، فالشمس والقمر من نور ولدي الحسن، ونور الحسن من نور الله، والحسن أفضل من الشمس والقمر، ثم فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنة والحور العين، فالجنة والحور العين من نور ولدي الحسين، ونور ولدي الحسين من نور الله، وولدي الحسين أفضل من نور الجنة والحور العين (الخبر).
140 - الكافي: عن أحمد بن إدريس، عن حسين بن عبيد الله، عن محمد بن عيسى، ومحمد بن عبد الله. عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله تبارك وتعالى: يا محمد إني خلقتك وعليا نورا يعني روحا بلا بدن قبل أن أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري، فلم تزل تهللني وتمجدني، ثم
جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة، فكانت تمجدني وتقدسني وتهللني، ثم قسمتها ثنتين، وقسمت الثنتين ثنتين، فصارت أربعة: محمد واحد، وعلي واحد، والحسن والحسين ثنتان. ثم خلق الله، فاطمة من نور ابتدأها روحا بلا بدن ثم مسحنا بيمينه فأفضى نوره فينا.
بيان: (بلا بدن) أي أصلا، أو بلا بدن عنصري بل بدن مثالي، و ظاهره تجسم الروح، وربما يؤول الخلق هنا بالتقدير. (قبل أن أخلق) بحسب الزمان الموهوم، وقيل: بحسب الرتبة (تهللني) بلسان الجسد المثالي أو بلسان الحال (ثم جمعت روحيكما) كأن المراد جعل مادة بدنهما في صلب آدم عليه السلام (فكانت تمجدني) أي بنفسها أو بتوسط الطينات المقدسات (ثم قسمتها ثنتين) أي في عبد المطلب إلى عبد الله وأبي طالب (ثم قسم الثنتين) بعد انتقالهما إلى علي وفاطمة (ثنتين) أي في الحسنين كما تدل عليه أخبار كثيرة. وقال بعض المحدثين: من الأمور المعلومة أن جعل المجردين واحدا ممتنع وكذلك قسمة المجرد فينبغي حمل الروح هنا على آلة جسمانية نورانية منزهة عن الكثافة البدنية وقال بعض الأفاضل: المراد بخلق الروحين بلا بدن خلقهما مجردين، وبجمعهما وجعلهما واحدة جمعهما في بدن مثالي نوراني لاهوتي، وبتقسيمهما تفريقهما وجعل كل واحد منهما في بدن شهودي جسماني، واستحالة تعلق الروحين ببدن
واحد إنما هي في الأبدان الشهودية لا في الأبدان المثالية اللاهوتية (انتهى).
وإطلاق المسح واليمين هنا على الاستعارة، إذ مريد اللطف بغيره يمسحه بيمينه أو اليمين كناية عن الرحمة كما حققنا في قولهم عليهم السلام (والخير في يديك) أنه يمكن أن يكون المعنى أن النفع والضر الصادرين منك كليهما حكمة ومصلحة ورحمة فالنفع منسوب إلى اليمين والضر إلى الشمال. (فأفضى نوره فينا) أي أوصله إلينا أو وصل إلينا. وقيل: اتسع فينا. قال في المصباح: الفضاء بالمد: المكان الواسع وفضا المكان فضوا - من باب قعد -: اتسع فهو فضاء، وأفضى الرجل بيده إلى الأرض:
مسها بباطن راحته. قال ابن فارس وغيره: وأفضى إلى امرأة: باشرها وجامعها وأفضيت إلى الشئ: وصلت إليه، والسر: أعلمته به (انتهى) والنور: العلم وسائر الكمالات.
141 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن المعلى عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجريت اختلاف الشيعة فقال:
يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها. وأجرى طاعتهم عليها
وفوض أمورها إليهم فهم يحلون ما يشاؤن، ويحرمون ما يشاؤن ولن يشاؤا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى . ثم قال: يا محمد هذه الديانة التي من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق. خذها إليك يا محمد.
142 - ومنه: عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن علي بن إبراهيم، عن علي بن حماد، عن المفضل، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف كنتم حيث كنتم في الأظلة؟ فقال: يا مفضل كنا عند ربنا ليس عنده أحد غيرنا في ظلة خضراء، نسبحه ونقدسه ونهلله ونمجده، ولا من ملك مقرب ولا ذي روح غيرنا. حتى بدا له في خلق الأشياء فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم، ثم أنهى علم ذلك إلينا.
بيان: (في الأظلة) أي في عالم الأرواح أو المثال أو الذر (كنا عند ربنا) أي مقربين لديه سبحانه بالقرب المعنوي، أو كنا في علمه وملحوظين بعنايته (في ظلة خضراء) الظلة بالضم: ما يستظل به، وشئ كالصفة يستتر به من الحر والبرد، ذكره الفيروزآبادي. وكأن المراد ظلال العرش قبل خلق السماوات والأرض وقيل: أي في نور أخضر، والمراد تعلقهم بذلك العالم لا كونهم فيه.
ويحتمل أن يكون كناية عن معرفة الرب سبحانه كما سيأتي في باب العرش إنشاء الله أي كانوا مغمورين في أنوار معرفته تعالى مشعوفين به، إذ لم يكن موجود غيره وغيرهم (حتى بدا له في خلق الأشياء) أي أراد خلقه (ثم أنهى) أي أبلغ وأوصل علم ذلك أي حقائق تلك المخلوقات وأحكامها إلينا.
143 - الكافي: عن أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله الصغير، عن محمد
ابن إبراهيم الجعفري، عن أحمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبي عبد الله عليهما السلام قال: إن الله كان إذ لا كان، فخلق الكان والمكان وخلق نور الأنوار الذي نورت منه الأنوار، وأجرى فيه من نور الذي نورت منه الأنوار، وهو النور الذي خلق منه محمدا وعليا، فلم يزالا نورين أولين إذ لا شئ كون قبلهما، فلم يزالا يجريان طاهرين مطهرين في الأصلاب الطاهرة حتى افترقا في أطهر طاهرين في عبد الله وأبي طالب.
