بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
باب حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الأمور 2
ج ۵۴، ص ۳۷–۶۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۱۱
13 - التوحيد: بإسناده عن سلمان، قال: سأل الجاثليق أمير المؤمنين عليه السلام أخبرني عن الرب أفي الدنيا هو أو في الآخرة؟ قال علي عليه السلام: لم يزل ربنا قبل الدنيا هو مدبر الدنيا وعالم بالآخرة.
14 - وبإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال : الحمد لله الذي كان قبل أن يكون كان، لم يوجد لوصفه كان، ثم قال: كان إذ لم يكن شئ ولم ينطق فيه ناطق فكان إذ لا كان.
15 - النهج: من خطبة له عليه السلام: وكان من اقتدار جبروته وبديع لطائف صنعته أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا، ثم فطر منه أطباقا ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها، فاستمسكت بأمره، وقامت على حده يحملها الأخضر المثعنجر، والقمقام المسخر، قد ذل لامره، وأذعن لهيبته ووقف الجاري منه لخشيته، وجبل جلاميدها ونشوز متونها وأطوادها فأرساها
في مراسيها، وألزمها قرارتها فمضت رؤسها في الهواء، ورست أصولها في الماء فانهد جبالها عن سهولها، وأساخ قواعدها في متون أقطارها، ومواضع أنصابها فأشهق قلالها، وأطال أنشازها، وجعلها للأرض عمادا، وأرزها فيها أوتادا. فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها أو تسيح بحملها، أو تزول عن مواضعها، فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها، فجعلها لخلقه مهادا وبسطها لهم فراشا، فوق بحر لجي راكد لا يجري، وقائم لا يسري، تكركره الرياح العواصف، وتمخضه الغمام الذوارف، إن في ذلك لعبرة لمن يخشى.
بيان: الاقتدار على الشئ القدرة على، و (الجبروت) فعلوت من الجبر وهو القهر، و (البديع) بمعنى المبدع بالفتح، و (اللطيف) الدقيق. وزخر البحر كمنع أي تملأ وارتفع، و (المتراكم) المجتمع بعضه فوق بعض. وتقاصف البحر تزاحمت أمواجه. وقال ابن أبي الحديد: اليبس بالتحريك المكان يكون رطبا ثم يبس، قال الله تعالى (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا) واليبس بالسكون اليابس خلقة، يقال (حطب يبس) وهكذا يقول أهل اللغة وفيه كلام لان الحطب ليس يابسا خلقة بل كان رطبا من قبل، والأصوب أن يقال: لا تكون هذه اللفظة محركة إلا في المكان خاصة (انتهي) والجامد ضد الذائب، والمراد باليبس الجامد: الأرض و (الفطر) بالفتح: الخلق والانشاء، و (الاطباق) بالفتح: جمع (طبق) بالتحريك وهو غطاء كل شئ، والطبق أيضا من كل شئ ما ساواه. وقوله عليه السلام (ففتقها) إشارة إلى قوله تعالى (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) وقد مرت الوجوه في تفسيرها، وهذا مما يؤيد بعضها فتذكر. ويدل على حدوث السماوات وكونها أولي طبقات منفصلة في الحقيقة متصلة في الصورة
بعضها فوق بعض، ففتقها وفرقها وباعد بعضها عن بعض، فحصلت سبع سماوات متميزات بينها أفضية للملائكة.
و (الاستمساك) الاحتباس والاعتصام، والغرض عدم تفرقها كأن بعضها معتصم ببعض، وقيامها على حده كناية عن وقوفها على ما حده لها من المكان و المقدار والشكل والهيئة والنهايات والطبائع وعدم خروجها عن تلك، والضمير في (حده) راجع إلى الله أو إلى اليبس.
وقال الكيدري: (الأخضر) الماء، والعرب تصفه بالخضرة و (المثعنجر) على صيغة اسم الفاعل كما في النسخ: السائل من ماء أو دمع، وبفتح الجيم: وسط البحر، وليس في البحر ما يشبهه ذكره الفيروزآبادي. وقال الجزري في حديث علي عليه السلام (يحملها الأخضر المثعنجر) هو أكثر موضع في البحر ماء، والميم و النون زائدتان، ومنه حديث ابن عباس (فإذا علمي بالقرآن في علم علي كالقرارة في المثعنجر) القرارة: الغدير الصغير.
و (القمقام) بالفتح كما في النسخ وقد يضم: البحر، ويكون بمعنى السيد والامر العظيم، والعدد الكثير. و (المسخر) في بعض النسخ بالخاء المعجمة، و في بعضها بالجيم، في القاموس: سجر النهر ملائه وتسجير الماء تفجيره. والضمير في قوله عليه السلام (منه) راجع إلى ماء البحر، أو إلى اليبس الجامد، فيكون الدخان الذي خلق منه السماوات مرتفعا منه. وفي (استمسكت) إلى الاطباق، أو إلى ما يرجع إليه الضمير في يحملها وهو اليبس الجامد والتأنيث لان المراد به الأرض.
و (أذعن له) أي خضع وانفاد، و (الجاري منه) أي السائل بالطبع. فوقوفه عدم جريانه طبعا بإرادته سبحانه، أو السائل منه قبل إرادته وأمره بالجمود. ويحتمل
أن تكون الضمائر في (ذل) و (أذعن) و (وقف) راجعة إلى الأخضر أو القمقام وهو أنسب بتذكير الضمير والجريان.
و (جبل) كنصر وضرب: أي خلق، و (الجلمد) بالفتح و (الجلمود) بالضم:
الحجر العظيم الصلب، و (النشز) بالفتح: المكان المرتفع والجمع (نشوز) بالضم.
والمتن: ما صلب من الأرض وارتفع، والطود بالفتح: الجبل أو العظيم منه، و الضمائر راجعة إلى الأرض المعبر عنها باليبس الجامد، و (أرساها) أي أثبتها (في مراسيها) أي في مواضعها المعينة بمقتضى الحكم الإلهية، و (القرارة) موضع القرار و (رست) أي ثبتت، وفي بعض النسخ (رسبت) يقال: رسب كنصر إذا ذهب إلى أسفل وإذا ثبت ويقال: نهد ثدي الجارية كمنع ونصر أي كعب وأشرف. والسهل من الأرض ضد الحزن، وساخت قوائمه في الأرض تسوخ وتسيخ أي دخلت فيها وغابت، وأساخها غيبها. وقواعد البيت أساسه. والقطر بالضم: الناحية، أي غيب قواعد الجبال في متون نواحي الأرض، وقيل: أي في جوانب أقطارها. و (النصب) بالفتح ويحرك: العلم المنصوب، وبالضم وبضمتين: كل ما جعل علما وكل ما عبد من دون الله. والمراد بالأنصاب الجبال. وبمواضعها الأمكنة الصالحة للجبال بمقتضى الحكمة. و (القلال) بالكسر جمع (قلة) بالضم، وهي أعلى الجبل أو أعلى كل شئ، و (الشاهق) المرتفع، أي جعل قلالها مرتفعة، وإطالة الأنشاز مؤكدة لها. والعماد بالكسر الخشبة التي تقوم عليها البيت والأبنية الرفيعة، و الظاهر أن المراد بجعلها للأرض عمادا ما يستفاد من الفقرة التالية، وقيل: المراد جعلها مواضع رفيعة في الأرض. و (أرز) بتقديم المهملة كنصر وضرب وعلم أي ثبت، و (أرز) بتشديد المعجمة أي أثبت، وفي أكثر النسخ بالتخفيف وفتح العين وفي بعضها بالتشديد. قال في النهاية: في كلام علي عليه السلام (أرزها فيها أوتادا) أي أثبتها، إن كانت الزاي مخففة فهي من أرزت الشجرة تأرز إذا أثبت في الأرض وإن كانت مشددة فهي من (أرزت الجرادة) إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتلقي فيها بيضها، ورززت الشئ في الأرض رزا: أثبتته فيها، وحينئذ تكون الهمزة زائدة
(انتهى) وقيل: وروي آرز بالمد من قولهم شجرة آرزة أي ثابتة في الأرض.
