بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
باب حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الأمور 2
ج ۵۴، ص ۱۵۷–۱۸۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۶ از ۱۱
وإنما بسطنا الكلام بعض البسط في شرح هذه الخطبة لكونها من جلائل الخطب، وذكرنا جميعها لذلك ولكون أكثرها متعلقا بمطالب هذا المجلد، وتفريقها على الأبواب كان يوجب تفويت نظام البلاغة وكمالها كما فوت السيد - ره - كثيرا من فوائد الخطبة باختصارها واختيارها، وأما دلالتها على حدوث السماء والأرض والملائكة وغير ذلك فغير خفي على المتأمل فيها.
91 - الكافي: عن محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن علي، عن عبد الله بن أيوب الأشعري، عن عمرو الأوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن سلمة بن كهيل
عن أبي الهيثم بن التيهان، أن أمير المؤمنين عليه السلام خطب الناس بالمدينة فقال:
الحمد لله الذي لا إله إلا هو، كان حيا بلا كيف، ولم يكن له كان إلى قوله ولا قوي بعد ما كون شيئا، ولا كان ضعيفا قبل أن يكون شيئا، ولا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا، ولا يشبه شيئا، ولا كان خلوا من الملك قبل إنشائه، ولا يكون خلوا منه بعد ذهابه، كان إلها حيا بلا حياة، ومالكا قبل أن يكون ينشئ شيئا، و مالكا بعد إنشائه للكون.
ومنه: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن موسى عن الحسين بن سعيد عن القاسم ابن محمد عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام مثله.
التوحيد: عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه مثله.
بيان: (ولم يكن له كان) ظاهره نفي الزمان عنه تعالى، وإن احتمل أن يكون (كان) اسما بمعنى الكون على لغة من يقلب الواو والياء الساكنين أيضا مع انفتاح ما قبلهما ألفا، ثم لا يخفى دلالة سائر الفقرات على حدوث ما سواه سبحانه.
قوله (ولا كان خلوا من الملك قبل إنشائه) الملك يكون بمعنى السلطنة وبمعنى المملكة فيحتمل أن يكون المراد عند ذكره أولا وعند إرجاع الضمير إليه ثانيا هو المعنى الأول، أو في الأول الأول وفي الثاني الثاني على طريقة الاستخدام، ويكون الضمير راجعا إلى الله بالإضافة إلى الفاعل ولا يلائم الأخير الفقرة التالية.
92 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمد بن
النعمان أو غيره عن أبي عبد الله عليه السلام أنه ذكر هذه الخطبة لأمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمعة: الحمد لله أهل الحمد ووليه، ومنتهى الحمد ومحله، البدئ البديع إلى قوله الذي كان في أوليته متقادما وفي ديموميته متسيطرا خضع الخلائق لوحدانيته وربوبيته وقديم أزليته، ودانوا لدوام أبديته.
بيان المتسيطر: المتسلط.
94 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء حبر من الأحبار إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين! متى كان ربك؟
فقال له: ثكلتك أمك! ومتى لم يكن حتى يقال متى كان؟ كان ربي قبل القبل بلا قبل، وبعد البعد بلا بعد، ولا غاية ولا منتهى لغايته، انقطعت الغايات عنده، فهو منتهى كل غاية.
95 - ومنه: عن علي بن محمد، رفعه عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام كان الله ولا شئ؟ قال: نعم، كان ولا شئ. قلت: فأين كان يكون؟ قال: وكان متكئا فاستوى جالسا. وقال: أحلت يا زرارة وسألت عن المكان إذ لامكان.
بيان: (أحلت) أي تكلمت بالمحال.
95 - الكافي: عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن إسماعيل عن محمد بن زيد، قال: جئت إلى الرضا عليه السلام أسأله عن التوحيد فأملى علي: الحمد لله فاطر الأشياء إنشاء، ومبتدعها ابتداء بقدرته وحكمته لا من شئ فيبطل الاختراع ولا لعلة فلا يصح الابتداع (الخبر).
العلل: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيى العطار، عن سهل مثله.
التوحيد عن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن سهل مثله.
96 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن خالد الطيالسي، عن صفوان عن ابن مسكان، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لم يزل الله عز وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر والقدرة ذاته ولا مقدور. فلما أحدث الأشياء وقع العلم منه على المعلوم والسمع على المسموع، والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور. (قال:) قلت:
فلم يزل الله متحركا؟ قال: فقال: تعالى الله عن ذلك! إن الحركة صفة محدثة بالفعل، قال، قلت: فلم يزل الله متكلما؟ (قال:) فقال: إن الكلام صفة محدثة ليست بأزلية، كان الله عز وجل ولا متكلم.
التوحيد: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم مثله.
97 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن
هشام بن سالم، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: كان الله ولا شئ غيره، ولم يزل عالما، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه.
98 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى، عن أيوب بن نوح أنه كتب إلى أبي الحسن عليه السلام يسأله عن الله عز وجل أكان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء وكونها أو لم يعلم ذلك حتى خلقها وأراد خلقها وتكوينها فعلم ما خلق عندما خلق وما كون عندما كون. فوقع بخطه عليه السلام: لم يزل الله عالما بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء.
التوحيد: عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه مثله.
99 - الكافي: عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد بن حمزة، قال: كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله أن مواليك اختلفوا في العلم، فقال بعضهم: لم يزل الله عالما قبل فعل الأشياء، وقال بعضهم: لا نقول لم يزل عالما لان معنى يعلم يفعل، فإن أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل معه شيئا. فإن رأيت جعلني الله فداك أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه. فكتب عليه السلام بخطه: لم يزل الله تعالى عالما تبارك وتعالى ذكره.
بيان: قد مر شرح هذا الخبر ويدل زائدا على ما سبق في الاخبار على أنه كان معلوما عند الأصحاب أنه لا يجوز أن يكون شئ مع الله في الأزل ولما توهموا
أن العلم يستلزم حصول صورة نفوا العلم في الأزل لئلا يكون معه تعالى غيره قياسا على الشاهد فلم يتعرض عليه السلام لابطال توهمهم، وأثبت العلم القديم له تعالى وبالجملة هذه الأخبار صريحة في أن المخلوقات كلها مسبوقة بعدم يعلمها سبحانه في حال عدمها.
100 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد، عن عبد الصمد بن بشير، عن فضيل سكرة، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك إن رأيت أن تعلمني هل كان الله جل وجهه يعلم قبل أن يخلق الخلق أنه وحده، فقد اختلف مواليك، فقال بعضهم: قد كان يعلم قبل أن يخلق شيئا من خلقه، وقال بعضهم: إنما معنى يعلم يفعل، فهو اليوم يعلم أنه لا غيره قبل فعل الأشياء، فقالوا: إن أثبتنا أنه لم يزل عالما بأنه لا غيره فقد أثبتنا معه غيره في أزليته، فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني ما لا أعدوه إلى غيره.
فكتب: ما زال الله عالما تبارك وتعالى ذكره.
التوحيد: عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن أبيه مثله.
101 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: لم يزل الله مريدا؟ قال: إن المريد لا يكون إلا لمراد معه، لم يزل الله عالما قادرا ثم أراد.
