پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

باب حدوث العالم وبدء خلقه وكيفيته وبعض كليات الأمور 2

ج ۵۴، ص ۱–۳۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۱۱

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۴

البقرة: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم.

الانعام: الحمد لله الذي خلق السماوات وجعل الظلمات النور.

الأعراف: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش.

يونس: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الامر.

هود: وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا.

الكهف: ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا.

الأنبياء: أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون.

الفرقان: الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا.

التنزيل: الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش.

السجدة: قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضيهن سبع سماوات في يومين و أوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم.

ق: ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب.

الحديد: هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش.

النازعات: أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها مائها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعا لكم ولأنعامكم.

الأعلى: سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى.

تفسير: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا) امتنان على العباد بخلق ما يتوقف عليه بقاؤهم ويتم به معاشهم ومعنى (لكم) لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستعمالكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو غير وسط وفي دينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف بما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها. وهذا مما يستدل به على إباحة جميع الأشياء إلا ما أخرجه الدليل. و (ما) يعم كل ما في الأرض، لا الأرض، إلا إذا أريد به جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو. (جميعا) حال عن الموصول الثاني (ثم استوى إلى السماء) أي قصد إليها بإرادته من قولهم (استوى إليه)

إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلوي على شئ. وقيل: استوى أي استولى وملك قال الشاعر:

قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق والمراد بالسماء الاجرام العلوية أو جهات العلو كما قيل.

(فسواهن) أي عدلهن وخلقهن مصونة من العوج والفطور، وقيل: (هن) ضمير السماء إن فسرت بالاجرام لأنها جمع أوفي معنى الجمع، وإلا فمبهم يفسره ما بعده كقولهم: ربه رجلا (سبع سماوات) بدل أو تفسير، والسبع لا ينافي التسع التي أثبتوها أصحاب الأرصاد، إذ الثامن والتاسع مسميان في لسان الشرع بالكرسي والعرش. (وهو بكل شئ عليم) قيل: فيه تعليل كأنه قال ولكونه عالما بتلك الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع، والاستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الأنيق كان عليما، وتدل الآية على حدوث السماوات بل الأرض أيضا كا سيأتي بيانه.

(الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض) أخبر بأنه تعالى حقيق بالحمد

ونبه على أنه المستحق له على هذه النعم الجسام حمد أو لم يحمد ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون، وجمع السماوات دون الأرض وهي مثلهن لان طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات وقدمها لشرفها وعلو مكانها (وجعل الظلمات والنور) أي أنشأهما والفرق بين (خلق) و (جعل) الذي له مفعول واحد أن (خلق) فيه معنى التقدير و (جعل) فيه معنى التضمين، ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والاجرام الحاملة لها أو لان المراد بالظلمة الضلال وبالنور الهدى، والهدى واحد والضلال متعدد. وتقديمها لتقدم الاعدام على الملكات.

(في ستة أيام) المشهور أن المراد بالأيام هنا مقدار أيام الدنيا، وروي عن ابن عباس أنها من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون.

أقول: وبمثل هذا الخبر لا يمكن صرف الآية عن ظاهرها. ثم إنه سبحانه إنما خلق في هذه المدة مع أنه كان قادرا على خلقها في طرفة عين إما لعبرة من خلقها من الملائكة، إذ الاعتبار في التدريج أكثر كما ورد في الخبر، أو ليعلم بذلك أنها صادرة من قادر مختار عالم بالمصالح ووجوه الاحكام، إذ لو حصلت من مطبوع أو موجب لحصلت في حالة واحدة، أو ليعلم الناس التأني في الأمور وعدم الاستعجال فيها كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام (ولو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق ولكنه جعل الاناء والمداراة مثالا لأمنائه وإيجابا للحجة على خلقه).

وأورد هنا إشكال وهو أن اليوم إنما يحصل بحركة الشمس وطلوعها وغروبها فما معنى اليوم ههنا؟ ويمكن أن يجاب بوجوه:

الأول: أن مناط تمايز الأيام وتقدرها إنما هو حركة الفلك الأعلى دون السماوات السبع، والمخلوق في الأيام المتمايزة إنما هو السماوات السبع و

الأرض وما بينهما دون ما فوقهما، ولا يلزم من ذلك الخلا لتقدم الماء الذي خلق منه الجميع على الجميع.

الثاني: أن المراد بالأيام الأوقات، كقوله تعالى ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾.

الثالث: أن المراد: في مقدار ستة أيام، ومرجع الجميع إلى واحد، إذ قبل وجود الشمس لا يتصور يوم حقيقة، فالمراد إما مقدار من الزمان مطلقا، أو مقدار حركة الشمس هذا القدر، وعلى التقديرين إما مبني على كون الزمان أمرا موهوما منتزعا من بقائه سبحانه، أو من أول الأجسام المخلوقة كالماء، أو من الأرواح المخلوقة قبل الأجسام على القول به، أو من الملائكة كما هو ظاهر الخبر الآتي وإما بالقول بخلق فلك متحرك قبل ذلك بناء على القول بوجود الزمان وأنه مقدار حركة الفلك، فإن التجدد والتقضي والتصرم الذي هو منشأ تحقق الزمان عندهم في الجميع متصور.

وقال بعض الصوفية: للزمان المادي زمان مجرد كالنفس للجسد، وللمكان

المادي مكان مجرد وهما عارضان للمجردات ولا يمكن فهمه وخارج عن طور العقل كسائر خيالاتهم وأقوالهم.

وعلى أي حال هذه الآية وما سيأتي من أشباهها تدل على حدوث السماوات والأرض وما بينهما لان الحادث في اليوم الأخير مثلا مسبوق بخمسة أيام فيكون متناهي البقاء منقطع الوجود في جهة الماضي، والموجود في اليوم الأول زمان وجوده أزيد على الأخير بقدر متناه فالجميع متناهي الوجود حادث فيرد على الحكماء كون الزمان أيضا حادثا متناهيا لأنه عندهم مقدار حركة الفلك.

وأما ما ذكره الرازي في تفسيره من أن المراد بستة أيام ستة أحوال وذلك لان السماء والأرض وما بينهما ثلاثة أشياء ولكل واحد منهما ذات وصفة فنظرا إلى خلقه ذات السماء حالة، وإلى خلقه صفاتها أخرى، و نظرا إلى خلقه ذات الأرض وإلى صفاتها كذلك، ونظرا إلى ذوات ما بينهما وإلى صفاتها أخرى فهي ستة أشياء في ستة أحوال، وإنما ذكر الأيام لان الانسان إذا رأى إلى الخلق رآه فعلا، والفعل ظرفه الزمان والأيام أشهر الأزمنة، وإلا فقبل السماوات لم يكن ليل ولا نهار، وهذا مثل ما يقول القائل لغيره (إن يوما ولدت فيه كان يوما مباركا) وقد يجوز أن يكون ولد ذلك ليلا ولا يخرج عن مراده لان المراد الزمان الذي هو ظرف

ولادته. فهو تكلف بعيد مستغنى عنه، وما ذكرنا أقرب إلى لفظ الآية الكريمة وأوفق بالمراد. وسيأتي معاني (العرش) و (استوى عليه).

