بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
3 باب إبليس لعنه الله وقصصه وبدء خلقه ومكائده ومصائده و أحوال
ج ۶۰، ص ۱۳۰–۱۶۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۷
وقال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء.
وقال سبحانه: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.
آل عمران " 3 ": وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم.
وقال: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين.
النساء " 4 ": ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا.
وقال تعالى: فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا وقال:
ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا، وقال تعالى: إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا * لعنه الله وقال: لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا * ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا * يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا * أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا.
المائدة " 5 ": إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون.
الأنعام " 6 ": وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وقال: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وقال تعالى: ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين.
الأعراف " 7 ": ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين * قال أنظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين * قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين * قال اخرج منها مذؤوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين إلى آخر
ما مر في قصة آدم.
وقال تعالى: وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين.
وقال تعالى: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون * وقال تعالى: إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله وقال تعالى: وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم * إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * و إخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون.
الأنفال " 8 ": وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب.
يوسف " 13 ": إن الشيطان للانسان عدو مبين وقال تعالى: فأنساه الشيطان ذكر ربه وقال: من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي.
إبراهيم " 14 ": وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن
الظالمين لهم عذاب أليم.
الحجر " 15 ": وحفظناها من كل شيطان رجيم * إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين.
وقال سبحانه: وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حماء مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين * قال يا إبليس ما لك أن لا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون * قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين * قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم * قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال هذا صراط علي مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين * وإن جهنم لموعدهم أجمعين.
النحل " 16 ": فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم، وقال تعالى:
فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون.
الأسرى " 17 ": إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا وقال تعالى: إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا
مبينا وقال تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا * قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا * قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا * واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا.
الكهف " 18 ": وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا * ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا وقال تعالى: وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره.
مريم " 19 ": يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا * يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا.
وقال تعالى: فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا وقال تعالى: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا.
طه " 20 " فسجدوا إلا إبليس - إلى قوله تعالى: - فوسوس إليه الشيطان.
الأنبياء " 21 ": ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا
لهم حافظين.
الحج " 22 ": ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير، وقال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم * ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم.
المؤمنون " 23 ": وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون.
النور " 24 ": يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر.
الشعراء " 26 ": فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون وقال تعالى: وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون - إلى قوله تعالى: - هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون.
النمل " 27 ": وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل.
القصص " 28 ": قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين.
سبأ " 24 ": ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شئ حفيظ.
فاطر " 35 ": إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير.
يس " 36 ": ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم * ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون.
الصافات " 37 ": وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون إلى الملاء الأعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ولهم عذاب واصب * إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب وقال تعالى: طلعها كأنه رؤوس الشياطين.
ص " 38 ": والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد وقال تعالى: إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب.
وقال تعالى: إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس
استكبر وكان من الكافرين * قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين * قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين * قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين * قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين.
السجدة " 41 ": وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم.
الزخرف " 43 ": ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين.
وقال تعالى: ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين.
محمد " 47 ": الشيطان سول لهم وأملى لهم.
المجادلة " 58 ": استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون.
الحشر " 59 ": كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك اني أخاف الله رب العالمين * فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين.
الملك: " 67 " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير * وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير * إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور * تكاد تميز من الغيظ كلما القي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير * فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال كبير.
الناس " 114 ": من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس.
تفسير: " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " قال البيضاوي: لا تقتدوا به في اتباع الهوى فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام " إنه لكم عدو مبين " ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه، ولذلك سماه وليا في قوله: " أولياؤهم الطاغوت ".
" إنما يأمركم بالسوء والفحشاء " بيان لعداوته ووجوب التحرز عن متابعته واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تسفيها لرأيهم وتحقيرا لشأنهم، والسوء والفحشاء: ما أنكره العقل واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين فإنه سوء لاغتمام العاقل به، وفحشاء باستقباحه إياه.
وقيل: السوء يعم القبائح، والفحشاء ما يجاوز الحد في القبح من الكبائر.
وقيل: الأول ما لا حد فيه، والثاني ما شرع فيه الحد. " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " كاتخاذ الأنداد وتحليل المحرمات وتحريم الطيبات.
وقال الرازي: اعلم أن أمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي نجدها في أنفسنا، وقد اختلف الناس في هذه الخواطر من وجوه:
أحدها: اختلفوا في ماهياتها، فقال بعض: إنها حروف وأصوات خفية، قالت الفلاسفة: إنها تصورات الحروف والأصوات وأشباهها وتخيلاتها على مثال الصور المنطبعة في المرايا فان تلك الصور تشبه تلك الأشياء من بعض الوجوه وإن لم تكن مشابهة لها من كل الوجوه، ولقائل أن يقول: صور هذه الحروف وتخيلاتها هل تشبه هذه الحروف في كونها حروفا أو لا تشبهها؟ فإن كان الأول فتصور الحروف حروف، فعاد القول إلى أن هذه الخواطر أصوات وحروف خفية، وإن كان الثاني لم يكن تصورات هذه الحروف حروفا لكني أجد من نفسي هذه الحروف والأصوات مترتبة منتظمة على حسب انتظامها في الخارج والعربي لا يتكلم في قلبه إلا بالعربية، وكذا الأعجمي، وتصورات هذه الحروف وتعاقبها وتواليها في الخارج، فثبت أنها في أنفسها حروف وأصوات خفية.
وثانيها: أن فاعل هذه الخواطر من هو؟
أما على أصلنا أن خالق الحوادث بأسرها هو الله تعالى فالأمر ظاهر.
وأما على أصل المعتزلة فهم لا يقولون بذلك.
وأيضا فان المتكلم عندهم من فعل الكلام، فلو كان فاعل هذه الخواطر هو الله تعالى وفيها ما يكون كذبا لزم كون الله تعالى موصوفا بذلك تعالى الله عنه.