بيان: (إذ لا كان) يعني لم يكن شئ من الممكنات، وكأنه مصدر بمعنى الكائن كالقيل والقال، ولعل المراد بنور الأنوار أولا نور النبي صلى الله عليه وآله إذ هو منور أرواح الخلائق بالعلوم والكمالات والهدايات والمعارف، بل سبب لوجود الموجودات وعلة غائية لها (وأجرى فيه) أي في نور الأنوار (من نوره الذي نورت منه الأنوار) أي نور ذاته سبحانه من إفاضاته وهداياته التي نورت منها الأنوار كلها حتى نور الأنوار المذكور أولا (وهو النور) أي نور الأنوار المذكور أولا (إذ لا شئ كون قبلهما) أي قبل نورهما الذي خلقا منه، أو سوى ذلك النور أولا شئ من ذوات الأرواح (أطهر طاهرين) أي في زمانهما.
144 - الكافي: عن أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن جابر بن يزيد، قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا جابر إن الله أول ما خلق خلق محمدا وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله. قلت: وما الأشباح؟ قال: ظل النور، أبدان نورانية بلا أرواح، وكان مؤيدا بنور واحد وهي روح القدس، فبه كان يعبد الله
وعترته، ولذلك خلقهم حلماء علماء بررة أصفياء، يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل ويصلون الصلوات ويحجون ويصومون.
أقول: قد مضى شرح تلك الأخبار وما يضاهيها في المجلد السادس والسابع والتاسع، والأخبار الدالة على أن أول الموجودات أرواحهم عليهم السلام كثيرة، ويمكن الاستدلال بها على حدوث الجميع بانضمام ما سيأتي من الأخبار الدالة على أن الفاصلة بين خلق الأرواح والأجساد بزمان متباه، إذ الزائد على المتناهي بزمان متناه يكون لا محالة متناهيا.
145 - وقال أبو الحسن البكري أستاذ الشهيد الثاني ره في كتاب الأنوار:
روي عن أمير المؤمنين أنه قال: كان الله ولا شئ معه فأول ما خلق نور حبيبه محمد صلى الله عليه وآله قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والأرض واللوح والقلم والجنة والنار والملائكة وآدم وحواء بأربعة وعشرين وأربعمائة ألف عام، فلما خلق
الله تعالى نور نبينا محمد صلى الله عليه وآله بقي ألف عام بين يدي الله عز وجل واقفا يسبحه ويحمده والحق تبارك وتعالى ينظر إليه ويقول: يا عبدي أنت المراد والمريد، وأنت خيرتي من خلقي، وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت الأفلاك، من أحبك أحببته ومن أبغضك أبغضته، فتلألأ نوره وارتفع شعاعه، فخلق الله منه اثني عشر حجابا أولها حجاب القدرة، ثم حجاب العظمة، ثم حجاب العزة، ثم حجاب الهيبة، ثم حجاب الجبروت، ثم حجاب الرحمة، ثم حجاب النبوة، ثم حجاب الكبرياء، ثم حجاب المنزلة، ثم حجاب الرفعة، ثم حجاب السعادة، ثم حجاب الشفاعة، ثم إن الله تعالى أمر نور رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدخل في حجاب القدرة، فدخل وهو يقول: سبحان العلي الأعلى وبقي على ذلك اثني عشر ألف عام، ثم أمره أن يدخل في حجاب العظمة، فدخل وهو يقول: سبحان عالم السر وأخفى، أحد عشر ألف عام، ثم دخل في حجاب العزة وهو يقول: سبحان الملك المنان، عشرة آلاف عام ثم دخل في حجاب الهيبة وهو يقول: سبحان من هو غني لا يفتقر، تسعة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الجبروت وهو يقول: سبحان الكريم الأكرم، ثمانية آلاف عام، ثم دخل في حجاب الرحمة وهو يقول: سبحان رب العرش العظيم، سبعة آلاف عام، ثم دخل في حجاب النبوة وهو يقول: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، ستة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الكبرياء وهو يقول: سبحان العظيم الأعظم، خمسة آلاف عام، ثم دخل في حجاب المنزلة وهو يقول: سبحان العليم الكريم، أربعة آلاف عام، ثم دخل في حجاب الرفعة وهو يقول: سبحان ذي الملك والملكوت، ثلاثة آلاف عام، ثم دخل في حجاب السعادة وهو يقول: سبحان من يزيل الأشياء ولا يزول، ألفي عام، ثم دخل في حجاب الشفاعة وهو يقول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، ألف عام.
قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: ثم إن الله تعالى خلق من نور محمد صلى الله عليه وآله عشرين بحرا من نور، في كل بحر علوم لا يعلمها إلا الله تعالى
ثم قال لنور محمد صلى الله عليه وآله: انزل في بحر العز فنزل، ثم في بحر الصبر، ثم في بحر الخشوع، ثم في بحر التواضع، ثم في بحر الرضا، ثم في بحر الوفاء، ثم في بحر الحلم، ثم في بحر التقى، ثم في بحر الخشية، ثم في بحر الإنابة، ثم في بحر العمل، ثم في بحر المزيد، ثم في بحر الهدى، ثم في بحر الصيانة، ثم في بحر الحياء، حتى تقلب في عشرين بحرا، فلما خرج من آخر الأبحر قال الله تعالى:
يا حبيبي ويا سيد رسلي ويا أول مخلوقاتي ويا آخر رسلي، أنت الشفيع يوم المحشر فخر النور ساجدا. ثم قال: فقطرت منه قطرات كان عددها مائة ألف وأربعة وعشرين ألف قطرة، فخلق الله تعالى من كل قطرة من نوره نبيا من الأنبياء فلما تكاملت الأنوار صارت تطوف حول نور محمد صلى الله عليه وآله كما تطوف الحجاج حول بيت الله الحرام، وهم يسبحون الله ويحمدونه ويقولون: سبحان من هو عالم لا يجهل، سبحان من هو عليم لا يعجل، سبحان من هو غني لا يفتقر. فناداهم الله تعالى: تعرفون من أنا؟ فسبق نور محمد صلى الله عليه وآله قبل الأنوار ونادى: أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، رب الأرباب، وملك الملوك. فإذا بالنداء من قبل الحق: أنت صفيي، وأنت حبيبي، وأنت خير خلقي، أمتك خير أمة أخرجت للناس. ثم خلق من نور محمد صلى الله عليه وآله جوهرة وقسمها قسمين، فنظر إلى القسم الأول بعين الهيبة فصار ماء عذبا، ونظر إلى القسم الثاني بعين الشفقة فخلق منه العرش فاستوى على وجه الماء، فخلق الكرسي من نور العرش، وخلق من نور الكرسي اللوح، وخلق من نور اللوح القلم، وقال له: اكتب توحيدي، فبقي القلم ألف عام سكران من كلام الله تعالى، فلما أفاق قال: اكتب، قال: يا رب وما أكتب؟
قال: اكتب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فلما سمع القلم اسم محمد صلى الله عليه وآله خر ساجدا وقال: سبحان الواحد القهار، سبحان العظيم الأعظم، ثم رفع رأسه من السجود
وكتب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. ثم قال: يا رب ومن محمد الذي قرنت اسمه باسمك، وذكره بذكرك؟ قال الله تعالى له: يا قلم، فلولاه ما خلقتك، ولا خلقت خلقي إلا لأجله، فهو بشير ونذير، وسراج منير، وشفيع وحبيب، فعند ذلك انشق القلم من حلاوة ذكر محمد، ثم قال القلم: السلام عليك يا رسول الله، فقال الله تعالى: وعليك السلام مني ورحمة الله وبركاته، فلأجل هذا صار السلام سنة والرد فريضة، ثم قال الله تعالى: اكتب قضائي وقدري وما أنا خالقه إلى يوم القيامة. ثم خلق الله ملائكة يصلون على محمد وآل محمد، ويستغفرون لامته إلى يوم القيامة، ثم خلق الله تعالى من نور محمد صلى الله عليه وآله الجنة وزينها بأربعة أشياء:
التعظيم والجلالة والسخاء والأمانة، وجعلها لأوليائه وأهل طاعته، ثم نظر إلى باقي الجوهرة بعين الهيبة فذابت، فخلق من دخانها السماوات، ومن زبدها الأرضين فلما خلق الله تبارك وتعالى الأرض صارت تموج بأهلها كالسفينة فخلق الله الجبال فأرساها بها، ثم خلق ملكا من أعظم ما يكون في القوة فدخل تحت الأرض، ثم لم يكن لقدمي الملك قرار، فخلق الله صخرة عظيمة وجعلها تحت قدمي الملك، ثم لم يكن للصخرة قرار، فخلق لها ثورا عظيما لم يقدر أحد ينظر إليه لعظم خلقته وبريق عيونه، حتى لو وضعت البحار كلها في إحدى منخريه ما كانت إلا كخردلة ملقاة في أرض فلاة، فدخل الثور تحت الصخرة وحملها على ظهره وقرونه واسم ذلك الثور (لهوتا) ثم لم يكن لذلك الثور قرار فخلق الله له حوتا عظيما واسم ذلك الحوت (به موت) فدخل الحوت تحت قدمي الثور فاستقر الثور على ظهر الحوت فالأرض كلها على كاهل الملك ، والملك على الصخرة، والصخرة على الثور، والثور على الحوت، والحوت على الماء، والماء على الهواء، والهواء على الظلمة، ثم انقطع علم الخلائق عما تحت الظلمة.
ثم خلق الله تعالى العرش من ضيائين: أحدهما الفضل، والثاني العدل، ثم أمر الضيائين فانتفسا بنفسين فخلق منهما أربعة أشياء: العقل والحلم والعلم والسخاء
ثم خلق من العقل الخوف، وخلق من العلم الرضا، ومن الحلم المودة، ومن السخاء المحبة، ثم عجن هذه الأشياء في طينة محمد صلى الله عليه وآله ثم خلق من بعدهم أرواح المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وآله ثم خلق الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والضياء والظلام وسائر الملائكة من نور محمد صلى الله عليه وآله فلما تكاملت الأنوار سكن نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحت العرش ثلاثة وسبعين ألف عام، ثم انتقل نوره إلى الجنة فبقي سبعين ألف عام، ثم انتقل إلى سدرة المنتهى، فبقي سبعين ألف عام، ثم انتقل نوره إلى السماء السابعة، ثم إلى السماء السادسة، ثم إلى السماء الخامسة ثم إلى السماء الرابعة، ثم إلى السماء الثالثة، ثم إلى السماء الثانية، ثم إلى السماء الدنيا، فبقي نوره في السماء الدنيا إلى أن أراد [الله] أن يخلق آدم عليه السلام إلى آخر ما مر في المجلد السادس.
146 - كتاب أبي سعيد عباد العصفري: عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي حمزة، قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول: إن الله خلق محمدا وعليا و أحد عشر من ولده من نور عظمته، فأقامهم أشباحا في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق، يسبحون الله ويقدسونه، وهم الأئمة من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله.
147 - ومنه: عن عمرو، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خلق الله أرض كربلاء قبل أن يخلق أرض الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام، وقدسها وبارك عليها فما زالت قبل خلق الله الخلق مقدسة مباركة، ولا تزال كذلك حتى يجعلها الله
أفضل أرض في الجنة، وأفضل منزل ومسكن يسكن الله فيه أولياءه في الجنة.
ومنه: عن رجل عن أبي الجارود عن علي بن الحسين عليهما السلام مثله.
148 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان عن محمد بن عمران العجلي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أي شئ كان موضع البيت حيث كما الماء في قوله الله عز وجل (وكان عرشه على الماء؟) قال: كانت مهاة بيضاء يعني درة.
بيان: قال الجوهري: المهاة بالفتح البلور.