102 - ومنه: عن أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله وموسى بن عمرو والحسن بن علي بن عثمان، عن ابن سنان، قال: سألت أبا الحسن
الرضا عليه السلام هل كان الله عز وجل عارفا بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟ قال: نعم.
قلت: يراها ويسمعها؟ قال: ما كان محتاجا إلى ذلك، لأنه لم يكن يسألها ولا يطلب منها، هو نفسه ونفسه هو، قدرته نافذة فليس يحتاج أن يسمي نفسه، لكن اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها (الخبر).
التوحيد والعيون ومعاني الأخبار: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس مثله.
103 - الكافي: محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله جميعا رفعاه إلى أبي عبد الله عليه السلام إن أمير المؤمنين عليه السلام قام خطيبا فقال: الحمد لله الواحد الأحد الصمد المتفرد الذي لا من شئ كان ولا من شئ خلق ما كان إلى قوله ولم يتكأده صنع شئ كان إنما قال لما شاء كن فكان، ابتدع ما خلق بلا مثال سبق، ولا تعب ولا نصب وكل صانع شئ فمن شئ صنع، والله لا من شئ صنع ما خلق، وكل عالم فمن بعد جهل تعلم، والله لم يجهل ولم يتعلم، أحاط بالأشياء علما قبل كونها، فلم يزدد بكونها علما، علمه قبل أن يكونها كعلمه بها بعد تكوينها إلى قوله الواحد الأحد الصمد، المبيد للأبد، والوارث للأمد، الذي لم يزل ولا يزال وحدانيا أزليا قبل بدء الدهور، وبعد صروف الأمور (الخبر).
ثم قال الكليني ره: هذه الخطبة من مشهورات خطبه عليه السلام حتى لقد ابتذلها
العامة! وهي كافية لمن طلب علم التوحيد إذا تدبرها وفهم ما فيها - إلى أن قال - ألا ترون إلى قوله (لا من شئ كان ولا من شئ خلق ما كان) فنفى بقوله (لا من شئ كان) معنى الحدوث، وكيف أوقع على ما خلقه صفة الخلق والاختراع بلا أصل ولا مثال نفيا لقول من قال إن الأشياء كلها محدثة بعضها من بعض، وإبطالا لقول الثنوية الذين زعموا أنه لا يحدث شيئا إلا من أصل ولا يدبر إلا باحتذاء المثال، فدفع عليه السلام بقوله (لا من شئ خلق ما كان) جميع حجج الثنوية وشبههم، لان أكثر ما تعتمد الثنوية في حدوث العالم أن يقولوا: لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شئ أو من لا شئ، فقولهم (من شئ) خطأ وقولهم (من لا شئ) مناقضة وإحالة، لان (من) يوجب شيئا و (لا شئ) ينفيه، فأخرج أمير المؤمنين عليه السلام هذه اللفظة على أبلغ الألفاظ، وأصحها وقال عليه السلام (لا من شئ خلق ما كان) فنفى (من) إذ كانت توجب شيئا، ونفى (الشئ) إذا كان كل شئ مخلوقا محدثا، لا من أصل أحدثه الخالق كما قالت الثنوية أنه خلق من أصل قديم فلا يكون تدبير إلا باحتذاء مثال.
التوحيد: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد الأسدي، وأحمد بن يحيى بن زكريا القطان، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبيه، عن أبي معاوية، عن الحصين بن عبد الرحمن، عن أبيه، وعن أحمد بن محمد بن الصقر، عن محمد بن العباس بن بسام، عن سعيد بن محمد البصري، عن عمرة بنت أوس، عن الحصين بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام مثله.
104 - الكافي: وعنه، عن محمد بن أبي عبد الله، رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
قال أمير المؤمنين عليه السلام لذعلب، إن ربي لطيف اللطافة، لا يوصف باللطف، قبل كل شئ لا يقال شئ قبله إلى قوله لا تحويه الأماكن، ولا تضمنه الأوقات - إلى قوله -
سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله إلى قوله ففرق بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد له، وشاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمعززها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه كان ربا إذ لا مربوب، وإلها إذ لا مألوه، وعالما إذ لا معلوم، وسميعا إذ لا مسموع.
بيان: ظاهر قوله عليه السلام (ففرق بين قبل وبعد) أنه سبحانه ليس بزماني أصلا، ويحتمل أن يكون المعنى جعل حدوث كل شئ منوطا بوقت ليعلم أنه لا ابتداء لوجوده، أو جعل الأشياء بعضها علة لبعض ليعلم أن لا علة، له، وهما بعيدان والأخير أبعد. وكذا قوله (أن لا وقت لموقتها) ظاهره نفي الزمان وإن احتمل الوجه الثاني، وكذا قوله أولا (لا تضمنه الأوقات) يدل على ذلك، وإن احتمل أن يراد به لم يكن قبله وبعده زمان فيكون قد تضمنه، وقد مر الكلام في قوله (سبق الأوقات كونه) ودلالة سائر الفقرات على حدوث ما سواه سبحانه ظاهرة.
105 - الكافي: عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن شباب الصيرفي عن علي بن سيف بن عميره، عن إسماعيل بن قتيبة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس بالكوفة فقال: الحمد لله الملهم عباده حمده، وفاطرهم على معرفة ربوبية، الدال على وجوده بخلقه، وبحدوث خلقه على أزله - إلى قوله - ولا أمد لكونه، ولا غاية لبقائه.
106 - قال: ورواه محمد بن الحسين، عن صالح بن حمزة، عن فتح بن عبد الله مولى بني هاشم، قال: كتبت إلى أبي إبراهيم عليه السلام أسأله عن شئ من التوحيد فكتب إلي بخطه: الحمد لله عباده حمده وذكر مثل ما رواه سهل - إلى قوله - أول الديانة معرفته، وكمال معرفته توحيده، وكمال توحيده نفي الصفات عنه بشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة الموصوف أنه غير الصفة، وشهادتهما جميعا بالتثنية الممتنع منه الأزل إلى قوله عالم إذ لا معلوم، وخالق إذ لا مخلوق
ورب إذ لا مربوب، وكذلك يوصف ربنا وفوق ما يصفه الواصفون.
التوحيد: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن جعفر الأسدي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن عباس، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن فتح بن يزيد الجرجاني عن الرضا عليه السلام مثله.
107 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه عن أحمد بن النضر وغيره، عمن ذكره، عن عمرو بن ثابت، عن رجل سماه عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال الحمد لله الذي لا يموت ولا تنقضي عجائبه لأنه كل يوم هو في شأن من إحداث بديع لم يكن - إلى قوله - ليست له في أوليته نهاية، ولا لآخريته حد ولا غاية الذي لم يسبقه وقت ولم يتقدمه زمان - إلى قوله - الأول قبل كل شئ ولا قبل له، والاخر بعد كل شئ ولا بعد له - إلى قوله - أتقن ما أراد خلقه من الأشباح كلها لا بمثال سبق إليه، ولا لغوب دخل عليه، في خلق ما خلق لديه، ابتدأ ما
أراد ابتداءه، وأنشأ ما أراد إنشاءه على ما أراد من الثقلين ليعرفوا بذلك ربوبيته (الخطبة).
