پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

باب حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الأمور 2

ج ۵۴، ص ۲۲۰–۲۵۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۸ از ۱۱

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۴

منها: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله في فضل الجهاد وتوابعه أن رباط يوم في سبيل الله خير من عبادة الرجل في أهله سنة، ثلاثمائة وستين يوما كل يوم ألف سنة. فأن الذكي يتفطن من الخصوصية المذكورة فيها لكل من السنة واليوم بأن المراد بهما غير السنة واليوم الدنيويين، إذ لا سنة في الدنيا بهذا العدد من الأيام فإنه لا يوافق شيئا من الشمسية والقمرية المعتبرتين فيها، ولا يوم من أيام الدنيا موافقا لذلك الامتداد من الزمان، فيظن أن هذا التعبير كناية عن نهاية ما يتصور للرجل من العبادة، وهو تمام زمان الدنيا.

ومنها: ما رواه الصدوق في الفقيه والكليني في الكافي ثم أورد الروايتين فقال: وجه دلالة الحديثين على ما ذكرنا أن السنة الأولى فيه وهي المختزلة عنها الأيام الستة يجب أن تحمل على السنة الربانية، لان شيئا من السنة الشمسية والقمرية الدنيويتين لم يخلق ثلاثمأة وستين يوما كما تقرر في موضعه، ولأنه لو حملت على الدنيوية فإما أن تحمل الأيام الستة أيضا على الأيام الدنيوية فغاية ما يلزم من اختزالها عنها أن تكون السنة الأولى من سني عمر الدنيا ثلاثمأة و أربعة وخمسين يوما، فلا يلزم هذا النقصان في جميع السنين وإما أن تحمل على الأيام الربانية فلا يتصور الاختزال المذكور حينئذ فإذا يوما من تلك الأيام كألف سنة من تلك السنين، فتحقق أن المراد بتلك السنة السنة الربانية على وفق ما بينا أن المراد بالأيام الستة الأيام الربانية وأما السنة الثانية في الحديثين فيجب أن تحمل على السنة الدنيوية المستتبعة لنقصان بعض شهورها وهو ظاهر. فعلى هذا ما يفهم منه من تفرع النقصان في تلك السنة وشهورها على الاختزال المذكور يدل على أنه لو لم يختزل الأيام الستة المذكورة عن رأس السنة الربانية المذكورة بل وقع خلق الدنيا في زمان خارج عن تلك السنة متصل بها، لكانت أيام السنة الدنيوية

ثلاثمأة وستين وكذا يدل على أن الأيام المختزلة لو كانت عشرة مثلا لكانت أيام السنة الدنيوية ثلاثمأة وخمسين، وعلى هذا القياس فيظهر بذلك أنه مبني على أن الحكمة الإلهية اقتضت مساواة الأيام الباقية بعد الاختزال من السنة الربانية مع أيام كل سنة من السنين الدنيوية، فيتفطن الذكي من لزوم تلك المساواة بين هاتين الأيامين أنهما منسوبتان إلى شئ واحد، فكما أن أيام السنة الدنيوية منسوبة إلى الدنيا ومحسوبة من عمرها كذلك الأيام الباقية المذكورة منسوبة إليها لأجل عمرها، ويؤيده انتساب الأيام السنة المختزلة أيضا إليها لأجل خلقها، فتبين من مدارج ما قررنا سر هذا الاختزال وكونه على النحو المذكور أيضا، فإنه لو لم يقع أو وقع لا على النحو المذكور لكان يزيد ألف سنة من سني الدنيا على يوم من الأيام الربانية أو ينقص عنها وهو خلاف ما أخبرنا الله تعالى به من مساواتهما المبنية على حكمته ومصلحته بلا شبهة.

ثم ليعلم أن كون السنة الدنيوية القمرية ثلاثمأة وأربعة وخمسين يوما مبني على ما تعارف من اسقاط الكسر الناقص عن النصف في الحساب مساهلة فلا ينافي كونها في الحقيقة زائدة عليه بثماني ساعات مستوية وثمان وأربعين دقيقة على ما هو المضبوط بالارصاد، فعلى ذلك تكون بقية السنة الربانية التي بإزاء عمر الدنيا أيضا زائدة بمثل تلك الساعات والدقائق بحكم المساواة المذكورة، فيلزم من هذه الجهة أن يكون أيام الستة المختزلة لخلق الدنيا ناقصة عنها أيضا بالقدر المذكور، لئلا يلزم زيادة مجموعهما على ثلاثمأة وستين، وقد أشرنا في تصوير زمان حمل الدنيا إلى هذه الدقيقة فتذكر.

انتهى كلامه رفع الله مقامه ولقد أحسن وأجاد، وحقق وأفاد، في إبداء هذا الوجه الوجيه مع تأيده بما ذكره وبغيره من الأخبار المتقدمة عن مجاهد وغيره، وبما رواه الصدوق ره في الفقيه وغيره في علة الصلوات الخمس عن النبي صلى الله عليه وآله حيث قال: وأما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله عز وجل فيها

على آدم، وكان بين ما أكل من الشجرة وبين مات تاب الله عز وجل عليه ثلاثمأة سنة من أيام الدنيا في أيام الآخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء، وقد أوردت مثله بأسانيد في المجلد الخامس. وبما رواه السيوطي في الدرر المنثور عن عكرمة قال: سأل رجل ابن عباس ما هؤلاء الآيات (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) و (يدبر الامر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة) و (يستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون)؟ قال: يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة، و خلق السماوات والأرض في ستة أيام كل يوم ألف سنة، ويدبر الامر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة، وذلك مقدار السير.

وعن عكرمة (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) قال: هي الدنيا أولها إلى آخرها يوم مقداره خمسون ألف سنة. لكن فيما زيف بن بعض الوجوه الأخر نظر، إذ بناء تحقيقه على تحقق الزمان الموهوم قبل خلق العالم وإن كان تقديره وقسمته بالأيام والساعات، فيمكن أن يقال: بعد خلق الكواكب وحركاتها وتعيين الليالي والأيام والشهور والأسابيع يمكن الرجوع القهقهرى، وتعيين جميع ذلك في الأزمنة الماضية تقديرا، وتكلف التقدير مشترك بين الوجهين، مع أن هذا الوجه أوفق بظواهر أكثر الآيات والاخبار، وأما أن الستة الأيام لا يكون مبالغة في جانب القلة إذا حملت على أيام الدنيا فليس كذلك، بل في خلق السماوات والأرض مع وفور عظمتها واشتمالهما على أنواع الحكم الدقيقة والمصالح الأنيقة مما يدل على غاية القدرة والعلم والحكمة، وأما أنه كان يمكن خلقهما في أقل من ذلك الزمان فبين الرضا عليه السلام الحكمة في ذلك، فلعله سبحانه جمع بين الامرين أي عدم الخلق دفعة وقلة الزمان رعاية للامرين معا، وسائر ما ذكرت قدس سره إما محض

استبعاد، أو مقايسة بعض المخلوقات ببعض، وكلاهما مما لا وقع له في هذا المقام.

وأما الاختزال فيمكن أن يكون غرضه عليه السلام الإشارة إلى علة شيوع هذا الاصطلاح أي إطلاق السنة في عرف الشرع والعرف العام على ثلاثمأة وستين مع أنها لا توافق السنة الشمسية ولا القمرية، بأنها مطابقة للسنة الأولى من خلق العالم إذا حسبت من ابتداء الخلق، وأما السنة القمرية فهي مبنية على حركة القمر بعد وجوده، والستة المتقدمة المصروفة في خلق العالم مختزلة منها، وسيأتي لذلك مزيد تحقيق في محله إنشاء الله تعالى.