(وكان عرشه على الماء) قال البيضاوي: أي قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لا أنه كان موضوعا على متن الماء واستدل به على إمكان الخلاء وأن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم وقيل: كان الماء على متن الريح والله أعلم بذلك (انتهى) وقال الطبرسي: وفي هذا دلالة على أن العرش و الماء كانا موجودين قبل خلق السماوات والأرض وكان الماء قائما بقدرة الله على غير موضع قرار بل كان الله يمكسه بكمال قدرته وفي ذلك أعظم الاعتبار لأهل الانكار وقيل: المراد بقوله (عرشه) بناؤه يدل عليه (ومما يعرشون) أي يبنون فالمعني: وكان بناؤه على الماء، فإن البناء على الماء أبدع وأعجب، عن أبي مسلم (انتهى).

وقال الرازي في تفسيره: قال كعب: خلق الله تعالى ياقوتة خضراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء. قال أبو بكر الأصم: ومعنى قوله (وكان عرشه على الماء) كقولهم السماء على الأرض، وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر وكيف كانت الواقعة يدل على أن العرش والماء كانا قبل السماوات والأرض قالت المعتزلة: وفي الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما لأنه لا يجوز أن

يخلق ذلك ولا أحد ينتفع بالعرش والماء (انتهى).

وفي بعض الأخبار أن المراد حمل علمه ودينه الماء، وربما يؤول من قال بالهيولى الماء بها.

(ليبلوكم أيكم أحسن عملا) أي خلقهن لحكمة بالغة وهي أن يجعلها مساكن لعباده وينعم عليهم فيها بفنون النعم ويكلفهم ويعرضهم لثواب الآخرة ولما أشبه ذلك اختبار المختبر، قال (ليبلوكم) أي ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون. وعن الصادق عليه السلام: ليس يعني أكثركم عملا ولكن أصوبكم عملا، و إنما الإصابة خشية الله والنية الصادقة.

(ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض) قال الطبرسي ره أي ما أحضرت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم مستعينا بهم على ذلك، ولا استعنت ببعضهم على خلق بعض، وهذا إخبار عن كمال قدرته و استغنائه عن الأنصار والأعوان، ويدل عليه قوله (وما كنت متخذ المضلين عضدا) أي الشياطين الذين يضلون الناس أعوانا يعضدونني عليه، وكثيرا ما يستعمل العضد بمعنى العون. وقيل: المعنى أنكم اتبعتم الشياطين كما يتبع من يكون عنده علم لا ينال إلا من جهته وأنا ما طلعتهم على خلق السماوات ولا على خلق أنفسهم، ولم اعطهم العلم بأنه كيف يخلق الأشياء فمن أين يتبعونهم؟ وقيل: معناه ما أحضرت مشركي العرب وهؤلاء الكفار خلق السماوات والأرض ولا بعضهم خلق بعض بل لم يكونوا موجودين فخلقتهم فمن أين قالوا إن الملائكة بنات الله و من أين ادعوا ذلك؟ (انتهى) وزاد الرازي وجهين آخرين: أحدهما أن الضمير عائد إلى الكفار

الذين قالوا له صلى الله عليه وآله: إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء فلا نؤمن بك، فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركائي في خلق العالم وتدبير الدنيا والآخرة بل هم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له:

لست بسلطان البلد ولا وزير الملك حتى نقبل منك هذه الاقتراحات.

وثانيهما: أن يكون المراد هؤلاء الكفار أيضا ويكون المعنى: أنتم جاهلون بما جرى به القلم من أحوال السعادة والشقاوة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والكمال والعلو ولغيركم بالذل والدناءة (انتهى).

وروى العياشي عن الباقر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم أعز الاسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام فأنزل الله هذه الآية يعنيهما.

وفي الكافي عن الجواد عليه السلام: إن الله تعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمرها إليهم (الخبر) وهذا الخبر صريح في حدوث جميع أجزاء العالم.

(أولم ير الذين كفروا) قال الطبرسي ره: استفهام يراد به التقريع والمعنى: أو لم يعلموا أن الله سبحانه الذي يفعل هذه الأشياء ولا يقدر عليها غيره فهو الاله المستحق للعبادة دون غيره (أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) تقديرها: كانتا ذواتي رتق والمعنى: كانتا ملتزقتين منسدتين ففصلنا

بينهما بالهواء، عن ابن عباس وغيره. وقيل: كانت السماوات مرتتقة مطبقة ففتقناها سبع سماوات، وكانت الأرض كذلك ففتقناها سبع أرضين، عن مجاهد و السدي. وقيل: كانت السماء رتقا لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت، ففتقنا السماء بالمطر والأرض بالنبات، عن عكرمة وعطية وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (انتهى).

وقال الرازي: الرؤية إما بمعنى الابصار أو العلم، والأول مشكل لان القوم ما رأوهما، ولقوله تعالى (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض) والثاني أيضا مشكل لان الأجسام قابلة للرتق والفتق في أنفسها فالحكم عليها بالرتق أولا وبالفتق ثانيا لا سبيل إليه إلا السمع، والمناظرة مع الكفار المنكرين للرسالة، فكيف يجوز مثل هذا الاستدلال؟ ودفع الاشكال بعد اختيار الثاني بوجوه:

أحدها أنا نثبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله بسائر المعجزات ثم نستدل بقوله، ثم نجعلهما دليلا على حصول المصالح في العالم وانتفاء الفساد عنه. وثانيها أن نحمل الرتق والفتق على إمكانهما والعقل يدل عليه لان الأجسام يصح عليها الاجتماع و الافتراق فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصا وثالثها أن اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك، فإنه جاء في التوراة أن الله تعالى خلق جوهرة ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم خلق السماوات والأرض وفتق بينهما. وكان بين عبدة الأوثان وبين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك في عداوة محمد صلى الله عليه وآله فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء على أنهم يقبلون قول اليهود في ذلك.

ثم قال: اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال : أحدها وذكر الوجه الأول من وجوه الطبرسي ثم قال: هذا القول يوجب أن خلق

الأرض مقدم على خلق السماء لأنه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الاجزاء السماوية، قال كعب: خلق الله السماوات والأرضين ملتصقتين ثم خلق ريحا توسطهما ففتقتا بها، ثم ذكر الثاني والثالث ورجح الثالث بقوله تعالى (والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع) وبقوله سبحانه (وجعلنا من الماء كل شئ حي) ثم قال: ورابعها قول أبي مسلم الأصفهاني، قال:

يجوز أن يراد بالفتق، الايجاد والاظهار كقوله (فاطر السماوات والأرض) فأخبر عن الايجاد بلفظ الفتق، وعن الحال قبل الايجاد بلفظ الرتق.