التوحيد: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن خالد مثله 108 - تفسير الفرات: عن جعفر بن محمد الفزاري، بإسناده عن قبيصة الجعفي، قال: دخلت على الصادق عليه السلام وعنده جماعة فسلمت وجلست وقلت: أين كنتم قبل أن يخلق الله سماء مبينة وأرضا مدحية أو ظلمة أو نورا (6)؟ قال: يا قبيصة!
كنا أشباح نور حول العرش نسبح الله قبل أن يخلق آدم بخمسة عشر ألف عام (الخبر).
109 - كتاب تأويل الآيات: نقل من كتاب المعراج للصدوق ره بإسناده عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يخاطب عليا عليه السلام: يا علي، إن الله تبارك وتعالى كان ولا شئ معه، فخلقني وخلقك زوجين من نور جلاله، فكنا أمام عرش رب العالمين نسبح الله ونقدسه ونحمده ونهلله، وذلك قبل أن يخلق السماوات والأرضين (الخبر).
110 - كتاب المقتضب: عن سلمان الفارسي - ره - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا سلمان، خلقني الله من صفاء نوره فدعاني فأطعته، فخلق من نوري عليا فدعاه فأطاعه، فخلق من نوري ونور علي فاطمة، فدعاها فأطاعته، فخلق مني ومن
علي ومن فاطمة الحسن والحسين، فدعاهما فأطاعاه، ثم خلق من نور الحسين تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله سماء مبنية، أو أرضا مدحية، أو هواء أو ماء، أو ملكا أو بشرا، وكنا بعلمه أنوارا نسبحه ونسمع له ونطيع (الخبر) الاختصاص: بإسناده إلى سلمان مثله.
111 - كتاب رياض الجنان: لفضل الله الفارسي بإسناده عن أنس، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلقنا الله نحن حيث لا سماء مبنية ولا أرض مدحية، ولا عرش ولا جنة ولا نار، كنا نسبحه (الخبر).
112 - وبإسناده إلى جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال:
يا جابر كان الله ولا شئ غيره (و) لا معلوم ولا مجهول، فأول ما ابتدأ من خلق خلقه أن خلق محمدا صلى الله عليه وآله وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته فأوقفنا أظلة خضراء بين يديه حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر يفصل نورنا من نور ربنا كشعاع الشمس من الشمس نسبح الله ونقدسه ونحمده ونعبده حق عبادته، ثم بدا لله أن يخلق المكان فخلقه وكتب على المكان (لا إله إلا الله محمد رسول الله عي أمير المؤمنين ووصيه به أيدته ونصرته) ثم خلق الله العرش فكتب على سرادقات العرش مثل ذلك، ثم خلق الله السماوات فكتب على أطرافها مثل ذلك، ثم خلق الجنة والنار فكتب عليهما مثل ذلك، ثم خلق الملائكة فأسكنهم السماء، ثم خلق الهواء فكتب عليه مثل ذلك، ثم خلق الجن فأسكنهم الهواء، ثم خلق الأرض فكتب على أطرافها مثل ذلك، فبذلك يا جابر قامت السماوات بغير عمد، وثبتت الأرض، ثم خلق الله آدم من أديم الأرض ثم ساق الحديث الطويل إلى قوله فنحن أول خلق الله. وأول خلق عبد الله وسبحه، ونحن سب الخلق وسبب تسبيحهم وعبادتهم من الملائكة والآدميين (تمام الخبر).
113 - وبإسناده عن المفضل أنه سأل الصادق عليه السلام: ما كنتم قبل أن يخلق الله السماوات والأرضين؟ قال: كنا أنوارا حول العرش نسبح الله ونقدسه حتى خلق الله سبحانه الملائكة (الخبر).
114 - وعن أحمد بن حنبل عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: كنت أنا وعلي نورا بين يدي الرحمن قبل أن يخلق عرشه بأربعة عشر ألف عام.
115 - وبإسناده إلى الصدوق، وبإسناده إلى عبد الله بن المبارك عن جعفر بن محمد عن آبائه عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله خلق نور محمد صلى الله عليه وآله قبل المخلوقات بأربعة عشر ألف سنة، وخلق معه اثني عشر حجابا.
116 - وبإسناده عن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله : أول شئ خلق الله تعالى ما هو؟ فقال: نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق منه كل خير (الخبر بطوله).
117 - وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أول ما خلق الله نوري، ففتق منه نور علي، ثم خلق العرش واللوح والشمس وضوء النهار ونور الابصار والعقل والمعرفة. (الخبر).
118 - كتاب الوصية للمسعودي بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: خطب فقال: الحمد لله الذي توحد بصنع الأشياء، وفطر أجناس البرايا على غير أصل ولا مثال سبقه في إنشائها، ولا إعانة معين على ابتدائها، بل ابتدعها بلطف قدرته فامتثلت بمشيته خاضعة ذليلة مستحدثة لامره، الواحد الأحد الدائم بغير حد ولا أمد، ولا زوال ولا نفاد، وكذلك لم يزل ولا يزال، لا تغيره الأزمنة، ولا تحيط به الأمكنة، ولا تبلغ صفاته الألسنة، ولا تأخذه نوم ولا سنة لم تره العيون فتخبر عنه برؤية، ولم تهجم عليه العقول فتوهم كنه صفته، ولم تدر كيف هو إلا بما أخبر عن نفسه، ليس لقضائه مرد ولا لقوله مكذب، ابتدع الأشياء بغير تفكر ولا معين، ولا ظهير ولا وزير، فطرها بقدرته، وصيرها إلى مشيته، فصاغ أشباحها، وبرأ أرواحها، واستنبط أجناسها، خلقا مبروءا مذروءا في أقطار السماوات والأرضين، لم يأت بشئ على غير ما أراد أن يأتي عليه ليري عباده آيات جلاله و آلائه، فسبحانه لا إله إلا هو الواحد القهار، وصلى الله عليه محمد وآله وسلم تسليما.
اللهم فمن جهل فضل محمد صلى الله عليه وآله فإني مقر بأنك لا سطحت أرضا ولا برأت خلقا حتى أحكمت خلقه من نور سبقت به السلالة، وأنشأت له آدم جزما فأودعته منه قرارا مكينا، ومستودعا مأمونا (إلى آخر الخطبة الطويلة).
119 - الكافي: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
المشية محدثة.
بيان: إذا كانت المشية محدثة وجميع الأشياء موجودة بالمشية فهي أولى بالحدوث.
120 - المتهجد : في دعاء يوم الأحد: أنت الله الحي الأول، الكائن قبل جميع الأمور، والمكون لها بقدرتك، والعالم بمصادرها كيف تكون، أنت الذي سموت بعرشك في الهواء لعلو مكانك، وسددت الابصار عنه بتلألؤ نورك، واحتجبت عنهم بعظيم ملكك، وتوحدت فوق عرشك بقهرك وسلطانك، ثم دعوت السماوات إلى طاعة أمرك، فأجبن مذعنات إلى دعوتك، واستقرت على غير عمد من خيفتك وزينتها للناظرين، وأسكنتها العباد المسبحين، وفتقت الأرضين فسطحتها لمن فيها مهادا وأرسيتها بالجبال أوتادا، فرسخ سخنها في الثرى، وعلت ذراها في الهواء فاستقرت على الرواسي الشامخات، وزينتها بالنبات وخففت عنها بالاحياء والأموات (إلى آخر الدعاء).