ولا يمكن أن يقال أن فاعلها هو العبد، لأن العبد قد يكره حصول تلك الخواطر ويحتال في دفعها عن نفسه، مع أنها البتة لا يندفع بل ينجر البعض إلى البعض على سبيل الاتصال، فإذا لا بد ههنا من شئ آخر، وهو إما الملك وإما الشيطان، فلعلهما متكلمان بهذا
الكلام في أقصى الدماغ، أو في أقصى القلب، حتى أن الانسان وإن كان في غاية الصمم فإنه يسمع هذه الحروف والأصوات.
ثم إن قلنا: بأن الشيطان والملك ذوات قائمة بأنفسها غير متحيزة البتة لم يبعد كونها قادرة على مثل هذه الأفعال، وإن قلنا: بأنها أجسام لطيفة لم يبعد أيضا أن يقال:
إنها وإن كانت لا تتولج بواطن البشر إلا أنهم يقدرون على إيصال هذا الكلام إلى بواطن البشر.
ولا يبعد أيضا أن يقال: إنها لغاية لطافتها يقدر على النفوذ في مضائق بواطن البشر ومخارق جسمه، وتوصل الكلام إلى قلبه ودماغه، ثم إنها مع لطافتها تكون مستحكمة التركيب بحيث يكون اتصال بعض أجزائه بالبعض اتصالا لا ينفصل، فلا جرم لا يقتضي نفوذها في هذه المضائق والمخارق انفصالها وتفرق أجزائها، وكل هذه الاحتمالات مما لا دليل على فسادها، والأمر في معرفة حقائقها عند الله تعالى، ومما يدل على إثبات إلهام الملائكة بالخير قوله تعالى: " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا " أي ألهموهم بالثبات، ويدل عليه من الأخبار قوله صلى الله عليه وآله: " للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة ".
وفي الحديث أيضا: " إذا ولد المولود لبني آدم قرن إبليس به شيطانا وقرن الله به ملكا فالشيطان جاثم على اذن قلبه الأيسر، والملك قائم على اذن قلبه الأيمن فهما يدعوانه ".
ومن الصوفية والفلاسفة من فسر الملك الداعي إلى الخير بالقوة العقلية، وفسر الشيطان الداعي إلى الشر بالقوة الشهوانية والغضبية، ودلت الآية على أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح لأن الله تعالى ذكره بكلمة إنما وهي للحصر، وقال بعض العارفين:
إن الشيطان قد يدعو إلى الخير لكن لغرض أن يجره منه إلى الشر، وذلك إلى
أنواع: إما أن يجره من الأفضل إلى الفاضل السهل أو من السهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سببا لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية.
وقال في قوله تعالى: " إن الشيطان يعدكم الفقر " اختلفوا في الشيطان فقيل:
إبليس، وقيل: سائر الشياطين، وقيل: شياطين الجن والإنس، وقيل: النفس الأمارة بالسوء، والوعد يستعمل في الخير والشر، ويمكن أن يكون هذا محمولا على التهكم وقد مر الكلام في حقيقة الوسوسة في تفسير الاستعاذة.
وروى ابن مسعود أن للشيطان لمة وهي الايعاد بالشر، وللملك لمة وهي الوعد بالخير، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، ومن وجد الأول فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقرأ هذه الآية، وروى الحسن قال بعض المهاجرين: من سره أن يعلم مكان الشيطان منه فليتأمل موضعه من المكان الذي منه يجد الرغبة في فعل المنكر.
والفحشاء: البخل، والفاحش عند العرب: البخل وقال في قوله تعالى: " إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " التخبط معناه التصرف على غير استواء وتخبطه الشيطان: إذا مسه بخبل أو جنون، وتسمى إصابة الشيطان بالجنون، و الخبل: خبطة، والمس: الجنون، يقال: مس الرجل فهو ممسوس وبه مس، وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الانسان فيجننه، ثم سمي الجنون مسا كما أن الشيطان يتخبطه ويطأه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة، فالتخبط بالرجل والمس باليد.
وقال الجبائي: والناس يقولون: المصروع إنما حدثت به تلك الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه، وهذا باطل لأن قدرة الشيطان ضعيفة لا يقدر على صرع
الناس وقتلهم، ويدل عليه وجوه:
أحدها: قوله تعالى حكاية عن الشيطان: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي " وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والايذاء.
والثاني: أن الشيطان إما أن يقال: إنه كثيف الجسم أو يقال: إنه من الأجسام اللطيفة، فإن كان الأول وجب أن يرى ويشاهد، إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفا ويحضر ثم لا يرى لجاز أن يكون بحضرتنا شموس ورعود وبروق وجبال ونحن لا نراها، وذلك جهالة عظيمة، ولأنه لو كان جسما كثيفا فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الانسان، وأما إن كان جسما لطيفا كالهواء فمثل هذا يمتنع أن تكون فيه صلابة وقوة فيمتنع أن يكون قادرا على أن يصرع الانسان ويقتله.
الثالث: لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع الانسان فيقتله لصح أن يفعل مثل معجزات الأنبياء وذلك يجر الطعن في النبوة.
الرابع: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين ولا يخبطهم من شدة عداوته مع أهل الايمان؟ ولم لا يغصب أموالهم ويفسد أحوالهم ويفشي أسرارهم ويزيل عقولهم؟ وكل ذلك ظاهر الفساد.
واحتج القائلون بأن الشيطان يقدر على هذه الأشياء بوجهين:
الأول: ما روي أن الشياطين في زمان سليمان عليه السلام كانوا يعملون الأعمال الشاقة على ما حكى الله عنهم: إنهم كانوا " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات " والجواب عنه أنه تعالى كثف أجسامهم في زمان سليمان عليه السلام.
والثاني: أن هذه الآية وهي قوله تعالى: " يتخبطه الشيطان من المس " صريح في أن تخبطه كان من الشيطان ومسه مسببا عنه.