أقول: وتحقيقه أن العدم نفي محض فليس فيه ذوات متميزة، وأعيان متبائنة بل كأنه أمر واحد متصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكوين يتميز بعضها عن بعض، فبهذا الطريق جعل الرتق مجازا عن العدم، والفتق عن الوجود. وخامسها أن الليل سابق على النهار بقوله (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) فكانت السماوات والأرض مظلمة ففتقهما الله بإظهار النهار المبصرة (انتهى).

وأقول: سيأتي في الاخبار ما يؤيد الوجه الثالث، ويومئ بعض خطب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الثاني كما ستعرف. وروى الكليني في الروضة عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد بن خالد عن الحسن بن محبوب عن أبي حمزة الثمالي

قال: سأل نافع أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) قال: إن الله تبارك وتعالى أهبط آدم إلى الأرض وكانت السماوات رتقا لا تمطر شيئا وكانت الأرض رتقا لا تنبت شيئا، فلما تاب الله عز وجل على آدم عليه السلام أمر السماء فتقطرت بالغمام، ثم أمرها فأرخت عزالاها ثم أمر الأرض فأنبتت الأشجار وأثمرت الثمار، و تفهقت بالأنهار، فكأن ذلك رتقها وهذا فتقها. فقال نافع: صدقت يا ابن رسول الله (إلى آخر الخبر) وهذا يدل على الثالث.

(وجعلنا من الماء كل شئ حي) قال الطبرسي: أي وأحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كل شئ حي، وقيل: وخلقنا من النطفة كل مخلوق.

والأول أصح. وروى العياشي بإسناده عن الحسين بن علوان قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن طعم الماء فقال: سل تفقها ولا تسأل تعنتا طعم الماء طعم الحياة، قال الله سبحانه: (وجعلنا من الماء كل شئ حي). وقيل: معناه و جعلنا من الماء حياة كل ذي روح ونماء كل نام فيدخل فيه الحيوان والنبات والأشجار، عن أبي مسلم.

(أفلا يؤمنون) أي أفلا يصدقون بالقرآن وبما يشاهدون من الدليل و البرهان. (الرحم) قيل: خبر للذي إن جعلته مبتدأ، ولمحذوف إن جعلته صفة

للحي، أو بدل من المستكن في (استوى) وقرئ بالجر صفة للحي (فاسأل به خبيرا) أي فاسأل عما ذكر من الخلق والاستواء عالما يخبرك بحقيقته وهو الله تعالى أو جبرئيل أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه. وقيل: الضمير للرحمن، والمعنى: إن أنكروا إطلاقه على الله فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا ما يرادفه في كتبهم. وعلى هذا يجوز أن يكون الرحمن مبتدأ والخبر ما بعده والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء. وقيل: إنه صلة خبيرا.

(قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) قال البيضاوي: أي مقدار يومين أو بنوبتين، وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون ولعل المراد بالأرض ما في جهة السفل من الاجرام البسيطة، ومن خلقها في يومين أنه خلق لها أصلا مشتركا ثم خلق لها صورا صارت بها أنواعا، وكفرهم به إلحادهم في ذاته وصفاته (وتجعلون له أندادا) ولا يصح أن يكون له ند (ذلك) الذي خلق الأرض في يومين (رب العالمين) خالق جميع ما وجد من الممكنات ومربيها (وجعل فيها رواسي) استئناف غير معطوف على (خلق) للفصل بما هو خارج عن الصلة (من فوقها) مرتفعة عليها ليظهر للنظار ما فيها من وجوه الاستبصار، وتكون منافعها معرضة للطلاب.

أقول: وقال الرازي: إذ لو جعلت تحتها لأوهم ذلك أنها أساطين تمسكها فجعلها فوقها ليرى الانسان أن الأرض والجبال أثقال على أثقال وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ وليس ذلك إلا الله سبحانه.

(وبارك فيها) قال البيضاوي: أي وأكثر خيرها بأن خلق فيها أنواع النبات والحيوانات (وقدر فيها أقواتها) أي أقوات أهلها بأن عين لكل نوع ما يصلحه ويعيش به، أو أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من

أقطارها. وقرئ (وقسم فيها أقواتها). (في أربعة أيام) أي في تتمة أربعة أيام كقولك سرت من البصرة إلى بغداد في عشر وإلى الكوفة في خمس عشرة.

ولعله قال ذلك ولم يقل في يومين للاشعار باتصالهما لليومين الأولين، و التصريح على الفذلكة.

أقول: وقد يحمل على أن المراد أربعة أوقات، وهي التي يخرج الله فيها أقوات العالم من الناس والبهائم والطير وحشرات الأرض وما في البر والبحر من الخلق، من الثمار والنبات والشجر وما يكون فيه معاش الحيوان كله، وهي الربيع والصيف والخريف والشتاء. ولا يخفى بعده عن السياق.

(سواء) أي استوت سواء بمعنى استواء، والجملة صفة أيام، ويدل عليه قراءة يعقوب بالجر، وقيل: حال من الضمير في (أقواتها) أو في (فيها) وقرئ بالرفع على (هي سواء). (للسائلين) متعلق بمحذوف تقديره: هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها، أو ب‍ (مقدر) أي قدر فيها الأقوات للطالبين.

(ثم استوى إلى السماء) قصد نحوها، من قولهم (استوى إلى مكان كذا) إذا توجه إليه توجها لا يلوي على غيره (وهي دخان) قال البيضاوي: أي أمر ظلماني، ولعله أراد به مادتها والاجزاء المتصغرة التي ركبت منها. و قال الطبرسي: قال ابن عباس: كانت بخار الأرض، وقيل: معناه ثم استوى أمره إلى السماء. وقال الرازي: وذكر صاحب الأثر أنه كان عرش الله على الماء

منذ خلق السماوات والأرض، فأحدث الله في ذلك الماء سخونة فارتفع منه زبد ودخان فبقي على وجه الماء، فخلق الله تعالى فيه اليبوسة وأحدث منه الأرض وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السماوات. واعلم أن هذه القصة غير موجودة في القرآن فإن دل عليها دليل صحيح قبلت وإلا فلا، وهذه القصة مذكورة في أول الكتاب الذي تزعم اليهود أنه التوراة، وفيه أنه تعالى خلق السماء من أجزاء مظلمة، وهذا هو المعقول لأنا قد دللنا في المعقولات على أن الظلمة ليست كيفية وجودية بل هي عبارة عن عدم النور فالله سبحانه لما خلق الاجزاء التي لا تتجزى فقبل أن يخلق فيها كيفية الضوء كانت مظلمة عديمة النور، ثم إذ ركبها وجعلها سماوات وكواكب وشمسا وقمرا وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة، فثبت أن تلك الأجزاء حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السماوات والشمس والقمر كانت مظلمة فصح تسميتها بالدخان، لأنه لا معنى للدخان إلا أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور.