149 - الكافي: عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن منصور بن العباس عن صالح اللفائفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل دحا الأرض من تحت الكعبة إلى منى، ثم دحاها من منى إلى عرفات ثم دحاها من عرفات إلى منى، فالأرض من عرفات، وعرفات من منى ومنى من الكعبة.
بيان: قوله (ثم دحاها من عرفات إلى منى) أبي دحا السطح الظاهر من الأرض من عرفات إلى منتهاها، ثم ردها من تحت الأرض لحصول الكروية إلى منى، ولم يذكر عليه السلام كيفية إتمامه لظهوره، أو المعنى أنه ردها من جهة التحت إلى الجانب الآخر، ثم إلى الكعبة، ثم تمم أطراف الكرة من جهة الفوق إلى منى ليتم كلها. وأما ما تكلف بعض أفاضل المعاصرين حيث قرأ (منى) أخيرا بفتح الميم بمعنى قدر، أي إلى آخر ما قدره الله من منتهى الأرض، فلا يخفى عليك بعده.
١٥٠ - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة، عن أبي زرارة التميمي، عن أبي حسان، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما أراد الله عز وجل أن يخلق الأرض أمر الرياح فضر بن وجه الماء حتى صار موجا، ثم أزبد فصار زبدا واحدا، فجمعه في موضع البيت، ثم جعله جبلا من زبد، ثم دحا الأرض من تحته، وهو قول الله عز وجل ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا﴾.
ورواه أيضا عن سيف بن عميرة عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.
151 - الدر المنثور للسيوطي: بأسانيد عن مجاهد، قال: خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك قوله (ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات) يقول: خلق سبع سماوات بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض.
152 - ومنه: أيضا بعدة طرق عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات) قال: إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسمى عليه فسماه سماه، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فنقها فجعلها سبع أرضين في يومين: في الأحد والاثنين، فجعل الأرض على الحوت
وهو الذي ذكره في قوله (ن والقلم) والحوت في الماء على صفاة، والصفاة على ملك، والملك على صخرة، والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال، فقرت فذلك قوله (وجعل لها رواسي أن تميد بكم) وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين:
في الثلاثاء والأربعاء، ودلك قوله (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين - إلى قوله - وبارك فيها) يقول: أنبت فيها شجرها (وقدر فيها أقواتها) وأهلها (في أربعة أيام سواء للسائلين) يقول: من سأل فهكذا الامر (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) فكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها، سبع سماوات في يومين في الخميس والجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض (وأوحى في كل سماء أمرها) قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار والجبال البرد وما لا يعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظا من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش.
153 - وعن ابن عباس في قوله تعالى (ثم استوى إلى السماء) يعني صعد أمره إلى السماء (فسواهن) يعني خلق سبع سماوات، قال: أجرى النار على الماء فبخر البحر، فصعد في الهواء، فجعل السماوات منه.
154 - وعن عبد الله بن عمرو، قال: لما أراد الله أن يخلق الأشياء إذ كان عرشه على الماء، وإذ لا أرض ولا سماء، خلق الريح فسلطها على الماء، حتى اضطربت أمواجه، وأثار ركامه، فأخرج من الماء دخانا وطينا وزبدا فأمر الدخان فعلا و سما ونما، فخلق منه السماوات، وخلق من الطين الأرضين، وخلق من الزبد الجبال.
155 - وعن أبي هريرة، قال: أخذ النبي صلى الله عليه وآله بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، و خلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر.
156 - وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: دحيت الأرض من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت، وهي أول من طاف به، وهي الأرض التي قال الله (إني جاعل في الأرض خليفة)، 157 - وعن ابن عباس قال: وضع البيت على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.
158 - وعن مجاهد قال: خلق الله موضع البيت الحرام من قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة وأركانه في الأرض السابعة.
159 - وعن كعب الأحبار قال: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق
الله السماوات والأرض بأربعين سنة، ومنها دحيت الأرض.
160 - وعن ابن عباس قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بعث الله ريحا هفافة فصفقت الريح الماء، فأبرزت عن خشفة في موضع البيت كأنها قبة، فدحا الله الأرض من تحتها، فمادت ثم مادت فأوتدها الله بالجبال، فكان أول جبل وضع فيها (أبو قبيس) فلذلك سميت أم القرى.
161 - وعن مجاهد قال: بدأ الله بخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان بدء الخلق يوم الأحد، وجمع الخلق يوم الجمعة، و تهودت اليهود يوم السبت، ويوم من الستة أيام كألف سنة مما تعدون.
162 - وعن عكرمة قال: إن الله بدأ خلق السماوات والأرض وما بينهما يوم الأحد، ثم استوى على العرش يوم الجمعة في ثلاث ساعات، فخلق في ساعة منها الشموس كي يرغب الناس إلى ربهم في الدعاء والمسألة.
163 - وكتب يزيد بن مسلم إلى جابر بن يزيد يسأله عن بدء الخلق قال: العرش والماء والقلم والله أعلم.
164 - وعن عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وآله قال: كان الله قبل كل شئ وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شئ (الخبر).
165 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء.
166 - وعن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى (وكان عرشه على الماء) على أي شئ كان الماء؟ قال: على متن الريح.
167 - وعن مجاهد في قوله (وكان عرشه على الماء) قبل أن يخلق شيئا.
168 - وعن الربيع بن أنس، قال: كان عرشه على الماء، فلما خلق السماوات والأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل نصفا تحت العرش وهو البحر المسجور فلا تقطر منه قطرة حتى ينفخ في الصور فينزل.
169 - وعن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن الليل كان قبل أم النهار؟ قال:
الليل، ثم قرأ (إن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) فهل تعلمون كان بينهما إلا ظلمة (4)؟
170 - وعن النبي صلى الله عليه وآله في قوله (وجعلنا من الماء كل شئ حي) قال:
كل شئ خلق من الماء.