والجواب عنه: أن الشيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الصرع وهو كقول أيوب " إني مسني الشيطان بنصب وعذاب " وإنما يحدث الصرع عند تلك الوسوسة، فلا جرم فيصرع عند تلك الوسوسة كما يفزع الجبان من الموضع الخالي وبهذا المعنى لا يوجد هذا الخبط من الفضلاء الكاملين وأهل الحزم والعقل، وإنما يوجد فيمن به نقص في المزاج وخلل في الدماغ، وهذا جملة كلام الجبائي في هذا الباب.
وذكر القفال وجها آخر فيه، وهو أن الناس يضيفون الصرع إلى الشيطان وإلى الجن فخوطبوا على ما تعارفوه من هذا.
وأيضا من عادة الناس أنهم إذا أرادوا تقبيح شئ يضيفوه إلى الشيطان كما في قوله تعالى: " طلعها كأنه رؤوس الشياطين " وقال الطبرسي قدس سره: قيل: إن هذا على وجه التشبيه، لأن الشيطان لا يصرع الانسان على الحقيقة، ولكن من غلب عليه المرة السوداء وضعف ربما يخيل إليه الشيطان أمورا هائلة ويوسوس إليه، فيقع الصرع عند ذلك من فعل الله تعالى، ونسب ذلك إلى الشيطان مجازا لما كان ذلك عند وسوسته عن الجبائي.
وقيل: يجوز أن يكون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس دون بعض عن أبي الهذيل وابن الأخشيد، قالا: لأن الظاهر من القرآن يشهد به وليس في العقل ما يمنع منه ولا يمنع الله سبحانه الشيطان عنه امتحانا لبعض الناس وعقوبة لبعض على ذنب ألم به ولم يتب منه كما يسلط بعض الناس على بعض فيظلمه ويأخذ ماله ولا يمنعه الله منه.
" واني أعيذها بك " قال البيضاوي: أجيرها بحفظك " الرجيم ": المطرود، وأصل الرجم: الرمي بالحجارة، وعن النبي صلى الله عليه وآله: " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه إلا مريم وابنها " ومعناه أن الشيطان يطمع في اغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها، فان الله تعالى عصمها ببركة هذه الاستعاذة.
" إنما ذلك الشيطان يخوف " قال الرازي: قوله: " الشيطان " خبر " ذلكم " بمعنى إنما ذلكم المثبط هو الشيطان " يخوف أولياء، " جملة مستأنفة بيان لشيطنته أو الشيطان صفة لاسم الإشارة، ويخوف الخبر، والمراد بالشيطان الركب، وقيل: نعيم بن مسعود وسمي شيطانا لعتوه وتمرده في الكفر، كقوله: " شياطين الإنس والجن " وقيل: هو الشيطان يخوف أولياءه بالوسوسة.
وقال في قوله سبحانه: " إن كيد الشيطان كان ضعيفا " لأن الله ينصر أولياءه والشيطان ينصر أولياءه، ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليائه أضعف من نصرة الله لأوليائه ألا ترى أن أهل الخير والدين بقي ذكرهم الحميد على وجه الدهر وإن كانوا حال حياتهم في غاية الفقر والذلة، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرضوا ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم " والكيد ": السعي في فساد الحال على جهة الحيلة، وفائدة إدخال " كان " للتأكيد لضعف كيده، يعني أنه منذ كان كان موصوفا بالضعف والذلة.
وقال البيضاوي: " ولولا فضل الله عليكم ورحمته " بارسال الرسول وإنزال الكتاب " لاتبعتم الشيطان " بالكفر والضلال " إلا قليلا " إلا قليلا منكم تفضل الله عليه بعقل راجح اهتدى به إلى الحق والصواب وعصمه عن متابعة الشيطان، كزيد بن نفيل
وورقة بن نوفل، أو إلا اتباعا قليلا على الندور.
وقال في قوله سبحانه: " إن يدعون من دونه إلا إناثا " يعني اللات والعزى مناة ونحوها، كان لكل حي صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان، وذلك إما لتأنيث أسمائها، أو لأنها كانت جمادات، والجمادات تؤنث من حيث أنها ضاهت الإناث لا نفعا لها، ولعله تعالى ذكرها بهذا الاسم تنبيها على أنهم يعبدون ما يسمونه إناثا لأنه ينفعل ولا يفعل، ومن حق المعبود أن يكون فاعلا غير منفعل، ليكون دليلا على تناهي جهلهم وفرط حماقتهم.
وقيل: المراد الملائكة لقولهم: بنات الله " وإن يدعون " وإن يعبدون بعبادتها " إلا شيطانا مريدا " لأنه الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها، فكان طاعته في ذلك عبادة له، والمارد والمريد: الذي لا يعلق بخير، وأصل التركيب للملابسة، ومنه صرح ممرد، وغلام أمرد. وشجرة مرداء للتي تناثر ورقها " لعنه الله " صفة ثانية للشيطان " وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا " عطف عليه، أي شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا القول الدال على فرط عداوته للناس.
ولأضلنهم " عن الحق " ولأمنينهم " الأماني الباطلة كطول البقاء وأن لا بعث ولا عقاب " ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام " يشقونها لتحريم ما أحله الله وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب، وإشارة إلى تحريم كل ما أحل الله ونقص كل ما خلق كاملا بالفعل أو بالقوة " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " عن وجهه صورة أو صفة، ويندرج فيه ما قيل: من فق ء عين الحامي وخصاء العبيد والوشر والوشم واللواط والسحق ونحو ذلك، وعبادة الشمس والقمر، وتغيير فطرة الله
التي هي الاسلام، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا ولا يوجب لها من الله زلفا، وعموم اللفظ يمنع الخصاء مطلقا، لكن الفقهاء رخصوا في خصاء البهائم للحاجة، والجمل الأربع حكاية عما ذكره الشيطان نطقا أو أتاه فعلا.
" ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله " بايثاره ما يدعوه إليه على ما أمره الله به ومجاوزته عن طاعة الله إلى طاعته " فقد خسر خسرانا مبينا " إذ ضيع رأس ماله وبدل مكانه من الجنة بمكان من النار " يعدهم " ما لا ينجز " ويمنيهم " ما لا ينالون " وما يعدهم الشيطان إلا غرورا " وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر، وهذا الوعد إما بالخواطر الفاسدة أو بلسان أوليائه " ولا يجدون عنها محيصا " معدلا ومهربا.
وقال الرازي بعد إيراد كلام المفسرين: ويخطر ببالي ههنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشئ يكون على ثلاثة أوجه: التشوش، والنقصان، والبطلان، فادعى الشيطان إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين وضرر الدين وهو قوله: " ولأمنينهم " ثم إن هذا المرض لابد وأن يكون على أحد العلل الثلاثة التي ذكرناها وهي التشوش والنقصان والبطلان.
فأما التشوش فالإشارة إليه بقوله: " ولأمنينهم " وذلك لأن صاحب الأماني يستعمل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش.
وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله: " ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام " وذلك لأن بتك الآذان نوع من النقصان، وهذا لأن الانسان إذا صار بحيث يستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة.
وأما البطلان فالإشارة بقوله: " فليغيرن خلق الله " وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المرة الأولى، ومن المعلوم أن من بقي مواظبا على طلب اللذات العاجلة معرضا عن السعادات الروحانية فلا يزال يشتد في قلبه الرغبة في الدنيا
والنفرة عن الآخرة، ولا يزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة البتة، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة فتكون حركته وسكونه وقوله لأجل الدنيا، وذلك يوجب تغير الخلقة، لأن الأرواح البشرية إنما دخلت هذا العالم الجسماني على سبيل السفر وهي متوجهة إلى عالم القيامة.
فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لا بد من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغير الخلقة، وهو كما قال تعالى: " ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم " وقال: " فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ".
وقال في قوله تعالى: " إنما يريد الشيطان " الخ أما وجه العداوة في الخمر فان الظاهر فيمن يشربها أنه يشربها مع جماعة ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم، وكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك ينقلب في الأغلب إلى الضد، لأن الخمر تزيل العقل وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأحباب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش وذلك يوجب أشد العداوة والبغضاء.
وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الاجحاف بأرباب الأموال، لأن.
من صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه على رجاء أنه ربما صار غالبا
فيه، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شئ من المال وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده، ولا شك أنه يبقى بعد ذلك فقيرا مسكينا ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له، فظهر أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن وكل ذلك مضار لمصالح العالم. وأشار إلى المفاسد الدينية بقوله تعالى: " ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة.
قوله: " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا " قيل: المراد كما أمرناك بعداوة قومك من المشركين فقد أمرنا من قبلك بمعاداة أعدائهم من الجن والإنس، ومتى أمر الله رسوله بسعادة قوم من المشركين فقد جعلهم أعداء له.
وقيل: معناه حكمنا بأنهم أعداء وأخبرنا بذلك ليعاملوهم معاملة الأعداء في الاحتراز عنهم.
وقيل: أي خلينا بينهم وبين اختيارهم العداوة لم نمنعهم من ذلك جبرا.
وقيل: إنه سبحانه لما أرسل إليهم الرسل وأمرهم بدعائهم إلى الاسلام وخلع الأنداد نصبوا عند ذلك العداوة لأنبيائه، فلذا أضاف تعالى إلى نفسه والمراد بشياطين الإنس والجن مردة الكفار من الفريقين.
وقيل: إن شياطين الانس الذين يغوونهم، وشياطين الجن الذين هم من ولد إبليس.
وقال الطبرسي رحمه الله: في تفسير الكلبي عن ابن عباس: ان إبليس جعل جنده فريقين فبعث فريقا منهم إلى الانس، وفريقا إلي الجن، فشياطين الإنس والجن أعداء الرسل والمؤمنين، فتلقى شياطين الانس وشياطين الجن في كل حين فيقول بعضهم لبعض: أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثلها، فكذلك يوحي بعضهم إلى بعض،
وروي عن أبي جعفر عليه السلام أيضا أنه قال: إن الشياطين يلقى بعضهم بعضا فيلقي إليه ما يغوي به الخلق حتى يتعلم بعضهم من بعض " يوحي " أي يوسوس ويلقي خفية " زخرف القول " أي المموه المزين الذي يستحسن ظاهره ولا حقيقة له ولا أصل " غرورا " أي يغرونهم بذلك غرورا أو ليغروهم بذلك.
وقال الرازي: اعلم أنه لا يجب أن يكون كل معصية تصدر عن انسان فإنها تكون بسبب وسوسة شيطان، وإلا لزم التسلسل أو الدور، فوجب الاعتراف بانتهاء هذه القبائح والمعاصي إلى قبيح أول ومعصية سابقة حصلت لا بوسوسة شيطان آخر، إذا ثبت هذا فنقول: إن أولئك الشياطين كما أنهم يلقون الوساوس إلى الإنس والجن فقد يوسوس بعضهم بعضا، وللناس فيه مذاهب: منهم من قال: الأرواح إما فلكية وإما أرضية، والأرواح الأرضية منها طيبة طاهرة، ومنها خبيثة قذرة شريرة تأمر بالمعاصي والقبائح وهم الشياطين.
ثم إن تلك الأرواح الطيبة كما أنها تأمر الناس بالطاعات والخيرات فكذلك قد يأمر بعضهم بعضا بالطاعات، والأرواح الخبيثة كما أنها تأمر الناس بالقبائح والمنكرات فكذلك قد يأمر بعضهم بعضا بتك القبائح والزيادة فيها، وما لم يحصل نوع من أنواع المناسبة بين النفوس البشرية وبين تلك الأرواح لم يحصل ذلك الانضمام بالنفوس البشرية وإذا كانت طاهرة نقية عن الصفات الذميمة كانت في جنس الأرواح الخبيثة فتنتظم إليها.
