بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
3 باب إبليس لعنه الله وقصصه وبدء خلقه ومكائده ومصائده و أحوال
ج ۶۰، ص ۱۶۳–۱۹۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۷
بقي في هذا المقام سؤالان:
الأول: كيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الانسان وإلقاء الوسوسة إليه.
والجواب: للناس في الملائكة والشياطين قولان:
الأول: ما سوى الله بحسب القسمة العقلية على أقسام ثلاثة: المتحيز، والحال في المتحيز، والذي لا يكون متحيزا ولا حالا فيه.
وهذا القسم الثالث لم يقم الدليل البتة على فساد القول به، بل الدلائل الكثيرة قامت على صحة القول به، وهذا هو المسمى بالأرواح فهذه الأرواح إن كانت طاهرة مقدسة من عالم الروحانيات المقدسة فهم الملائكة، وإن كانت خبيثة داعية إلى
الشرور وعالم الأجساد ومنازل الظلمات فهم الشياطين.
إذا عرفت هذا فنقول: فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسما يحتاج إلى الولوج في داخل البدن، بل هو جوهر روحاني خبيث الفعل مجبول على الشر، والنفس الانسانية أيضا كذلك، فلا يبعد على هذا التقدير أن يلقي شئ من تلك الأرواح أنواعا من الوساوس والأباطيل إلى جوهر النفس الانسانية.
وذكر بعض العلماء في هذا الباب احتمالا ثانيا وهو أن النفس الناطقة البشرية مختلفة بالنوع، فهي طوائف وكل طائفة منها في تدبير روح من الأرواح السماوية بعينها، فنوع من النفوس البشرية تكون حسنة الأخلاق كريمة الأفعال موصوفة بالفرح والسرور وسهولة الأمر، وهي تكون منتسبة إلى روح معين من الأرواح السماوية وطائفة أخرى منها تكون موصوفة بالحدة والقسوة والغلظة وعدم المبالاة بأمر من الأمور وهي تكون منتسبة إلى روح أخرى من الأرواح السماوية، وهذه الأرواح البشرية كالعون لتلك الروح السماوي وكالنتائج الحاصلة وكالفروع المتفرعة عليها، وتلك الروح السماوية هي التي تتولى إرشادها إلى مصالحها، وهي التي تخصها بالالهامات في حالتي النوم واليقظة، والقدماء كانوا يسمون تلك السماوي بالطباع التام ولا شك أن لتلك الروح السماوية التي هي الأصل والينبوع شعب كثيرة ونتايج كثيرة وهي بأسرها تكون من جنس روح هذا الانسان وهي لأجل مشاكلتها ومجانستها يعين بعضها بعضا على الاعمال اللائقة بها والأفعال المناسبة لطبائعها.
ثم إنها إن كانت خيرة طاهرة طيبة كانت ملائكة وكانت تلك الإعانة مسماة بالالهام، وإن كانت شريرة خبيثة قبيحة الاعمال كانت شياطين، وكانت تلك الإعانة مسماة بالوسوسة، وذكر بعض العلماء أيضا فيه احتمالا ثالثا وهو أن النفوس البشرية
والأرواح الانسانية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق بسبب المشاكلة الحاصلة بين هذا البدن وبين ما كان بدنا لتلك النفس المفارقة تعلق شديد بهذا البدن وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن ومعاضدة لها على أفعالها وأحوالها بسبب هذه المشاكلة.
ثم إن كان هذا المعنى في أبواب الخير والبر كان ذلك إلهاما، وإن كان من باب الشر كان ذلك وسوسة، فهذه وجوه محتملة تفريعا على القول باثبات جواهر قدسية مبرأة من الحجمية والتحيز، والقول بالأرواح الطاهرة والخبيثة كلام مشهور عند قدماء الفلاسفة فليس لهم أن ينكروا إثباتها على صاحب شريعتنا صلوات الله عليه.
