پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

3 باب إبليس لعنه الله وقصصه وبدء خلقه ومكائده ومصائده و أحوال

ج ۶۰، ص ۳۲۶–۳۴۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۷ از ۷

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۰

والآية الثانية: قوله تعالى: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان.

والآية الثالثة: قوله تعالى في قصة سليمان: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ".

وقال تعالى: والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد.

وقال تعالى: ولسليمان الريح - إلى قوله تعالى: ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه.

والآية الرابعة: قوله تعالى: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من

أقطار السماوات والأرض.

والآية الخامسة: قوله تعالى: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب * و حفظا من كل شيطان مارد.

وأما الأخبار فكثيرة: الخبر الأول: روى مالك في الموطأ عن صيفي بن أفلح عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، قال: فسمعت تحريكا تحت سريره في بيته فإذا هي حية نفرت فهممت أن أقتلها، فأشار أبو سعيد: أن أجلس، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فلما انصرف من صلاته أشار إلى بيت في الدار فقال: ترى هذا البيت؟ قلت: نعم، قال: إنه كان فيه فتى من الأنصار حديث عهد بعرس - وساق الحديث إلى أن قال: - فرأى امرأته واقفة بين البابين فهيأ الرمح ليطعنها بسبب الغيرة، فقالت امرأته: ادخل بيتك لترى، فدخل بيته فإذا هو بحية على فراشها فركز فيها رمحه فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى فما يدرى أيهما كان أسرع موتا الفتى أم الحية؟ فسألنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن بالمدينة جنيا قد أسلموا فمن بدا لكم منهم فأذنوا ثلاثة أيام فان عاد فاقتلوه فإنه شيطان.

والخبر الثاني: روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وآله رأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من النار كلما التفت رآه فقال جبرئيل عليه السلام: ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن طفيت شعلته وصرفته؟ (1)؟ قل: أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ينزل إلى الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن.

والخبر الثالث: روى أيضا مالك في الموطأ أن كعب الأحبار كان يقول: أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شئ أعظم منه وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وبأسمائه كلها ما قد علمت منها وما لم أعلم، من شر ما خلق وذرأ وبرأ.

والخبر الرابع: روى أيضا مالك أن خالد بن الوليد قال: يا رسول الله إني أروع في منامي فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون.

والخبر الخامس: ما اشتهر وبلغ مبلغ التواتر من خروج النبي صلى الله عليه وآله ليلة الجن وقراءته عليهم ودعوته إياهم إلى الاسلام.

والخبر السادس: روى القاضي أبو بكر في الهداية أن عيسى عليه السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من بني آدم فأراه ذلك فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع رأسه على قلبه، فإذا ذكر الله تعالى خنس، وإذا لم يذكره وضع رأسه على حبة قلبه.

والخبر السابع: قوله عليه السلام: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم وقال: ما منكم من أحد إلا وله شيطان، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا

أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم.

والأحاديث في ذلك كثيرة والقدر الذي ذكرناه كاف.

المسألة الثالثة: في بيا أن الجن مخلوق من النار، والدليل عليه قوله تعالى:

" والجان خلقناه من قبل من نار السموم " وقال تعالى حاكيا عن إبليس أنه قال: " خلقتني من نار وخلقته من طين ".

واعلم أن حصول الحياة في النار غير مستبعد، ألا ترى أن الأطباء قالوا: ان المتعلق الأول للنفس هو القلب والروح وهما في غاية السخونة، وقال جالينوس: إني بقرت مرة بطن قرد وأدخلت يدي في بطنه وأدخلت إصبعي في قلبه فوجدته في غاية السخونة، ونقول: أطبق الأطباء على أن الحياة لا تحصل إلا بسبب الحرارة الغريزية وقال بعضهم: الأغلب على الظن أن كرة النار تكون مملوة من الروحانيات.

المسألة الرابعة: ذكروا قولين في أنهم لم سموا بالجن؟

الأول: أن لفظ الجن مأخوذ من الاستتار، ومنه الجنة لاستتار أرضها بالأشجار ومنه الجنة لأنها ساترة للانسان ومنه الجن لاستتارهم عن العيون، ومنه المجنون لاستتار عقله، ومنه الجنين لاستتاره في البطن ومنه قوله تعالى: " اتخذوا أيمانهم جنة أي وقاية وسترا.

واعلم أن على هذا القول يلزم أن تكون الملائكة من الجن لاستتارهم عن العيون إلا أن يقال: إن هذا من باب تقييد المطلق بسبب العرف.

والقول الثاني: أنهم سموا بهذا الاسم لأنهم كانوا في أول أمرهم خزان الجنة والقول الأول أقوى.

المسألة الخامسة: اعلم أن طوائف المكلفين أربعة: الملائكة والانس والجن و

الشياطين، واختلفوا في الجن والشياطين فقيل: الشياطين جنس، والجن جنس آخر كما أن الانسان جنس والفرس جنس آخر، وقيل: الجن منهم أخيار ومنهم أشرار والشياطين اسم لأشرار الجن.