ثم إن صفات الطهر كثيرة وصفات النقص والخسران كثيرة وبحسب كل نوع منها طوائف من البشر وطوائف من الأرواح الأرضية.
وبحسب تلك المجانسة والمشابهة والمشاكلة ينضم الجنس إلى جنسه، فإن كان ذلك في أفعال الخير كان الحاصل عليها ملكا، وكان تقوية ذلك الخاطر إلهاما، وإن كان في باب الشر كان الحاصل عليها شيطانا، وكان تقوية ذلك الخاطر وسوسة، و يقال: فلان يزخرف كلامه: إذا زينه بالباطل والكذب، وكل شئ حسن مموه فهو مزخرف.
وتحقيقه: أن الانسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور كونه مشتملا على خير راجح ونفع زائد فإنه لا يرغب فيه، ولذلك سمي الفاعل المختار مختارا لكونه طالبا للخير والنفع، ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقا للمعتقد فهو الحق والصدق والالهام وإن كان صادرا من الملك، وإن لم يكن مطابقا للمعتقد فحينئذ يكون ظاهره مزينا لأنه في اعتقاده سبب للنفع الزائد والصلاح الراجح ويكون باطنه فاسدا لأن هذا الاعتقاد غير مطابق للمعتقد فكان مزخرفا.
قوله تعالى: " وإن الشياطين " قال الطبرسي قدس سره: يعني علماء الكافرين ورؤساءهم المتمردين في كفرهم " ليوحون " أي يوحون ويشيرون " إلى أوليائهم " الذين اتبعوهم من الكفار " ليجادلوكم " في استحلال الميتة ، وقال ابن عباس، معناه وإن الشياطين من الجن وهم إبليس وجنوده ليوحون إلى أوليائهم من الانس والوحي: إلقاء
المعنى إلى النفس من وجه خفي، وهم يلقون الوسوسة إلى قلوب أهل الشرك.
قوله: " فبما أغويتني " قيل: أي خيبتني من رحمتك وجنتك، وقيل: أي صرت سببا لغوايتي بأن أمرتني بالسجود لآدم فغويت عنده، وقيل: أي أهلكتني بلعنك إياي، وقيل: هذا جري على اعتقاد إبليس فإنه كان مجبرا " لأقعدن لهم " أي أرصد لهم لأقطع سبيلهم " صراطك المستقيم " أي دين الحق أو الأعم، وهو منصوب على الظرفية، وقيل:
تقديره على صراطك " ثم لآتينهم من بين أيديهم " الخ أي من جميع الجهات، وبأي وجه أمكنه.
وقيل: من جهة دنياهم وآخرتهم ومن جهة حسناتهم وسيآتهم عن ابن عباس وغيره.
وحاصله: إني أزين لهم الدنيا وأخوفهم بالفقر وأقول لهم: لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وأثبطهم عن الحسنات وأشغلهم عنها واحبب إليهم السيئات وأحثهم عليها، قال ابن عباس، وإنما لم يقل: ومن فوقهم، لأن فوقهم جهة نزول الرحمة من السماء، فلا سبيل له إلى ذلك، ولم يقل: من تحت أرجلهم لأن الاتيان منه موحش.
وقيل: " من بين أيديهم وعن أيمانهم " من حيث يبصرون، " ومن خلفهم وعن شمائلهم " من حيث لا يبصرون، وروي عن أبي جعفر عليه السلام قال: " ثم لآتينهم من بين أيديهم " معناه أهون عليهم أمر الآخرة " ومن خلفهم " آمرهم بجمع الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم " وعن أيمانهم " أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة " وعن شمائلهم " بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم.
وقال البيضاوي: " من بين أيديهم " من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز
عنه " ومن خلفهم " من حيث لا يعلمون ولا يقدرون " وعن أيمانهم وعن شمائلهم " من حيث يتيسر لهم أن يعلموا أو يتحرزوا، ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم و احتياطهم، وإنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الآخرين بحرف المجاوزة لأن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم، ونظيره قولهم: جلست عن يمينه " ولا تجد أكثرهم شاكرين " مطيعين، وإنما قاله ظنا لقوله: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " لما رأى مبدأ الشر فيهم متعددا ومبدأ الخير واحدا، وقيل: سمعه من الملائكة " مذؤوما " أي مذموما " مدحورا " مطرودا.
وقال الرازي بعد ذكر بعض هذه الوجوه: أما حكماء الاسلام فقد ذكروا فيها وجوها أخرى:
أولها: وهو الأشرف الأقوى أن في البدن قوى أربعا هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية:
فإحداها القوة الخيالية التي تجمع فيها صور المحسوسات ومثلها، وهي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ، وصور المحسوسات إنما ترد عليها من مقدمها، وإليه الإشارة بقوله: " من بين أيديهم " والقوة الثانية القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات، وهي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ وإليه الإشارة بقوله: " ومن خلفهم " والقوة الثالثة الشهوة، وهي موضوعة في الكبد وهي يمين البدن، والقوة الرابعة الغضب، وهي موضوعة في البطن الأيسر من القلب فهذه القوى الأربع هي التي تتولد منها أحوال توجب زوال السعادة الروحانية، والشياطين الخارجية ما لم تستعن بشئ من هذه القوى الأربع لم يقدر على إلقاء الوسوسة، فهذا هو السبب في تعيين الجهات الأربع وهو وجه حقيقي شريف.
وثانيها: أن قوله " لآتينهم من بين أيديهم " المراد منه الشبهات المبنية على التشبيه، إما في الذات والصفات مثل شبه المجسمة، وإما في الأفعال مثل شبه المعتزلة في التعديل والتخويف والتحسين والتقبيح " ومن خلفهم " المراد منه الشبهات الناشئة من التعطيل.
أما الأول: فلان الانسان يشاهد هذه الجسمانيات وأحوالها وهي حاضرة بين يديه فيعتقد أن الغائب يجب أن يكون مساويا لهذا الشاهد، وهذا يوجب أن يكون " من خلفهم " كناية عن التعليل لأنه خلافه، وأما قوله: " عن أيمانهم " فالمراد به الترغيب في ترك المأمورات " وعن شمائلهم " الترغيب في ترك المنهيات.