ثم اعلم أنه قد تكلم كثير من الناس من الفرق المتشتة في قدر زمان عمر الدنيا، فأكثر اليهود بل سائر أهل الكتاب مالوا إلى تقليله بأمور خطابية لا ترتضيها العقول السليمة، وجمهور الهنود بالغوا في تكثيره بخيالات حسابية تتنفر عنها الطبائع المستقيمة، وأما مشاهير قدماء الحكماء وجماهير عظماء الأحكاميين فقد توسطوا في ذلك، ولكن تفرقوا إلى أقوال شتى، وحكى أبو معشر البلخي في كتابه المسمي بسر الاسرار عن بعض أهل هند أن الدور الأصغر ثلاثمأة وستون سنة والأوسط ثلاثة آلاف وستمأة سنة، والأكبر ثلاثمأة وستون ألف سنة، ولعل المراد بالدور الأكبر زمان عمر الدنيا، وبالسنة السنة الشمسية، فيطابق ما اعتمد عليه جمع من أعلام المنجمين من قول حكماء فارس وبابل أن سني عمر العالم ثلاثمأة وستون ألف سنة شمسية، كل سنة ثلاثمأة وخمسة وستون يوما وخمس عشرة دقيقة واثنتان وثلاثون ثانية وأربع وعشرون ثالثة، ومستندهم في ذلك على ما نقل أبو معشر من أهل فارس أن الكواكب السبعة في أول خلق الدنيا كانت مجتمعة في أول الحمل، ويكون اجتماعها في آخر زمان بقائها في آخر الحوت وزمان ما بينهما ثلاثمأة وستون ألف سنة من تلك السنين، وأما مستندهم في الاجتماع المذكور على نحو ما تصوروه في المقامين فغير معلوم.

ثم اعلم أن هذه الخيالات والروايات وإن لم يكن مبتنية على أصل متين

لكنها مما يرفع استبعادات الأوهام عن الأخبار الواردة في الرجعة وطول امتداداتها فإنها أيضا داخلة في زمان عمر الدنيا، فإذا حسبت تلك الأزمان مع ما ورد في بعض الأخبار من أزمنة كون غير آدم وأولاده في الأرض يصير قريبا مما ذكر بعض هؤلاء الجماعة. وبالجملة كل من الامرين مما يصلح أن يصير سببا لرفع الاستبعاد عن الآخر.

ثم إن بعض المتصدين لحل هذا الخبر سلك مسلكا أوحش وأغرب حيث قال: السنة في العرف تطلق على الشمسية التي هي عبارة عن عود الشمس بحركتها الخاصة لها إلى الوضع الذي فرض أولا كأول الحمل مثلا الذي يتساوى عند حلولها فيه زمان الليل والنهار تقريبا بعد أن كان الليل أطول في معظم المعمورة، وعلى القمرية التي هي عبارة عن عود القمر إلى وضعه المفروض أولا مع الشمس في سمت الحركة اثنتا عشرة مرة كل مرة تسمى شهرا، وقد علم بالتجربة والرصد أن زمان الأولى يكون ثلاثمأة وخمسة وستين يوما وكسرا من يوم، وزمان الثانية ثلاثمأة وأربعة وخمسين يوما وكسرا، ولو فرض فارض كون الشمس أسرع حركة بحيث تتم دورتها في ثلاثمأة وستين بلا زيادة ونقصان والقمر بحاله يكون مقدار السنة القمرية أيضا ثلاثمأة وستين يوما كل شهر ثلاثون يوما كما لا يخفى على المحاسب، وحينئذ لم يكن اختلاف بين السنة القمرية والشمسية، لكن قد جعل الله سبحانه زمان الشمسية أكثر من ذلك بقريب من سنة أيام وزمان القمرية أنقص بنحو ذلك لمصالح تعود إلى مخلوقاته في السماوات و الأرضين ينتظم بها النظام الأكمل الذي لا يعلم كنهه إلا هو، فلعل هذا هو المراد من جعل السنة ثلاثمأة وستين وحجز الستة الأيام عنها، بل لا ينقبض العقل من أن يكون المراد بخلق السماوات والأرض في ستة أيام ذلك، أعني على اختلاف نظام لحركة السماويات خصوصا النيرين اللذين قدرت بهما الشهور والأعوام والليالي والأيام، وغير ذلك من مصالح الأنام، قدر ذلك الاختلاف ستة أيام في كل سنة فليتفكر جدا في ذلك (انتهى).

وأورد عليه بوجوه:

الأول أن كون سرعة الشمس على الوجه المذكور مستلزمة لكون السنة القمرية أيضا ثلاثمأة وستين يوما إنما يكون حقا إذا كان زيادة أيام الشمسية على ثلاثمأة وستين موافقة لنقصان أيام القمرية عنه حقيقة وليس كذلك، فإن الأول لا يزيد على خمسة أيام وربع يوم في شئ من الأرصاد المتداولة، والثاني يزيد على خمسة أيام وخمسة أثمان يوم بالاتفاق، فأقل ما به التفاوت يزيد على تسع ساعات، فالصواب أن تفرض سرعتها بقدر نصف التفاوت بين زماني السنتين حتى يتساويا ويرتفع التفاوت عما بينهما بالكلية كما هو المقصود، وما يلزم حينئذ من عدم بلوغ شئ منهما إلى السنتين حقيقة بل يكون أقل منه بنحو خمس ساعات فالامر فيه سهل فإنه لا ينافي إطلاق الستين عليه عرفا.

الثاني: أن كون السنة ثلاثمأة وستين يوما في الحديث إخبار عن الواقع سواء حمل الخلق على معنى الايجاد أو التقدير، وعلى ما ذكره أمره فرضي لا وقوع له أصلا.

الثالث: أن المراد بالأيام المختزلة عن أيام السنة إذا كان هذه الأيام فكيف يتصور أن يكون بعضها لأجل الأرض وبعضها لأجل السماء كما يظهر من بعض الآيات بل غاية ما يتصور أن يكون لها مدخل في النظام المقصود بالنسبة إلى الجميع.

الرابع: أن هذا المعنى لهذه الأيام لا يوافق شيئا من الروايات الدالة على تعيين يوم من أيام الأسبوع لخلق كل من المخلوقات المذكورة.

187 - مجمع البيان: نقلا من تفسير العياشي بإسناده عن الأشعث بن حاتم، قال: كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا عليه السلام والفضل بن سهل والمأمون في الإيوان الحيري بمرو، فوضعت المائدة فقال الرضا عليه السلام: إن رجلا من بني إسرائيل سألني بالمدينة فقال: النهار خلق قبل أم الليل؟ فما عندكم؟ [قال:] فأداروا الكلام ولم يكن عندهم في ذلك شئ، فقال الفضل للرضا عليه السلام: أخبرنا بها أصلحك الله. قال: نعم، من القرآن أم من الحساب، قال له الفضل: من جهة

الحساب. فقال: قد علمت يا فضل أن طالع الدنيا السرطان والكواكب في مواضع شرفها، فزحل في الميزان، والمشتري في السرطان، والشمس في الحمل، والقمر في الثور، وذلك يدل على كينونة الشمس في الحمل من العاشر من الطالع في وسط السماء، فالنهار خلق قبل الليل، وأما في القرآن فهو في قوله تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار) أي قد سبقه النهار.

كتاب النجوم للسيد بن طاوس: بأسانيده عن محمد بن إبراهيم النعماني عن محمد بن همام، عن محمد بن موسى بن عبيد، عن إبراهيم بن أحمد اليقطيني، عن ابن ذي العلمين مثله.

وبأسانيده إلى كتاب الواحدة لابن جمهور العمي بإسناده مثله.

تحقيق وتوضيح: اعلم أنه أورد على هذا الخبر إشكالات:

الأول أو الظلمة التي تحصل منها الليل عدم النور الذي يحصل منه النهار وعدم الحادث مقدم على وجوده.

والجواب أن الظلمة ليست عدما مطلقا بل عدم ملكة، إذ هي عدم النور عما من شأنه أن يكون نيرا، ومثله يمكن أن يكون مقدما ومؤخرا، والحاصل هنا أن أول خلق العالم هل كان نهارا أم ليلا.