وأما القول الثاني، وهو أن الملائكة والشياطين لابد وأن تكون أجساما، فنقول على هذا التقدير يمتنع أن يقال: إنها أجسام كثيفة، بل لا بد من القول بأنها أجسام لطيفة، والله سبحانه ركبها تركيبا عجيبا، وهي أن تكون مع لطافتها لا يقبل التفرق والتمزق والفساد والبطلان، ونفوذ الأجرام اللطيفة في عمق الأجرام الكثيفة غير مستبعد، ألا ترى أن الروح الانسانية جسم لطيف ثم إنه نفذ في داخل عمق البدن، وإذا عقل ذلك فكيف يستبعد نفوذ أنواع كثيرة من الأجسام اللطيفة في داخل هذا البدن؟ أليس أن جرم النار سرى في جرم الفحم، وماء الورد سرى في ورق الورد، ودهن السمسم سرى في جسم السمسم فكذا ههنا فظهر بما قررنا أن القول باثبات الجن والشياطين
أمر لا تحيله العقول ولا تبطله الدلائل، وأن الاصرار على الانكار ليس إلا من نتيجة الجهل وقلة الفطنة.
ولما ثبت أن القول بالشياطين ممكن في الجملة فنقول: الأخلق والأولى أن يقال: الملائكة على هذا القول مخلوقون من النور وأن الشياطين مخلوقون من الدخان واللهب كما قال تعالى: " والجان خلقناه من قبل من نار السموم " وهذا الكلام من المشهورات عند قدماء الفلاسفة فكيف يليق بالعاقل أن يستبعده من صاحب شريعتنا صلوات الله عليه؟ انتهى.
وقال البيضاوي: " فلا تلوموني " بوسوستي فان من صرح العداوة لايلام بأمثال ذلك " ولوموا أنفسكم " حيث أطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم لما دعاكم " ما أنا بمصرخكم " بمغيثكم من العذاب " وما أنتم بمصرخي " بمغيثي " إني كفرت بما أشركتمون من قبل " ما إما مصدرية وهي متعلقة بأشركتموني، أي كفرت اليوم باشراككم إياي من قبل هذا اليوم، أي في الدنيا بمعنى تبرأت منه واستكبرته كقوله تعالى: " ويوم القيامة يكفرون بشرككم " أو موصولة بمعنى " من " ومن متعلقة بكفرت أي كفرت بالذي أشركتمونيه وهو الله تعالى بطاعتكم إياي فيما دعوتكم إليه من عبادة الأصنام وغيرها من قبل اشراككم حين رددت أمره بالسجود لآدم.
وأشرك: منقول من شركت زيدا للتعدية إلى مفعول ثان " إن الظالمين " تتمة كلامه أو ابتداء كلام من الله.
وقال في قوله سبحانه: " وحفظناها من كل شيطان رجيم ": فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس أهلها ويتصرف في أمرها ويطلع على أحوالها " إلا من استرق السمع " بدل من " كل شيطان " واستراق السمع: اختلاسه سرا، شبه به خطفتهم اليسيرة من قطان
السماوات لما بينهم من المناسبة في الجوهر، أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها.
وعن ابن عباس: أنهم كانوا لا يحتجبون عن السماوات، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سماوات، ولما ولد محمد صلى الله عليه وآله منعوا من كلها بالشهب، ولا يقدح فيه تكونها قبل المولد لجواز أن تكون لها أسباب أخر.
وقيل: الاستثناء منقطع: أي ولكن من استرق السمع " فأتبعه " أي فتبعه ولحقه " شهاب مبين " ظاهر للمبصرين.
والشهاب: شعلة نار ساطعة، وقد يطلق للكوكب والسنان لما فوقها من البريق.
وقال الرازي في قوله: " إلا إبليس ": أجمعوا على أن إبليس كان مأمورا بالسجود لآدم، واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا (2)؟ وظاهره أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة، وأن إبليس تكلم مع الله بغير واسطة، فكيف يعقل هذا ؟ مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفر ورئيسهم؟
لعل الجواب عنه: أن مكالمة الله تعالى إنما كان منصبا عاليا إذا كان على سبيل الاكرام والاعظام فأما إذا كان على سبيل الإهانة والاذلال فلا.