121 - وفي دعاء ليلة الاثنين: وعلوت بعرشك على العالمين، وأعمرت سماواتك بالملائكة المقربين، وعلمت تسبيحك الأولين والآخرين، وانقادت لك الدنيا والآخرة بأزمتها، وحفظت السماوات والأرض بمقاليدهما، وأذعنت لك بالطاعة ومن فوقها، وأبت حمل الأمانة من شفقتها، وقامت بكلماتك في قرارها، واستقام
البحران مكانهما، واختلف الليل والنهار كما أمرتهما، وأحصيت كل شئ منهما عددا، وأحطت بهما علما، خالق الخلق ومصطفيه ومهيمنه ومنشئه وبارئه وذرائه أنت كنت وحدك لا شريك لك إلها واحدا، وكان عرشك على الماء من قبل أن تكون أرض ولا سماء، ولا شئ مما خلقت فيهما بعزتك كنت تدعى بديعا مبتدعا كينونا كائنا مكونا كما سميت نفسك، ابتدأت الخلق بعظمتك ودبرت أمورهم بعلمك (إلى آخر الدعاء).
122 - وفي دعاء ليلة الثلاثاء: يجول حول أركان عرشك النور والوقار من قبل أن تخلق السماوات والأرض، وكان عرشك على الماء، وكرسيك يتوقد نورا، وسرادقك سرادق النور والعظمة، والإكليل المحيط به هيكل السلطان والعزة والمدحة، لا إله إلا أنت رب العرش العظيم (إلى آخر الدعاء).
123 - وفي دعاء ليلة الخميس: خلقت خلقك فكل مشيتك أتتك بلا لغوب وكان عرشك على الماء، والظلمة على الهواء، والملائكة يحملون عرشك عرش النور والكرامة، يسبحون بحمدك إلى قوله كنت قبل جميع خلقك.
124 - الاقبال: في دعاء ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان: لا إله إلا الله مدبر الأمور، ومصرف الدهور، وخالق الأشياء جميعا بحكمته دالة على أزليته وقدمه (الدعاء ).
125 - وفي وداع شهر رمضان نقلا من كتب الدعوات: الحمد لله الذي لا يدرك العلماء علمه إلى قوله خلق خلقه من غير أصل ولا مثال، بلا تعب ولا نصب ولا تعليم ورفع السماوات الموطودات بلا أصحاب ولا أعوان، وبسط الأرض على الماء بغير
أركان، علم بغير تعليم وخلق بلا مثال، علمه بخلقه قبل أن يكونهم كعلمه بهم بعد تكوينه لهم - إلى قوله - الحمد لله الذي كان إذ لم تكن أرض مدحية، ولا سماء مبنية ولا جبال مرسية، ولا شمس تجري، ولا قمر يسري، ولا ليل يدجى، ولا نهار يضحى (إلى آخر الدعاء).
126 - وبإسناده عن التلعكبري بإسناده إلى أيامن بن سلمة عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام في دعاء يوم العرفة: أنت الكائن قبل كل شئ، والمكون لكل شئ - إلى قوله - الحمد لله الذي كان عرشه على الماء، حين لا شمس تضيئ، ولا قمر يسري، ولا بحر يجري، ولا رياح تذري، ولا سماء مبنية، ولا أرض مدحية ولا ليل يجن، ولا نهار يكن، ولا عين تنبع، ولا صوت يسمع، ولا جبل مرسى، ولا سحاب منشأ، ولا إنس مبروء، ولا جن مذروء، ولا ملك كريم، ولا شيطان رجيم، ولا ظل ممدود، ولا شئ معدود.
وفي دعاء آخر ليوم عرفة: ولك الحمد قبل أن تخلق شيئا من خلقك، وعلى بدء ما خلقت إلى انقضاء خلقك.
128 - وفي دعاء الأضحى برواية مرسلة: وأنت البديع قبل كل شئ.
بيان: (ولا نهار يكن) بضم الياء وكسر الكاف أي يدعو إلى الكن لحرارة الشمس، في الصحاح: كننت الشئ: سترته وصنته من الشمس، أو بفتح الكاف أي يستر بظلمة الليل، أو بفتح الياء وكسر الكاف أي يستر الناس بضوئه، كأنه لباس لهم لاحاطته بهم، والكنة بالكسر: البياض أيضا، أو بتخفيف النون من الوكن وهو السير الشديد، أو من وكن الطائر ببيضه يكنه أي حضنه، ولا يخلو أكثرها من بعد.
129 - البلد الأمين من أدعية الأسبوع للسجاد عليه السلام: الحمد لله الأول قبل الأشياء والاحياء.
130 - وعن أمير المؤمنين عليه السلام : الحمد لله الذي لا من شئ كان، ولا من شئ كون ما كان، مستشهدا بحدوث الأشياء على أزليته، وبفطورها على قدمته، كفى بإتقان الصنع له آية، وبحدوث الفطر عليه قدمة.
131 - وفي دعاء ليلة السبت. الأول الكائن ولم يكن شئ من خلقك، أو يعاين شئ من ملكك - إلى قوله - خلقت السماوات والأرض فراشا وبناء، فسويت السماء منزلا رضيته لجلالك ووقارك وعزتك وسلطانك، ثم جعلت فيها كرسيك وعرشك - إلى قوله - وأنت الله الحي قبل كل شئ، والقديم قبل كل قديم.
132 - المهج والبلد: عن الكاظم عليه السلام كنت إذ لم تكن شئ، وكان عرشك على الماء، إذ لا سماء مبنية، ولا أرض مدحية. ولا شمس تضيئ، ولا قمر يجري ولا كوكب دري، ولا نجم يسري، ولا سحابة منشأة، ولا دين معلومة، ولا آخره مفهومة، وتبقى وحدك كما كنت وحدك، علمت ما كان قبل أن يكون.
133 - الخصال ومعاني الأخبار: بإسناده المتصل إلى سفيان الثوري، عن الصادق عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: إن الله تبارك وتعالى خلق نور محمد قبل أن يخلق السماوات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار، وقبل أن يخلق آدم ونوحا وإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وموسى وعيسى وداود وسليمان، وقبل أن يخلق الأنبياء كلهم بأربعمائة ألف سنة وأربع وعشرين ألف سنة (إلى آخر الخبر).
134 - العلل للصدوق: بإسناده إلى معاذ بن جبل، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله خلقني وعليا وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة
آلاف عام، قلت: فأين كنتم يا رسول الله؟ قال: قدام العرش نسبح الله ونحمده ونقدسه ونمجده، قلت: على أي مثال؟ قال: أشباح نور (الخبر).