المسألة السادسة: المشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في بواطن البشر، وأنكر أكثر المعتزلة ذلك، وأما المثبتون فقد احتجوا بوجوه: الأول: أنه إن كان الجن عبارة عن موجود ليس بجسم ولا جسماني فحينئذ يكون معنى كونه قادرا على النفوذ في باطنه أنه يقدر على التصرف في باطنه، وذلك غير مستبعد، وإن كان عبارة عن حيوان هوائي لطيف نفاذ كما وصفناه في باطن بني آدم غير ممتنع قياسا على النفس وغيره.

الثاني قوله تعالى: " لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " الثالث: قوله عليه السلام: إن الشيطان ليجري من بني آدم مجرى الدم.

أما المنكرون فقد احتجوا بأمور: الأول قوله تعالى حكاية عن إبليس: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي " صرح بأنه ما كان له على البشر سلطان إلا من الوجه الواحد، وهو إلقاء الوسوسة والدعوة إلى الباطل.

والثاني: لا شك أن الأنبياء والعلماء المحققين يدعون الناس إلى لعن الشيطان والبراءة منه، فوجب أن تكون العداوة بين الشياطين وبينهم أعظم أنواع العداوة، فلو كانوا قادرين على النفوذ في بواطن البشر وعلى إيصال البلاء والشر إليهم لوجب أن يكون تضرر الأنبياء والعلماء منهم أشد من تضرر كل أحد، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه باطل.

المسألة السابعة: اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأما الجن والشياطين فإنهم يأكلون ويشربون، قال

صلى الله عليه وآله في الروث والعظم: إنه زاد إخوانكم من الجن، وأيضا فإنهم يتوالدون قال تعالى: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني " والله أعلم.

المسألة الثامنة: في كيفية الوسوسة بناء على ما ورد في الآثار، ذكروا أنه يغوص في باطن الانسان ويضع رأسه على حبة قلبه ويلقي إليه الوسوسة، واحتجوا عليه بما روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ألا فضيقوا مجاريه بالجوع.

وقال صلى الله عليه وآله: لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات والأرض.

ومن الناس من قال: هذه الأخبار لا بد من تأويلها لأنه يمتنع حملها على ظواهرها واحتج عليه بوجوه: الأول أن نفوذ الشياطين في بواطن الناس محال لأنه يلزم إما اتساع تلك المجاري أو تداخل تلك الأجسام.

والثاني: ما ذكرنا أن العداوة الشديدة حاصلة بينه وبين أهل الدين فلو قدر على هذا النفوذ فلم لم يخصهم بمزيد الضرر؟

الثالث: أن الشيطان مخلوق من النار، فلو دخل في داخل البدن لصار كأنه نفذ النار في داخل البدن، ومعلوم أنا لا نحس بذلك.

الرابع: أن الشياطين يحبون المعاصي وأنواع الكفر والفسق، ثم إنا نتضرع بأعظم الوجوه إليهم ليظهروا أنواع الكفر والفسق فلا نجد منه أثرا ولا فائدة وبالجملة فلا نرى من عداوتهم ضررا ولا نجد من صداقتهم نفعا.

وأجاب مثبتوا الشياطين عن السؤال الأول بأن على القول بأنها نفوس مجردة فالسؤال زائل، وعلى القول بأنها أجسام لطيفة كالضوء والهواء فالسؤال أيضا زائل.

وعن الثاني: لا يبعد أن يقال: إن الله والملائكة يمنعونهم من إيذاء علماء البشر.

وعن الثالث: أنه لما جاز أن يقول الله تعالى لنار إبراهيم: " يا نار كوني بردا و سلاما على إبراهيم " فلم لا يجوز مثله ههنا؟

وعن الرابع: أن الشياطين مختارون ولعلهم يفعلون بعض القبائح دون بعض.

المسألة التاسعة: في تحقيق الكلام في الوسوسة على الوجه الذي قرره الشيخ الغزالي في كتاب الاحياء قال: القلب مثل قبة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كل باب، أو مثل هدف ترمى إليه السهام من كل جانب، أو مثل مرآة منصوبة يجتاز عليها الاشخاص فيتراءى فيها صورة بعد صورة، أو مثل حوض ينصب إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة، واعلم أن مداخل هذه الآثار المجددة في القلب ساعة فساعة إما من الظاهر كالحواس الخمس، وإما من الباطن كالخيال والشهوة والغضب والاخلاق المركبة في مزاج الانسان فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب، وكذا إذا هاجت الشهوة أو الغضب حصل من تلك الأحوال آثار في القلب، وأما إذا منع الانسان عن الادراكات الظاهرة فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل الخيال من الشئ إلى الشئ وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال، فالقلب دائما في التغير والتأثر من هذه الأسباب وأخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر، وأعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار والأذكار، وأعني بهذا إدراكات وعلوما إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر، فإنما تسمى خواطر من حيث أنها تخطر بالخيال بعد أن

كان القلب غافلا عنها، فالخواطر هي المحركات للإرادات، والإرادات محركة للأعضاء ثم إن هذه الخواطر المحركة لهذه الإرادات تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر، أعني إلى ما يضر في العاقبة إلى الخير أعني ما ينفع في العاقبة، فهما خاطران مختلفان فافتقر إلى اسمين مختلفين، فالخاطر المحمود يسمى إلهاما، والمذموم يسمى وسواسا، ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر أحوال حادثة فلا بد لها من سبب، والتسلسل محال، فلا بد من انتهاء الكل إلى واجب الوجود، هذا مخلص كلام الغزالي، وقد حذفنا التطويل منه.