(فسكنت على حركتها) أي حال حركتها التي هي من شأنها، لأنها محمولة على سائل متموج كما قيل، أو على أثر حركتها بتموج الماء (من أن تميد) أي تتحرك وتضطرب (أو تسيخ بحملها) أي تغوص في الماء مع ما عليها. قال ابن أبي الحديد: لو تحركت الأرض فإما أن تتحرك على مركزها أولا، والأول هو المراد بقوله عليه السلام (تميد بأهلها) والثاني ينقسم إلى أن تنزل إلى تحت، وهو المراد بقوله عليه السلام (تسيخ بحملها) وأن لا تنزل إلى تحت، وهو المراد بقوله (تزول عن مواضعها) (انتهى).
ويحتمل أن يراد بقوله عليه السلام (تميد بأهلها) تحركها واضطرابها بدون الغوص في الماء كما يكون عند الزلزلة، وبسوخها بحملها حركتها على وجه يغوص أهلها في الماء سواء كانت على المركز أم لا، فتكون الباء للتعدية، وبزوالها عن مواضعها خراب قطعاتها بالرياح والسيول أو بتفرق القطعات وانفصال بعضها عن بعض، فإن الجبال كالعروق السارية فيها تضبطها عن التفرق كما سيأتي، ويؤيده إيراد المواضع بلفظ الجمع.
وصيغة (فعلان) بالتحريك في المصدر تدل على الاضطراب والتقلب والتنقل كالميدان والنزوان والخفقان، ولعل المراد بهذا الموجان ما كان غامرا للأرض أو أكثرها، وإمساكها بخلق الجبال التي تقدم في الكلام. ورطوبة أكنافها أي جوانبها لميدانها قبل خلق الجبال، و (المهاد) بالكسر: الفراش، والموضع يهيأ للصبي ويوطأ، و (الفراش) ما يبسط، و (اللجة) بالضم: معظم الماء، وركد كنصر أي ثبت وسكن، وسرى عرق الشجر كرمى أي دب تحت الأرض.
وقال الجوهري: الكركرة تصريف الرياح السحاب إذا جمعته بعد تفرق وقال (باتت تكركره الجنوب) وأصله تكرره من التكرير و كركرته عني
أي دفعته ورددته.
و (الرياح العواصف) الشديدة الهبوب، ومخض اللبن يمخضه مثلة أي أخذ زبده، وفي النسخ الفتح والضم. و (الغمام) جمع (غمامة) وهي السحابة البيضاء أو الأعم. وذرف الدمع كضرب أي سال، وذرف عينه أي سال دمعها، وذرف العين دمعها أي أسالها. و (من يخشى) العلماء، كما قال سبحانه (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ويحتمل أن يكون التخصيص لأجل أن عدم الخشية يوجب عدم المبالاة بالعبر والالتفات إليها.
16 - العلل: بإسناده عن معاذ بن جبل، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام. قلت: فأين كنتم يا رسول الله؟ قال: قدام العرش، نسبح الله ونحمده و نقدسه ونمجده. قلت: على أي مثال؟ قال: أشباح نور (الخبر).
17 - التوحيد والعيون: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عمرو الكاتب، عن محمد بن زياد القلزمي، عن محمد بن أبي زياد الجدي، عن محمد بن يحيى العلوي عن الرضا عليه السلام في خطبته الطويلة قال: أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده ونظام توحيد الله نفي الصفات عنه لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق وشهادة كل مخلوق أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث إلى قوله سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله إلى قوله ففرق بها بين قبل وبعد، ليعلم أن لا قبل له ولا بعد إلى قوله مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها إلى قوله له معنى الربوبية إذ لا مربوب، و حقيقة الإلهية إذ لا مألوه، ومعنى العالم إذ لا معلوم، ومعنى الخالق إذ
لا مخلوق، وتأويل السمع ولا مسموع، ليس منذ خلق استحق معنى الخالق ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البرائية، كيف؟ ولا تغيبه مذ، ولا تدنيه قد، وتحجبه لعل، ولا يوقته متى، ولا تشمله حين، ولا تقارنه مع إلى قوله فكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكلما يمكن فيه يمتنع من صانعه، لا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه أو يعود إليه ما هو ابتدأه؟ إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه إلى قوله ليس في محال القول حجة، ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه لله تعظيم، ولا في إبانته عن الخلق ضيم، إلا بامتناع الأزلي أن يثنى، ولما لا بدء له أن يبدأ (إلى آخر الخطبة).
الاحتجاج: مرسلة مثله.
مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن المفيد، عن الحسن بن حمزة العلوي، عن محمد بن عبد الله الحميري، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن مروك بن عبيد
عن محمد بن زيد الطبري، عن الرضا عليه السلام مثله.
مجالس المفيد: عن الحسن بن حمزة مثله.
بيان: قد مر شرح الخطبة في كتاب التوحيد، وقد دلت على تنافي الحدوث أي المعلولية والأزلية، وتأويل الأزلية بوجوب الوجود مع بعده يجعل الكلام خاليا عن الفائدة، ودلالة سائر الفقرات ظاهرة كما فصلناه سابقا، وظاهر أكثر الفقرات نفي الزمانية عنه سبحانه، وكذا قوله عليه السلام (إلا بالامتناع الأزلي أن يثنى) يدل على امتناع تعدد القدماء، وكذا الفقرة التالية لها.
18 - التوحيد: عن محمد بن الحسن، عن الصفار، وسعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، والهيثم بن أبي مسروق، ومحمد بن الحسين كلهم عن الحسن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض خطبة: الحمد لله الذي كان في أزليته وحدانيا إلى قوله ابتدأ ما ابتدع، وأنشأ ما خلق، على غير مثال كان سبق لشئ مما خلق، ربنا القديم بلطف ربوبيته وبعلم خبره فتق، وباحكام قدرته خلق جميع ما خلق (الخبر).