135 - تفسير فرات بن إبراهيم: بإسناده عن أبي ذر - ره - في خبر طويل في وصف المعراج، ساقه إلى أن قال: قلت: يا ملائكة ربي هل تعرفونا حق معرفتنا؟
فقالوا: يا نبي الله وكيف لا نعرفكم وأنتم أول ما خلق الله (2)؟ خلقكم أشباح نور من نوره، وجعل لكم مقاعد في ملكوت سلطانه، وعرشه على الماء قبل أن تكون السماء مبينة، والأرض مدحية، ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم رفع العرش إلى السماء السابعة، فاستوى على عرشه وأنتم أمام عرشه تسبحون وتقدسون وتكبرون، ثم خلق الملائكة من بدو ما أراد من أنوار شتى (الخبر).
136 - النهج: فمن خطبة له عليه السلام يذكر فيه ابتداء خلق السماوات والأرض وخلق آدم عليه السلام: الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعمه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفتن، الذي ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود ولا أجل ممدود، فطر الخلائق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه. أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن
أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال (فيم؟) فقد ضمنه، ومن قال (على م؟) فقد أخلى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شئ لا بمقارنة، وغير كل شئ لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده، أنشأ الخلق إنشاء وابتدأه ابتداء، بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطراب فيها أحال الأشياء لأوقاتها ولاءم بين مختلفاتها، وغرز غرائزها وألزمها أشباحها، عالما (بها) قبل ابتدائها، ومحيطا بحدودها وانتهائها، عارفا بقرائنها وأحنائها، ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء، وشق الارجاء، وسكائك الهواء فأجرى فيها ماء متلاطما تياره، متراكما زخاره، حمله على متن الريح العاصفة والزعزع القاصفة، فأمرها برده، وسلطها على شده، وقرنها على حده: الهواء من تحتها فتيق، والماء من فوقها دفيق ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها وأدام مربها وأعصف مجريها، وأبعد منشأها، فأمرها بتصفيق الماء الزخار وإثارة موج البحار فمخضته مخض السقاء، وعصفت به عصفها بالفضاء، ترد أوله على آخره، وساجيه على مائره حتى عب عبابه ورمى بالزبد ركامه، فرفعه في هواء منفتق، وجو منفهق فسوى منه سبع سماوات جعل سفلاهن موجا مكفوفا، وعلياهن سقفا محفوظا وسمكا مرفوعا بغير عمد يدعمها، ولا دسار ينتظمها، ثم زينها بزينة الكواكب، وضياء الثواقب فأجرى فيها سراجا مستطيرا، وقمرا منيرا، في فلك دائر، وسقف سائر، ورقيم مائر، ثم فتق ما بين السماوات العلى، فملأهن أطوارا من ملائكته، منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نون العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة النسيان
ومنهم امناء على وحيه، وألسنة إلى رسله، ومختلفون بقضائه وأمره، ومنهم الحفظة لعباده، والسدنة لأبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، و المارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونهم أبصارهم، متلفعون تحته بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة، وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر.
مطالب السؤول: لابن طلحة مثله بأدنى تغيير.
ايضاح: قد مضى شرح أكثر فقرات هذه الخطبة في كتاب التوحيد، ونشير هنا إلى بعض ما يناسب المقام. المدحة بالكسر: الحالة التي تكون المادح عليها في مدحه، والإضافة للاختصاص الخاص أي المدحة اللائقة بعزة جلاله، ولعل المراد عجز جميع القائلين وإن اجتمعوا. والاجتهاد: السعي البليغ في العبادة، و ظاهر قوله (ولا وقت معدود ولا أجل ممدود) نفي الزمان مطلقا عنه تعالى كالمكان ويمكن حملهما على الأزمنة المعدودة المتناهية، ولعل الأول للماضي والثاني للمستقبل والفطر: الابتداء والاختراع، وأصله الشق، ونشر الرياح: بسطها، وكل ما جاء في القرآن بلفظ الرياح فهو للرحمة وما ورد في العذاب فهو بلفظ المفرد، ولعله إشارة إلى قلة العذاب وسعة الرحمة، ويمكن أن يراد بالرحمة هذا المطر، كما قال سبحانه (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) وقرئ بالباء والنون، وقيل:
زعمت العرب أن السحاب لا تلقح إلا من رياح مختلفة، فيمكن أن يكون المراد بالنشر ذلك، وقال الفراء: النشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب
والتعميم أولى لان رياح الرحمة كثيرة منها اللواقح، ومهيجة السحب الماطرة، و الحابسة لها بين السماء والأرض، والعاصرة لها حتى تمطر، والمجرية للجواري في البحار وغيرها. ووتد الشئ: بالتخفيف أي جعله محكما مثبتا بالوتد، و الصخور: جمع الصخرة، وهي الحجر العظيم الصلب، والميدان بالتحريك:
التحرك والاضطراب، وقد مر تحقيق ذلك وسيأتي بعضه.
(وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه) لعل مناسبة الاخلاص لنفي الصفات أن الاخلاص في العبادة بالنظر إلى عامة الخلق هو أن لا يقصدوا في عبادتهم غيره تعالى من المخلوقين، وبالنظر إلى الخواص أن يعرفوا الله بحسب وسعهم وطاقتهم بالوحدانية ثم يعبدونه، فمن عبد الله وحده بزعمه وزعم أن له صفات زائدة فلم يعبد إلها واحدا بل آلهة كثيرة، بل لم يعبد الله أصلا كما مر في الخبر (من عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سر أمره وعلانيته فأولئك أصحاب أمير المؤمنين حقا) وقال ابن ميثم: المراد بالمعرفة المعرفة التامة التي هي غاية العارف في مراتب السلوك، وأوليتها في العقل لكونها علة غائية، وبين الترتيب بأن المعرفة تزاد بالعبارة وتلقي الأوامر بالقبول، فيستعد السالك أولا بسببها للتصديق بوجوده يقينا، ثم لتوحيده، ثم للاخلاص له، ثم لنفي ما عداه عنه، فيغرق في تيار بحار العظمة، وكل مرتبة كمال لما قبلها إلى أن تتم المعرفة المطلوبة له بحسب ما في وسعه، وبكمال المعرفة يتم الدين وينتهي السفر إلى الله تعالى. وما ذكرنا أنسب كما لا يخفى.
كائن لا عن حدث موجود لا عن عدم) ظاهره الاختصاص به سبحانه وحدوث ما سواه، وكذا قوله عليه السلام (متوحد إذ لا سكن يستأنس به ) يدل على حدوث العالم، والانشاء: الخلق، والفرق بينه وبين الابتداء بأن الانشاء كالخلق أعم
من الابتداء، قال تعالى (خلق الانسان من صلصال) والابتداء: الخلق من غير سبق مادة ومثال، وإن لم يفهم هذا الفرق من اللغة لحسن التقابل حينئذ وإن أمكن التأكيد. وهمامة النفس: اهتمامها بالأمور وقصدها إليها، والاضطراب:
الحركة، والحركة في الهمامة: الانتقال من رأي إلى رأي أو من قصد أمر إلى قصد أمر آخر بحصول صورة، وفي بعض النسخ (ولا همة نفس) بالكسر.