وثالثها: نقل عن شقيق أنه قال: ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع: من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي:
أما بين يدي فيقول: لا تخف فان الله غفور رحيم، فأقرأ: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا " وأما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " وأما قبل يميني فيأتني من قبل النساء فأقرأ " والعاقبة للمتقين " وأما من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ " وحيل بينهم وبين ما يشتهون " ثم قال: فالغرض منه أنه يبالغ في إلقاء الوسوسة ولا يقصر في وجه من الوجوه الممكنة.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الاسلام فقال له:
تدع دين آبائك: فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له: تدع ديارك وتتغرب؟
فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح
امرأتك؟ فعصاه فقاتل.
فهذا الخبر يدل على أن الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة إلا ويلقيها في القلب.
فان قيل: فلم لم يذكر من فوقهم ومن تحتهم؟
قلنا: أما في التحقيق فقد ذكرنا أن القوى التي يتولد منها ما يوجب تفوت السعادات الروحانية فهي موضوعة في هذه الجوانب الأربعة.
وأما في الظاهر فيروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام: رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الانسان من الشيطان مع كونه مستوليا عليه من هذه الجهات الأربع؟ فأوحى الله تعالى إليهم إنه بقي للانسان جهتان: الفوق والتحت، فإذا رفع يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة.
وقال في نكتة التعدية " بمن " في الأولين " وبعن " في الآخرين: قد ذكرنا أن المراد من قوله: " من بين أيديهم ومن خلفهم " الخيال والوهم، والضرر الناشي منهما هو حصول العقائد الباطلة وهو الكفر، ومن قوله: " عن أيمانهم وعن شمائلهم " الشهوة والغضب وذلك هو المعصية، ولا شك أن الضرر الحاصل من الكفر لازم لأن عقابه دائم، وأما الضرر الحاصل من المعصية فسهل لأن عقابه منقطع، فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة " عن " تنبيها على أن هذين القسمين في اللزوم والاتصال دون القسم الأول.
وقال في وجه معرفة إبليس كون أكثرهم غير شاكرين: إنه جعل للنفس تسع
عشر قوة، وكلها تدعو النفس إلى اللذات الجسمانية والطيبات الشهوانية، فعشرة منها الحواس الظاهرة والباطنة، واثنان: الشهوة والغضب، وسبعة هي القوى الكامنة وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة؟ فمجموعها تسعة عشر، وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم وترغبها في طلب اللذات البدنية وأما العقل فهو قوة واحدة وهي التي تدعو النفس إلى عبادة الله تعالى وطلب السعادة الروحانية، ولا شك أن استيلاء تسع عشر قوة أكمل من استيلاء القوة الواحدة.
قوله تعالى: " إنه يراكم هو وقبيله " قال الطبرسي رحمه الله أي نسله، يدل عليه قوله: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني " وقيل: جنوده وأتباعه من الجن والشياطين " من حيث لا ترونهم " قال ابن عباس: إن الله تعالى جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، كما قال: " الذي يوسوس في صدور الناس " فهم يرون بني آدم وبنو آدم لا يرونهم، وإنما لا يراهم البشر لأن أجسامهم شفافة لطيفة يحتاج في رؤيتها إلى فضل شعاع.
وقال أبو بكر بن الأخشيد وأبو الهذيل: يجوز أن يمكنهم الله سبحانه فيتكثفوا فيراهم حينئذ من يحضرهم، وإليه ذهب علي بن عيسى، وقال: إنهم ممكنون من ذلك وهو الذي نصره الشيخ المفيد أبو عبد الله، قال الشيخ أبو جعفر قدس الله روحه: وهو الأقوى عندي، وقال الجبائي: لا يجوز أن يرى الشياطين والجن لأن الله تعالى قال: " لا ترونهم " وإنما يجوز أن يروا في زمن الأنبياء عليهم السلام بأن يكثف الله أجسادهم علما للأنبياء كما يجوز أن يرى الناس الملائكة في زمن الأنبياء " إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون " أي حكمنا بذلك لأنهم يتناصرون على الباطل.
وقال الرازي: قال أصحابنا: إنهم يرون الانسان لأنه تعالى خلق في عيونهم
إدراكا، والانس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الادراك في عيون الانس، وقالت المعتزلة: الوجه في أن الانس لا يرون الجن لرقة أجسام الجن ولطافتها والوجه في رؤية الجن للانس كثافة أجسام الانس، والوجه في أن يرى بعض الجن بعضا، أن الله تعالى يقوى شعاع أبصار الجن ويزيد فيه، ولو زاد الله في قوة بصرنا لرأيناهم كما يرى بعضهم بعضا، ولو أنه تعالى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم.
فعلى هذا كون الانس مبصرا للجن موقوف عند المعتزلة إما على ازدياد كثافة أجسام الجن، أو على ازدياد قوة أبصار الانس، وقوله تعالى: " من حيث لا ترونهم " يدل على أن الانس لا يرون الجن، لأن قوله: " من حيث لا ترونهم " يدل على أن الانس لا يرون الجن، لأن قوله: " من حيث لا ترونهم " يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص، قال بعض العلماء: لو قدر الجن على تغير صور أنفسهم بأي صورة شاؤوا أو أرادوا لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس، فلعل هذا الذي نشاهده وحكم عليه بأنه ولدي أو زوجتي جني صور نفسه بصورة ولدي أو زوجتي.
وعلى هذا التقدير يرتفع الوثوق عن معرفة الاشخاص، وأيضا فلو كانوا قادرين على تخبيط الناس وإزالة العقل مع أنه تعالى بين العداوة الشديدة بينهم وبين الانس فلم لا يفعلون ذلك في حق أكثر البشر وفي حق العلماء والأفاضل والزهاد؟ لأن هذه العداوة بينهم وبين العلماء والزهاد أكثر وأقوى، ولما لم يوجد شئ من ذلك ثبت أنه لا قدرة لهم على البشر بوجه من الوجوه، ويتأكد هذا بقوله: " ما كان لي عليكم
من سلطان إلا أن دعوتكم فاسستجبتم لي " قال مجاهد: قال إبليس: أعطنا أربع خصال: نرى، ولا نرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا فتى.