(فقال لها وللأرض ائتيا) قال البيضاوي: أي بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر، وأبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة أو ائتيا في الوجود على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب للرتبة أو الاخبار أو إتيان السماء بحدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة، أو ليأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما، ويؤيده قراءة (آتيا) من المؤاتاة أي

ليوافق كل واحدة منكما أختها فيما أردت منكما (طوعا أو كرها) شئتما ذلك أو أبيتما، أو المراد إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع و الكره لهما، وهما مصدران وقعا موقع الحال. (قالتا أتينا طائعين) أي منقادين بالذات. والأظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها و تمثيلها بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع كقوله (كن فيكون) وما قيل أنه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب إنما يتصور على الوجه الأول والأخير وإنما قال (طائعين) على المعنى باعتبار كونهما مخاطبتين كقوله تعالى (ساجدين).

وقال الطبرسي قدس سره: قال ابن عباس: أتت السماء بما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وأتت الأرض بما فيها من الأنهار والأشجار والثمار وليس هناك أمر بالقول حقيقة ولا جواب لذلك القول، بل أخبر سبحانه عن اختراعه السماوات والأرض وانشائه لهما من غير تعذر ولا كلفة ولا مشقة بمنزلة ما يقال افعل فيفعل من غير تلبث ولا توقف ولا تأن فعبر عن ذلك بالأمر والطاعة، وهو كقوله (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) وإنما قال (أتينا طائعين) ولم يقل طائعتين لان المعنى: أتينا بمن فينا من العقلاء، فغلب حكم العقلاء. وقيل: إنه لما خوطبن خطاب من يعقل جمعن جمع من يعقل كما قال: (وكل في فلك يسبحون).

(فقضيهن سبع سماوات) قال البيضاوي: أي فخلقهن خلقا ابداعيا وأتقن

أمرهن، والضمير للسماء على المعنى أو مبهم. (وسبع سماوات) حال على الأول، وتمييز على الثاني. (في يومين) قيل: خلق السماوات يوم الخميس والشمس والقمر والنجوم يوم الجمعة (وأوحى في كل سماء أمرها) شأنها وما يتأتى منها بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا، وقيل: أوحى إلى أهلها بأوامره.

(وزينا السماء الدنيا بمصابيح) فإن الكواكب كلها ترى كأنها تتلألأ عليها.

(وحفظا) أي وحفظناها من الآفات أو من المسترقة حفظا. وقيل: مفعول له على المعنى، كأنه قال: خصصنا السماء الدنيا بمصابيح زينة وحفظا. (ذلك تقدير العزيز العليم) البالغ في القدرة والعلم.

(وما مسنا من لغوب) قال الطبرسي: أي تعب ونصب، أكذب الله تعالى بهذا اليهود، فإنهم قالوا: استراح الله يوم السبت فلذلك لا نعمل فيه شيئا.

وقال الرازي في تفسيره: قال بعض المفسرين: المراد من الآية الرد على اليهود حيث قالوا: بدأ الله خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه في ستة أيام آخرها يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستوى على عرشه. فقال تعالى: (وما مسنا من لغوب) رادا عليهم، والظاهر أن المراد الرد على المشرك أي ما تعبنا بالخلق الأول حتى لا نقدر على الإعادة ثانيا وأما ما قاله اليهود ونقلوه من التورية فهو إما تحريف منهم أولم يعلموا تأويله، وذلك لان الأحد والاثنين أزمنة متميزة بعضها عن بعض فلو كان خلق السماوات ابتداء يوم الأحد لكان الزمان متحققا قبل الأجسام، والزمان لا ينفك عن الأجسام، فيكون قبل الأجسام أجسام اخر

فيلزم القول بقدم العالم وهو مذهب الفلاسفة (انتهى).

وأقول: تعيين تلك الأيام موجودة في الأخبار المعتبرة كما ستعرف، وما توهم من لزوم قدم العالم خطأ كما عرفت سابقا أنه يمكن تصحيحه بوجوه متعددة شئ منها لا يستلزم ذلك، وأما تعيين الأيام فيمكن أن تقدر الأزمنة بحيث تكون بعد خلق الشمس وحركة الأفلاك وتعيين الأيام تلك الأزمان الماضية موافقة لهذه الأيام الستة، بحيث إذا كانت الشمس متحركة فيها كانت تلك الأيام بعينها فتأمل.

(أأنتم أشد خلقا) قال البيضاوي: أي أصعب خلقا أم السماء؟ ثم بين كيف خلقها وقال: (بناها) ثم بين البناء فقال: (رفع سمكها) أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو ثخنها الذاهب في العلو رفيعا (فسواها) أي فعد لها، أو جعلها مستوية، أو فتممها بما به يتم كما لها من الكواكب والتداوير وغيرها، من قولهم (سوى فلان أمره) إذا أصلحه (وأغطش ليلها) أي أظلمه منقول من (غطش الليل) إذا أظلم. وأضاف إليها لأنه يحدث بحركتها (وأخرج ضحاها) أي وأبرز ضوء شمسها كقوله تعالى (والشمس وضحيها) يريد النهار (والأرض بعد ذلك دحاها) بسطها ومهدها للسكنى، (أخرج منها ماءها) بتفجير العيون (ومرعاها) أي ورعيها، وهو في الأصل لمواضع الرعي. وتجريد الجملة عن العاطف لأنها حال بإضمار قد، أو بيان للدحو (والجبال أرساها) أي أثبتها (متاعا لكم ولأنعامكم) تمتيعا لكم ولمواشيكم.

(الذي خلق فسوى) أي خلق كل شئ فسوى خلقه بأن جعل له ما به يتأتي كما له ويتم معاشه (والذي قدر) أي قدر أجناس الأشياء وأنواعها و أشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها (فهدى) فوجهه إلى أفعاله طبعا أو اختيارا بخلق الميول والالهامات، ونصب الدلائل وإنزال الآيات.

* (تحقيق في دفع شبهة) * اعلم أن بعض الملاحدة أوردوا تناقضا بين آيات سورتي البقرة والسجدة و بين آيات سورة النازعات، حيث زعموا أن الأولة تدل على تقدم خلق الأرض على السماء والأخيرة على العكس. وأجيب عنه بوجوه:

أحدها: أن خلق الأرض قبل السماء إلا أن دحوها متأخر عن خلق السماء.