الثاني أن عند خلق الشمس لابد أن يكون في بعض الأرض ليلا وفي بعضها نهارا فلا تقدم لأحدهما على الآخر.

والجواب أن السؤال عن معظم المعمورة هل كان الزمان فيها ليلا أم نهارا فلا ينافي وجود الليل فيما يقاطرها.

الثالث ما المراد بطالع الدنيا؟ فإن كل نقطة من نقاط الأرض لها طالع،

كل نقطة من نقاط منطقة البروج طالع أفق من الآفاق.

والجواب أنه يمكن أن يكون المراد بطالع الدنيا طالع قبة الأرض أي موضع من الرابع المسكون في وسط خط الاستواء يكون طوله من جانب المغرب على المشهور أو المشرق على رأي أهل الهند تسعين درجة، وقد تطلق على موضع من الأرض يكون طوله نصف طول المعمورة منها أعني تسعين درجة. وعرضه نصف أرض المعمورة منها أي ثلاثة وثلاثين درجة تخمينا، ومن خواص القبة أنه إذا وصلت الشمس فيها إلى نصف النهار كانت طالعة على جميع بقاع الربع المسكون نهارا، فظهرت النكتة في التخصيص. ويمكن أن يكون الطالع هنا بالقياس إلى الكعبة لأنها وسط الأرض خلقا وشرعا وشرفا.

الرابع كون الكواكب في مواضع شرفها، لا يستقيم على قواعد المنجمين واصطلاحاتهم، إذ عطارد شرفه عندهم في السنبلة، وشرف الشمس في الحمل، ولا يبعد العطارد عن الشمس بهذا المقدار، ولقد خبط الطبري وغيره في ذلك فحكموا بكون عطارد أيضا حينئذ في الدرجة الخامسة عشر من السنبلة نقلا من جماهير الحكماء.

والجواب أنه عليه السلام يمكن أن يكون بنى ذلك على ما هو المقرر عنده لا ما زعمه المنجمون في شرف عطارد، أو يقال: إن عطارد مستثنى من ذلك وأحال ذلك على ما هو المعلوم عندهم، أو يقال: المراد بالكواكب الأربعة المفصلة اعتمادا على ذكرها بعده.

الخامس أن المقرر في كتب الاحكام في بحث القرانات أن السبعة كانت مجتمعة في أول الحمل، ولو فرض أنهم أخطأوا في ذلك كان على الفضل وسائر الحضار المتدربين في صنعة النجوم أن يسألوا عن ذلك ويراجعوا فيه ولم ينقل منهم ذلك.

والجواب أنهم ليسوا متفقين في ذلك كما يظهر من الطبري وغيره، فلعل

الفضل وغيره ممن حضر المجلس كان يسلك هذا المسلك، وربما يقال: لعل الراوي سهى أو خبط في فهم كلامه عليه السلام وكان ما قاله عليه السلام هو أن الكواكب كانت مع الشمس في شرفها، والضمير في (شرفها) كان للشمس لا للكواكب، فاشتبه عليه وزعم أن الضمير للكواكب ففصل كما ترى.

وأقول: على ما ذكرنا لا حاجة إلى تحريف الحديث ونسبة السهو إلى الراوي وما ذكروه ليس مستندا إلى حجة، وأكثر أقاويلهم في أمثال ذلك مستندة إلى أوهام فاسدة وخيالات واهية كما لا يخفى على من تتبع زبرهم.

قال أبو ريحان فيما عندنا من تاريخه في سياق ذكر ذلك: وبكل واحد من الأدوار تجتمع الكواكب في أول الحمل بدءا وعودا ولكنه في أوقات مختلفة فلو حكم على أن الكواكب مخلوقة في أول الحمل في ذلك الوقت أو على أن اجتماعها فيه هو أول العالم أو آخره لتعرف دعواه تلك عن البينة وإن كان داخلا في الامكان، ولكن مثل هذه القضايا لا تقبل إلا بحجة واضحة أو مخبر عن الأوائل والمبادي موثوق بقوله، متقرر في النفس صحة اتصال الوحي والتأييد به، فإن

من الممكن أن تكون هذه الأجسام متفرقة غير مجتمعة وقت إبداع المبدع لها وإحداثه إياها، ولها هذه الحركات التي أوجب الحساب اجتماعها في نقطة واحدة في تلك المدة (انتهى).

السادس أن الاستدلال بالآية لا يتم، إذ يمكن أن يحمل قوله تعالى (ولا الليل سابق النهار) على أن الليل لا يأتي قبل وقته المقرر وزمانه المقدر كما أن الشمس لا تطلع قبل أوانه، وكل من الليل والنهار لا يأتي أحدهما قبل تمام الآخر كما سيأتي بيانه في تفسير الآية.

والجواب أنه عليه السلام بنى الاستدلال على ما علم من مراده تعالى في الآية وكان عليه السلام عندهم مأمونا مصدقا في ذلك.

السابع أن ما تقدم نقلا من السيوطي عن ابن عباس ينافي ذلك، حيث حكم بتقدم الليل على النهار، وما ينقل عن التورية موافقا لذلك أيضا ينافيه.

والجواب أن حديث ابن عباس لا يعارض به كلام الإمام عليه السلام المنقول من الأصول المعتبرة، وكذا نقل التورية لم يثبت، ولو ثبت فأكثرها محرفة لا يعتمد عليها. وربما يجاب بأن حدوث النور إنما هو بعد الظلمة، فالظلمة مقدمة على النور، لكن طالع خلق الدنيا يعني طالع دحو الأرض كان هو السرطان، و الشمس حينئذ في الحمل في العاشر على ما ذكره الإمام عليه السلام فأول الأوقات في دحو الأرض هو الظهر، ولذا سميت صلاة الظهر بالصلاة الأولى كما سميت بالوسطى أيضا عند كثير من العلماء، وإنما فسر طالع الدنيا بطالع دحو الأرض لان خلق الأرض مقدم على خلق السماء لكن دحوها مؤخر، جمعا بين الآيات (انتهى).

وأقول: يمكن حمله على ابتداء خلق الكواكب فإن حصول النهار إنما هو عنده والحاصل أنه تم خلق أجزاء الدنيا حين كون السرطان على الأفق الشرقي بالنسبة إلى قبة الأرض، فإذا رجعت على توالي البروج وعددت ستة من تحت الأرض وثلاثة من فوقها كان العاشر، وهو الحمل على سمعت الرأس، فإذا كانت الشمس فيه يكون

بالنسبة إلى أكثر المعمورة نهارا كما عرفت، فالنهار في أول الخلق بالنسبة إلى المعمورة التي هي مسكن أشرف الخلق مقدم على الليل. ثم إنه يحتمل أن يكون ذكر هذه المصطلحات التي لم تجر عادتهم عليهم السلام بذكرها وإجراء الكلام على قواعد النجوم التي نفوها وزيفوها كما ستعلم إنشاء الله إلزاما على الفضل المشهور في تلك الصناعة، وإظهارا لعلمهم عليهم السلام بجميع العلوم والاصطلاحات، وقد يقال: إن تلك الكواكب لما كانت في ابتداء خلق العالم في مواضع مخصوصة مضبوطة عند أهل العلم أخذا عن الأنبياء والحجج عليهم السلام فبعد ما أخذ المنجمون بعض ذلك عنهم زعموا أنها لتلك الخصوصية كانت أحسن مواضع تلك الكواكب فسموها شرفا لها، ثم سموا المواضع التي تقابلها هبوطا لها، توهما منهم أنها عند كونها فيها هابطة من تلك المنزلة والشرف جدا، وأما ما فات منهم أخذه عن أهل العلم كموضع عطارد مثلا عينوه من عند أنفسهم بخيالات شعرية مذكورة في كتبهم.