المسألة العاشرة: في تحقيق الكلام فيما ذكره الغزالي، واعلم أن هذا الرجل دار حول المقصود إلا أنه لا يحصل الغرض إلا من بعد مزيد التنقيح فنقول: لا بد قبل الخوض في المقصود من تقديم مقدمات، فالمقدمة الأولى لا شك أن ههنا مطلوبا ومهروبا وكل مطلوب فاما أن يكون مطلوبا لذاته أو لغيره ولا يجوز أن يكون كل مطلوب مطلوبا لغيره وأن يكون كل مهروب مهروبا عنه لغيره وإلا لزم إما الدور وإما التسلسل، وهما محالان، فثبت أنه لا بد من الاعتراف بوجود شئ يكون مطلوبا لذاته ووجود شئ يكون مهروبا عنه لذاته.

والمقدمة الثانية: أن الاستقراء يدل على أن المطلوب بالذات هو اللذة والسرور والمطلوب بالتبع ما يكون وسيلة إليهما، والمهروب عنه بالذات هو الألم والحزن، و المهروب عنه بالتبع ما يكون وسيلة إليهما.

والمقدمة الثالثة: أن اللذيذ عند كل قوة من القوى النفسانية شئ آخر فاللذيذ عند القوة الباصرة شئ واللذيذ عند القوة السامعة شئ آخر، واللذيذ عند القوة الشهوانية شئ ثالث، واللذيذ عند القوة الغضبية شئ رابع، واللذيذ عند القوة العاقلة شئ خامس.

والمقدمة الرابعة: أن القوة الباصرة إذا أدركت موجودا في الخارج لزم من حصول ذلك الادراك البصري وقوف الذهن على ماهية ذلك المرئي، وعند الوقوف عليه يحصل العلم بكونه لذيذا أو مؤلما أو خاليا عنهما فان حصل العلم بكونه لذيذا ترتب على حصول هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى تحصيله، وإن حصل العلم بكونه مؤلما ترتب على هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى البعد عنه والفرار منه وإن لم يحصل العلم بكونه مؤلما ولا بكونه لذيذا لم يحصل في القلب لا رغبة إلى الفرار عنه ولا رغبة إلى تحصيله.

المقدمة الخامسة: أن العلم بكونه لذيذا إنما يوجب حصول الميل والرغبة في تحصيله إذا حصل ذلك العلم خاليا عن المعارض والمعاوق، فأما إذا حصل هذا المعارض لم يحصل ذلك الاقتضاء، مثاله: إذا رأينا طعاما لذيذا فعلمنا بكونه لذيذا إنما يؤثر في الاقدام على تناوله إذا لم نعتقد أنه حصل فيه ضررا زائد، أما إذا اعتقدنا أنه حصل فيه ضرر زائد، فعندئذ يعتبر العقل كيفية المعارضة والترجيح فأيهما غلب على ظنه أنه راجح عمل بمقتضى ذلك الرجحان، ومثال آخر لهذا المعنى أن الانسان قد يقتل نفسه وقد يلقي نفسه من السطح العالي إلا أنه إنما يقدم على هذا العمل إذا اعتقد أنه بسبب تحمل ذلك العمل المؤلم يتخلص عن مؤلم آخر أعظم منه أو يتوصل به إلى تحصيل منفعة أعلى حالا منها، فثبت بما ذكرنا أن اعتقاد كونه لذيذا أو مؤلما إنما يوجب الرغبة والنفرة إذا خلا ذلك الاعتقاد عن المعارض.

المقدمة السادسة في بيان أن التقرير الذي بيناه يدل على أن الأفعال الحيوانية لها مراتب مترتبة ترتيبا ذاتيا لزوميا عقليا، وذلك لأن هذه الأفعال مصدرها القريب هو القوى الموجودة في العضلات إلا أن هذه القوى صالحة للفعل والترك فامتنع صيرورتها مصدرا للفعل بدلا عن الترك وللترك بدلا عن الفعل، الا بضميمة تنضم إليها وهي الإرادات ثم إن تلك الإرادات إنما توجد وتحدث لأجل العلم بكونها لذيذة أو مؤلمة، ثم إن تلك العلوم إن حصلت بفعل انسان عاد البحث الأول فيه ولزم إما الدور وإما التسلسل وهما محالان، وإما الانتهاء إلى علوم وإدراكات وتصورات تحصل في جوهر النفس من