واستشكل بوجهين: الأول: أن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية فإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها لا محالة أيضا متأخرا عن خلق السماء. والثاني: أن الآية الأولى تدل على أن خلق الأرض وخلق كل ما فيها مقدم على خلق السماء، وخلق الأشياء في الأرض لا يكون إلا بعد ما كانت مدحوة. وأجيب: عن الأول بأنا لا نسلم امتناع انفكاك خلق الأرض عن دحوها والمناقشة في إطلاق خلق الأرض على إيجادها غير مدحوة مناقشة لفظية. وعر الثاني بأن قوله تعالى (والأرض بعد ذلك دحاها) يقتضي تقدم خلق السماء على دحو الأرض، ولا يقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض، فجاز أن تكون تسوية السماء متأخرة عن دحو الأرض فيكون خلق الأرض قبل السماء وخلق السماء قبل دحو الأرض، ودحو الأرض قبل تسوية السماء، فارتفع التنافي. ويرد عليه أن الآية الثالثة تقتضي تقدم تسوية السماء على دحو الأرض، والثانية تقتضي تقدم خلق الأرض بما فيها على تسويتها سبع سماوات، وخلق ما في الأرض قبل دحوها مستبعد. ويمكن أن يجاب بأن المراد بالخلق في الأولى التقدير وهو شائع في العرف واللغة، أو بأن المراد بخلق ما في الأرض خلق موادها كما أن خلق

الأرض قبل دحوها عبارة عن مثل ذلك فتكون تسوية السماء متقدمة على دحو الأرض كما هو ظاهر الآية الثالثة، أو بأن يفرق بين تسويتها المذكورة في الثالثة وبين تسويتها سبع سماوات كما في الأولى، وحينئذ فتسويتها مطلقا متقدمة على دحو الأرض، وتسويتها سبعا متأخرة عنه، ولعل هذا أوفق في الجمع، أو بأن يقال:

الفاء في قوله تعالى (فسواها) بمعنى ثم، والمشار إليه بذلك في قوله تعالى (والأرض بعد ذلك دحيها) هو بناء السماء وخلقها لا مجموع ما ذكر قبله، أو بأن يقال كلمة (ثم) في الأولى للترتيب الذكري، وتقديم خلق ما في الأرض في معرض الامتنان لمزيد الاختصاص، فيكون خلق ما في الأرض بعد دحوها كما هو الظاهر، وتسوية السماء متقدمة عليه وعلى دحو الأرض كما هو ظاهر الآية الثالثة. لكن هذا لا يخلو من نوع منافرة لظاهر الآية الثانية، وقد أوردنا بعض التوجيهات لها في شرح بعض الأخبار الآتية.

وقال البيضاوي: كلمة (ثم) في آيتي البقرة والسجدة لتفاوت ما بين الخلقين، وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى (ثم كان من الذين آمنوا) لا للتراخي في المدة فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى (والأرض بعد ذلك دحيها) فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء وتسويتها، إلا أن يستأنف بدحيها مقدر النصب الأرض فعلا آخر دل عليه (أنتم أشد خلقا) مثل: تعرف الأرض وتدبر أمرها بعد ذلك. لكنه خلاف الظاهر (انتهى).

والوجه الثاني: مما قد أجيب به عن أصل الاشكال أن يقال: كلمة (بعد) في الآية الثالثة ليست للتأخر الزماني، إنما هو على جهة تعداد النعم والأذكار

لها، كما يقول القائل: أليس قد أعطيتك وفعلت بك كذا وكذا وبعد ذلك خلطتك؟ وربما يكون بعض ما تقدم في اللفظ متأخرا بحسب الزمان لأنه لم يكن الغرض الاخبار عن الأوقات والأزمنة بل المراد ذكر النعم والتنبية عليها وربما اقتضت الحال إبراد الكلام على هذا الوجه.

والثالث: ما ذكره الرازي، وهو أن لا يكون معنى (دحيها) مجرد البسط، بل يكون المراد أنه بسطها بسطا هيئات لنبات الأقوات، وهذا هو الذي بينه بقوله (أخرج منها ماءها ومرعاها) وذلك لان الاستعداد لا يحصل للأرض إلا بعد وجود السماء، فإن الأرض كالأم والسماء كالأب، وما لم يحصلا لم يتولد أولاد المعادن والنبات والحيوان.

والرابع: ما ذكره أيضا وهو أن يكون قوله (والأرض بعد ذلك) أي مع ذلك، كقوله (عتل بعد ذلك زنيم) أي مع ذلك، وكقولك للرجل: أنت كذا وكذا، ثم أنت بعدها كذا. لا تريد الترتيب، وقال تعالى (فك رقبة) إلى قوله (ثم كان من الذين آمنوا.) والمعنى: وكان وهذا تقرير ما نقل عن ابن عباس وغيره قالوا في قوله (والأرض بعد ذلك دحيها): أي مع مياده دحيها.

أقول: وهذا قريب من الثاني. ثم المشهور أن خلق الأرض قبل خلق السماء وهو الأظهر ، وقيل بالعكس، نقل الواحدي في البسيط عن مقاتل أنه قال: خلق الله السماء قبل الأرض، وتأويل قوله (ثم استوى إلى السماء): ثم كان قد استوى وهي دخان قبل أن يخلق الأرض. فأضمر فيه كان كما قال تعالى: (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) معناه: إن يكن سرق.

وقال الرازي: المختار عندي أن يقال: خلق السماء مقدم على خلق الأرض

بقي أن يقال: كيف تأويل هذه الآية يعني آية السجدة؟ فنقول: الخلق ليس عبارة عن التكوين والايجاد، والدليل عليه قوله تعالى (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) فلو كان الخلق عبارة عن الايجاد و التكوين لصار معنى الآية: أوجده من تراب ثم قال له كن فيكون، وهذا محال لأنه يلزم أنه تعالى قد قال لشئ وجد: كن وإذا ثبت هذا فنقول: قوله (خلق الأرض في يومين) معناه أنه قضى بحدوثها في يومين وقضاء الله بأنه سيحدث كذا في مدة كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشئ في الحال، فقضاء الله بحدوث الأرض في يومين مقدم على إحداث السماء ولا يلزم منه تقدم إحداث الأرض على إحداث السماء (انتهى) ولا يخفى ما فيه وستطلع على حقيقة الامر في ضمن شرح الاخبار إن شاء الله تعالى.

* (الاخبار) * 1 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له: المعروف من غير رؤية والخالق من غير روية، الذي لم يزل قائما دائما، إذ لا سماء ذات أبراج، ولا حجب ذات أرتاج، ولا ليل داج، ولا بحر ساج، ولا جبل ذو فجاج، ولا فج ذو اعوجاج ولا أرض ذات مهاد، ولا خلق ذو اعتماد، ذلك مبتدع الخلق ووارثه، وإله الخلق ورازقه.