(أحال الأشياء لأوقاتها) في أكثر النسخ بالحاء المهملة إما من الإحالة بمعنى التحويل أي نقل كلا منها إلى وقتها، فاللام بمعنى إلى والتعليل كما قيل بعيد، وإما من قولهم (حال في متن فرسه) أي وثب، فعدي بالهمزة أي أقر الأشياء في أوقاتها كمن أحال غيره على فرسه كما قيل ولا يخفى بعده، ولعله بمعنى الحوالة المعروفة أظهر، وفي بعض النسخ الصحيحة بالجيم كأنه سبحان حرك الأشياء ورددها في العدم حتى حضر وقتها، وفي الاحتجاج (أجل) بالجيم المشددة أي أخر، (ولاءم بين مختلفاتها) أي جعلها ملتئمة مؤتلفة كما ألف بين العناصر المتخالفة في الطباع وبين النفوس والأبدان. (وغرز غرائزها وألزمها أسناخها) الغريزة: الخلق والطبيعة، والسنخ بكسر السين وسكون النون: الأصل وفي بعض النسخ (أشباحها) جمع الشبح محركة أي أشخاصها، وتغريز الغرائز:
إيجادها أو تخصيص كل بغريزة خاصة لها أو من تغريز العود في الأرض ليثمر على ما قيل، والضمير المنصوب في (ألزمها) راجع إلى الأشياء كالسوابق، والمعنى:
جعلها بحيث لا يفارقها أصولها، أو جعل الاشخاص لازمة للكليات على النسخة الأخيرة، أو راجع إلى الغرائز أي جعل كل ذي غريزة أو كل شخص بحيث لا تفارقه غريزته غالبا أو مطلقا.
(عالما بها قبل ابتدائها) العامل في (عالما) وما بعدها إما (ألزم) أو الأفعال
الثلاثة الأخيرة على الترتيب أو الأربعة، أو العامل في الجميع قوله (أنشأ وابتدء) بقرينة قوله (قبل ابتدائها).
(محيطا بحدودها وانتهائها) لعل المراد بالحدود الأطراف والتشخصات أو الحدود الذهنية، وبالانتهاء الانتهاء اللازم للمحدود أو انقطاع الوجود.
(عارفا بقرائنها) أي ما يقترن بها على وجه التركيب أو المجاورة أو العروض وأحنائها: هي جمع (حنو) أي الجانب، وأحناء الوادي: معاطفه، ويدل على جواز إطلاق العارف عليه سبحانه ومنعه بعضهم. (ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشق الارجاء وسكائك الهواء) الفتق بالفتح: الشق، والجو: ما بين السماء والأرض وقيل: الفضاء الواسع، والارجاء: جمع (الرجا) مقصورا، وهي الناحية، والسكاك والسكاكة بضمهما: الهواء الملاقي عنان السماء وقال في النهاية: السكاك والسكاكة: الجو، وهو ما بين السماء والأرض، ومنه حديث علي عليه السلام (شق الارجاء وسكائك الهواء). وسكائك جمع (سكاكة) كذؤابة وذوائب، والهواء بالمد: ما بين السماء والأرض، ويقال: كل خال هواء، ومنه قوله تعالى (وأفئدتهم هواء) وكلمة (ثم) هنا إما للترتيب الذكري والتدرج في الكلام يكون لوجوه منها الانتقال من الاجمال إلى التفصيل، ومنها الاهتمام بتقديم المؤخر أو المقارن لوجه آخر، ويستعمل الفاء أيضا كذلك كما مر مرارا، وإما بمعنى الواو المفيدة لمطلق الجمع كما قيل في قوله تعالى (ثم اهتدى) وعلى التقديرين لا ينافي كون الماء أول المخلوقات كما سيأتي، والمراد بفتق الأجواء إيجاد الأجسام في الأمكنة الخالية بناء على وجود المكان بمعنى البعد وجواز الخلاء، أو المراد
بالجو البعد الموهوم، أو أحد العناصر بناء على تقدم خلق الهواء كما هو الظاهر مما سنورده من تفسير علي بن إبراهيم، وهذا الكلام لا تصريح فيه بالصادر الأول وسيأتي الكلام فيه انشاء الله. وقوله (وشق الارجاء) كالتفسير لفتق الأجواء أو المراد بالارجاء الأمكنة والأفضية، وبالأجواء عنصر الهواء، وقوله (وسكائك الهواء) بالنصب كما في كثير من النسخ معطوف على (فتق الأجواء) أي أنشأ سبحانه سكائك الهواء، والجر كما في بعض النسخ أظهر عطفا على الأجواء أي أنشأ فتق سكائك الهواء. قال ابن ميثم: فإن قلت: إن الأجواء والارجاء وسكائك الهواء أمور عدمية فكيف تصح نسبتها إلى الانشاء عن القدرة؟ قلت: إن هذه الأشياء عبارة عن الخلا والأحياز، والخلاف في أن الخلا والحيز والمكان هل هي أمور وجودية أو عدمية مشهور، فإن كانت وجودية كانت نسبتها إلى القدرة ظاهرة، ويكون معنى فتقها وشقها شق العدم عنها، وإن كانت عدمية كان معنى فتقها وشقها ونسبتها إلى القدرة تقديرها وجعلها أحيازا للماء ومقرا لها لأنه لما كان تميزها عن مطلق الهواء والخلاء بإيجاد الله فيها الماء صار تعينها بسبب قدرته تعالى فتصح نسبتها إلى إنشائه، فكان سبحانه شقها وفتقها بحصول الجسم فيها.
وروي أن زرارة وهشاما اختلفا في الهواء أهو مخلوق أم لا، فرفع بعض موالي جعفر بن محمد عليهما السلام إليه ذلك، فقال له: إني متحير وأرى أصحابنا يختلفون فيه. فقال عليه السلام: ليس هذا بخلاف يؤدي إلى الكفر والضلال: واعلم أنه عليه السلام إنما أعرض عن بيان ذلك لان أولياء الله الموكلين بإيضاح سبله وتثبيت خلقه على صراطه المستقيم لا يلتفتون بالذات إلا إلى أحد أمرين: أحدهما ما يؤدي إلى الهدى أداء ظاهرا واضحا والثاني ما يصرف عن الضلال ويرد إلى سواء السبيل.
وبيان أن الهواء مخلوق أو غير مخلوق لا يفيد كثير فائدة في أمر المعاد، فلا يكون الجهل به مما يضر في ذلك، فكان تركه والاشتغال بما هو أهم منه أولى.
(فأجرى فيها ماء متلاطما تياره متراكما زخاره) اللطم في الأصل: الضرب على الوجه بباطن الراحة، وتلاطمت الأمواج: ضرب بعضها بعضا كأنه يلطمه والتيار: موج البحر ولجته، وتراكم الشئ: اجتمع، وزخر البحر: مد و كثر ماؤه وارتفعت أمواجه، أي إنه سبحانه خلق الماء المتلاطم الزخار في الأمواج وخلاه وطبعه أولا، فجرى في الهواء، ثم أمر الريح برده وشده كما يدل عليه قوله عليه السلام بعد ذلك (حتى تظهر قدرته).