19 - ومنه: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن موسى بن عمران، عن الحسين بن يزيد، عن إبراهيم بن الحكم، عن عبد الله بن جرير، عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه كان يقول: الحمد لله الذي كان قبل أن يكون كان، لم يوجد لوصفه كان، بل كان أولا كائنا، لم يكونه مكون جل ثناؤه بل كون الأشياء قبل كونها، فكانت كما كونها، علم ما كان وما هو كائن، كان إذ لم يكن شئ، ولم ينطق فيه ناطق، فكان إذ لا كان.
20 - ومنه: عن أبيه، عن محمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن سهل ابن زياد، عن أحمد بن بشر عن محمد بن جمهور العمي، عن محمد بن الفضيل، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: في الربوبية العظمى والإلهية الكبرى لا يكون الشئ لامن شئ إلا الله، ولا ينقل الشئ من جوهريته إلى جوهر آخر إلا الله ولا ينقل الشئ من الوجود إلى العدم إلا الله.
21 - ومنه: عن محمد بن إبراهيم الطالقاني، عن الحسن بن علي العدوي عن الهيثم عبد الله الرماني، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس في مسجد الكوفة فقال: الحمد لله الذي لا من شئ كان، ولا من شئ كون ما كان مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته، وبفطورها على قدمته (الخطبة).
22 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن حازم قال: قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس كان في علم الله تعالى؟ قال: فقال: بلى، قبل أن يخلق السماوات و الأرض.
23 - ومنه: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن أحمد الأشعري عن علي بن إسماعيل وإبراهيم بن هاشم، جميعا عن صفوان، عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: هل يكون اليوم شئ لم يكن في علم الله عز وجل؟
قال: لا، بل كان في علمه قبل أن ينشئ السماوات والأرض.
24 - ومنه: عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، عن أحمد بن الفضل، عن منصور بن عبد الله، عن علي بن عبد الله، عن الحسين بن بشار، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: إن الله العالم بالأشياء قبل كون الأشياء إلى قوله فلم يزل الله عز وجل علمه سابقا للأشياء، قديما قبل أن يخلقها، فتبارك ربنا وتعالى علوا كبيرا، خلق الأشياء وعلمه بها سابق لها كما شاء، كذلك لم يزل ربنا عليما سميعا بصيرا.
25 - وبهذا الاسناد عن علي بن عبد الله، عن صفوان، عن ابن مسكان، قال:
سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الله تبارك وتعالى أكان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان أم علمه عندما خلقه وبعد ما خلقه؟ فقال: تعالى الله، بل لم يزل عالما بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كونه، وكذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان.
26 - ومنه: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن الفضل بن سليمان، عن الحسين بن خالد، قال:
قلت للرضا عليه السلام: إن قوما يقولون: إنه عز وجل لم يزل عالما بعلم، وقادرا بقدرة، وحيا بحياة، وقديما بقدم، وسميعا بسمع، وبصيرا ببصر فقال عليه السلام:
من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى، وليس من ولايتنا على شئ.
27 - العيون والتوحيد: عن جعفر بن علي بن أحمد الفقيه القمي، عن الحسن بن محمد بن علي بن صدقة، عن محمد بن عبد العزيز الأنصاري، قال: حدثني من سمع الحسن بن محمد النوفلي قال: قال عمران الصابي للرضا عليه السلام: أخبرني
عن الكائن الأول وعما خلق. قال عليه السلام: سألت فافهم، أما الواحد فلم يزل واحد كائنا لا شئ معه بلا حدود ولا أعرض، ولا يزال كذلك، ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا بأعراض وحدود مختلفة، لا في شئ أقامه، ولا في شئ حده، ولا على شئ حذاه ومثله له، فجعل من بعد ذلك الخلق صفوة وغير صفوة، واختلافا وائتلافا، وألوانا وذوقا وطعما، لا لحاجة كانت منه إلى ذلك، ولا لفضل منزلة لم يبلغها إلا به، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصا تعقل هذا يا عمران؟
قال: نعم والله يا سيدي، قال عليه السلام: واعلم يا عمران أنه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلا من يستعين به على حاجته، ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق، لان الأعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى، والحاجة يا عمران لا تسعها لأنه لم يحدث من الخلق شيئا إلا حدثت فيه حاجة أخرى، ولذلك أقول:
لم يخلق الخلق لحاجة، ولكن نقل بالخلق بالحوائج بعضهم إلى بعض، وفضل بعضهم على بعض، بلا حاجة منه إلى من فضل، ولا نقمة منه على من أذل، فلهذا خلق.
قال عمران: يا سيدي، ألا تخبرني عن حدود خلقه كيف هي؟ وما معانيها؟
وعلى كم نوع تكون؟ قال: قد سألت فافهم، إن حدود خلقه على ستة أنواع:
ملموس وموزون ومنظور إليه، وما لا وزن له، وما لا ذوق له وهو الروح ومنها منظور إليه وليس له وزن ولا لمس ولا حس ولا لون والتقدير والاعراض والصور والطول والعرض، ومنها العمل والحركات التي تصنع الأشياء وتعملها وتغيرها من حال إلى حال وتزيدها وتنقصها. وأما الأعمال والحركات فإنها تنطلق لأنه لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه، فإذا فرغ من الشئ انطلق بالحركة وبقي الأثر ويجري مجرى الكلام الذي يذهب ويبقى أثره.
قال له عمران: يا سيدي، ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحدا لا شئ غيره ولا شئ معه أليس قد تغير بخلقه الخلق؟ قال [له] الرضا عليه السلام: لم يتغير عز وجل بخلق الخلق، ولكن الخلق يتغير بتغييره.
قال عمران: يا سيدي، ألا تخبرني عن الله عز وجل هل يوحد بحقيقة أو يوحد بوصف؟ قال عليه السلام: إن الله المبدأ الواحد الكائن الأول، لم يزل واحدا لا شئ معه، فردا لا ثاني معه، لا معلوما ولا مجهولا، ولا محكما ولا متشابها، ولا
مذكورا ولا منسيا، ولا شيئا يقع عليه اسم شئ من الأشياء ولا من وقت كان ولا إلى وقت يكون، ولا بشئ قام، ولا إلى شئ يقوم، ولا إلى شئ استند، ولا في شئ استكن، وذلك كله قبل الخلق إذ لا شئ غيره، وما أوقعت عليه من الكل فهي صفات محدثة، وترجمة يفهم بها من فهم.