بيان: من غير روية أي تفكر، لأنه يستلزم الجهل السابق، وحدوث أمر فيه لم يكن، والاستكمال بعد النقص (الذي لم يزل قائما) أي بذاته أو بأحوال الخلق، وقد مر مرارا (دائما) أي باقيا بذاته من غير علة (ذات أبراج) أي بروج أو كواكب نيرة . و (الحجب) جمع الحجاب والمراد هنا ما سيأتي من الحجب النورانية التي تحت العرش أو السماوات عبر عنها بلفظين، و (الارتاج) في بعض

النسخ بكسر الهمزة مصدر (أرتج الباب) أي أغلقه، وفي بعضها بالفتح جمع (رتج) بالتحريك، أو (رتاج) بالكسر. والأول الباب العظيم، والثاني الباب المغلق أو الذي عليه باب صغير، و (الداجي) المظلم، و (الساجي) الساكن، و (الفجاج) جمع (الفج) بالفتح وهو الطريق الواسع بين الجبلين، و (المهاد) بالكسر:

الفراش. واعتمدت على الشئ: اتكأت عليه، وكل حي يعتمد على رجله في المشي وعلى غيرها، ويمكن أن يراد به القوة والتصرف. وأبدعت الشئ، و ابتدعته: أي استخرجته وأحدثته، و (الابتداع) الخلق على غير مثال، و (وارثه) أي الباقي بعد فنائهم، والمالك لما ملكوا ظاهرا، ولا يخفى صراحته في حدوث العالم.

2 النهج: قال عليه السلام: الأول قبل كل أول، والآخر بعد كل آخر.

بيان: الغرض إثبات الأولية والآخرية الحقيقيتين له سبحانه، وظاهر الأول حدوث ما سواه، واستدل بالثاني على ما ذهب إليه كثير من المتكلمين من انعدام العالم بأسره قبل قيام الساعة، ويمكن أن يكون الآخرية باعتبار أن كل ما عداه في التغير والتحول من حال إلى حال، كما ورد في الرواية، وقيل:

أوليته بحسب الخارج، وآخريته بحسب الذهن، أو الآخر في سلسلة الافتقار لاحتياج الكل إليه سبحانه.

3 - النهج: قال عليه السلام: الحمد لله الدال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليته ومنه قال عليه السلام: الحمد لله خالق العباد، وساطح المهاد، ومسيل الوهاد، ومخصب النجاد، ليس لأوليته ابتداء، ولا لأزليته انقضاء، هو الأول لم يزل، والباقي بلا أجل إلى قوله عليه السلام قبل كل غاية ومدة، وكل إحصاء وعدة إلى قوله عليه السلام لم يخلق الأشياء من أصول أزلية، ولا من أوائل أبدية بل خلق ما خلق فأقام حده، وصور ما صور فأحسن صورته.

بيان: (الساطح) الباسط، و (المسيل) المجري، و (الوهاد) جمع (وهدة) وهي الأرض المنخفضة، وأخصب الله الأرض أي جعلها كثيرة العشب والكلاء، و (النجاد) بالكسر جمع (نجد ) بالفتح وهو المرتفع من الأرض (ولا لأزليته انقضاء) أي في جانب الأبد، أي أزليته أزلية مقرونة بالأبدية، ويمكن أن يكون إشارة إلى أن الأزلية تستلزم الأبدية إذ ما ثبت قدمه امتنع عدمه، أو في جانب الأزل إذا رجع الوهم إليه. ولا يخفى دلالة تلك الفقرات على اختصاص الأزلية به و حدوث ما سواه، إذ ذكر الصفات المشتركة بينه وبين خلقه لا يناسب مقام المدح.

ثم صرح عليه السلام بذلك بقوله (لم يخلق الأشياء من أصول أزلية) ردا على ما زعمته الحكماء من الهيولي القديمة ونحو ذلك و (الأبد) بالتحريك الدهر، و (الدائم) و (القديم) الأزلي كما ذكره في القاموس وقيل: الزمان الطويل الذي ليس بمحدود، والظاهر أنه تأكيد وتفسير للفقرة الأولى، ويحتمل أن يكون المراد الأمثلة التي يخلق الله تعالى الأشياء على حذوها. وفي بعض النسخ (بدية) والبدي كرضي الأول (من أوائل) سابقة على إيجادها.

4 شرح النهج للكيدري: ورد في الخبر أن الله تعالى لما أراد خلق السماء والأرض خلق جوهرا أخضر، ثم ذوبه فصار ماء مضطربا، ثم أخرج منه بخارا كالدخان فخلق منه السماء كما قال (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) ثم فتق تلك السماء فجعلها سبعا، ثم جعل من ذلك الماء زبدا فخلق منه أرض مكة، ثم بسط الأرض كلها من تحت الكعبة ولذلك تسمى مكة أم القرى لأنها أصل جميع الأرض، ثم شق من تلك الأرض سبع أرضين وجعل بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمأة عام، وكذلك بين كل أرض وأرض، وكذلك بين هذه السماء وهذه الأرض، ثم بعث ملكا من تحت العرش حتى نقل الأرض على منكبه وعنقه ومد اليدين فبلغت إحداهما إلى المشرق والأخرى إلى المغرب، ثم بعث لقرار قدم ذلك الملك بقرة من الجنة كان لها أربعون ألف قرن وأربعون ألف رجل ويد، و بعث ياقوتا من الفردوس الأعلى حتى يوضع بين سنام تلك البقرة واذنها، فاستقر قدما ذلك الملك على السنام والياقوت، وإن قرون تلك البقرة لمرتفعة من أقطار الأرض إلى تحت العرش. وإن مناخر أنوفها بإزاء الأرض فإذا تنفست البقرة مد البحر، وإذا قبضت أنفاسها جزر البحر، من ذلك، ثم خلق لقرار قوائم تلك البقرة صخرة، وهي التي حكى الله عن لقمان في قوله (فتكن في صخرة) فيزيد مقدار سعة تلك الصخرة سبع مرات على مقدار سبع السماوات وسبع أرضين، ثم خلق حوتا وهو الذي أقسم الله فقال: (ن والقلم) والنون الحوت، وأمر تعالى بوضع تلك الصخرة على ظهر ذلك الحوت وجعل ذلك الحوت في الماء وأمسك الماء على الريح ويحفظ الله الريح بقدرته.

5 النهج والاحتجاج: في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام: الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده إلى قوله عليه السلام مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته.