الأسباب الخارجة، وهي إما الاتصالات الفلكية على مذهب قوم أو السبب الحقيقي فهو أن الله تعالى يخلق تلك الاعتقادات والعلوم في القلب، فهذا تلخيص الكلام في أن الفعل كيف يصدر عن الحيوان، إذا عرفت هذا فاعلم أن نفاة الشياطين ونفاة الوسوسة قالوا: ثبت أن المصدر القريب للأفعال الحيوانية هو هذه القوى المركوزة في العضلات والأوتاد وثبت أن تلك القوى لا تصير مصادر للفعل والترك إلا عند انضمام الميل والإرادة إليها وثبت أن تلك الإرادة من لوازم حصول الشعور بكون ذلك الشئ لذيذا أو مؤلما، وثبت أن حصول ذلك الشعور لابد وأن يكون بخلق الله تعالى ابتداء أو بواسطة مراتب شأن كل واحد منها في استلزام ما بعده على الوجه الذي قررناه، وثبت أن ترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبله أمر لازم لزوما ذاتيا واجبا، فإنه إذا أحس بالشئ وعرف كونه ملائما مال طبعه إليه، وإذا مال طبعه إليه تحركت القوة إلى الطلب، وإذا حصلت هذه المراتب حصل الفعل لا محالة، فلو قدرنا شيطانا من الخارج وفرضنا أنه حصلت له وسوسة كانت تلك الوسوسة عديمة الأثر، لأنه إذا حصلت تلك المراتب المذكورة حصل الفعل سواء حصل هذا الشيطان أولم يحصل وإن لم يحصل مجموع تلك المراتب امتنع حصول الفعل سواء حصل هذا الشيطان أولم يحصل، فعلمنا أن القول بوجود الشيطان وبوجود الوسوسة قول باطل، بل الحق أن نقول: إن اتفق حصول هذه المراتب في الطرف النافع سميناها بالالهام، وإن اتفق حصولها في الطرف الضار سميناها بالوسوسة، هذا تمام الكلام في تقرير هذا الاشكال.

والجواب أن كل ما ذكرتموه حق وصدق إلا أنه لا يبعد أن يكون الانسان غافلا عن الشئ، فإذا ذكره الشيطان ذلك الشئ تذكره ثم عند التذكر ترتب عليه الميل إليه وترتب الفعل على حصول ذلك الميل، فالذي أتى به الشيطان الخارجي ليس إلا ذلك التذكر، وإليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال: " وما كان لي عليكم من سلطان

إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي " إلا أنه بقي لقائل أن يقول: فالانسان إنما أقدم على المعصية بتذكير الشيطان، فالشيطان إن كان إقدامه على المعصية بتذكير شيطان آخر لزم التسلسل وإن كان عمل ذلك الشيطان ليس لأجل شيطان آخر ثبت أن ذلك الشيطان الأول إنما أقدم على ما أقدم عليه لحصول ذلك الاعتقاد في قلبه، ولابد لذلك الاعتقاد الحادث من محدث، وما ذاك إلا الله تعالى، وعند هذا يظهر أن الكل من عند الله تعالى، فهذا غاية الكلام في هذا البحث الدقيق العميق، وصار حاصل الكلام ما قاله سيد الرسل صلى الله عليه وآله وهو قوله: " وأعوذ بك منك " والله أعلم.

المسألة الحادية عشر: اعلم أن الانسان إذا جلس في الخلوة وتواترت الخواطر في قلبه فربما صار بحيث كأنه يسمع في داخل قلبه ودماغه أصواتا خفية وحروفا خفية وكأن متكلما يتكلم معه ومخاطبا يخاطبه، وهذا أمر وجداني يجده كل أحد من نفسه ثم اختلف الناس في تلك الخواطر فقالت الفلاسفة: إن هذه الأشياء ليست حروفا ولا أصواتا، وإنما هي تخيلات الأصوات والحروف، وتخيل الشئ عبارة عن حضور رسمه ومثاله في الخيال، وهذا كما أنا إذا تخيلنا صورة البحار والاشخاص، فأعيان تلك الأشياء غير موجودة في العقل والقلب، بل الموجود في العقل والقلب صورها وأمثلتها ورسومها، وهي على سبيل التمثيل جارية مجرى الصورة المرتسمة في المرآة، فإذا أحسسنا صورة الفلك والشمس والقمر في المرآة فان ذلك ليس بأنه حضرت ذوات هذه الأشياء في المرآة فان ذلك محال، وإنما الحاصل في المرآة رسوم هذه الأشياء وصورها وأمثلتها فإذا عرفت هذا في تخيل المبصرات فاعلم أن الحال في تخيل الحروف والكلمات المسموعة كذلك، فهذا قول جمهور الفلاسفة، ولقائل أن يقول: هذا الذي سميته بتخيل الحروف والكلمات هل هو مساو للحروف والكلمة في الماهية أولا؟ فان حصلت المساواة فقد عاد

الكلام إلى أن الحاصل في الخيال حقائق الحروف والأصوات، وإلى أن الحاصل في الخيال عند تخيل البحر والسماء حقيقة البحر والسماء، وإن كان الحق هو الثاني وهو أن الحاصل في الخيال شئ آخر مخالف للمبصرات والمسموعات، فحينئذ يعود السؤال وهو أنا كيف نجد من أنفسنا صور هذه المرئيات؟ وكيف نجد من أنفسنا هذه الكلمات والعبارات وجد انا لا نشك أنها حروف متوالية على العقل متعاقبة على الذهن؟ فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة، وأما الجمهور الأعظم من أهل العلم فإنهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف وأصوات خفية.