171 - وعن وهب قال: قال عزيز: رب أمرت الماء فجمد في وسط الهواء فجعلت منه سبعا وسمية السماوات ثم أمرت الماء ينفق عن التراب، وأمرت التراب أن يتميز من الماء، فكان كذلك فسميت جميع ذلك الأرضين وجميع الماء البحار، ثم خلقت من الماء أعمى أعين بصرته ومنها. أصم آذان أسمعته، ومنها ميت أنفس أحييته خلقت ذلك بكلمة واحدة منها ما عيشه الماء ومنها ما لا صبر له على الماء خلقا مختلفا في الأجسام والألوان جنسته أجناسا، وزوجته أزواجا وخلقت أصنافا وألهمته الذي خلقته. ثم خلقت من التراب والماء دواب الأرض وما شيتها وسباعها فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع ومنهم العظيم والصغير ثم زرعت في
أرضك كل نبات فيها بكلمة واحدة وتراب واحد وتسقى بماء واحد، فجاء على مشيئتك مختلفا اكله ولونه وريحه وطعمه، منه الحلو، ومنه الحامض والمر، و الطيب ريحه والمنتن، والقبيح والحسن، وقال عزيز: يا رب إنما نحن خلقك وعمل يدك خلقت أجسادنا في أرحام أمهاتنا، وصورتنا كيف تشاء بقدرتك جعلت لنا أركانا، وجعلت فيها عظاما، وشفقت لنا أسماعا وأبصارا، ثم جعلت لها في تلك الظلمة نورا، وفي ذلك الضيق سعة، وفي ذلك الغم روحا، ثم هيأت لها من فضلك رزقا يقويه على مشيئتك، ثم وعظته بكتابك وحكمتك، ثم قضيت عليه الموت لا محالة، ثم أنت تعيده كما بدأته.
قال عزيز: اللهم بكلمتك خلقت جميع خلقك، فأتى على مشيتك، لم تأن في ذلك مؤنة، ولم تنصب فيه نصبا، كان عرشك على الماء، والظلمة على الهواء والملائكة يحملون عرشك، ويسبحون بحمدك، والخلق مطيع لك، خاشع من خوفك، لا يرى فيه نور إلا نورك، ولا يسمع فيه صوت إلا سمعك، ثم فتحت خزانة النور وطريق الظلمة فكانا ليلا ونهارا يختلفان بأمرك.
172 - وعن ابن عباس: إن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وآله فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن و العمران والخراب، فهذه أربعة فقال تعالى (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين إلى قوله في أربعة أيام سواء للسائلين) وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه
فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث الآجال حين يموت من مات، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شئ مما ينتفع به، وفي الثالثة خلق آدم وأسكنه الجنة و أمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة. قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش. قالوا: قد أصبت لو أتممت! قالوا: ثم استراح.
فغضب النبي صلى الله عليه وآله غضبا شديدا فنزل (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون).
173 - وعن ابن جريح في قوله (وبارك فيها) قال: كل شئ فيه منفعة لابن آدم فهو مبارك.
174 - وعن ابن عباس في قوله (وقدر فيها أقواتها) قال: شق الأنهار وغرس الأشجار، ووضع الجبال، وأجرى البحار، وجعل في هذه ما ليس في هذه وفي هذه ما ليس في هذه.
175 - وعن عكرمة في قوله تعالى (وقدر فيها أقواتها) قال: قدر في كل أرض شيئا لا يصلح في غيرها.
176 - وعن ابن جبير قال: معاشها.
177 - وعن الحسن قال: أرزاقها، 178 - وعن ابن عباس قال: خلق الله السماوات من دخان، ثم ابتدأ خلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وذلك قوله (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) ثم قدر فيها أقواتها في يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فذلك قوله (وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان) فسمكها وزينها بالنجوم والشمس والقمر وأجراهما في فلكهما، وخلق فيها ما شاء من
خلقه وملائكته [في] يوم الخميس ويوم الجمعة، وخلق الجنة [في] يوم الجمعة وخلق آدم يوم الجمعة فذلك قول الله (خلق السماوات والأرض في ستة أيام) وسبت كل شئ يوم السبت فعظمت اليهود يوم السبت لأنه سبت فيه كل شئ وعظمت النصارى يوم الأحد لأنه ابتدأ فيه خلق كل شئ، وعظم المسلمون يوم الجمعة لان الله فرغ فيه من خلقه، وخلق في الجنة رحمته، وخلق فيه آدم وفيه هبط من الجنة إلى الأرض، وفيه قبلت في الأرض توبته وهو أعظمها.
179 - وعن عبد الله بن سلام قال: إن الله ابتدأ الخلق، وخلق الأرضين يوم الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي في يوم الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة إلى صلاة العصر، وخلق فيها آدم في تلك الساعة التي لا يوافقها عبد في صلاة يدعو ربه إلا استجاب له، فهي ما بين صلاة العصر إلى أن تغيب الشمس.
180 - وعن عكرمة أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وآله: ما يوم الأحد؟ قال: فيه خلق الله الأرض وكبسها، قالوا: الاثنين؟ قال خلق فيه وفي الثلاثاء الجبال والماء وكذا وكذا وما شاء الله. قالوا: فيوم الأربعاء؟ قال: الأقوات. قالوا: فيوم الخميس؟
قال: فيه خلق الله السماوات. قالوا: يوم الجمعة؟ قال: خلق في ساعتين الملائكة وفي ساعتين الجنة والنار، وفي ساعتين الشمس والقمر والكواكب، وفي ساعتين الليل والنهار. قالوا: السبت، وذكروا الراحة، فقال: سبحان الله! فأنزل الله (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب).
وعن ابن عباس أيضا نحوه.
181 - وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله تعالى فرغ من خلقه في ستة أيام أولهن يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة.
182 - وعن ابن عباس في قوله تعالى (فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها) قال: قال للسماء أخرجي شمسك وقمرك ونجومك، وللأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك! فقالتا أتينا طائعين.