ثم إن بعض الناس توهموا أن هذا الحديث مؤيد لكون اليوم من الزوال إلى مثله كما اعتبره المنجمون لسهولة الحساب، ولا يخفى وهنه على أولي الباب.

وبعد اللتيا والتي فدلالة الحديث على حدوث أكثر ما يزعمه الحكماء قديما من أجزاء العالم بين لا يحتاج إلى البيان.

183 - كتاب المحتضر للحسن بن سليمان مما رواه من كتاب الخطب لعبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: سلوني فإني لا اسأل عن شئ دون العرش إلا أجبت فيه لا يقولها بعدي إلا جاهل مدع أو كذاب مفتر. فقام رجل من جانب مسجده في عنقه كتاب كأنه مصحف وهو رجل آدم ضرب طوال، جعد الشعر. كأنه من مهودة العرب، فقال رافعا صوته لعلي: أيها المدعي ما لا يعلم والمقلد ما لا يفهم! أنا السائل فأجب. فوثب به أصحاب علي وشيعته من كل ناحية فهموا به فنهزهم علي عليه السلام فقال لهم: دعوه ولا تعجلوه! فإن الطيش

لا تقوم به حجج الله ولا به تظهر براهين الله. ثم التفت إلى الرجل وقال له: سل بكل لسانك وما في جوانحك فإني أجيبك، إن الله تعالى لا تعتلج عليه الشكوك ولا يهيجه وسن. فقال الرجل: كم بين المغرب والمشرق؟ قال علي عليه السلام مسافة الهواء. قال:

وما مسافة الهواء؟ قال [علي عليه السلام] دوران الفلك؟ قال الرجل: وما قدر دوران الفلك؟ قال: مسيرة يوم للشمس. قال الرجل: صدقت. قال: فمتى القيامة؟ قال:

على قدر قصور المنية وبلوغ الاجل. قال الرجل: صدقت، فكم عمر الدنيا؟

قال علي: يقال سبعة آلاف ثم لا تحديد. قال الرجل: صدقت، فأين بكة من مكة؟ قال علي: مكة من أكناف الحرم، وبكة موضع البيت. قال: فلم سميت مكة مكة؟ قال: لان الله مك الأرض من تحتها قال: فلم سميت بكة؟ قال:

لأنها بكت رقاب الجبارين وعيون المذنبين قال: صدقت، وأين كان الله قبل أن يخلق عرشه؟ قال: علي: سبحان من لا تدرك كنه صفته حملة العرش. على قرب زمراتهم من كراسي كرامته، ولا الملائكة المقربون من أنوار سبحات جلاله. ويحك!

لا يقال أين، ولا ثم، ولا فيم، ولا لم، ولا أنى، ولا حيث، ولا كيف. قال الرجل:

صدقت، فكم مقدار ما لبث الله عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء؟

قال: أتحسن أن تحسب؟ قال: نعم، قال: لعلك لا تحسن! قال: بلى، إني لأحسن أن أحسب. قال علي عليه السلام: أفرأيت لو كان صب خردل في الأرض [حتى] سد الهواء وما بين الأرض والسماء، ثم اذن لمثلك على ضعفك أن تنقله حبة حبة من مقدار المشرق إلى المغرب، ثم مد في عمرك وأعطيت القوة على ذلك حتى تنقله وأحصيته لكان ذلك أيسر من إحصاء عدد أعوام ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء، وإنما وصفت لك ببعض عشر عشير العشير من جزء مائة ألف جزء، وأستغفر الله من القليل في التحديد. قال: فحرك الرجل رأسه وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

بيان: والضرب بسكون الراء: الرجل الخفيف اللحم. (على مسافة

الهواء) هذه التبهيمات في الأجوبة للتنبيه على عدم تكلف ما لم يؤمر الناس بعلمه وأنه لا فائدة للانسان في علم حقائق الموجودات ومقاديرها، كما تضيع الفلاسفة فيها أعمارهم. (على قرب زمراتهم) أي جماعاتهم.

(تفهيم وتتميم) * (نفعه عميم بعون الله الواهب الكريم) * اعلم أن المقصود الأصلي من هذا الباب أعني حدوث العالم لما كان من أعظم الأصول الاسلامية لا سيما الفرقة الناجية الامامية وكان في قديم الزمان لا ينسب القول بالقدم إلا إلى الدهرية والملاحدة والفلاسفة المنكرين لجميع الأديان و لذا لم يورد الكليني ره وبعض المحدثين لذلك بابا مفردا في كتبهم، بل أوردوا في باب حدوث العالم أخبار إثبات الصانع تعالى اتكالا على أن بعد الاقرار بالحق جل وعلا، لا مجال للقول بالقدم، لاتفاق أرباب الملل عليه.

وفي قريب من عصرنا لما ولع الناس بمطالعة كتب المتفلسفين، ورغبوا عن الخوض في الكتاب والسنة وأخبار أئمة الدين، وصار بعد العهد عن أعصارهم عليهم السلام سببا لهجر آثارهم، وطمس أنوارهم، واختلطت الحقائق الشرعية بالمصطلحات الفلسفية صارت هذه المسألة معترك الآراء ومصطدم الأهواء، فمال كثير من المتسمين بالعلم المنتحلين للدين، إلى شبهات المضلين، وروجوها بين المسلمين فضلوا وأضلوا، وطعنوا على أتباع الشريعة حتى ملوا وقلوا، حتى أن بعض المعاصرين منهم يمضغون بألسنتهم، ويسودون الأوراق بأقلامهم أن ليس في الحدوث إلا خبر واحد هو (كان الله ولم يكن معه شئ) ثم يؤولونه بما يوافق آراءهم الفاسدة، فلذا أوردت في هذا الباب أكثر الآيات والاخبار المزيحة للشك والارتياب، وقفيتها بمقاصد أنيقة، ومباحث دقيقة، تأتي بنيان شبههم من قواعدها وتهزم جنود شكوكهم من مراصدها، تشييدا لقواعد الدين، وتجنبا من مساخط رب العالمين، كما روي عن سيد المرسلين صلى الله عليه وآله: إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه، وإلا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

(المقصد الأول) * (في بيان معاني الحدوث والقدم) * المشهور أن للحدوث معنيين: الذاتي، والزماني. والمستفاد من كلام الشيخ أن معنى الحدوث هو المسبوقية بالعدم إما بالذات لا بالزمان وهو الحدوث الذاتي، وإما بالزمان وهو الحدوث الزماني. وهو المتبادر من لفظ الحدوث

إذ المتبادر منه أنه لم يكن موجودا فوجد.

وأورد عليه أن تقدم العدم على الوجود بالذات لا معنى له، إذ التقدم بالذات مخصوص عندهم بالتقدم بالعلية، فتقدم العدم بالعلية على الوجود يستلزم اجتماع النقيضين.

وقال المحقق الطوسي ره: الحدوث هو المسبوقية بالغير، وذلك الغير إن كان هو العلة فهو الحدوث الذاتي، وإن كان عدما فهو الحدوث الزماني.

ويرد عليه أيضا ما يرد على الأول، لان ذات المعلول يصدق عليها أنها ليست بموجودة في مرتبة ذات العلة ثم وجد المعلول بعد ذلك السلب، لوجوب تقدم وجود العلة على وجود المعلول، ولا يتصور في تقدم سلب وجود المعلول على وجوده إلا التقدم الذاتي المنحصر في التقدم بالعلية، فيعود الاشكال. وللقوم في هذا المقام اعتراضات وأجوبة لا يناسب مقصودنا من هذا الكتاب إيرادها، وأكثرها مذكورة في حواشي المحقق الدواني وغيره على الشرح الجديد للتجريد. وبالجملة إطلاق الحدوث عليه محض اصطلاح لهم لا يساعده لغة ولا عرف، وإنما مرجعه الأحقية أو إلى ترتب وجود المعلول على وجود العلة إذ العقل يحكم بأنه وجد فوجد.