قوله تعالى: " وإما ينزغنك " قال الطبرسي قدس سره: معناه يا محمد إن نالك من الشيطان وسوسة في القلب.
والنزغ: الازعاج بالاغواء وأكثرها ما يكون ذلك عند الغضب، وأصله الازعاج بالحركة.
وقيل: النزغ: الفساد، ومنه " نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي " أي أفسد قال الزجاج: النزغ " أدنى حركة تكون، ومن الشيطان أدنى وسوسة " فاستعذ بالله " أي سل الله عز اسمه أن يعيذك منه " إنه سميع " للمسموعات " عليم " بالخفيات.
وقيل: سميع لدعائك، عليم بما عرض لك، وقيل: النزغ: أول الوسوسة، والمس لا يكون إلا بعد التمكن، ولذلك فصل الله سبحانه بين النبي وغيره فقال للنبي صلى الله عليه وآله: " وإما ينزغنك " وقال للناس: " إذا مسهم طائف " معناه إذا وسوس إليهم الشيطان وأغراهم بمعاصيه " تذكروا " ما عليهم من العقاب بذلك فيجتنبونه ويتركونه، قال الحسن: يعني إذا طاف عليهم الشيطان بوساوسه، وقال ابن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيتذكر ويكظم غيظه. وقيل: طائف غضب وطيف جنون.
وقيل: معناهما واحد " فإذا هم مبصرون " للرشد " وإخوانهم يمدونهم في الغي " معناه وإخوان المشركين من شياطين الجن والإنس يمدونهم في الضلال والمعاصي، أي يزيدونهم فيه ويزينون لهم ما هم فيه " ثم لا يقصرون " ثم لا يكفون يعني الشياطين عن استغوائهم ولا يرحمونهم، وقيل: معناه وإخوان الشياطين من الكفار يمدهم الشياطين في الغي: ثم لا يقصرون هؤلاء كما يقصر الذين اتقوا، وقيل: معناه ثم لا يقصر
الشياطين عن إغوائهم ولا يقصرونهم عن ارتكاب الفواحش.
وقال رحمه الله في قوله سبحانه: " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم " أي واذكروا إذ زين الشيطان للمشركين أعمالهم، أي حسنها في نفوسهم، وذلك أن إبليس حسن لقريش مسيرهم إلى بدر لقتال النبي صلى الله عليه وآله، " وقال لا غالب لكم اليوم من الناس " أي لا يغلبكم أحد من الناس لكثرة عددكم وقوتكم " وإني " مع ذلك " جار لكم " أي ناصر لكم ودافع عنكم السوء، وإني عاقد لكم عقد الأمان من عدوكم، " فلما تراءت الفئتان " أي التقت الفرقتان " نكص على عقبيه " أي رجع القهقري منهزما وراءه " وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون " أي رجعت عما ضمنت لكم من الأمان والسلامة لأني أرى من الملائكة الذين جاؤوا لنصر المسلمين " ما لا ترون " وكان إبليس يعرف الملائكة وهم كانوا يعرفونه " إني أخاف الله " أي أخاف عذاب الله على أيدي من أراهم " والله شديد العقاب " لا يطاق عقابه.
أقول: ثم ذكر رحمه الله كيفية ظهور الشيطان لهم كما ذكرناه في باب قصة بدر ثم قال:
ورأيت في كلام الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان - ره - أنه يجوز أن يقدر الله تعالى الجن ومن جرى مجراهم على أن يتجمعوا ويعتمدوا ببعض جواهرهم على بعض حتى يتمكن الناس من رؤيتهم ويتشبهوا بغيرهم من أنواع الحيوان، لأن أجسامهم من الرقة على ما يمكن ذلك فيها، وقد وجدنا الانسان يجمع الهوى ويفرقه ويغير صور الأجسام الرخوة ضروبا من التغيير وأعيانها لم تزد ولم تنقص، وقد استفاض الخبر بأن إبليس تراءى الأهل دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد، وحضر يوم بدر في صورة سراقة، وأن جبرئيل عليه السلام ظهر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في صورة دحية الكلبي، قال: وغير محال أيضا أن يغير الله صورهم ويكثفها في بعض الأحوال فيراهم
الناس لضرب من الامتحان.
وقال الرازي في قوله تعالى: " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم " في كيفية هذا التزيين وجهان:
الأول: أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتحول في صورة انسان، وهو قول الحسن والأصم.
الثاني: أنه ظهر في صورة انسان، قالوا: إن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر خافوا من بني بكر بن كنانة لأنهم كانوا قتلوا منهم واحدا فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم من بني بكر بن كنانة و كان من أشرافهم في جند من الشياطين ومعه راية وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني مجيركم من بني كنانة، ولما رأى إبليس الملائكة تنزل نكص.
وقيل: كانت يده في يد الحارث بن هشام فلما نكص قال له الحارث: أتخذلنا في هذه الحال؟ " فقال إني أرى ما لا ترون " ودفع في صدر الحارث وانهزموا، وفي هذه القصة سؤالات:
الأول: ما الفائدة في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة؟
والجواب: فيه معجزة عظيمة للرسول، وذلك لان كفار قريش لما رجعوا إلى مكة قالوا: هزم الناس سراقة فقال: ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فعند ذلك تبين للقوم أن ذلك الشخص ما كان سراقة بل كان شيطانا.
الثاني: أنه تعالى لما غير صورته إلى صورة البشر فما بقي شيطانا بل صار بشرا.