183 - وعن ابن عباس أن رجلا قال له: آيتان في كتاب الله تخالف إحداهما الأخرى! فقال: إنما اتيت من قبلك رأيك اقرأ! قال: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين حتى بلغ ثم استوى إلى السماء) وقوله (والأرض بعد ذلك دحيها) قال: خلق الله الأرض قبل أن يخلق السماء، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض بعد ما خلق السماء، وإنما قوله دحاها بسطها.
بيان: في النهاية: فيه كانت الكعبة خشعة على الماء فدحيت منها الأرض.
الخشعة: أكمة لاطئة بالأرض والجمع (خشع) قيل: هو ما غلبت عليه السهولة أي ليس بحجر ولا طين، ويروى (خشفة) بالخاء والفاء. وقال الخطابي: الخشفة واحدة الخشف، وهي الحجارة تنبت في الأرض نباتا.
183 - مروج الذهب للمسعودي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: إن الله حين شاء تقدير الخليقة، وذرء البرية، وإبداع المبدعات، نصب الخلق في صور كالهباء، قبل دحو الأرض ورفع السماء، وهو في
انفراد ملكوته، وتوحد جبروته، فأتاح نورا من نوره فلمع، وقبسا من ضيائه فسطع، ثم اجتمع النور في وسط تلك الصور الخفية، فوافق ذلك صورة نبينا محمد صلى الله عليه وآله فقال الله عز من قائل: أنت المختار المنتخب، وعندك أستودع نوري وكنوز هدايتي، ومن أجلك أسطح البطحاء وأرفع السماء، وأمزج الماء وأجعل الثواب والعذاب، والجنة والنار، وأنصب أهل بيتك بالهداية وأؤتيهم من مكنون علم ما لا يخفى عليهم دقيق، ولا يغيبهم خفي، وأجعلهم حجة على بريتي والمنبهين على علمي ووحدانيتي، ثم أخذ الله سبحانه الشهادة للربوبية، والاخلاص للوحدانية، فبعد أخذ ما أخذ من ذلك شاء ببصائر الخلق انتخاب محمد، وأراهم أن الهداية معه، والنور له، والإمامة في أهله تقديما لسنة العدل، وليكون الاعذار متقدما، ثم أخفى الله الخليقة في غيبة، وغيبها في مكنون علمه، ثم نصب العوالم، وبسط الزمان، ومرج الماء، وأثار الزبد، وأهاج الدخان، فطفى عرشه على الماء، وسطح الأرض على ظهر الماء، ثم استجابهما إلى الطاعة، فأذعنتا بالاستجابة، ثم انشاء الملائكة من أنوار نبوة قد ابتدعها، وأنوار اخترعها، وقرن بتوحيده نبوة نبيه محمد صلى الله عليه وآله فشهرت نبوته في السماء قبل بعثته
في الأرض، فلما خلق الله آدم أبان له فضله للملائكة، وأراهم ما خصه به من سابق العلم، من حيث عرفهم عند استنبائه إياه أسماء الأشياء، فجعل الله آدم محرابا وكعبة وقبلة أسجد إليها الأنوار والروحانيين والأبرار، ثم نبه آدم على مستودعه وكشف له خطر ما ائتمنه على أن سماه إماما عند الملائكة، فكان حظ آدم من الخبر إنبائه ونطقه بمستودع نورنا، ولم يزل الله تعالى يخبأ النور تحت الزمان إلى أن فصل محمدا صلى الله عليه وآله في طاهر القنوات فدعا الناس ظاهرا وباطنا، وندبهم سرا وإعلانا، واستدعى التنبيه على العهد الذي قدمه إلى الذر قبل النسل ومن وافقه قبس من مصباح النور المتقدم اهتدى إلى سره، واستبان واضح أمره، ومن ألبسته الغفلة استحق السخطة لم يهتد إلى ذلك، ثم انتقل النور إلى غرائزنا، ولمع مع أئمتنا فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فينا النجاة، ومنا مكنون العلم وإلينا مصير الأمور، وبنا تقطع الحجج، ومنا خاتم الأئمة، ومنقذ الأمة وغاية النور، ومصدر أمور، فنحن أفضل المخلوقين، وأكمل الموجودين وحجج رب العالمين، فلتهنأ النعمة من تمسك بولايتنا وقبض عروتنا.
بيان: أمزج الماء أي أخلطه بغيره فأخلق منه المركبات، ويمكن أن يكون بالراء المهملة كقوله تعالى (مرج البحرين) أي خلاهما ببصائر الخلق أي لان
يجعلهم ذوي بصائر، أو ملتبسا ببصائرهم وعلمهم. والقنوات جمع قناة، وقال الجوهري قناة الظهر: التي تنتظم الفقار (انتهى) والابلاس بمعنى الحيرة أو اليأس لازم واستعمل هنا متعديا، والظاهر أن فيه تصحيفا كما في كثير من الفقرات الاخر.
185 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن سهل بن زياد، عن محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى خلق الدنيا في ستة أيام، ثم اختزلها عن أيام السنة، فالسنة ثلاثمائة وأربع وخمسون يوما شعبان لا يتم أبدا، ورمضان لا ينقص والله أبدا، ولا تكون فريضة ناقصة، إن الله عز وجل يقول (ولتكملوا العدة) وشوال تسعة وعشرون يوما، وذو القعدة ثلاثون يوما لقول الله عز وجل (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة) وذو الحجة تسعة وعشرون يوما، والمحرم ثلاثون يوما ثم الشهور بعد ذلك شهر تام وشهر ناقص (الخبر).
186 - الفقيه: بإسناده عن محمد بن يعقوب بن شعيب، عن أبيه عن الصادق عليه السلام قال: قلت له: إن الناس يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما صام من شهر رمضان تسعة وعشرين يوما أكثر مما صام ثلاثين. قال: كذبوا، ما صام رسول الله صلى الله عليه وآله إلا تاما، ولا تكون الفرائض ناقصة . إن الله خلق السنة ثلاثمائة وستين يوما، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، فحجزها من ثلاثمائة وستين يوما فالسنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما، وشهر رمضان ثلاثون يوما لقول الله عز وجل (ولتكملوا العدة) والكامل تام، وشوال تسعة وعشرون يوما، وذو القعدة ثلاثون يوما لقول الله عز وجل (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) فالشهر هكذا ثم هكذا أي
شهر تام وشهر ناقص وشهر رمضان لا ينقص أبدا، وشعبان لا يتم أبدا.