6 - وفي خطبة أخرى مشهورة: لا نصحبه الأوقات، ولا ترفده الأدوات سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله إلى قوله عليه السلام لا يجري عليه السكون والحركة وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه؟ إذا التفاوت ذاته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه إلى قوله عليه السلام يقول لما أراد كونه: كن، فيكون، لا بصوت يقرع، ولا نداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا، لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات، ولا يكون بينها وبينه فصل، ولا له عليها فضل فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدع والبديع، خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه، وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار، وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم وحصنها من الأود والاعوجاج، ومنعها من التهافت والانفراج. أرسى أوتادها وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد أوديتها، فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه إلى قوله عليه السلام هو المنفي لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها، وليس فناء الدنيا بعد ابتدائها بأعجب من إنشائها واختراعها إلى قوله عليه السلام وإنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها. بلا وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شئ إلا الواحد القهار، الذي إليه مصير جميع الأمور، بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فناؤها، ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها، لم يتكاءده صنع شئ

منها إذ صنعه، ولم يؤده منها خلق ما برأه وخلقه، ولم يكونها لتشديد سلطان ولا لخوف من زوال ونقصان، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها من ضد مثاور، ولا للازدياد بها في ملكه، ولا لمكاثرة شريك في شركه، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها، ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه في تصريفها وتدبيرها، ولا لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شئ منها عليه، لم يمله طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها، لكنه سبحانه دبرها بلطفه وأمسكها بأمره، و أتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة بشئ منها عليها، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس، ولا من حال جهل وعمى إلى علم والتماس، ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة.

ايضاح: (الدال على قدمه بحدوث خلقه) فيه وفيما بعده دلالة على أن علة الفاقة إلى المؤثر الحدوث، وأنه لا يعقل التأثير في الأزلي القديم.

وكذا

قوله (مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته).

(لا تصحبه الأوقات) يحتمل وجهين: أحدهما نفي المصاحبة على الدوام بل وجوده سابق على الأزمان كالزمانيات كما قال: (سبق الأوقات كونه) و ثانيهما نفي الزمانية عنه سبحانه مطلقا كما ذهب إليه الحكماء من أن الزمان نسبة المتغير إلى المتغير ولا يكون فيما لا تغير فيه أصلا، فالمراد بسبق كونه على الأوقات عدم لحوقها له وامتناع مقارنته سبحانه لها، وربما يؤيد ذلك بقوله عليه السلام (وكيف يجري عليه ما هو أجراه؟) فإنه عليه السلام استدل على عدم جريان السكون والحركة عليه بأنه موجدهما فلا يكونان من صفاته الكمالية، لان الفعل لا يكون كمالا للفاعل واتصافه بهما لا على وجه الكمال يوجب التغير أو النقص وهذا جار في الزمان أيضا.

وكذا قوله (ويعود فيه ما هو أبداه) أي أظهره، فقيل: المعنى أنه سبحانه أظهر الحركة والسكون فكانا متأخرين عنه ذاتا، فلو كانا من صفاته لزم أن يعود المتأخر ويصير متقدما لان صفاته سبحانه عين ذاته فلا يجوز خلوه عنها في مرتبة الاظهار والايجاد، (ويحدث فيه ما هو أحدثه) لان الشئ لا يكون فاعلا وقابلا لشئ واحد، أو لما مر من لزوم الاستكمال بغيره والنقص في ذاته.

(إذا لتفاوتت ذاته) أي حصل الاختلاف والتغير في ذاته (ولتجزأ كنهه) أي كانت حقيقته ذات أجزاء وأبعاض، لان الحركة والسكون مستلزمان للتحيز المستلزم للجسمية، أو لكان فيه ما به بالقوة وما به بالفعل (ولامتنع من الأزل معناه) أي ذاته المقصودة من أسمائه الحسنى، والامتناع من الأزل للجسمية وحدوث ما لا ينفك عن الحركة والسكون (لا بصوت يقرع) أي يقرع الاسماع، والقرع الدق، وفي بعض النسخ على بناء المجهول أي يحصل من قرع شئ.

(ومثله) أي أقامه، وقيل: البارئ تعالى مثل القرآن لجبرئيل عليه السلام بالكتابة في اللوح، ويقال (مثلته بين يدي) أي أحضرته، فلما كان الله تعالى فعل القرآن واضحا بينا كأن قد مثله للمكلفين انتهى والظاهر أن المراد أن قوله (كن فيكون) ليس المراد به الكلام الحقيقي الذي له صوت بل كناية عن تعلق الإرادة وتمثيل لحول الأشياء بمحض إرادته بلا تأخر ولا توقف على أمر.

(ولو كان قديما لكان إلها ثانيا) هذا صريح في أن الامكان لا يجامع القدم وأن الايجاد إنما يكون لما هو مسبوق بالعدم، فالقول بتعدد القدماء مع القول بإمكان بعضها قول بالنقيضين (فتجري) على المعلوم وفي بعض النسخ على المجهول.

(عليه الصفات المحدثات) في أكثر النسخ (الصفات) معرفة باللام، فالمحدثات صفة له وفي بعضها بدون اللام على الإضافة وهو أنسب، أي لو كان محدثا لجرت عليه صفات الأجسام المحدثة فلم يكن بينه وبينها فرق.

و (الفصل) القطع، والحاجز بين الشيئين، و (المبتدع) في بعض النسخ على صيغة الفاعل، وفي بعضها على صيغة المفعول، فعلى الأول (البديع) بمعنى المبدع على بناء المفعول، وعلى الثاني بمعنى (المبدع) على بناء الفاعل.

(على غير مثال خلا) أي مضى وسبق (من غير اشتغال) أي لم يشغله إمساكها

عن غيره من الأمور (وأرساها) أي أثبتها (على غير قرار) أي مقر يتمكن عليه بل قامت بأمره لا على شئ (بغير قوائم) أي لا كدابة تقوم بقوائمها. و (الدعامة) بالكسر: عماد البيت الذي يقوم عليه. وحصنه تحصينا أي جعله منيعا. و (الأود) بالتحريك: الاعوجاج، والعطف للتفسير. و (التهافت) التساقط قطعة قطعة (أوتادها) أي جبالها التي هي للأرض بمنزلة الأوتاد (وضرب أسدادها) السد بالفتح و بالضم الجبل والحاجز بين الشيئين، وقيل: بالضم ما كان مخلوقا لله تعالى وبالفتح ما كان من فعلنا. وضرب الأسداد نصبها، يقال: ضربت الخيمة أي نصبتها، أو تعيينها كضرب الخراج، ولعل المعنى خلق الجبال فيها والأنهار التي هي كالحدود لها ليتميز بعضها عن بعض على حسب اقتضاء الحكمة الكاملة. وقال الجوهري: السد أيضا واحد السدود وهي السحائب السود، عن أبي زيد.

(واستفاض عيونها) أي جعلها فائضة جارية (وخد أوديتها) أي شقها ومنه (الأخدود) أي الحفرات المستطيلة في الأرض (حتى يصير موجودها كمفقودها) لعل المراد بالمفقود ما لم يوجد أصلا أي حتى يصير كأن لم يكن، ويحتمل أن تكون الكاف زائدة. وقوله عليه السلام (كما كان قبل ابتدائها) إلى آخر الكلام صريح في حدوث ما سوى الله تعالى، وظاهره نفي الزمان أيضا قبل العالم، وعدم زمانيته سبحانه إلى أن يحمل على الأزمنة المعينة من الليالي والأيام والشهور والسنين و يدل على فناء جميع أجزاء الدنيا بعد الوجود. وهذا أيضا ينافي القدم لأنهم أطبقوا علم أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، وأقاموا عليه البراهين العقلية.