(حمله على متن الريح العاصفة والزعزع القاصفة) المتن من كل شئ: ما ظهر منه، والمتن من الأرض: ما ارتفع منه وصلب، وعصفت الريح: اشتد هبوبها والزعزعة: تحريك الشئ ليقلعه ويزيله، وريح زعزع وزعازع أي يزعزع الأشياء، وقصفه - كضربه - قصفا: كسره، وقصف الرعد وغيره: اشتد صوته أي جعل الريح حال قصفها حاملة له، فكان متحركا بحركتها، أو جعل الريح التي من شأنها العصف والقصف . وهذه الريح غير الهواء المذكور أولا كما سيأتي في قول الصادق عليه السلام في جواب الزنديق (الريح على الهواء والهواء تمسكه القدرة) فيمكن أن تكون مقدمة في الخلق عليه أو متأخرة عنه أو مقارنة له، ويمكن أن يكون المراد بها ما تحرك منه كما هو المشهور.
(فأمرها برده وسلطها على شده وقرنها إلى حده) أي أمر الريح أن تحفظ الماء وترده بالمنع عن الجري الذي سبقت الإشارة إليه بقوله (فأجرى فيها ماء) فكان قبل الرد قد خلي وطبعه أي عن الجري الذي يقتضيه طبعه، وقواها على ضبطه كالشئ المشدود، وجعلها مقرونة إلى انتهائه محيطة به. ولعل المراد بالأمر هنا الامر التكويني كما في قوله (كن فيكون) وقوله (كونوا قردة)
قال الكيدري: قوله (فأمرها) مجازا لان الحكيم لا يأمر الجماد به. (الهواء من تحتها فتيق والماء من فوقها دفيق) أي الهواء الذي هو محل الريح مفتوق أي مفتوح منبسط من تحت الريح الحاملة للماء، والماء دفيق من فوقها أي (مصبوب) مندفق، والغرض أنه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالريح الحاملة له كما ضبط الريح بالهواء المنبسط وهو موضع العجب (ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها وأدام مربها) الظاهر أن هذه الريح غير ما جعلها الله محلا للماء بل هي مخلوقة من الماء كما سيأتي في الرواية، والاعتقام:
أن تحفر البئر فإذا قربت من الماء احتفرت بئرا صغيرا بقدر ما تجد طعم الماء، فإن كان عذبا حفرت بقيتها ويكون اعتقم بمعنى صار عقيما، ومنه الريح العقيم، وفي العين: الاعتقام الدخول في الامر، وقال ابن ميثم تبعا للكيدري: الاعتقام الشد والعقد، ولم نجده في كتب اللغة. والمهب: مصدر بمعنى الهبوب، أو اسم مكان، و على الأول في الاسناد توسع، و (رب) يأتي بمعنى جمع وزاد ولزم وأقام، قيل:
المعنى أن الله تعالى أرسلها بمقدار مخصوص تقتضيه الحكمة ولم يرسلها مطلقا بل جعل مهبها ضيقا كما يحتفر البئر الصغير في الكبير، وقيل: المعنى جعلها عقيمة لا تلقح وهذا إنما يصح لو كان الاعتقام بهذا المعنى متعديا، أو كان مهبها مرفوعا وفي النسخ منصوب، وقيل: وروي (أعقم) فيصح، ويحتمل أن يكون بمعنى شد مهبها وعقده على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، وقيل: على تقدير كون اعتقم بالتاء المراد أنه أخلى مهبها من العوائق وأنه أرسلها بحيث لا يعرف مهبها من مربها. وهو كما ترى، و معنى إدامة مربها جعلها ملازمة لتحريك الماء وإدامة هبوبها، وفي بعض النسخ (مدبها) بالدال أي جريها.
و (أعصف مجراها) أي جريانها، أو أسند إلى المحل مجازا. (وأبعد منشاها) أي أنشأها من مبدء بعيد، ولعله أدخل في شدتها و (المنشأ) في بعض النسخ بالهمزة على الأصل وفي بعضها بالألف للازدواج. (فأمرها بتصفيق الماء الزخار) الصفق: الضرب الذي يسمع له صوت، والتصفيق أيضا كذلك لكن مع شدة، وإثارة
موج البحر أي تهييجه. (فمخضته مخض السقاء) المخض: تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج زبده، عصفها بالفضاء أي عصفا شديدا لان العصف بالفضاء يكون أشد لعدم المانع، والساجي: الساكن، والمائر: المتحرك، يقال: مار الشئ، مورا أي تحرك، وجاء، وذهب، وبه فسر قوله تعالى (يوم تمور السماء مورا) وقال الضحاك: أي تموج موجا. والعباب بالضم: معظم الماء وكثرته و ارتفاعه، وعب عبابه أي ارتفع، وعب النبت إذا طال. وركام الماء بالضم:
ما تراكم منه واجتمع بعضه فوق بعض.
(فرفعه في هواء منفتق) أي رفع الله ذلك الزبد بأن جعل بعضه دخانا في هواء مفتوق مفتوح بخلق ما خلق سابقا، أو برفع ذلك الدخان (وفي جو منفهق) والانفهاق: الاتساع والانفتاح. قال ابن ميثم: إن القرآن الكريم نطق بأن السماء تكونت من الدخان، وكلامه عليه السلام ناطق بأنها تكونت من الزبد، وما ورد في الخبر أن ذلك الزبد هو الذي تكونت منه الأرض، فلا بد من بيان وجه الجمع بين هذه الإشارات، فنقول: وجه الجمع بين كلامه عليه السلام وبين لفظ القرآن الكريم ما ذكره الباقر عليه السلام وهو قوله (فخرج من ذلك الموج والزبد دخان ساطع من وسطه من غير نار) فخلق منه السماء، ولا شك أن القرآن الكريم لا يريد بلفظ الدخان حقيقته، لان ذلك إنما يكون عن النار، واتفق المفسرون على أن هذا الدخان لم يكن عن نار بل عن تنفس الماء وتبخيره بسبب تموجه، فهو إذا استعارة للبخار الصاعد من الماء، وإذا كان كذلك فنقول: إن كلامه عليه السلام مطابق للفظ القرآن الكريم، وذلك أن الزبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته إلا أنه ما دامت الكثافة غالبة عليه وهو باق على وجه الماء لم ينفصل فإنه يخص باسم الزبد وما لطف وغلب عليه الاجزاء الهوائية فانفصل خص باسم البخار وإذا كان الزبد بخارا والبخار هو المراد بالدخان في القرآن الكريم كان مقصده
ومقصد القرآن واحدا، فكان البخار المنفصل هو الذي تكونت عنه الأرض وهو الزبد، وأما وجه المشابهة بين الدخان والبخار الذي صحت لأجله استعارة لفظه له فهو أمران: أحدهما حسي وهو الصورة المشاهدة من الدخان والبخار حتى لا يكاد يفرق بينهما في الحس البصري، والثاني معنوي وهو كون البخار أجزاء مائية خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة كما أن الدخان كذلك ولكن عن حرارة النار، فإن الدخان أيضا أجزاء مائية انفصلت عن جرم المحترق بسبب لطافتها عن حر النار فكان الاختلاف بينهما ليس إلا بالسبب، فلذلك صح استعارة اسم أحدهما للآخر (وبالله التوفيق).