تبيين: قال بعض المحققين في علة تخصيص الستة أيام بخلق العالم ما حاصله:
ان أفعاله سبحانه مبنية على الحكم والمصالح، وإن حكمته اقتضت أن تكون أفعاله بالنسبة إلى مخلوقاته على قسمين: قسم يصدر عنه في كل آن إرادة دفعية بدون توقفه على مادة أو مدة، وقسم الا يصدر عنه إلا بعد مدة أجرى عادته بحصول استعداد مادته له في تلك المدة على سبيل التدريج، وإن خلق الماء الذي جعله مادة لسائر الأجسام والجسمانيات وما يشبهه من القسم الأول، وخلق السماوات والأرضين وما في حكمهما من القسم الثاني، وهذا حكم أطبق عليه جميع المليين وكثير من قدماء الفلاسفة، فما ذكره المفسرون من أن معنى خلق السماوات والأرض ابداعهما لا من شئ ليس بشئ، ويدل عليه خطب أمير المؤمنين عليه السلام وغيرها.
ثم إن القسم الثاني يستدعي بالنسبة إلى كل مخلوق قدرا معينا من الزمان كما يرشد إليه تتبع الأزمنة المعينة التي جرت عادته تعالى أن يخلق فيها أصناف النباتات من موادها العنصرية، وأنواع الحيوانات من مواد نطفها في أرحام أمهاتها فعلى ذلك خلق السماوات والأرض من مادتها التي هي الماء بعد خصوص القدر المذكور من الزمان إنما هو من هذا القبيل [و] أما خصوص الحكمة الداعية إلى إجراء عادته بخلق تلك الأمور من موادها على التدريج ثم تقدير قدر خاص وزمان محدود لكل منها فلا مطمع في معرفته، فإنه من أسرار القضاء والقدر التي لا يمكن أن يحيط بها عقل البشر، ولذلك كتم عنا بل عن بعض المقربين والمرسلين بل سد علينا وعليهم باب الفحص والتفتيش بالنهي الصريح الدال عليه كثير من القرآن والخبر.
ثم إن اليوم عبارة عن زمان تمام دورة للشمس بحركتها السريعة العادية الموسومة باليومية، فكيف يتصور أن يكون خلق السماوات الحاملة للشمس وغيرها من الكواكب في عدة من الزمان المذكور؟ وهل لا يكون تكون الدائر في زمان
دورته مستلزما للدر المستحيل بالضرورة؟ فقد ذكر ابن العربي فيما سماه بالفتوحات أن اليوم وزمان دورة للفلك الأطلس فلا يكون منوطا بالشمس ولا بالسماوات السبع، إنما المنوط بها الليل والنهار وهما غير اليوم. وفيه أنه اصطلاح مبني على أصول الفلسفة تأبى عنه اللغة والعرف المبني عليهما لسان الشريعة، و لظهور ذلك أطبق المفسرون على تأويله إما بحمل تلك الأيام على زمان مساو لقدر زمانها، وإما بحملها على أوقات أو مرات متعددة بعدتها حتى يكون معنى خلق الأرض في يومين مثلا خلقها في مرتين مرة خلق أصلها، ومرة تمييز بعض أجزائها عن بعض، وكذلك في السماوات وغيرها، ولا يخفى أن شيئا من التأويلين ولا سيما الثاني لا يلائم تعيين خصوص يوم من أيام الأسبوع لخلق كل منها كما في الروايات وذلك ظاهر جدا. وأيضا يستبعد العقل جدا أن لا يمكن خلق الانسان مثلا من نطفته عادة في أقل من ستة أشهر ويكون خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام مع أن الحال كما قال تعالى: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون وأيضا اخباره تعالى بخصوص قدر زمان لابد له من نكتة، أقل ما في الباب أن يكون من جهة قلته أو كثرته دخيلا في المطلوب، ولا يناسب شئ منهما ههنا، إذ لو كان لأجل معرفة العباد أنه تعالى قادر على خلق مثل السماوات والأرض في هذه المدة القليلة فمعلوم أن ذلك ليس له
وقع في هذا المطلوب بعد الاخبار بأمثال أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، ولو كان للامتنان عليهم بأن خلقه في تلك المدة المديدة كان لأجل تدبير ما يحتاجون إليه في أمور معاشهم ومعادهم فظاهر أن قدر ستة أيام لا يصلح لهذا المقصود، فالوجه أن يفسر اليوم ههنا والعلم عند الله وأهله بما فسره الله تعالى تارة بقوله (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) وتارة بقوله (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون وأخرى بقوله (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) فإن القرآن يفسر بعضه بعضا، وقد يعبر عن الأول باليوم الرباني، وعن الثاني بيوم الله، فعلى كل تقدير يكون ملائما لما نسب من خلق كل منها إلى يوم من الأسبوع في الروايات، ويتم ما يقصر عنه عند حمله على اليوم الدنيوي من معنى الامتنان المقصود له تعالى في كثير من أمثال تلك الآيات، ولعل حمله على الأول فيما نحن فيه أنسب وأقرب، فتصويره على ذلك أن كل امتداد سواء كان قار الذات كالجسم أو غير قار الذات كالزمان ينبغي أن يقدر له أجزاء ولكل جزء منه أجزاء وهكذا إلى ما يحتاج التعبير عن قدر معين منها للتفهيم بدون كلفة، وذلك كتقدير الفلك بالبروج والمنازل والدرجات، وتقدير الزمان بالسنين والشهور والأيام والساعات، وعلى هذا لا بعد في أن الحكمة الإلهية كانت اقتضت أن يقدر للزمان المتقدم على زمان الدنيا، بل للزمان المتأخر عن زمانها أيضا بأمثال ما قدره لزمانها من السنين إلى الساعات، لكن مع رعاية نوع مناسبة لهذه الاجزاء إلى المقدر بها، فكما أن المناسب لزمان الدنيا أن يكون كل يوم منه بقدر دورة للشمس يجوز أن يكون المناسب للزمان الدنيا أن يكون كل يوم منه بقدر ألف سنة من زمان الدنيا وللزمان المتأخر أن يكون مساويا لخمسين ألف سنة منه، فيكون ما أخبرنا به في الآيتين الأوليين حال الزمان المتقدم، وفي