واعلم أن القائلين بهذا القول قالوا: فاعل هذه الحروف والأصوات إما ذلك الانسان أو انسان آخر، وإما شئ روحاني مباين يمكنه إلقاء هذه الحروف والأصوات إلى هذا الانسان، سواء قيل: إن ذلك المتكلم هو الجن والشياطين أو الملك، وإما أن يقال: خالق تلك الحروف والأصوات هو الله تعالى، أما القسم الأول وهو أن فاعل هذه الحروف والأصوات هو ذلك الانسان فهذا قول باطل، لأن الذي يحصل باختيار الانسان يكون قادرا على تركه، فلو كان حصول هذه الخواطر بفعل الانسان لكان الانسان إذا أراد دفعها أو تركها لقدر عليه، ومعلوم أنه لا يقدر على دفعها فإنه سواء حاول فعلها أو حاول تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه وتتعاقب على ذهنه بغير اختياره.

وأما القسم الثاني وهو أنها حصلت بفعل انسان آخر فهو ظاهر الفساد، ولما بطل هذان القسمان بقي الثالث وهي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله تعالى، وأما الذين قالوا: إن الله لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم أن يقولوا: إن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى، فبقي أنها من أحاديث الجن والشياطين وأما الذين قالوا: إنه لا يقبح من الله شئ فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من نسبة

إسناد هذه الخواطر إلى الله تعالى.

واعلم أن الثنوية يقولون: للعالم إلهان: أحدهما خير وعسكره الملائكة والثاني شر وعسكره الشياطين، وهما يتنازعان أبدا، وكل شئ في هذا العالم فلكل واحد منهما تعلق به، فالخواطر الداعية إلى أعمال الخير إنما حصلت من عساكر الله والخواطر الداعية إلى أعمال الشر إنما حصلت من عساكر الشيطان، واعلم أن القول باثبات إلهين قول باطل على ما ثبت فساده بالدلائل، فهذا منتهى القول في هذا الباب.

المسألة الثانية عشر: من الناس من أثبت لهذه الشياطين قدرة على الاحياء وعلى الإماتة وعلى خلق الأجسام وعلى تغيير الاشخاص عن صورتها الأصلية وخلقتها الأولوية ومنهم من أنكر هذه الأحوال وقال: إنه لا قدرة لها على شئ من هذه الأحوال، وأما أصحابنا فقد أقاموا الدلالة على أن القدرة على الايجاد والتكوين والاحداث ليست إلا لله، فبطلت هذه المذاهب كلها بالكلية، وأما المعتزلة فقد سلموا أن الانسان قادر على إيجاد بعض الحوادث، فلا جرم صاروا محتاجين إلى بيان أن هذه الشياطين لا قدرة لها على خلق الأجسام والحياة، ودليلهم هو أن قالوا الشيطان جسم، وكل جسم فإنه قادر بالقدرة، والقدرة التي لنا لا تحصل لايجاد الأجسام، فهذه مقدمات ثلاث، فالمقدمة الأولى أن الشيطان جسم، فقد بنوا هذه المقدمة على أن ما سوى الله إما متحيز وإما حال في المتحيز، وليس لهم في إثبات هذه المقدمة شبهة فضلا عن حجة.

وأما المقدمة الثانية وهي قولهم: الجسم إنما يكون قادرا بالقدرة، فقد بنوا

هذا على أن الأجسام متماثلة، فلو كان شئ منها قادرا لذاته لكان الكل قادرا لذاته وبناء هذه المقدمة على تماثل الأجسام.

وأما المقدمة الثالثة وهي قولهم: هذه القدرة التي لنا لا تصلح لخلق الأجسام، فوجب أن لا تصلح القدرة الحادثة لخلق الأجسام وهذا أيضا ضعيف، لأنه يقال لهم: لم لا يجوز حصول قدرة مخالفة لهذه القدرة الحاصلة لنا، وتكون تلك القدرة صالحة لخلق الأجسام؟ فإنه لا يلزم من عدم وجود الشئ في الحال امتناع وجوده، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة.

المسألة الثالثة عشر: اختلفوا في أن الجن هل يعلمون الغيب؟ وقد بين الله تعالى في كتابه أنهم بقوا في قيد سليمان عليه السلام وفي حبسه بعد موته مدة وهم ما كانوا يعلمون موته، وذلك يدل على أنهم لا يعلمون الغيب، ومن الناس من يقول: إنهم يعلمون الغيب، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إن فيهم من يصعد إلى السماوات أو يقرب منها و يتلقى بعض تلك الغيوب على ألسنة الملائكة، ومنهم من قال: إن لهم طرقا أخرى في معرفة الغيوب عن الله تعالى.

اعلم أن فتح الباب في مثل هذه المباحث لا يفيد إلا الظنون والحسبانات، والعالم بحقائقها هو الله سبحانه وتعالى.

وقال أيضا في تفسير سورة الجن: اختلف الناس قديما وحديثا في ثبوت الجن ونفيه، فالنقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكاره، وذلك لأن أبا علي بن سينا قال في رسالته في حدود الأشياء: الجن حيوان هوائي متشكل بأشكال مختلفة، ثم قال: وهذا شرح للاسم.