(لم يتكاده) في أكثر النسخ على صيغة التفاعل وفي بعضها على صيغة التفعل، وكلاهما بمعنى نفي المشقة. وفي بعض النسخ (لم يتكاره) على صيغة التفاعل من الكره، يقال: فعل الامر على تكره وتكاره أي على تسخط وعدم الرضا به. والغرض أنه سبحانه لم يكن مجبورا مكرها في خلق الأشياء.

وآده الامر يؤده: أثقله و (برأه) أي خلقه، و (تشديد السلطان) إحكام السلطنة وحفظها عن تطرق الخلل فيها، و (الند) بالكسر: المثل، قالوا: ولا يكون الند إلا مخالفا. و (المكاثرة) المغالبة بالكثرة، و (الضد) بالكسر: النظير والكفؤ، وقيل، مثل الشئ وخلافه، وهو من الأضداد. (والثور) بالفتح:

الهيجان والوثب، وثاوره أي واثبه، و (الشرك) بالكسر الاسم من شركته كعلمت في البيع والميراث شركة. وفي النسخ (في شركة) بالتاء موضع الضمير. (والاستئناس) اتخاذ الأنيس ضد الاستيحاش، (والسأم) بالتحريك الملال، و (التصريف) التغيير وتحويل الشئ من حال إلى حال ومن وجه إلى وجه، (والثقل) بالكسر كما في بعض النسخ وكعنب كما في بعضها: ضد الخفة. و (لم يمله) على صيغة الأفعال أي لم يجعله سئما، وفي بعض النسخ (ولا يمله). وذكر السرعة لان الأفناء لا يستدعي زمانا طويلا إذا كان عن قدرة كاملة، أو لأنه إذا كان عن ملالة من البقاء يكون بسرعة.

و (أتقنها) أحكمها، و (الالتماس) الطلب، والمراد طلب علم مجهول. و (الضعة) بالفتح كما في النسخ وبالكسر: انحطاط الدرجة ضد الرفعة، والضمير في قوله عليه السلام (يعيدها) راجع إلى الدنيا كالضمائر السابقة، وجوز بعض شارحي النهج عودها إلى (الأمور) في قوله عليه السلام (إليه مصير جميع الأمور) وعلى أي حال ظاهره انعدام جميع المخلوقات حتى الأرواح والملائكة ثم عودها فيدل على جواز إعادة المعدوم وقد سبق الكلام فيه في المجلد الثالث.

7 - التوحيد والعيون: عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم عن أبي سمينة عن محمد بن عبد الله الخراساني عن الرضا عليه السلام قال: هو أين

الأين، كان ولا أين، وهو كيف الكيف، كان ولا كيف (الخبر).

8 الاحتجاج: عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن ادخله إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام فاستأذنته فأذن له، فدخل وسأله عن مسائل، فكان فيما سأله: أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله لموسى وساق الكلام إلى أن قال: فما تقول في الكتب، فقال: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وكل كتاب انزل كان كلام الله أنزله للعالمين نورا وهدى، وهي كلها محدثة، وهي غير الله. فقال أبو قرة: فهل يفنى؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فان، وما سوى الله فعل الله، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان فعل الله، ألم تسمع الناس يقولون: رب القرآن، وإن القرآن يقول يوم القيامة:

يا رب هذا فلان وهو أعرف به قد أظمأت نهاره وأسهرت ليله فشفعني فيه؟ و كذلك التوراة والإنجيل والزبور كلها محدثة مربوبة أحدثها من ليس كمثله شئ هدى لقوم يعقلون، فمن زعم أنهن لم يزلن فقد أظهر أن الله ليس بأول قديم ولا واحد، وأن الكلام لم يزل معه وليس له بدء وليس بإله.

بيان: (وليس له بدء) أي ليس للكلام علة، لان القديم لا يكون مصنوعا (وليس بإله) أي والحال أنه ليس بإله فكيف لم يحتج إلى الصانع؟ أو الصانع يلزم أن لا يكون إلها لوجود الشريك معه في القدم. وفي بعض النسخ (وليس بإله له) أي يلزم أن لا يكون الله إلها للكلام لكونه معه دائما.

9 المهج: بإسناده، عن أحمد بن محمد بن غالب، عن عبد الله بن أبي حبيبة وخليل بن سالم، عن الحارث بن عمير، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله هذا الدعاء، وذكر له فضلا كثيرا:

الحمد لله الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين، المدبر بلا وزير، ولا خلق من عباده يستشير، الأول غير مصروف، والباقي بعد فناء الخلق، العظيم الربوبية، نور

السماوات والأرضين، وفاطرهما ومبتدعهما، بغير عمد خلقهما، فاستقرت الأرضون بأوتادها فوق الماء، ثم علا ربنا في السماوات العلى، الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى إلى قوله أنت الله لا إله إلا أنت، كنت إذ لم تكن سماء مبنية، ولا أرض مدحية، ولا شمس مضيئة ولا ليل مظلم، ولا نهار مضيئ، ولا بحر لجي، ولا جبل رأس، ولا نجم سار، ولا قمر منير، ولا ريح تهب، ولا سحاب يسكب، ولا برق يلمع، ولا روح تتنفس ولا طائر يطير، ولا نار تتوقد، ولا ماء يطرد، كنت قبل كل شئ، وكونت كل شئ، وابتدعت كل شئ (إلى آخر الدعاء).

10 - ومنه: بأسانيد ذكرها إلى ابن عباس وعبد الله بن جعفر، عن أمير المؤمنين عليه السلام في الدعاء اليماني المعروف: وأنت الجبار القدوس الذي لم تزل أزليا دائما في الغيوب وحدك، ليس فيها غيرك، ولم يكن لها سواك.

11 - ومنه: في دعاء علمه جبرئيل النبي صلى الله عليهما: الأول والآخر والكائن قبل كل شئ، والمكون لكل شئ، والكائن بعد فناء كل شئ.

12 - التوحيد: عن محمد بن الحسن عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد ابن عيسى عن سليمان الجعفري، قال: قال الرضا عليه السلام: المشية من صفات الأفعال، فمن زعم أن الله لم يزل مريدا شائيا فليس بموحد.

بيان: لعل الشرك باعتبار أنه إذا كانت الإرادة والمشية أزليتين فالمراد و المشيئ أيضا يكونان أزليين، ولا يعقل التأثير في القديم، فيكون إلها ثانيا كما مر مرارا، أو إنهما لما لم يكونا عين الذات، فكونهما دائما معه سبحانه، يوجب إلهين

آخرين بتقريب ما مر. ويؤيد الأول ما رواه في التوحيد أيضا عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله قال: قلت له: لم يزل الله مريدا؟ فقال: إن المريد لا يكون إلا لمراد معه، بل لم يزل عالما قادرا ثم أراد.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.