واعلم أن الابداع والمشية والإرادة معناها واحد، وأسماؤها ثلاثة، وكان أول إبداعه وإرادته ومشيته الحروف التي جعلها أصلا لكل شئ، ودليلا على كل مدرك، وفاصلا لكل مشكل، وبتلك الحروف تفريق كل شئ من اسم حق أو باطل، أو فعل أو مفعول ، أو معنى أو غير معنى، وعليها اجتمعت الأمور كلها، ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها بتناه ولا وجود لها لأنها مبدعة بالابداع، والنور في هذا الوضع أول فعل الله الذي هو نور السماوات والأرض، والحروف هي المفعول بذلك الفعل، وهي الحروف التي عليها الكلام والعبارات كلها من الله عز وجل علمها خلقه، وهي ثلاثة وثلاثون حرفا، فمنها ثمانية وعشرون حرفا تدل على اللغات العربية، ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفا تدل على اللغات السريانية والعبرانية ومنها خمسة أحرف متحرفة في سائر اللغات من العجم لأقاليم اللغات كلها وهي خمسة أحرف تحرفت من الثمانية والعشرين الحروف من اللغات، فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفا، فأما الخمسة المختلفة فبحجج لا يجوز ذكرها أكثر مما ذكرناه، ثم جعل الحروف
بعد إحصائها وإحكام عدتها فعلا منه كقوله عز وجل (كن فيكون) و (كن) منه صنع وما يكون به المصنوع، فالخلق الأول من الله عز وجل: الابداع، لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حس، والخلق الثاني: الحروف، لا وزن لها ولا لون وهي مسموعة موصوفة غير منظور إليها والخلق الثالث: ما كان من الأنواع كلها محسوسا ملموسا ذا ذوق منظورا إليه، والله تبارك وتعالى سابق للابداع لأنه ليس قبله عز وجل شئ، ولا كأن معه شئ، والابداع سابق للحروف والحروف لا تدل على غير أنفسها.
قال المأمون: وكيف لا تدل على غير أنفسها (3)؟ قال الرضا عليه السلام: لان الله عز وجل لا يجمع منها شيئا لغير معنى أبدا، فإذا ألف منها أحرفا أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك أو أقل لم يؤلفها لغير معنى، ولم يك إلا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئا.
قال عمران: فكيف لنا معرفة ذلك؟ قال الرضا عليه السلام: أما المعرفة فوجه ذلك وبيانه أنك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها، ذكرتها فردا فقلت: ا، ب، ت، ث، ج، ح، خ، حتى تأتي على آخرها فلم تجد لها معنى غير أنفسها فإذا ألفتها وجمعت منها أحرفا وجعلتها اسما وصفة لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت كانت دليلة على معانيها، داعية إلى الموصوف بها، أفهمته؟ قال: نعم، ثم قال: يا سيدي، ألا تخبرني عن الابداع أخلق هو أم غير خلق؟ قال الرضا عليه السلام: بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون، وإنما صار خلقا لأنه شئ محدث والله الذي أحدثه، فصار
خلقا له، وإنما هو الله عز وجل وخلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما، فما خلق الله عز وجل لم يعد أن يكون خلقه، وقد يكون الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها، وكل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عز وجل.
واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس، وكل حاسة تدل على ما جعل الله عز وجل لها في إدراكها، والفهم من القلب بجميع ذلك كله واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير، وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدر وليس في واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق فجعل أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بنفسهما ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده، فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه، ولا يعضده ولا يكنه والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن الله ومشيته، وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا، وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا، ولو وصفوا الله عز وجل بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين، ولما اختلفوا، فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (تمام الخبر).
بيان: (لا في شئ أقامه) أي في مادة قديمة كما زعمته الفلاسفة، و (مثله
له) أي مثل أولا ذلك الشئ للشئ الكائن ثم خلق الكائن على حذوه كما هو شأن المخلوقين، ويحتمل أن يكون ضمير (له) راجعا إلى الصانع تعالى، (والحاجة يا عمران لا يسعها) أي لا يسع خلق الحاجة ولا يدفعها، لان كل من خلق لو كان على وجه الاحتياج لكان يحتاج لحفظه وتربيته ورزقه ودفع الشرور عنه إلى أضعافه وهكذا. (على ستة أنواع) لعل الأول ما يكون ملموسا وموزونا ومنظورا إليه والثاني ما لا تكون له تلك الأوصاف كالروح، وإنما عبر عنه بما لا ذوق له اكتفاء ببعض صفاته، وفي بعض النسخ (وما لا لون له) وهو الروح وهو أظهر للمقابلة، والثالث ما يكون منظورا إليه ولا يكون ملموسا ولا محسوسا ولا موزونا ولا لون له كالهواء والسماء، فالمراد بكونه منظورا إليه أنه يظهر للنظر بآثاره، وقد يرى ولا لون له بالذات، أو يراد به الجن والملك وأشباههما، والظاهر أن قوله (ولا لون) زيد من النساخ. والرابع التقدير، ويدخل فيه الصور والطول والعرض والخامس الاعراض القارة المدركة بالحواس كاللون والضوء وهو الذي عبر عنه بالاعراض والسادس الاعراض غير القارة كالأعمال والحركات [التي] تذهب هي وتبقى آثارها. ويمكن تصوير التقسيم بوجوه أخر تركناها لمن تفكر فيه.
(هل يوحد بحقيقة) بالحاء المهملة المشددة، أي هل يتأتى توحيده مع تعقل كنه حقيقته، أو إنما يوحد مع تعقله بوجه من وجوهه وصفة من صفاته وفي بعض النسخ بالجيم من الوجدان، أي يعرف وهو أظهر؟ فأجاب عليه السلام بأنه سبحانه يعرف بالوجوه التي هي محدثة في أذهاننا، وهي مغائرة لحقيقته تعالى، وما ذكره أولا لبيان أنه قديم أزلي، والقديم يخالف المحدثات في الحقيقة، وكل شئ غيره فهو حادث. وقوله عليه السلام (لا معلوما) تفصيل وتعميم للثاني، أي ليس معه غيره: لا معلوم ولا مجهول. والمراد بالمحكم ما يعلم حقيقته وبالمتشابه ضده ويحتمل أن يكون إشارة إلى نفي قول من قال بقدم القرآن، فإن المحكم والمتشابه
يطلق على آياته. (ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى) أي إنما خلق الحروف المفردة التي ليس لها موضوع غير أنفسها، ولم يجعل لها وضعا ولا معنى ينتهي إليه ويوجد ويعرف بذلك الحرف، ويحتمل أن يكون المراد بالمعنى الصفة أي أول ما خلقها كان غير موصوف بمعنى وصفة ينتهي إليها ويوجد، لأنها كانت مبدعة بمحض الابداع ولم يكن هناك شئ غير الابداع والحروف حتى يكون معنى للحروف أو صفة لها، والمراد بالنور الوجود، إذ به تظهر الأشياء كما تظهر الموجودات للحس بالنور، والابداع هو الايجاد، وبالايجاد تصير الأشياء موجودة فالابداع هو التأثير، والحروف هي الأثر موجودة بالتأثير، وبعبارة أخرى:
الحروف محل التأثير، وعبر عنه بالمفعول والفعل، والأثر هو الوجود.