فقوله: فهذا شرح للاسم، يدل على أن هذا الحد شرح المراد من هذا اللفظ

وليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج.

وأما جمهور أرباب الملل والمصدقين للأنبياء عليهم السلام فقد اعترفوا بوجود الجن واعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة وأصحاب الروحانيات ويسمونها بالأرواح السفلية، وزعموا أن الأرواح السفلية أسرع إجابة إلا أنها أضعف، وأما الأرواح الفلكية فهي أبطأ إجابة إلا أنها أقوى.

واختلف المثبتون على قولين: فمنهم من زعم أنها ليست أجساما ولا حالة في الأجسام بل هي جواهر قائمة بأنفسها، قالوا: ولا يلزم من هذا أن يقال: إنها تكون مساوية لذات الله لان كونها ليست أجساما ولا جسمانية سلوب، والمشاركة في السلوب لا تقتضي المساواة في الماهية، قالوا: ثم إن هذه الذوات بعد اشتراكها في هذه السلوب أنواع مختلف بالماهية كاختلاف ماهيات الاعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وبعضها كريمة حرة محبة للخيرات، وبعضها دنيئة خسيسة محبة للشرور والآفات، ولا يعرف عدد أنواعهم وأصنافهم إلا الله تعالى، قالوا: وكونها موجودات مجردة لا يمنع من كونها عالمة بالخيرات قادرة على الأفعال، فهذه الأرواح يمكنها أن تسمع وتبصر وتعلم الأفعال الخيرة، فيفعل الأفعال المخصوصة، ولما ذكرنا أن ماهياتها مختلفة لا جرم لا يبعد أن يكون في أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة يعجز عنها قدرة البشر، ولا يبعد أيضا أن يكون لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم، وكما أنه دلت الدلائل الطبيعية على أن التعلق

الأول للنفس الناطقة التي ليس للانسان إلا هي، هي الأرواح وهي أجسام بخارية لطيفة تتولد من ألطف أجزاء الدم وتتكون في الجانب الأيسر من القلب، ثم بواسطة تعلق النفس بهذه الأرواح تصير متعلقة بالأعضاء التي تسري فيها هذه الأرواح لم يبعد أيضا أنه يكون لكل واحد من هؤلاء هو المتعلق الأول لذلك الروح، ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل لتلك الأرواح تعلق تصرف في تلك الأجسام الكثيفة.

ومن الناس من ذكر في الجن طريقة أخرى فقال: هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها، ازدادت قوة وكمالا بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس المفارقة من البدن فبسبب تلك المشاكلة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما بهذا البدن وتصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن، فان الجنسية علة الضم، فان اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكا وتلك الإعانة إلهاما، وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمى ذلك المعين شيطانا وتلك الإعانة وسوسة.

والقول الثاني في الجن أنهم أجسام، ثم القائلون بهذا المذهب اختلفوا على قولين: منهم من زعم أن الأجسام مختلفة في ماهياتها، إنما المشترك بينها صفة واحدة وهي كونها بأسرها حاصلة في الحيز والمكان والجهة، وكونها موصوفة بالطول والعرض والعمق، وهذه كلها إشارة إلى الصفات، والاشتراك في الصفات لا يقتضي الاشتراك في تمام الماهية لما ثبت أن الأشياء المختلفة في تمام الماهية لا يمتنع اشتراكها في لازم واحد، قالوا: وليس لأحد أن يحتج على تماثل الأجسام بأن يقال: الجسم من حيث أنه جسم له حد واحد وحقيقة واحدة، فيلزم أن لا يصل التفاوت في ماهية الجسم من حيث

هو جسم، بل إن حصل التفاوت حصل في مفهوم زائد على ذلك، وأيضا فلانه يمكننا تقسيم الجسم إلى اللطيف والكثيف والعلوي والسفلي، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام فالأقسام كلها مشتركة في الجسمية، والتفاوت إنما يحصل بهذه الصفات وهي اللطافة والكثافة وكونها علوية وسفلية، قالوا: وهاتان الحجتان ضعيفتان.

أما الحجة الأولى فلانا نقول: كما أن الجسم من حيث أنه جسم له حد واحد وحقيقة واحدة، فكذا العرض من حيث أنه عرض له حد واحد وحقيقة واحدة، فيلزم منه أن تكون الأعراض كلها متساوية في تمام الماهية، وهذا مما لا يقوله عاقل، بل الحق عند الفلاسفة أنه ليس للاعراض البتة قدر مشترك بينها من الذاتيات، إذ لو حصل بينها قدر مشترك لكان ذلك المشترك جنسا لها، ولو كان كذلك لما كانت التسعة أجناسا عالية بل كانت أنواع جنس واحد.

إذا ثبت هذا فنقول: الاعراض من حيث أنها أعراض لها حقيقة واحدة، ولم يلزم من ذلك أن يكون بينها ذاتي مشترك أصلا، فضلا عن أن تكون متساوية في تمام الماهية، فلم لا يجوز أن يكون الحال في الجسم كذلك، فإنه كما أن الأعراض مختلفة في تمام الماهية، ثم إن تلك المختلفات متساوية في وصف عارض، وهو كونه عارضا لموضوعاتها، فكذا من الجائز أن يكون ماهيات الأجسام مختلفة في تمام ماهياتها، ثم إنها تكون متساوية في وصف عارض وهو كونها مشارا إليها بالحس وحاصلة في الحيز والمكان، وموصوفة بالأبعاد الثلاثة، فهذا الاحتمال لا دافع له أصلا.