(جعل سفلاهن موجا مكفوفا وعلياهن سقفا محفوظا وسمكا مرفوعا) الكف:
المنع، والسقف: معروف، وقال الجوهري وغيره: السقف اسم للسماء. والمعروف ههنا أنسب، وسمك البيت: سقفه، وسمك الله السماء سمكا: رفعها، والمسموكات:
السماوات أي جعل السماء السفلى موجا ممنوعا من السلان إما بإمساكه بقدرته أو بأن خلق تحته وحوله جسما جامدا يمنعه عن الانتشار والسيلان، أو بأن أجمدها بعد ما كانت سيالة. وظاهر هذا الكلام وغيره من الاخبار اختصاص الحكم بالسماء الدنيا، قال الكيدري، رحمه الله: شبه السماء الدنيا بالموج لصفائها وارتفاعها، أو أراد أنها كانت في الأول موجا ثم عقدها، والمكفوف: الممنوع من السقوط. وقال ابن ميثم: شبهها بالموج في الارتفاع واللون الموهوم، وقيل:
شبهت به لارتعاد الكواكب حسا: ولعل المراد بحفظ العليا إمساكها عن النقص والهدم والسقوط والخرق إلا بأمره سبحانه وقال أكثر الشارحين: أي عن الشياطين وهو لا يناسب العليا بل السفلى، ويناسب أن يكون المراد بقوله تعالى (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) السماء العليا، ويخطر بالبال وجه آخر، وهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل الجهة السفلى من كل من السماوات مواجة متحركة واقعا
أو في النظر، والجهة العليا منها سقفا محفوظا نستقر عليه الملائكة ولا يمكن للشياطين خرقها، فيكون ضمير زينها وسائر الضمائر راجعة إلى المجموع، فيناسب الآية المتقدمة وهو قوله سبحانه (وحفظا من كل شيطان مارد) وقد يمر بالخاطر وجه آخر يناسب قواعد الهيئة وهو أنه عليه السلام شبه السماء الدنيا بالموج المكفوف لكون الحركة الخاصة للقمر أسرع من جميع الكواكب، فكأنه دائما في الموج ومع ذلك لا تسقط، ووصف العليا بالمحفوظية لأنه أبطأها بالحركة الخاصة فكأنها محفوظة ثابتة، وعلى الطريقة السابقة يمكن أن يكون المراد بالسفلى من كل منها خوارج مراكزها وتداويرها، وبالعليا منها متمثلاتها، فالأول مواجة لسرعة حركتها والبواقي محفوظة لبطؤها، لكن هذان الوجهان بعيدان عن لسان الشرع ومقاصد أهله، والوجه الأول مما أبدعنا لا يخلو من قوة ولطافة.
(بغير عمد يدعمها ولا دسار ينظمها) العمد بالتحريك: جمع كثرة لعمود البيت، وكذا (العمد) بضمتين، وجمع القلة (أعمدة) وقال الخليل في العين:
العمد بضمتين: جمع عماد، والأعمدة: جمع عمود من حديد أو خشب، ويظهر من تذكير الفعل أنه من أسماء الجمع، والدعم بالفتح: أن يميل الشئ فتدعمه بدعام، كما تدعم عروش الكرم، ونحوه ليصير له مساكا، والدعامة: الخشبة التي يدعم بها، وفي أكثر النسخ على بناء المجرد مفتوحة العين وهو أظهر، وفي بعضها (يدعمها) بتشديد الدال على بناء الافتعال من الادعام بمعنى الاتكاء. و الدسار - بالكسر -: المسمار، وجمعه (دسر) ونظم اللؤلؤ: جمعه في السلك، وفي بعض النسخ (ينتظمها) وهو أيضا جاء متعديا، والضميران المنصوبان راجعان إلى السماوات أو إلى العليا أو إلى السفلى بقرينة قوله (ثم زينها بزينة الكواكب) حيث إن الظاهر إرجاع الضمير فيه إلى السفلى ليكون أوفق بقوله تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) لكنه بعيد لفظا، وإرجاع الضمير إلى
الجميع أظهر، وتزيين البعض تزيين للجميع، وهذا مما يقرب الوجه الذي ذكرنا أولا، والزينة إما مصدر أو اسم ما يزان به كالليقة لما يلاق به أي يصلح به المداد. قال في الكشاف: قوله تعالى (بزينة الكواكب) يحتملهما فعلى الأول إما من إضافة المصدر إلى الفاعل بأن تكون الكواكب مزينة للأفلاك، أو إلى المفعول، بأن زين الله الكواكب وحسنها لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها، وعلى الثاني فإضافتها إلى الكواكب بيانية وتنوين الزينة كما قرئت الآية به ليس موجودا في النسخ، وزينة الكواكب للسماء إما لضوئها أو للاشكال الحاصلة منها كالثريا والجوزاء ونحوهما، أو باختلاف أوضاعها بحركتها أو لرؤية الناس إياها مضيئة في الليلة الظلماء أو للجميع. وقوله تعالى (بمصابيح) في موضع آخر مما يؤيد بعض الوجوه، وسيأتي القول في محال الكواكب في محله.
(وضياء الثواقب) المراد بها إما الكواكب، فيكون كالتفسير لزينة الكواكب والكواكب ثواقب أي مضيئة كأنها تثقب الظلمة بضوئها، أو الشهب التي ترمى بها الشياطين فتثقب الهواء بحركتها والظلمة بنورها. (فأجرى فيها سراجا مستطيرا وقمرا منيرا) وفي بعض النسخ (وأجرى) بالواو، والمراد بالسراج الشمس، كما قال تعالى (سراجا وقمرا منيرا) قيل: لما كان الليل عبارة عن ظل الأرض وكانت الشمس سببا لزواله كان شبيها بالسراج في ارتفاع الظلمة به، والمستطير:
المنتشر الضوء، واستطار: تفرق وسطح، وأنار الشئ واستنار: أي أضاء، وقيل ما بالذات من النور ضوء، وما بالعرض نور. كما قال سبحانه (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقيل: لان النور أضعف من الضوء، والاحتمالات
في الضمائر السابقة جارية هنا وإن كان الأظهر عند الأكثر رجوعه إلى السفلى.
(في فلك دائر) الظرف إما بدل عن (فيها) فيفيد حركة السفلى أو العليا أو الجميع على تقادير إرجاع الضمير بالحركة اليومية أو الخاصة أو الأعم، وإما في موضع حال عن المنصوبين، فيمكن أن يكون المراد بالفلك الدائر الأفلاك الجزئية. والفلك بالتحريك: كل شئ دائر، ومنه (فلكة المغزل) بالتسكين ويقال: فلك ثدي المرأة تفليكا إذا استدار.
(وسقف سائر ورقيم مائر) الرقيم: في الأصل الكتاب، فعيل بمعنى مفعول قال ابن الأثير: منه حديث علي رضي الله عنه في صفة السماء (سقف سائر ورقيم مائر) يريد به وشئ السماء بالنجوم. والمائر: المتحرك، وليس هذا بالمور الذي قال الله تعالى ﴿يوم تمور السماء مورا﴾ 1 وهاتان الفقرتان أيضا تدلان على حركة السماء لكن لا تنافي حركة الكواكب بنفسها أيضا كما هو ظاهر الآية.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.