وأثبت السيد الداماد ره قسما ثالثا وهو الحدوث الدهري حيث قال: إن أنحاء العدم للممكن ثلاثة: الأول العدم الذي هو الليس المطلق في مرتبة الذات وهو لكل ممكن موجود حين وجوده الثاني العدم المتكمم وهو لكل حادث زماني قبل زمان وجوده. الثالث العدم الصريح الدهري قبل الوجود قبلية غير متكممة.

وليس شئ من العدمين الأولين هو العدم المقابل للوجود، أما الأول فلانة يجامع الوجود في الوقع ويسبقه بحسب الذات سبقا ذاتيا، وأما الثاني فلانه ممائز لزمان الوجود، ومن شرائط التناقض في الزمانيات وحدة الزمان فإذا إنما المقابل للوجود العدم الصريح الذي لا يتصور فيه حد وحد، ولن يتميز فيه حال وحال. ثم حقق في ذلك تحقيقا طويلا وحاصل كلامه أن أثبت للموجودات وعائين آخرين سوى الزمان وهو الدهر والسرمد، وقال: نسبة المتغير إلى المتغير ظرفها الزمان ونسبة الثابت إلى المتغير ظرفها الدهر، ونسبة الثابت إلى الثابت ظرفها السرمد.

ونقل على ذلك شواهد كثيرة من الحكماء، فمن ذلك قول الشيخ في التعليقات حيث قال:

تعليق: العقل يدرك ثلاثة أكوان: أحدها الكون في الزمان وهو متى الأشياء المتغيرة التي يكون لها مبدء ومنتهى، ويكون مبدؤه غير منتهاه، بل يكون متقضيا ويكون دائما في السيلان وفي تقتضي حال وتجدد حال. الثاني كون مع الزمان ويسمى الدهر، وهذا الكون محيط بالزمان، وهو كون الفلك مع الزمان، والزمان في ذلك الكون لأنه ينشأ من حركة الفلك وهو نسبة الثابت إلى المتغير إلا أن الوهم لا يمكنه إدراكه، لأنه رأى كل شئ في زمان ورأي كل شئ يدخله كان ويكون والماضي والحاضر والمستقبل، ورأي لكل شئ متى إما ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا. الثالث كون الثابت مع الثابت ويسمى السرمد، وهو محيط بالدهر.

تعليق: الوهم يثبت لكل شئ متى، ومحال أن يكون للزمان نفسه متى.

تعليق: ما يكون في الشئ فإنه يكون محاطا بذلك الشئ، فهو يتغير بتغير ذلك الشئ، فالشئ الذي يكون في الزمان يتغير بتغير الزمان، ويلحقه جميع أعراض الزمان، ويتغير عليه أوقاته، فيكون هذا الوقت الذي يكون مثلا مبدء كونه أو مبدء فعله غير ذلك الوقت الذي هو آخره لان زمانه يفوت ويلحق، وما يكون مع الشئ فلا يتغير بتغيره، ولا تتناوله أعراضه.

تعليق الدهر وعاء الزمان، لأنه محيط به.

وبين في الشفاء أيضا هذا المعنى، ثم قال: ولا يتوهم في الدهر ولا في السرمد امتداد، وإلا لكان مقدار للحركة، ثم الزمان كمعلول الدهر، والدهر كمعلول السرمد. وقال أيضا في الشفاء: إنه لا يكون في الزمان إلا الحركات والمتحركات أما الحركة فذلك لها من تلقاء جوهرها، وأما المتحرك فمن تلقاء الحركة، وأما سائر الأمور فإنها ليست في زمان، وإن كانت مع الزمان، فإن العالم مع الخردلة وليست في الخردلة. إلى آخر ما قال. واستحسن ذلك المحقق الطوسي - ره - و السيد الشريف وغيرهما.

واعلم أن ما نحن بصدد إثباته لا يتوقف على تحقيق هذه الأمور، فإن الذي

ثبت بإجماع أهل الملل والنصوص المتواترة هو أن جميع ما سوى الحق تعالى أزمنة وجوده في جانب الأزل متناهية وفي وجوده ابتداء، والأزلية وعدم انتهاء الوجود مخصوص بالرب سبحانه، سواء كان قبل الحوادث زمان موهوم أو دهر كما ستعرف إنشاء الله تعالى.

(المقصد الثاني) * (في تحقيق الأقوال في ذلك) * اعلم أنه لا خلاف بين المسلمين بل جميع أرباب الملل في أن ما سوى الرب سبحانه وصفاته الكمالية كله حادث بالمعنى الذي ذكرنا، ولوجوده ابتداء، بل عد من ضروريات الدين. قال السيد الداماد في القبسات: عليه إجماع جميع الأنبياء والأوصياء.

وقال صاحب الملل والنحل في كتاب (نهاية الاقدام) وصححه المحقق الطوسي ره: مذهب أهل الحق من الملل كلها أن العالم محدث مخلوق، له أول، أحدثه البارئ تعالى وأبدعه بعد أن لم يكن، وكان الله ولم يكن معه شئ.

ووافقهم على ذلك جمع من أساطين الحكمة وقدماء الفلاسفة، مثل ثاليس، و انكساغورس، وانكسيمايس، من أهل (ملطية) ومثل فيثاغورس، وأنباذقلس، و سقراط، وأفلاطن، من أهل (آثينية) و (يونان) وجماعة من الشعراء والأوايل والنساك.

وإنما القول بقدم العالم وأزلية الحركات بعد إثبات الصانع والقول بالعلة الأولى إنما ظهر بعد أرسطاطاليس، لأنه خالف القدماء صريحا وأبدع هذه المقالة على قياسات ظنها حجة وبرهانا. وصرح القول فيه من كان من تلامذته مثل الإسكندر الافروديسي، وثامسطيوس، وفرفوريوس. وصنف برقلس المنتسب إلى أفلاطون في هذه المسألة كتابا أورد فيه هذه الشبه.

وقال السيد الداماد ره: من النقل الذائع الصحيح المتواتر أن أفلاطن والستة الباقين من الأساطين وغيرهم من القدماء على حدوث عالمي الامر والخلق بجميع أجزائه، وأرسطو وتلامذته على قدمه (انتهى) لكن الظاهر أنه كان مذهب أفلاطون حدوث الزمانيات فقط، لاشتهار القول بقدم النفوس والبعد المجرد عنه. وقال السيد ره في القبسات: القول بقدم العالم نوع شرك. وقال في

موضع آخر منه: إنه إلحاد.

وقال الصدوق ره في كتاب التوحيد: الدليل على أن الله عز وجل عالم قادر حي لنفسه لا بعلم وقدرة وحياة هو غيره أنه لو كان عالما بعلم لم يخل علمه من أحد أمرين : إما أن يكون قديما أو حادثا، فإن كان حادثا فهو جل ثناؤه قبل حدوث العلم غير عالم، وهذا من صفات النقص، وكل منقوص محدث بما قدمناه. وإن كان قديما يجب أن يكون غير الله عز وجل قديما، وهذا كفر بالاجماع. وقال ره في سياق إبطال مذاهب الثنوية: فأما ما ذهب إليه (ماني) (وابن ديصان) من خرافاتهما في الامتزاج، ودانت به المجوس من حماقاتها في (أهرمن) ففاسد بما به يفسد قدم الأجسام. وقد عقد في هذا الكتاب بابا لاثبات الحدوث وأورد فيه الدلائل المشهورة التي سنشير إلى بعضها، ولم نوردها مخافة الاطناب والتكرار. وقال فيما قال: لان المحدث هو ما كان بعد أن لم يكن والقديم هو الموجود لم يزل. وقال في آخر الكلام: هذه أدلة التوحيد الموافقة للكتاب والآثار الصحيحة عن النبي والأئمة عليهم السلام.