وأما الحجة الثانية وهي قولهم: إنه يمكن تقسيم الجسم إلى اللطيف والكثيف فهي أيضا منقوضة بالعرض، فإنه يمكن تقسيم العرض إلى الكيف والكم ولم يلزم أن يكون هناك قدر مشترك من الذاتي فضلا عن التساوي في كل الذاتيات، فلم لا يجوز أن يكون الأمر هنا أيضا كذلك، وإذا ثبت أنه لا امتناع في كون الأجسام مختلفة ولم يدل دليل على بطلان هذا الاحتمال، وحينئذ قالوا: لا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع الهواء في الماهية، ثم يكون تلك الماهية تقتضي لذاتها علما مخصوصا وقدرة مخصوصة على أفعال عجيبة، وعلى هذا التقدير يكون

القول بالجن ظاهر الاحتمال، وتكون قدرتها على التشكل بالاشكال المختلفة ظاهرة الاحتمال.

القول الثاني: قول من قال: الأجسام متساوية في تمام الماهية، والقائلون بهذا المذهب أيضا فرقتان: الفرقة الأولى الذين زعموا أن البنية ليست شرطا في الحياة وهذا قول الأشعري وجمهور أتباعه، وأدلتهم في هذا الباب ظاهرة قوية، قالوا: لو كانت البنية شرطا في الحياة لكان إما أن يقال: إن الحياة الواحدة قامت بمجموع الاجزاء، أو يقال قام بكل واحدة من الاجزاء حياة واحدة على حدة، والأول محال لأن حلول العرض الواحد في المحال الكثيرة دفعة واحدة غير معقول.

والثاني أيضا باطل لأن الأجزاء التي منها تألف الجسم متساوية والحياة القائمة بكل واحد منها متساوية للحياة القائمة بالجزء الآخر، وحكم الشئ حكم مثله، فلو افتقر قيام الحياة بهذا الجزء إلى قيام تلك الحياة بذلك الجزء يحصل هذا الافتقار من الجانب الآخر، فيلزم وقوع الدور، وهو محال، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ ثبت أن قيام الحياة بهذا الجزء لا يتوقف على قيام الحياة الثانية بذلك الجزء الثاني، وإذا بطل هذا التوقيف ثبت أنه يصح كون الجزء الواحد موصوفا بالحياة والعلم وفي القدرة والإرادة وبطل القول بأن البنية شرط، قالوا: وأما دليل المعتزلة وهو أنه لا بد من البنية فليس إلا الاستقراء، وهو أنا رأينا أنه متى فسدت البنية بطلت الحياة، ومتى لم تفسد بقيت الحياة، فوجب توقف الحياة على حصول البنية، إلا أن هذا ركيك، فان الاستقراء لا يفيد القطع بالوجوب، فما الدليل على أن حال ما لم يشاهد كحال ما شوهد وأيضا فلان هذا الكلام إنما يستقيم على قول من ينكر خرق العادات، أما من يجوزها فهذا لا يتمشى على مذهبه، والفرق بينهما في جعل بعضها على سبيل العادة وجعل بعضها على سبيل الوجوب تحكم محض لا سبيل إليه، فثبت أن البنية ليست شرطا في الحياة

وإذا ثبت هذا لم يبعد أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علما بأمور كثيرة وقدرة على أشياء شاقة شديدة وعند هذا ظهر القول بامكان وجود الجن، سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة، وسواء كانت أجرامهم كبيرة أو صغيرة.

القول الثاني: إن البنية شرط الحياة، وإنه لا بد من صلابة في البنية حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة.

فههنا مسألة أخرى: وهي أنه هل يمكن أن يكون المرئي حاضرا، والموانع مرتفعة والشرائط من القرب والبعد حاصلة، وتكون الحاسة سليمة، ثم مع هذا لا يحصل الادراك أو يكون هذا ممتنعا عقلا؟ أما الأشعري وأتباعه فقد جوزوه، وأما المعتزلة فقد حكموا بامتناعه عقلا، واستدل الأشعري على قوله بوجوه عقلية ونقلية أما العقلية فأمران:

الأول: أنا نرى الكبير من البعيد صغيرا، وما ذاك إلا أنا نرى بعض أجزاء ذلك البعيد دون البعض، مع أن نسبة الحاسة وجميع الشرائط إلى تلك الأجزاء المرئية كهي بالنسبة إلى الاجزاء التي هي غير مرئية، فعلمنا أن مع حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول الشرائط وانتفاء الموانع لا يكون الادراك واجبا.