(فأما الخمسة المختلفة فبحجج) كذا في أكثر النسخ، أي إنما حدثت بأسباب وعلل من انحراف لهجات الخلق، واختلاف منطقهم، لا ينبغي ذكرها. وفي بعضها (فبحح) بالحائين من (البحة) وهي الغلظة في الصوت، والأظهر أنه عليه السلام ذكر تلك الحروف فاشتبه على الرواة وصحفوها، فالخمسة: (الگاف) في قولهم (بگو) أي تكلم، و (الچيم) المنقوطة بثلاث نقاط كما في قولهم (چه ميگوئى؟) و (الژاء) في قولهم (ژاله) و (الپاء) في قولهم (پياده) و (پياله) والتاء الهندية. ثم ركب الحروف وأوجد الأشياء وجعلها فعلا منه، كما قال (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) فكن صنع وإيجاد للأشياء، وما يوجد به هو المصنوع فأول صادر عنه تعالى هو الايجاد، وهو معنى لا وزن له ولا حركة، وليس بمسموع ولا ملون ولا محسوس، والخلق الثاني يعنى الحروف غير موزون ولا ملون لكنها مسموعة موصوفة ولا يمكن إبصارها والخلق الثالث وهو ما وجد بهذه الحروف من السماوات والأرضين وغيرهما هي محسوسة ملموسة مذوقة مبصرة فالله مقدم بوجوده
على الابداع الذي هو الخلق الأول، لأنه ليس شئ قبله حتى يسبقه أيضا إبداع ولا كان شئ دائما معه، والابداع متقدم على الحروف لوجودها به، ومعنى كون الحروف غير دالة على معنى غير نفسها هو أن الحروف المفردة إنما وضعت للتركيب وليس لها معنى تدل عليه إلا بعد التركيب.
قوله عليه السلام (بل خلق ساكن) أي نسبة وإضافة بين العلة والمعلول، فكأنه ساكن فيهما، أو عرض قائم بمحل لا يمكنه مفارقته. وقوله (لا يدركه بالسكون ) أي أمر إضافي اعتباري ينتزعه العقل، ولا يشار إليه في الخارج ولا يدرك بالحواس وإن كان ما يتعلق به من المحسوسات. وإنما قلنا إنه خلق، لأن هذه النسبة والتأثير غيره تعالى وهو محدث، ولا يمكن نفي الوجود عنه رأسا لأنه شئ حادث بعد أن لم يكن، فله خروج عن كتم العدم ودخول في نحو من أنحاء الوجود وكل محدث معلول، فلا يتوهم أنه خلق يحتاج إلى تأثير آخر وهكذا حتى يلزم التسلسل، بل ليس في الحقيقة إلا الرب ومخلوقه الذي أوجده، والايجاد معنى صار سببا لوجود المعلول بتأثيره تعالى، فكل شئ خلقه الله لم يعد ولم يتجاوز أن يصدق عليه أن الله خلقه، فهذا هو معنى الابداع لا غير، وهذا المعنى يقع عليه حد، وكل ما يقع عليه حد فهو خلق الله، أو يقال: أشار بقوله (والله الذي أحدثه) إلى رفع توهم أنه مع كونه موجودا حادثا لا يجوز أن يستند إليه تعالى لأنه حينئذ يجب أن يتعلق به إبداع آخر وهكذا إلى غير النهاية، واستناد كل من هذه السلسلة موقوف على استناد سابقه فلا يحصل إلا بعد تحقق الأمور الغير المتناهية وهو محال، فكذا الموقوف عليه، فأثبت عليه السلام أولا استناده إليه تعالى من جهة أن الحادث بتبعية حادث آخر في مرتبته من محدث لا يتصور أن يكون مستندا إلى غيره، ثم أيده ثانيا بنفي ثالث بينهما صالح لان يستند إليه كما هو المفروض ثم أكده ثالثا بنفي ثالث صالح لذلك مطلقا بناء على أن الكلام في مطلق الابداع ومن أفراده الابداع الأول الذي لا يتصور تقدم شئ عليه سوى الله تعالى، فسائر
أفراده كذلك، لعدم الفرق ضرورة. ثم أوثقه رابعا بدفع توهم بعيد هو أن يكون مستندا إليه ولا يكون مخلوقا له، بالإشارة إلى أن الاستناد وكل ما يعبر به عن هذا المعنى يرجع إلى معنى الخلق، فلا يمكن أن يكون خلقه فتجاوز عن كونه مخلوقا له، ثم أحكمه خامسا بدفع شبهة لزوم التسلسل بالفرق بين حقائق الموجودات ، وتفاوت مراتبها في المقتضيات، وعدم جواز قياس بعضها على بعض في جميع الحالات، ليسهل به التصديق بجواز أن يكون حكم الموجودات الرابطية مخالفا لحكم الموجودات الحقيقية، فلا يلزم من ثبوت إبداع لها ثبوته للرابطية أيضا كما اشتهر أن الإرادة ليس لها إرادة أخرى فلا يلزم التسلسل. ويمكن أن يحمل على الإشارة إلى دفع مثل هذا التسلسل باعتبار الفرق المذكور ما روي في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خلق الله المشية بنفسها، ثم خلق الأشياء بالمشية ثم أفاد عليه السلام سادسا ضابطة وعلامة لمعرفة خلقه تعالى تتميما للمقصود وتأكيدا لصحته بأن كل ما لوجوده حد لم يكن قبله موجودا، فلا بد له من أن يكون مخلوقا له تعالى لثبوت الامكان ولزوم الاحتياج.
قوله عليه السلام (وكان الذي خلق خلقين اثنين) لعله إشارة إلى الخلق الأول وهي الحروف، ففي خلقتها يخلق شيئان: حرف، وتحديد وتقدير قائم به، وليس شئ من الحروف و العرض القائم به ذا لون ووزن وذوق، وجعل أحدهما يدرك بالآخر، أي الحروف تعرف بالحدود القائمة بها، فيعرف بأنه شئ محدود، والمعنى:
أنه لو لم يكن محدودا لم يكن مدركا بالحواس، وجعل الحرف وحده كليهما مدركين بنفسهما لا بآثارهما، فإن الأمور المحسوسة إنما تدرك بأنفسها لا بآثارها (ولم يخلق شيئا فردا عن الحدود والتقديرات قائما بنفسه دون غيره) أي من غير أن يخلق معه غيره كالحدود، لأنه أراد أن يكون حروفا وأصواتا دالة على نفسه وإثبات وجوده، وما يكون دالا على المعاني هاديا للناس إلى المعرفة لا يكون
إلا محسوسا وكل محسوس يكون محدودا، والمعنى أنه أراد أن يكون محدودا ليدل بكونه على هذه الحالة على إمكانه وافتقاره إلى الصانع، فيكون بوجوده بنفسه دالا على الصانع لا باعتبار مدلوله، ويحتمل أن يكون المراد بالتقدير أولا الابداع أيضا، والمحدث إنما يدرك ويظهر بالابداع، وفي كل خلق يحدث شيئان: مبدع وإبداع متعلق به، لكن في تطبيق ما بعده عليه يحتاج إلى نوع عناية تظهر بالتأمل الصادق وقد سبق الخبر بتمامه مع شرحه في المجلد الرابع وإنما أوردنا هنا ما يناسب المقام.