الثالثة حال الزمان المتأخر، فلا بعد فيما يلوح من بعض الإشارات المأثورة من أنه تعالى كان قدر للزمان المتقدم أسابيع، وسمى الأول من أيامها بالأحد والثاني بالاثنين وهكذا إلى السبت، وكذلك قدر له شهورا تامة كل منها ثلاثون يوما سمى أولها بالمحرم أو رمضان على اختلاف الروايات في أول شهور السنة وثانيها بصفر أو شوال وهكذا إلى ذي الحجة أو شعبان، وعلى كل تقدير كان المجموع سنة كاملة موافقة لثلاثمائة وستين يوما، ثم جعل أيام أسابيعنا وشهورنا موافقة لأيام تلك الأسابيع والشهور في المبدء والعدة والتسمية، وقد يساعد عليه ما في سورة التوبة من قوله تعالى (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم) فتستقيم بذلك أمثال ما روي أنه تعالى خلق الأرض والسماء في يوم الأحد، أو خلق الملائكة في يوم الجمعة فلا يتوجه إشكال وجوب تأخر أصل اليوم فضلا عن خصوص الأحد عن خلق السماوات والأرض، ولا إشكال لزوم خلق الملائكة فيما تأخر عن المتأخر عنه من السماوات والأرض على ما مر في حديث الرضا عليه السلام، وتستقيم به أيضا أمثال ما روي أن دحو الأرض كان في ليلة خمس وعشرين من ذي القعدة بدون استعاد وانقباض للعقل من جهة أن تقدم امتياز تلك الشهور بعضها عن بعض وانضباطها بتلك الأسامي على دحو الأرض وما يتبعه من خلق الانس بل الجن أيضا خلاف العادة.
ثم إنه يلوح مما ذكره صاحب الملل والنحل بقوله (قد اجتمعت اليهود على أن الله تعالى لما فرغ من خلق الأرض استوى على عرشه مستلقيا على قفاه واضعا إحدى رجليه على الأخرى فقالت فرقه منهم إن الستة الأيام هي الستة آلاف سنة فإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون وبالسير القمري، وذلك ما مضى من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا وبه يتم الخلق، ثم إذا بلغ الخلق إلى النهاية ابتدأ الامر، ومن ابتداء الامر يكون الاستواء على العرش والفراغ من
الخلق، وليس ذلك أمرا كان ومضى بل هو في المستقبل إذا عددنا الأيام بالألوف (انتهى) أن بعضا من الكتب السماوية كالتورية كان متضمنا للإشارة إلى أن المراد بالأيام المخلوقة فيها السماوات والأرض هو الأيام الربانية، ولكن اليهود لم يتفطنوا بكونها سابقة على زمان الدنيا وتعمدوا في تحريفها عن موضعها بتطبيقها على بعض أزمنة الدنيا تصحيحا لما سولته لهم أنفسهم من أن شريعة موسى عليه السلام هي أول أوامره وشروعه في التكليف، حتى لا يلزمهم الاقرار بنسخ شريعة سابقة مستلزم لامكان وقع مثله على شريعتهم أيضا فافهم.
ويظهر مما ذكره محمد بن جرير الطبري في أول تاريخه أن حمل تلك الأيام على الأيام الربانية أو مقرر بين أهل الاسلام أيضا من قديم الأيام. فإذا تأملت في مدارج ما صورناه وبيناه يظهر لك أن السماوات والأرض وما بينهما المعبر عنها بالدنيا بمنزلة شخص مخلوق من نطفة هي الماء على طبق حصول استعداداته بالتدريج كما جرت به عادته تعالى في مدة مديدة هي على حسابنا ستة آلاف سنة قمرية موافقة لستة أيام من الأيام الربانية، فبعد تمام هذه المدة التي هي بمنزلة زمان الحمل لها تولدت كاملة بطالع السرطان والكواكب في شرفها، وحينئذ أخذت الشمس والقمر في حركتهما المقدرة لهما المنوطة بهما الليل والنهار، وذلك كان في يوم الجمعة كما مر وجهه، وكان أيضا سادس شهر محرم الحرام أو رمضان المبارك عندما مضت ثلاث ساعات واثنتا عشرة دقيقة من نهاره، ولا ينافي ذلك ما ورد في حديث الرضا عليه السلام أنه كانت الشمس عند كينونتها في وسط السماء لأنه عليه السلام في صدد تصوير وضع نهار أيام الدنيا حينئذ لا الأيام الربانية، وما نحن فيه مبني عليها فلا يلزم الموافقة. هذا هو مبدء عمر الدنيا، وأما مبدء خلقها من نطفتها فمقدم عليه بقدر ما عرفت من زمان حملها، فكان مبدء أول يوم الأحد من تلك الأيام غرة أحد الشهرين، ولا شك بما نصب لنا من الدلالات اليقينية أن لها أمدا ممدودا وأجلا محدودا، ويقرب احتمال أنه تعالى كان قدر لجملة زمانها من مبدء خلقها إلى حلول أجلها سنة كاملة من السنين الربانية، فجعل ستة أيام منها بإزاء خلقها والباقية
وهي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما بإزاء عمرها، وأنها كما مر مساوية لثلاثمائة وأربعة وخمسين ألف سنة من السنين القمرية الدنيوية، يلوح ذلك من جملة روايات وعدة إشارات من الصادقين عليهم السلام:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.