الثاني: إن الجسم الكبير لا معنى له إلا مجموع تلك الأجزاء المتألفة، فإذا رأينا ذلك الجسم الكبير على مقدار من البعد فقد رأينا تلك الأجزاء، فأما أن تكون رؤية هذا الجزء مشروطة برؤية ذلك الجزء الآخر أولا يكون، فإن كان الأول لزم الدور، لأن الأجزاء متساوية، فلو افتقرت رؤية هذا الجزء إلى رؤية ذلك الجزء لافتقرت أيضا رؤية ذلك الجزء إلى رؤية هذا الجزء، فيقع الدور، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ رؤية الجوهر الفرد على القدر من المسافة تكون ممكنة.

ثم من المعلوم أن ذلك الجوهر الفرد لو حصل وحده من غير أن ينضم إليه سائر الجواهر فإنه لا يرى، فعلمنا أن حصول الرؤية عند اجتماع جملة الشرائط لا يكون واجبا بل جائزا.

وأما المعتزلة فقد عولوا على أنا إن جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون بحضرتنا طبلات وبوقات ولا نراها ولا نسمعها، وإذا عارضناهم بسائر الأمور العادية وقلنا لهم فجوزوا أن يقال: انقلبت مياه البحار ذهبا وفضة والجبال ياقوتا وزبرجدا، وحصل في السماء حال ما غمضت العين ألف شمس وقمر، ثم كما فتحت العين أعدمها الله تعالى عجزوا عن الفرق، والسبب في هذا التشويش أن هؤلاء المعتزلة نظروا إلى هذه الأمور المطردة في مناهج العادات فزعموا أن بعضها واجبة، وبعضها غير واجب، فلما لم يجدوا قانونا مستقيما ومأخذا سليما بين البابين تشوش الامر عليهم، بل الواجب أن يسوي بين الكل فيحكم على الكل بالوجوب، كما هو قول الفلاسفة، أو على الكل بعدم الوجوب كما هو قول الأشعري، فأما التحكم في الفرق فهو بعيد.

إذا ثبت هذا ظهر جواز القول بالجن وأن أجسامهم وإن كانت كثيفة قوية إلا أنه لا يمتنع أن لا نراها وإن كانوا حاضرين، هذا على قول الأشعري فهذا هو تفصيل هذه الوجوه.

وأنا متعجب من هؤلاء المعتزلة أنهم كيف يصدقون ما جاء في القرآن من إثبات الملك والجن مع استمرارهم على مذاهبهم، وذلك لأن القرآن دل على أن للملائكة قوة عظيمة على الأفعال الشاقة والجن أيضا كذلك، وهذه القدرة لا تثبت إلا في الأعضاء الكثيفة الصلبة، فإذا يجب في الملك والجن أن يكونوا كذلك، ثم إن هؤلاء الملائكة حاضرون عندنا أبدا وهم الكرام الكاتبون والحفظة، ويحضرون أيضا عند قبض الأرواح وقد كانوا يحضرون عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإن أحدا من القوم ما كان يراهم، وكذلك الناس الجالسون عند من يكون في النزع لا يرون أحدا، فان وجبت رؤية الكثيف عند الحضور فلم لا نراها؟ وإن لم تجب الرؤية فقد بطل مذهبهم، وإن كانوا موصوفين بالقوة والشدة مع عدم الكثافة والصلابة فقد بطل قولهم: إن البنية شرط الحياة، فان قالوا:

إنها أجسام لطيفة ولكنها للطافتها لا تقدر على الاعمال الشاقة، فهذا إنكار لصريح القرآن، وبالجملة فحالهم في الاقرار بالملك والجن مع هذه المذاهب عجيبة.

بيان: أقول: إنما أوردت هذه الأقوال الركيكة لتطلع على مذاهب جميع الفرق في ذلك، وقد عرفت ما دلت عليه الآيات والأخبار المعتبرة، وأشرنا إلى ما هو الحق الحقيق بالاذعان ولم نتعرض لتزييف الأقوال السخيفة حذرا من الاطناب.

قوله: فأذنوه ثلاثة أيام، أي فأعلموه وأتموا الحجة عليه، قال النووي: فإنه إذا لم يذهب بالانذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت ولا ممن أسلم من الجن، بل هو شيطان فاقتلوه ولن يجعل الله له سبيلا إلى الانتصار عليكم بثاره بخلاف العوامر وصفة الانذار أن يقول: أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان أن تؤذونا وأن تظهروا لنا " قالوا: لا تقتل حياة المدينة إلا بالانذار، وفي غيرها يقتل بغيره، بسبب أن طائفة من الجن أسلم بها، وقيل: النهي في حياة البيوت في جميع البلاد، وما ليس في البيوت يقتل بدونه انتهى.

وأقول: وفي بعض رواياتهم: " فليحرج عليها " قال في النهاية: قوله عليه السلام في قتل الحيات: فليحرج عليها، هو أن يقول لها: أنت في حرج أي ضيق، إن عدت إلينا فلا تلومينا، إن ضيق عليك بالتتبع والطرد والقتل انتهى.

وقال النووي: أحرج عليك بالله واليوم الآخر أن لا تبدوا لنا ولا تؤذونا ولا تظهروا لنا فإن لم يذهب أو عاد بعده فاقتلوه، فإنه إما جني كافر أو حية. وقوله:

شيطان، أي ولد من أولاد إبليس أو حية.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.