28 - العيون والتوحيد: بالاسناد المتقدم، عن الحسن بن محمد النوفلي في خبر طويل يذكر فيه مناظرة الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي، قال سليمان:
فإنه لم يزل مريدا. قال عليه السلام: يا سليمان! فإرادته غيره؟ قال: نعم، قال: فقد أثبت معه شيئا غيره لم يزل. قال سليمان: ما أثبت. فقال عليه السلام: هي محدثة يا سليمان، فإن الشئ إذا لم يكن أزليا كان محدثا، وإذا لم يكن محدثا كان أزليا وجرى المناظرة إلى أن قال عليه السلام: ألا تخبرني عن الإرادة فعل هي أم غير فعل؟
قال: بل هي فعل، قال: فهي محدثة، لان الفعل كله محدث. قال: ليست بفعل قال: فمعه غيره لم يزل. قال سليمان: إنها مصنوعة قال: فهي محدثة وساق الكلام إلى أن قال: قال سليمان: إنما عنيت أنها فعل من الله لم يزل قال عليه السلام:
ألا تعلم أن ما لم يزل لا يكون مفعولا وقديما حديثا في حالة واحدة. فلم يحر جوابا، ثم أعاد الكلام إلى أن قال عليه السلام: إن ما لم يزل لا يكون مفعولا. قال سليمان: ليس الأشياء إرادة ولم يرد شيئا. قال عليه السلام: وسوست يا سليمان! فقد فعل وخلق ما لم يرد خلقه وفعله؟! وهذه صفة ما لا يدري ما فعل، تعالى الله عن ذلك. ثم أعاد الكلام إلى أن قال عليه السلام: فالإرادة محدثة، وإلا فمعه غيره.
الاحتجاج: مرسلا مثله.
حكم عليه السلام في هذا الخبر مرارا بأنه لا يكون قديم سوى الله، وأنه لا يعقل التأثير بالإرادة والاختيار في شئ لم يزل معه.
29 - العيون: عن الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي، عن فرات بن إبراهيم الكوفي، عن محمد بن أحمد بن علي الهمداني، عن العباس بن عبد الله البخاري عن محمد بن القاسم بن إبراهيم، عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أول ما خلق الله عز وجل أرواحنا فأنطقها بتوحيده وتحميده، ثم خلق الملائكة. (الخبر) 30 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان
قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله خلق الخير يوم الأحد، وكان ليخلق الشر قبل الخير، وفي يوم الأحد والاثنين خلق الأرضين، وخلق أقواتها في يوم الثلاثاء، وخلق السماوات في يوم الأربعاء ويوم الخميس، وخلق أقواتها يوم الجمعة وذلك قول الله عز وجل (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) .
العياشي: عن ابن سنان، مثله، إلا أن فيه: وخلق يوم الأربعاء السماوات وخلق يوم الخميس أقواتها والجمعة، وذلك قوله (خلق السماوات والأرض في ستة أيام) فلذلك أمسكت اليهود يوم السبت.
بيان: (وما كان ليخلق قبل الخير) لعل الغرض أنه سبحانه ابتدأ خلق الجميع يوم الأحد، إذ خيريته تعالى تقتضي أن لا يقدم خلق الشر على خلق الخير، وابتداء خلق الخير كان يوم الأحد فلم يخلق قبله شئ أصلا. ثم اعلم أن مدلول هذا الخبر ينافي ما مر من الآيات الكريمة وظواهرها من جهتين:
الأولى أن ظاهر الآية أن خلق أقوات الأرض وتقديرها كان في يومين، والخبر يدل على أنه خلق أقوات الأرض في يوم وأقوات السماء في يوم. والثانية أن ظاهر الآية تقدم يومي خلق الأقوات على يومي خلق السماوات، والخبر يدل على تأخر أحد يومي خلق الأقوات عنهما. ويمكن أن يجاب عن الأولى بأن المراد بخلق أقوات السماء خلق أسباب أقوات أهل الأرض الكائنة في السماء من المطر والثلج والألواح التي يقدر فيها الأقوات والملائكة الموكلين بها، ويؤيده أن ليس لأهل السماء قوت وطعام وشراب، ففي يوم واحد قدر الأسباب الأرضية لأقوات أهل الأرض وفي يوم الآخر قدر الأسباب السماوية لها، وفي الآية نسبهما إلى الأرض لكونهما
لأهلها، وفي الخبر فصل ذلك لبيان اختلاف موضع التقديرين. وعن الثانية بنحو مما ذكره البيضاوي بأن لا تكون لفظة (ثم) لترتيب والتراخي في المدة.
ومن غرائب ما سنح لي أني لما كتبت شرح هذا الخبر اضطجعت فرأيت فيما يرى النائم أني أتفكر في هذه الآية، فخطر ببالي في تلك الحالة أنه يحتمل أن يكون المراد بأربعة أيام تمامها لا تتمتها، ويكون خلق السماوات أيضا من جملة تقدير أرزاق أهل الأرض، فإنها من جملة الأسباب، ومحال بعض الأسباب كالملائكة العاملة والألواح المنقوشة والشمس والقمر والنجوم المؤثرة بكيفياتها كالحرارة والبرودة في الثمار والنباتات، وتكون لفظة (ثم) في قوله تعالى (ثم استوى) للترتيب في الاخبار، لتفصيل ذلك الاجمال، بأن يومين من تلك الأربعة كانا مصروفين في خلق السماوات والآخرين في خلق سائر الأسباب، ولولا أنه سنح لي في هذه الحال لم أجسر على إثبات هذا الاحتمال، وإن لم يقصر عما ذكره المفسرون وبه يندفع الاشكالان. وأما رواية العياشي فالظاهر أن فيه تصحيفا وتحريفا ولا يستقيم على وجه.
31 - تفسير علي بن إبراهيم: قل لهم يا محمد (أإنكم لتكفرون بالذي خلق في يومين) ومعنى يومين أي وقتين: ابتداء الخلق، وانقضاؤه (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها) أي لا تزول وتبقى (في أربعة أيام سواء للسائلين) يعني في أربعة أوقات، وهي التي يخرج الله فيها أقوات العالم، من الناس و البهائم والطير وحشرات الأرض وما في البر والبحر من الخلق والثمار والنبات والشجر وما يكون فيه معايش الحيوان كله، وهو الربيع والصيف والخريف والشتاء. ففي الشتاء يرسل الله الرياح والأمطار والانداء والطلول من السماء فيلقح الشجر ويسقي الأرض والشجر وهو وقت بارد، ثم يجيئ بعده الربيع وهو
وقت معتدل حار وبارد، فيخرج الشجر ثمارها والأرض نباتها فيكون أخضر ضعيفا ثم يجيئ من بعده وقت الصيف وهو حار فينضج الثمار ويصلب الحبوب التي هي أقوات العباد وجميع الحيوان، ثم يجئ من بعده وقت الخريف فيطيبه ويبرده ولو كان الوقت كله شيئا واحدا لم يخرج النبات من الأرض، لأنه لو كان الوقت كله ربيعا لم تنضج الثمار ولم تبلغ الحبوب، ولو كان الوقت كله صيفا لاحترق كل شئ في الأرض ولم يكن للحيوان معاش ولا قوت ، ولو كان الوقت كله خريفا لم يتقدمه شئ من هذه الأوقات لم يكن شئ يتقوت به العالم، فجعل الله هذه الأقوات في هذه الأربعة الأوقات: في الشتاء، والربيع، والصيف، والخريف.