وقال السيد المرتضى نقلا عن شيخه المفيد رفع الله شأنهما في الرد على أبي هاشم في القول بالحال، فقال في أثناء كلامه: وكره أن يثبت الحال شيئا فتكون موجودة أو معدومة، ومتى كانت موجودة لزمه على أصله وأصولنا جميعا أنها لا تخلو من القدم أو الحدوث، وليس يمكنه الاخبار عنها بالقدم ليخرج بذلك عن التوحيد ويصير بذلك أسوء حالا من أصحاب الصفات. وساق الكلام إلى أن قال: والقول بالهيولى وقدم الطينة أعذر من هؤلاء القوم إن كان لهم عذر، ولا عذر للجميع فيما

ارتكبوا من الضلال، لأنهم يقولون إن الهيولي هو أصل العالم، وأنه لم يزل قديما، والله تعالى محدث كما يحدث الصائغ من السبيكة خاتما، والناسج من الغزل ثوبا، والنجار من الشجر لوحا إلى آخر ما رد عليهم.

ونقل العلامة - ره - في المختلف عن الشيخ المفيد كلاما يدل على أن القول بالقدم ليس من مذاهب المليين، حيث قال: وأما الصابئون فمنفردون بمذاهبهم ممن عددناه، لان جمهورهم توحد الصانع في الأزل، ومنهم من يجعل معه هيولي في القدم صنع منها العالم فكانت عندهم الأصل، ويعتقدون في الفلك وما فيه الحياة والنطق وأنه المدبر لما في هذا العالم والدال عليه، وعظموا الكواكب وعبدوها من دون الله عز وجل، وسماها بعضهم ملائكة، وجعلها بعضهم آلهة، وبنوا لها بيوتا للعبادات، وهؤلاء على طريق القياس إلى مشركي العرب وعباد الأوثان أقرب من المجوس. إلى آخر ما قال مما يؤيد ما ذكرنا.

وشيخ الطائفة قدس الله لطيفه عقد في كتاب الاقتصاد فصلا في أن الله تعالى واحد لا ثاني له في القدم، وأقام الدلائل على ذلك إلى أن قال: فإذا ثبت ذلك بطل إثبات قديمين، وإذا بطل وجود قديمين بطل قول الثنوية القائلين بالنور والظلمة وبطل قول المجوس القائلين بالله والشيطان، وبطل قول النصارى القائلين بالتثليث.

على أن قول الثنوية يبطل من حيث دللنا على حدوث الأجسام. وأثبت حدوث

الأجسام بالدلائل المشهورة عند المتكلمين.

والسيد المرتضى - ره - في كتاب (الغرر) أورد دلائل على إبطال القول بالهيولى القديمة.

وقال الشيخ المحقق أبو الفتح الكراجكي تلميذ السيد المرتضى قدس الله نفسهما في كتاب (كنز الفوائد): اعلم أيدك الله أن من الملاحدة فريقا يثبتون الحوادث ومحدثها، ويقولون إنه لا أول لوجودها، ولا ابتداء لها، ويزعمون أن الله سبحانه لم يزل يفعل ولا يزال كذلك، وأن أفعال لا أول لها ولا آخر، فقد خالفونا في قولهم أن الأفعال لا أول لها، إذ كنا نعتقد أن الله تعالى ابتدأها وأنه موجود قبلها، ووافقونا بقولهم أنه لا آخر لها لأنهم وإن ذهبوا في ذلك إلى بقاء الدنيا على ما هي عليه، واستمرار الأفعال فيها، وأنه لا آخر لها فإنا نذهب في دوام الأفعال إلى وجه آخر وهو تقتضي أمر الدنيا وانتقال الحكم إلى الآخرة واستمرار الأفعال فيها من نعيم أهل الجنة الذي لا ينقطع عن

أهلها، وعذاب النار الذي لا ينقضي عن المخلدين فيها، فأفعال الله عز وجل من هذا الوجه لا آخر لها. وهؤلاء أيدك الله هم الدهرية القائلون بأن الدهر سرمدية لا أول لها ولا آخر، وأن كل حركة تحرك بها الفلك فقد تحرك قبلها بحركة قبلها حركة من غير نهاية، وسيتحرك بعدها بحركة بعدها حركة لا إلى غاية، وأنه لا يوم إلا وقد كان قبله ليلة، ولا ليلة إلا وقد كان قبلها يوم ولا انسان تكون إلا من نطفة، ولا نطفة تكونت إلا من انسان، ولا طائر إلا من بيضة، ولا بيضة إلا من طائر، ولا شجرة إلا من حبة، ولا حبة إلا من شجرة، و أن هذه الحوادث لم تزل تتعاقب ولا تزال كذلك، ليس للماضي منها بداية، ولا للمستقبل منها نهاية، وهي مع ذلك صنعة لصانع لم يتقدمها، وحكمة من حكيم لم يوجد قبلها، وأن الصنعة والصانع قد يمان لم يزالا تعالى الله الذي لا قديم سواه، وله الحمد على ما أسداه من معرفة الحق وأولاده، وأنا بعون الله أورد لك طرفا من الأدلة على بطلان ما ادعاه الملحدون، وفساد ما انتحله الدهريون.

أقول: ثم أورد رحمه الله أدلة شافية، وأجوبة وافية، وتحقيقات متينة، و إلزامات رزينة، سيأتي بعضها في محله، ولم نوردها هنا لأنا سنذرها بوجه أخصر.

ثم ذكر مناظرته مع بعض القائلين بالقدم، وأنه كتب ذلك إلى الشريف المرتضى - ره - وذكره الجواب الذي أورده السيد في ذلك، فمن أراد الاطلاع على جميع ذلك فليرجع إلى ذلك الكتاب.

وقال السيد المرتضى - ره - في جواب سؤال ورد عليه في آية التطهير، قال السائل: وإذا كانت أشباحهم قديمة وهم في الأصل طاهرون فأي رجس اذهب عنهم؟

فقال السيد في تضاعيف جوابه: وأما القول بأن أشباحهم عليهم السلام قديمة فهو منكر لا يطلق، والقديم في الحقيقة هو الله تعالى الواحد الذي لم يزل، وكل ما سواه محدث مصنوع مبتدأ، له أول، إلى آخر ما قال - ره - ثم قال:

مسألة: اعترض فلسفي فقال: إذا قلتم إن الله وحده لا شئ كان معه فالأشياء المحدثة: من أي شئ كانت؟ فقلنا لهم: مبتدعة لا من شئ. فقال: أحدثها معا أو في

زمان بعد زمان؟ فقال: فإن قلتم معا فأوجدناكم أنها لم تكن معا وأنها أحدثت شيئا بعد شئ، وإن قلتم أحدثها في زمان بعد زمان فقد صار له شريك.

والجواب عن ذلك أن الله تعالى لم يزل واحدا لا شئ معه ولا ثاني له، وابتدأ ما أحدثه من غير زمان وليس يجب إذا أحدث بعد الأول حوادث أن يحدثها في زمان، ولو جعل لها زمانا لما وجب بذلك قدم الزمان، إذ الزمان حركات الفلك وما يقوم مقامها مما هو مقدارها في التوقيت فمن أين يجب عند هذا الفيلسوف أن يكون الزمان قديما إذا لم يوجد الأشياء ضربة واحدة لولا أنه لا يعقل معنى الزمان إلى آخر ما أفاد في هذا المقام.