والجواب: لا نسلم فان الانسان إنما كا إنسانا بجوهر نفسه الناطقة، ونفوس الشياطين مخالفة لنفوس البشر، فلم يلزم من تغيير الصورة تغيير الحقيقة، وهذا الباب أحد الدلائل السمعية على أن الانسان ليس انسان بحسب بنيته الظاهرة وصورته
المخصوصة إلى آخر كلامه في هذا المقام.
قوله تعالى: " من بعد أن نزغ الشيطان بيني " في الكشاف: نزغ: أفسد بيننا وأغرى، وأصله من نخس الرائض الدابة وحملها على الجري.
قوله تعالى: " وقال الشيطان لما قضي الأمر " قال الرازي: قال المفسرون:
إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار فيشرع الناس في لوم إبليس وتقريعه فيقوم فيما بينهم خطيبا ويقول: ما أخبر الله تعالى عنه بقوله: " وقال الشيطان ".
وقيل: إن المراد لما انقضت المحاسبة، والأول أولى، والمراد بالشيطان إبليس، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه إذا جمع الله الخلق وقضي الأمر بينهم، يقول الكافر: قد وجد المسلمون من شفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول، " إن الله وعدكم وعد الحق " هو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم " ووعدتكم " خلاف ذلك " فأخلفتكم ".
وتقدير الكلام أن النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية ولا تتصور كيفية السعادات الأخروية والكمالات النفسانية، والله يدعو إليها ويرغب فيها كما قال: " والآخرة خير وأبقى " وقوله: " وعد الحق " من قبيل إضافة الشئ إلى
نعته: كقوله: " حب الحصيد ".
وأما قوله: " ما كان لي عليكم من سلطان " أي قدرة ومكنة وتسلط وقهر فأقهركم على الكفر والمعاصي والجئكم إليها، " إلا أن دعوتكم " إلا دعائي إليكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني، والاستثناء منقطع أو متصل، لأن قدرة الانسان على حمل الغير على عمل من الاعمال تارة تكون بالقهر والقسر، وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه بالقاء الوساوس إليه، فهذا نوع من أنواع التسليط، إلا أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الانسان، ولا على تعويج أعضائه وجوارحه ولا على إزالة العقل عنه كما تقوله العوام والحشوية، ثم قال: " فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " يعني ما كان مني إلا الدعاء والوسوسة وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجئ أنبياء الله، فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إلى، فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب.
وفي هذه الآية مسألتان: الأولى: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أشياء:
الأول: أنه لو كان الكفر والمعصية من الله تعالى لوجب أن يقال: فلا تلوموني ولا على أنفسكم فان الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه.
والثاني: ظاهر هذه الآية تدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الانسان وعلى تعويج أعضائه ولا على إزالة العقل عنه كما تقوله العوام والحشوية.
والثالث: هذه الآية تدل على أن الانسان لا يجوز ذمه ولومه وعقابه بسبب فعل الغير، وعند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم.
وأجاب بعض الأصحاب عن هذه الوجوه بأن هذا القول الشيطان فلا يجوز التمسك
به، وأجاب الخصم عنه بأنه لو كان هذا القول منه باطلا لبين الله تعالى بطلانه وأظهر إنكاره وأيضا أي فائدة في ذكر هذا الكلام الباطل والقول الفاسد؟ ألا ترى أن قوله: " إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم " كلام حق؟ وقوله: " وما كان لي عليكم من سلطان " قول حق؟ بدليل قوله: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ".
الثانية: هذه الآية تدل على أن الشيطان الأصلي هو النفس، وذلك لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة والغضب والوهم والخيال لم يكن لوسوسة تأثير البتة، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس.
فان قال قائل: بينوا لنا حقيقة الوسوسة.
قلنا: الفعل إنما يصدر عن الانسان لحصول أمور أربعة يترتب بعضها على البعض ترتيبا لازما طبيعيا.
بيانه: أن أعضاء الانسان بحكم السلامة الأصلية والصلاحية الطبيعية صالحة للفعل والترك والاقدام والاجحام، فلما لم يحصل في القلب ميل إلى ترجيح الفعل على الترك أو بالعكس فإنه يمتنع صدور الفعل، وذلك الميل هو الإرادة الجازمة والقصد الجازم، ثم إن تلك الإرادة الجازمة لا تحصل إلا عند حصول علم واعتقاد أو ظن بأن ذلك الفعل سبب للنفع أو سبب للضرر، فإن لم يحصل فيه الاعتقاد لم يحصل ميل، لا إلى الفعل ولا إلى الترك.
فالحاصل: أن الانسان إذا أحس بشئ ترتب عليه شعور بكونه ملائما له أو بكونه منافرا له، أو بكونه غير ملائم ولا منافر، فان حصل الشعور بكونه ملائما له ترتب عليه الميل الجازم إلى الفعل، وإن حصل الشعور بكونه منافرا له ترتب عليه الميل الجازم إلى الترك، وإن لم يحصل لا هذا ولا ذاك لم يحصل ميل لا إلى الشئ
ولا إلى ضده، بل بقي الانسان كما كان، وعند حصول ذلك الميل الجازم يصير القدرة مع ذلك الميل موجبا للفعل، إذا عرفت هذا فنقول: صدور الفعل عن مجموعي القدرة والداعي الخالص أمر واجب فلا يكون للشيطان مدخل فيه، وصدور الميل عن تصور كونه خيرا أو تصور كونه شرا أمر واجب، فلا يكون للشيطان مدخل فيه، وحصول تصور كونه خيرا أو تصور كونه شرا غير مطلق الشعور بذاته أمر لازم فلا مدخل للشيطان فيه، فلم يبق للشيطان مدخل في هذه المقامات إلا في أن أذكره شيئا بأن يلقي إليه حديثه مثل أن كان الانسان غافلا عن صورة امرأة فيلقي الشيطان حديثها في خاطره، والشيطان لا قدرة له إلا في هذا المقام وهو عين ما حكى الله تعالى عنه أنه قال: " وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي " يعني ما كان مني إلا هجس هذه الدعوة، فأما بقية المراتب ما صدرت مني وما كان لي أثر البتة.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.