وقام به العالم واستوى وبقي، وسمى الله هذه الأوقات (أياما سواء للسائلين) يعني المحتاجين لان كل محتاج سائل، وفي العالم من خلق الله من لا يسأل ولا يقدر عليه من الحيوان كثير، فهم سائلون وإن لم يسألوا. وقوله (ثم استوى إلى السماء) أي دبر وخلق، وقد سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام عمن كلم الله لا من الجن ولا من الانس، فقال: السماوات والأرض في قوله (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين). (فقضيهن) أي خلقهن (سبع سماوات في يومين) يعني في وقتين:
ابتداء، وانقضاء (وأوحى في كل سماء أمرها) فهذا وحي تقدير وتدبير.
بيان: هذا التأويل للآية أقرب مما مر، ولعله من بطون الآية، ولا ينافي ظاهرها. قوله (أي لا تزول وتبقى) أي المراد بالتقدير التقدير الدائمي، ويحتمل أن يكون تفسير (بارك فيها) قوله (وإن لم يسألوا) أي هم سائلون بلسان افتقارهم واضطرارهم الرب سبحانه بسمع فيضه وفضله ورحمانيته، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال.
32 - التوحيد: عن علي بن أحمد الدقاق، عن الكليني، رفع الحديث إلى ابن أبي العوجاء حين كلمه أبو عبد الله عليه السلام عاد إليه في اليوم الثاني ثم في اليوم الثالث فقال: ما الدليل على حدوث الأجسام؟ فقال: إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا وإذا ضم إلى مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى، ولو كان قديما ما زال ولا حال، لان الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث وفي كونه في الأزل دخوله في القدم ولن تجتمع صفة الأزل والعدم في شئ واحد. فقال عبد الكريم:
هبك علمت في جري الحالتين والزمانين ما ذكرت واستدللت على حدوثها، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل على حدثها (4)؟ فقال العالم عليه السلام: إنما نتكلم على هذا العالم المصنوع فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر كان لا شئ أدل على الحدث من رفعنا إياه ووضعنا غيره، ولكن أجيبك من حيث قدرت أن تلزمنا ونقول: إن الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ما ضم شئ إلى مثله كان أكبر، وفي جواز التغيير عليه خروجه من القدم، كما أن في تغييره دخوله في الحدث، ليس لك وراءه شئ يا عبد الكريم! فانقطع وخزي.
الكافي والاحتجاج: مرفوعا مثله. وفي الاحتجاج: ولن تجتمع صفة الحدوث والقدم في شئ.
بيان: قد مر الخبر بطوله وشرحه في كتاب التوحيد، وفيه إجمال، ويحتمل أن يراد فيه بكل من الحدوث والقدم، الذاتي أو الزماني فإن كان المراد الأول كان الغرض
إثبات أن الأجسام ممكنة الوجود مصنوعة معلومة تحتاج إلى صانع يصنعها ويوجدها وعلى الثاني يكون مبنيا على ما سبق في الأخبار الكثيرة أن كل قديم لا يكون إلا واجبا بالذات، والمعلول لا يكون إلا حادثا بالزمان، وهو أظهر، وهكذا فهمه الصدوق وأورده في باب حدوث العالم وعقبه بالدلائل المشهورة عند المتكلمين على الحدوث.
وقيل: حاصل استدلاله عليه السلام إما راجع إلى دليل المتكلمين من أن عدم الانفكاك من الحوادث يستلزم الحدوث، وإما إلى أنه لا يخلو إما أن يكون بعض تلك الأحوال الزائلة المتغيرة قديما أن يكون كلها حوادث، وهما محالان، أما الأول فلما تقرر عندهم أما ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وأما الثاني فلاستحالة التسلسل في الأمور المتعاقبة، والأول أظهر.
33 - الكافي: عن أحمد بن مهران، عن عبد العظيم الحسني، عن علي بن أسباط، عن خلف بن حماد، عن ابن مسكان، عن مالك الجهني، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل (أو لم ير الانسان أنا خلقناه ولم يك شيئا) قال: فقال لا مقدارا ولا مكونا. قال: وسألته عن قوله عز وجل (هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) قال: كان مقدرا غير مذكور.
بيان: يدل ظاهرا على حدوث نوع الانسان.
35 - تفسير علي بن إبراهيم: سميت مكة أم القرى لأنها أول بقعة خلقها الله من الأرض، لقوله (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا).
36 - العلل والعيون: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام: لم سميت مكة أم القرى؟ قال عليه السلام: لان الأرض دحيت من تحتها. وسأل عن أول بقعة بسطت من الأرض أيام الطوفان، فقال له: موضع الكعبة، وكانت زبرجدة خضراء.
بيان: لعل المراد بأيام الطوفان أيام تموج الماء واضطرار به قبل خلق الأرض.
37 - ارشاد القلوب: سئل أمير المؤمنين عليه السلام: لم سميت مكة؟ قال: لان الله مك الأرض من تحتها أي دحاها.
38 - مجالس الصدوق والتوحيد وكنز الكراجكي والاحتجاج:
بأسانيدهم في مناظرة الصادق عليه السلام لابن أبي العوجاء قال عليه السلام: هذا بيت استبعد الله به خلقه إلى قوله خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام.
39 - العلل والعيوب: في علل ابن سنان عن الرضا عليه السلام: علة وضع البيت وسط الأرض أنه الموضع الذي من تحته دحيت الأرض، وكل ريح تهب في الدنيا فإنها تخرج من تحت الركن الشامي، وهي أول بقعة وضعت في الأرض، لأنها الوسط ليكون الفرض لأهل المشرق والمغرب في ذلك سواه.
40 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى، وأحمد بن
إدريس عن محمد بن أحمد الأشعري، عن الحسن بن علي، عن مروان بن مسلم، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن خلق البيت قبل الأرض، ثم خلق [الله] الأرض من بعده، فدحاها من تحته.
الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن الحسن بن علي، عن عدة من أصحابنا عن الثمالي مثله.
41 - العياشي: عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنه وجد في حجر من حجرات البيت مكتوبا: إني أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض ويوم خلقت الشمس والقمر، وحففتهما بسبعة أملاك حفيفا.
42 - الكافي: عن أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله، عن محمد بن عيسى ومحمد بن عبيد الله، عن علي بن الحديد، عن مرازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
قال الله تبارك وتعالى: يا محمد إني خلقتك وعليا نورا يعني روحا بلا بدن قبل أن أخلق سماواتي [وأرضي وعرشي] وبحري (الخبر).
43 - وعنه عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن سنان، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجريت اختلاف الشيعة، فقال:
يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة صلوات الله عليهم أجمعين فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها (الحديث).