وقال المحقق الطوسي طيب الله روحه القدوسي في التجريد: ولا قديم سوى الله تعالى. وقال فيه: وجود العالم بعد عدمه ينفي الايجاب. وقال - ره -

في كتاب الفصول: أصل قد ثبت أن وجود الممكن من غيره، فحال إيجاده لا يكون موجودا لاستحالة إيجاد الموجود، فيكون معدوما، فوجود الممكن مسبوق بعدمه، و هذا الوجود يسمى حدوثا، والموجود محدثا، فكل ما سوى الواجب من الموجودات محدث. واستحالة الحوادث لا إلى أول كما يقوله الفلسفي لا يحتاج إلى بيان طائل

بعد ثبوت إمكانها المقتضي لحدوثها. ثم قال: مقدمة كل مؤثر إما أن يكون أثره تابعا للقدرة والداعي أو لا يكون بل يكون مقتضى ذاته، والأول يسمى قادرا، والثاني موجبا، وأثر القادر مسبوق بالعدم، لان الداعي لا يدعو إلا إلى المعدوم وأثر الموجب يقارنه في الزمان، إذ لو تأخر عنه لكان وجوده في زمان دون آخر، فإن لم يتوقف على أمر غير ما فرض مؤثرا تاما كان ترجيحا من غير مرجح، وإن توقف لم يكن المؤثر تاما وقد فرض تاما وهذا خلف. ثم قال: نتيجة: الواجب المؤثر في الممكنات قادر، إذ لو كان موجبا لكانت الممكنات قديمة، واللازم باطل لما تقدم، فالملزوم مثله.

وسئل السيد مهنان بن سنان العلامة الحلي - ره - في جمله مسائله: ما يقول سيدنا في المثبتين الذين قالوا إن الجواهر والاعراض ليست بفعل الفاعل وإن

الجوهر جوهر في العدم كما هو جوهر في الوجود فهل يكون هذا الاعتقاد الفاسد موجبا لتكفيرهم وعدم قبول إيمانهم وأفعالهم الصالحة وقبول شهادتهم ومناكحتهم أم لا يكون موجبا لشئ من ذلك؟ وأي شئ يكون حكمهم في الدنيا؟ فأجاب ره بأنه لا شك في رداءة هذه المقالة: وبطلان كلها، لكن لا توجب تكفيرهم ولا عدم قبول إيمانهم وأفعالهم الصالحة، ولا رد شهادتهم، ولا تحريم مناكحتهم، وحكمهم في الدنيا و الآخرة حكم المؤمنين، لان الموجب للتكفير هو اعتقاد قدم الجوهر وهم لا يقولون بذلك، لان القديم يشترط فيه الوجود وهم لا يقولون بوجوده في الأزل، لكن حصلت لهم شبهة في الفرق بين الوجود والثبوت، وجعلوا الثبت أعم من الوجود، و أكثر مشايخ المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة مثبتون، فكيف يجوز تكفيرهم؟

ثم قال السيد ره: ما يقول سيدنا فيمن يعتقد التوحيد والعدل ولكنه يقول بقدم العالم؟ ما يكون حكمه في الدنيا والآخرة؟ فأجاب ره: من اعتقد قدم العالم فهو كافر بلا خلاف، لان الفارق بين المسلم والكافر ذلك، وحكمه في الآخرة حكم باقي الكفار بالاجماع. والشيخ الجليل أبو الصلاح الحلبي صرح في (تقريب المعارف) بالحدوث وأقام الدلائل عليه، وكذا السيد الكبير ابن زهرة في كتاب (غنية النزوع) أورد الدلائل على ذلك.

وقال النوبختي ره في كتاب (الياقوت): الأجسام حادثة لأنها إذا اختصت بجهة فهي إما للنفس ويلزم منه عدم الانتقال، أو لغيره وهو إما موجب أو مختار، والمختار، قولنا، والموجب يبطل ببطلان التسلسل، ولأنها لا تخلو من

الاعراض الحادثة لعدمها المعلوم، والقديم لا يعدم، لأنه واجب الوجود، إذ لو كان وجوده جائزا لكان إما بالمختار وقد فرضناه قديما، أو بالموجب ويلزم منه استمرار الوجود. فالمقصود أيضا حاصل.

وقال العلامة - ره - في شرحه: هذه المسألة من أعظم المسائل في هذا العلم ومدار مسائل كلها عليها، وهي المعركة العظيمة بين المسلمين وخصومهم. واعلم أن الناس اختلفوا في ذلك اختلافا عظيما، وضبط أقوالهم أن العالم إما محدث الذات والصفات وهو قول المسلمين كافة والنصارى واليهود والمجوس، وإما أن يكون قديم الذات والصفات وهو قول أرسطو، وثاوفرطيس، وثاميطوس، وأبي نصر، وأبي علي بن سينا، فإنهم جعلوا السماوات قديمة بذاتها وصفاتها، إلا الحركات والأوضاع فإنها قديمة بنوعها، بمعنى أن كل حادث مسبوق بمثله إلى ما لا يتناهى وإما أن يكون قديم الذات محدث الصفات، وهو مذهب انكساغورس، وفيثاغورس والسقراط، والثنوية، ولهم اختلافات كثيرة لا تليق بهذا المختصر. وإما أن يكون محدث الذات قديم الصفات، وذلك مما لم يقل به أحد لاستحالته وتوقف جالينوس في الجميع.

أقول: ثم ساق - ره - الكلام في الدلائل المذكورة في المتن. وقال - ره - في شرح التجريد مثل ذلك، ونسب القول بالحدوث إلى جميع أرباب الملل. وقال - ره - في كتاب نهاية المرام في علم الكلام: قد اتفق المسلمون كافة على نفي قديم غير الله تعالى وغير صفاته، وذهبت الإمامية إلى أن القديم هو الله تعالى لا غير. وقال فيه أيضا القسمة العقلية منحصرة في أقسام أربعة:

الأول أن يكون العالم محدث الذات والصفات، وهو مذهب المسلمين وغيرهم من أرباب الملل وبعض قدماء الحكماء.

الثاني أن يكون قديم الذات والصفات، وهو قول أرسطو وجماعة من القدماء ومن المتأخرين قول أبي نصر الفارابي والرئيس، قالوا: السماوات قديمة بذواتها وصفاتها، إلا الحركات والأوضاع فإنها قديمة بنوعها لا بشخصها، والعناصر الهيولي

منها قديمة بشخصها، وصورها الجسمية قديمة بنوعها لا بشخصها، والصور النوعية قديمة بجنسها لا بنوعها ولا بشخصها.

الثالث أن يكون قديم الذات محدثة الصفات، وهو قول من تقدم أرسطو بالزمان كثاليس الملطي، والنكاغورس، وفيثاغورس، وسقراط، وجميع الثنوية كالمانوية، والديصانية، والمرقوبية، والماهانية. ثم هؤلاء افترقوا فرقتين: فذهب بعضهم إلى أن تلك الذات القديمة كانت جسما، ثم اختلف هؤلاء: فزعم ثاليس أنه الماء، لأنه قابل لكل الصور، وزعم أنه إذا انجمد صار أرضا وإذا لطف صار هواء ومن صفق الماء تكونت النار، ومن النار تكون الدخان، ومن الدخان تكونت السماء. ويقال: إنه أخذه من التورية لأنه جاء في السفر الأول منه: إن الله تعالى خلق جوهرا فنظر نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ارتفع بخار كالدخان فخلق منه السماوات، وظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض، ثم أرساها بالجبال. وأما النكسيمايس فإنه زعم أن ذلك الجسم هو الهواء، والنار تكونت من لطافته، والماء والأرض من كثافته، وتكونت الأشياء عنها بالتلطيف.

وقال آخرون: إنه البخار، وتكون الهواء والنار عنه بالتلطيف والماء والأرض بالتكثيف. وذهب انوفليطيس أنه النار، وكونت الأشياء عنها بالتكاثف. وحكي أيضا أنه زعم أن الأشياء إنما انتظمت بالبخت، وجوهر البخت هو نظر عقلي ينفذ في الجوهر الكلي وأما انكساغورس فإنه قال: ذلك الجسم هو الخليط الذي لا نهاية له، وهو أجسام غير متناهية، وفيه من كل نوع أجزاء صغيرة، مثلا فيه أجزاء على طبيعة الخبز، وأجزاء على طبيعة اللحم، فإذا اجتمع من تلك الأجزاء شئ كثير فصار بحيث يحس ويرى ظن أنه حدث. وهذا القائل بنى مذهبه على إنكار المزاج والاستحالة، وقال بالكمون والظهور. وزعم بعض هؤلاء أن ذلك الخليط كان ساكنا في الأزل ثم إن الله تعالى حركه فتكون منه هذا العالم. وذهب ذيمقراطيس إلى أن أصل العالم أجزاء كثيرة كرية الشكل قابلة للقسمة الوهمية دون

القسمة الانفكاكية متحركة لذاتها حركات دائمة ثم اتفق في تلك الأجزاء أن تصادمت على وجه خاص، فحصل من تصادمها على ذلك الوجه هذا العالم على هذا الشكل فحدثت السماوات والعناصر، ثم حدثت من الحركات السماوية امتزاجات هذه العناصر، ومنها هذه المركبات. ونقل الشيخ في الشفاء عنه أنه قال: إن هذه الاجزاء إنما تتخالف بالشكل وإن جوهرها جوهر واحد بالطبع، وإنما تصدر عنها أفعال مختلفة لأجل الاشكال المختلفة. وقالت الثنوية: أصل العالم هو النور والظلمة.

والفرقة الثانية الذين قالوا أصل العالم ليس بجسم، وهم فريقان:

الأول الجرمانية، وهم الذين أثبتوا القدماء الخمسة: البارئ تعالى، والنفس والهيولي، والدهر، والخلاء. قالوا: البارئ تعالى في غاية التمام في العلم والحكمة لا يعرض له سهو ولا غفلة، [و] يفيض عنه العقل كفيض النور عن القرص، وهو يعلم الأشياء علما تاما، وأما النفس فإنه يفيض عنه الحياة فيض النور عن القرص لكنها جاهلة لا تعلم الأشياء ما لم تمارسها، وكان البارئ تعالى عالما بأن النفس تستميل إلى التعلق بالهيولى وتعشقها وتطلب اللذة الجسمية وتكره مفارقة الأجساد وتنسى نفسها، ولما كان من شأن البارئ تعالى الحكمة التامة عمد إلى الهيولي بعد تعلق النفس بها، فركبها ضروبا من التركيب، مثل السماوات والعناصر، وركب أجسام الحيوانات على الوجه الأكمل، والذي بقي فيها من الفساد غير ممكن الزوال. ثم إن الله تعالى أفاض على النفس عقلا وإدراكا وصار ذلك سببا لتذكرها عالمها، وسببا لعلمها بأنها لا تنفك عن الآلام ما دامت في العالم الهيولاني، وإذا عرفت النفس هذا وعرفت أن لها في عالمها اللذات الخالية عن الألم اشتاقت إلى ذلك العالم، وعرجت بعد المفارقة، وبقيت هناك أبد الآباد في نهاية البهجة والسعادة. قالوا: وبهذا الطريق زالت الشبهات الدائرة بين الفلاسفة القائلين بالقدم، وبين المتكلمين القائلين بالحدث.

الفريق الثاني أصحاب فيثاغورس، وهم الذين قالوا: المبادئ هي الاعداد المتولدة من الوحدات، لان قوام المركبات بالبسائط وهي أمور كل واحد منها واحد في نفسه، ثم تلك الأمور إما أن تكون لها جهات وراء كونها وحدات أولا

يكون، فإن كان الأول كانت مركبة، لان هناك تلك الماهية مع تلك الوحدة وكلا منا ليس في المركبات بل في مبادئها، وإن كان الثاني كان مجرد وحدات، وهي لابد وأن تكون مستقلة بأنفسها، وإلا لكانت مفتقرة إلى الغير، فيكون ذلك الغير أقدم منها وكلامنا في المبادئ المطلقة وهذا خلق، فإن الوحدات أمور قائمة بأنفسها، فإن عرض الوضع للوحدة صارت نقطة، وإن اجتمعت نقطتان حصل الخط فإن اجتمع خطان حصل السطح، فإن اجتمع سطحان حصل الجسم، فظهر أن مبدء الأجسام الوحدات. ونقل أيضا عنه أن الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات غير مستفادة من الغير، وهو الذي لا تقابلها الكثرة، وهو المبدء الأول، وإلى وحدة مستفادة من الغير وهي مبدأ الكثرة، وليست بداخلة فيها بل يقابلها الكثرة، ثم يتألف منها الاعداد، وهي مبادئ الموجودات، وإنما اختلف الموجودات في طبائعها لاختلاف الأعداء بخواصها.

الرابع أن يكون العالم قديم الصفات محدث الذات، وهو محال، لم يقل به أحد لقضاء الضرورة ببطلانه. وأما جالينوس فإنه كان متوقفا في الكل (انتهى).

وإنما أوردنا هذه المذاهب السخيفة ليعلم أن أساطين الحكماء تمسكوا بهذه الخرافات وتفوهوا بها، ويتبعهم أصحابهم ويعظمونهم، وإذا سمعوا من أصحاب الشريعة شيئا مما أخذوه من كتاب الله وكلام سيد المرسلين والأئمة الراشدين عليهم السلام ينكرون ويستهزئون، قاتلهم الله أنى يؤفكون.

وقال المحقق الدواني في أنموذجه: وقد خالف في الحدوث الفلاسفة أهل الملل الثلاث، فإن أهلها مجمعون على حدوثه بل لم يشذ من الحكم بحدوثه من أهل الملل مطلقا إلا بعض المجوس، وأما الفلاسفة فالمشهور أنهم مجمعون على قدمه على التفصيل الآتي، ونقل عن أفلاطون القول بحدوثه وقد أوله بعضهم بالحدوث الذاتي. ثم قال: فنقول: ذهب أهل الملل الثلاث إلى أن العالم ما سوى الله تعالى وصفاته من الجواهر والاعراض حادث أي كائن بعد أن لم يكن بعدية حقيقة لا بالذات فقط، بمعنى أنها في حد ذاتها لا يستحق الوجود فوجودها متأخر عن عدمها بحسب الذات كما تقوله الفلاسفة. ويسمونه الحدوث الذاتي، على ما في تقرير هذا الحدوث على وجه يظهر به تأخر الوجود عن العدم من بحث دقيق أوردناه في حاشية شرح التجريد. وذهب جمهور الفلاسفة إلى أن العقول والاجرام الفلكية ونفوسها قديمة، ومطلق حركاتها وأوضاعها وتخيلاتها أيضا قديمة، فإنها لم تخل قط عن حركة ووضع وتخيل لجزئيات الحركة، وبعضهم يثبتون لها بسبب استخراج الأوضاع الممكنة من القوة إلى الفعل وحدوث مناسبة لها بمبدئها الكامل من جميع الوجوه كمالات تفيض على نفوسها من المبادئ، لكن محققيهم على ما ذكره أبو نصر وأبو علي في تعليقاتهما نقلا عن أرسطاطاليس ذهبوا إلى أن المطلوب لها نفس الحركة، وبها يتم التشبه بمبادئها، فإنها بالفعل من حيث الذات وسائر الصفات إلا ما يتعلق بالحركة من الأوضاع الجزئية، فإنها لا تحتمل الثبات بالشخص، فاستحفظ نوعها تتميما للتشبه بالمبادئ التي هي بالفعل من جميع الوجوه، ولما كان التشبه لازما للحركة جعلها الغاية المطلوبة باعتبار اللازم.

والعنصريات بموادها ومطلق صورها الجسمية والنوعية ومطلق أعراضها قديمة عندهم، لان مذهبهم أنه بالفك تنعدم الصورة الواحدة وتحدث الاثنتان، وباتصال المنفصل تنعدم الاثنتان وتحدث واحدة، نعم الاشراقيون منهم على بقاء الصورة الجسمية مع طريان الانفصال والاتصال، وأما النفوس الناطقة الانسانية فبعضهم قائل بقدمها، وربما ينقل عن أفلاطون، وهذا مخالف لما ينقل عنه من حدوث العالم والمشاؤون منهم ومعظم من عداهم على حدوثها.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.