بيان: (لم يزل متفردا بوحدانيته) أي متفردا بأنه متوحد لا شئ ء معه أو الباء للسببية أي متفردا بسبب أنه كان واحدا من جميع الوجوه، وما كان كذلك فهو واجب بالذات، فيجوز عليه القدم بخلاف غيره، فإن القدم ينافي التكثر والامكان الذي هو لازمه (فأشهدهم خلقها) أي كانوا حاضرين عند خلقها عالمين بكيفيته، و لذا قال تعالى في شأن إبليس وذريته وأتباعه: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم) بعد قوله (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني) إشارة إلى أن المستحق للولاية والمتابعة من كان شاهدا خلق الأشياء، عالما بحقائقها و كيفياتها وصفاتها والغيوب الكامنة فيها والمستنبطة منها.
44 - التوحيد: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن جعفر الأسدي عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن أبي سمينة، عن إسماعيل بن أبان، عن زيد بن جبير، عن جابر الجعفي قال: جاء رجل من علماء أهل الشام إلى أبي جعفر عليه السلام فقال: جئت أسألك عن مسألة لم أجد أحدا يفسرها لي، وقد سألت ثلاثة أصناف من الناس، فقال كل صنف غير ما قال الآخر! فقال أبو جعفر عليه السلام: وما ذلك؟ فقال: أسألك ما أول ما خلق الله عز وجل من خلقه؟ فإن بعض من سألته قال القدرة، وقال بعضهم العلم: وقال بعضهم الروح. فقال أبو جعفر عليه السلام: ما قالوا شيئا، أخبرك أن الله علا ذكره كان ولا شئ غيره عزيزا ولا
عز لأنه كان قبل عزه، وذلك قوله (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) وكان خالقا ولا مخلوق، فأول شئ خلقه من خلقه الشئ الذي جميع الأشياء منه وهو الماء. فقال السائل: [فالشئ] خلقه من شئ أو من لا شئ؟ فقال: خلق الشئ لا من شئ كان قبله، ولو خلق الشئ من شئ إذا لم يكن له انقطاع أبدا ولم يزل الله إذا ومعه شئ، ولكن كان الله ولا شئ معه، فخلق الشئ الذي جميع الأشياء منه، وهو الماء.
بيان: قوله (فإن بعض من سألته قال القدرة) لعل هذا القائل زعم أن صفاته تعالى زائدة على ذاته مخلوقة له، كما ذهب إليه جماعة من العامة، وسيأتي برواية الكليني (القدر) فلعله توهم أن تقديره تعالى جوهر، أو يكون مراده بالقدرة اللوح الذي أثبت الله تعالى فيه تقديرات الأمور، وكذا القول بأن أول المخلوقات العلم مبني على القول بمخلوقية الصفات. وفي الكافي مكانه (القلم) وهو موافق لبعض ما سيأتي من الاخبار، وسنذكر وجه الجمع بينها وبين غيرها. قوله عليه السلام (لأنه كان قبل عزه) لعل المراد أنه كان غالبا وعزيزا قبل أن يظهر عزه وغلبته على الأشياء بخلقها، ولذا قال (رب العزة) إذ فعلية العزة وظهورها مسبب عنه، والمعنى: ولا عز لغيره. فالمراد بالعزة في الآية عزة المخلوقات. و في الكافي (ولا أحد كان قبل عزه وذلك قوله) أي لم يكن أحد قبل عزة يكون عزه به. واستدل عليه بقوله (رب العزة) إذ هو يدل على أنه سبحانه سبب كل
عزة، فلو كان عزه بغيره كان ذلك الغير (رب العزة) وهذا الخبر نص صريح في الحدوث ولا يقبل التأويل بوجه.
45 - الاحتجاج وتفسير الامام أبى محمد العسكري: عن آبائه عليهم السلام قال: احتج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الدهرية فقال: ما الذي دعاكم إلى القول بأن الأشياء لا بدء لها، وهي دائمة لم تزل ولا تزال ؟
فقالوا: لأنا لا نحكم إلا بما شاهدنا، ولم نجد للأشياء حدثا فحكمنا بأنها لم تزل، ولم نجد لها انقضاء وفناء فحكمنا بأنها لا تزال. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:
أفوجدتم لها قدما أم وجدتم لها بقاء أبدا (2)؟ فإن قلتم إنكم وجدتم ذلك أنهضتم لأنفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم وعقولكم بلا نهاية ولا تزالون كذلك! ولئن قلتم هذا دفعتم العيان وكذبكم العالمون الذين يشاهدونكم. قالوا: بل لم نشاهد لها قدما ولا بقاء أبد الآبدين. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فلم صرتم بأن تحكموا بالبقاء والقدم لأنكم لم تشاهدوا حدوثها وانقضائها أولى من تارك التميز لها مثلكم، فيحكم لها بالحدوث والانقضاء والانقطاع لأنه لم يشاهد لها قدما ولا بقاء أبد الأبد (5)؟ أو لستم تشاهدون الليل والنهار وأحدهما بعد الآخر؟ فقالوا: نعم فقال: أترونهما لم يزالا ولا يزالان؟ فقالوا: نعم، فقال: أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار؟ فقالوا: لا، فقال صلى الله عليه وآله: فإذن ينقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما ويكون الثاني جاريا بعده، قالوا: كذلك هو، فقال: قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل ونهار ولم تشاهدوهما فلا تنكروا الله قدره. ثم قال صلى الله عليه وآله: أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار متناه أم غير متناه؟ فإن قلتم إنه غير متناه فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوله، وإن قلتم إنه متناه فقد كان ولا شئ منهما. قالوا:
نعم. قال لهم: أقلتم إن العالم قديم ليس بمحدث وأنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به وبمعنى ما جحدتموه؟ قالوا: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهذا الذي نشاهده من الأشياء بعضها إلى بعض يفتقر، لأنه لأقوام للبعض إلا بما يتصل إليه، كما ترى البناء محتاجا بعض أجزائه إلى بعض، وإلا لم يتسق ولم يستحكم، وكذلك سائر ما نرى. قال: فإن كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته وتمامه هو القديم، فأخبروني أن لو كان محدثا كيف كان يكون؟ وكيف إذا كانت تكون صفته؟ قال: فبهتوا وعلموا أنهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلا وهي موجودة في هذا الذي زعموا أنه قديم، فوجموا وقالوا سننظر في أمرنا. (الخبر) بيان: ذهبت الدهرية إلى أن العالم قديم زماني، و قالوا إن الأشياء دائمة الوجود لم تزل ولا تزال، بل بعضهم أنكروا الحوادث اليومية أيضا وذهبوا إلى الكمون والبروز لتصحيح قدم الحوادث اليومية، و أنكروا وجود ما لم تذكره الحواس الخمس، ولذا أنكروا وجود الصانع لعدم إدراك الحواس له تعالى، و قالوا وجود الموجودات من الطبائع المتعاقبة لا إلى نهاية. إذا تقرر هذا فاعلم أن الظاهر أن المطلوب أولا إثبات الحدوث الزماني، فإن الظاهر من (البدء) البدء الزماني، ويؤيده قوله (وهي دائمة لم تزل ولا تزال).
وقوله (أفوجدتم إلى قوله أتقولون ما قبلكم من الليل والنهار) إبطال
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.