قوله: " فاخرج منها " قال البيضاوي: أي من السماء أو من الجنة، أو من زمرة الملائكة، " فإنك رجيم " مطرود عن الخير والكرامة، فان من يطرد يرجم بالحجر، أو شيطان يرجم بالشهب، وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته، " وإن عليك اللعنة " هذا الطرد والابعاد " إلى يوم الدين " فإنه منتهى أمد اللعن لأنه يناسب أيام التكليف لازمان الجزاء.
وقيل: وما في قوله: " فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " بمعنى آخر ينسى عنده هذه.
وقيل: إنما حد اللعن به لأنه أبعد غاية يضربها الناس، أو لأنه يعذب فيه بما ينسي اللعن معه فيصير كالزائل " قال رب فأنظرني " فأخرني، والفاء متعلقة بمحذوف دل عليه: فاخرج منها فإنك رجيم " إلى يوم يبعثون " أراد أن يجد فسحة في الاغواء ونجاة عن الموت إذ لا موت بعد وقت البعث، فأجابه إلى الأول دون الثاني، " قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " المسمى فيه أجلك عند الله، أو انقراض الناس كلهم هو النفخة الأولى عند الجمهور، ويجوز أن يكون الأيام الثلاثة يوم القيامة واختلاف العبارات لاختلاق الاعتبارات، فعبر عنه أولا بيوم الجزاء لما عرفت، وثانيا بيوم البعث إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف واليأس عن التضليل، وثالثا بالمعلوم لوقوعه في الكلامين ولا يلزم منه أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم ويبعث الخلائق في تضاعيفه.
" قال رب بما أغويتني " الباء للقسم وما مصدرية وجوابه " لأزينن لهم في الأرض " والمعنى اقسم باغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور لقوله: " أخلد إلى الأرض " وقيل: للسببية، والمعتزلة أو لوا الأغواء بالنسبة إلى الغي أو التسبب له بأمره إياه بالسجود لآدم عليه السلام أو باضلاله عن طريق الجنة.
وقال الرازي: اعلم أن أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يريد خلق الكفر في الكافر ويضله عن الدين ويغويه عن الحق من وجوه: الأول: أن إبليس استمهل وطلب البقاء إلى يوم القيامة مع أنه صرح بأنه إنما يطلب هذا لاغواء بني آدم وإضلالهم، وأنه تعالى أمهله وأجابه إلى هذا المطلوب، ولو كان تعالى يراعي صلاح المكلفين في الدنيا لما أمهله هذا الزمان الطويل ولما أمكنه من الاغواء والاضلال والوسوسة.
والثاني: أن أكابر الأنبياء والأولياء مجدون مجتهدون في إرشاد الخلق إلى الدين الحق وإن إبليس ورهطه وشيعته مجدون مجتهدون في الاغواء فلو كان مراد الله هو الارشاد والهداية لكان من الواجب إبقاء المرشدين والمحقين، وإهلاك المضلين والمغوين وحيث فعل بالضد علمنا أنه أراد بهم الخذلان والكفر.
ثم قال: أما الاشكال الأول فللمعتزلة فيه طريقان:
الأول وهو طريقة الجبائي أنه تعالى إنما أمهل إبليس تلك المدة الطويلة لأنه تعالى علم أنه لا تتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته في الكفر والمعصية البتة، وعلم أن كل من كفر وعصى عند وسوسته فإنه بتقدير أن لا يوجد إبليس ولا وسوسته فان ذلك الكافر والعاصي كان يأتي بذلك الكفر والمعصية، فلما كان الأمر كذلك لا جرم أمهله هذه المدة الطويلة.
الثاني وهو طريقة أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال: إنه تعالى علم أن أقواما يقعون بسبب وسوسته في الكفر والمعاصي إلا أن وسوسته ما كانت موجبة لذلك الكفر وتلك المعاصي، غاية ما في هذا البأب أن يقال: الاحتراز عن القبائح حال عدم
الوسوسة أسهل منه حال وجودها إلا أنه على هذا التقدير تصير وسوسته سببا لزيادة المشقة في أداء الطاعات، وذلك لا يمنع الحكيم من فعله كما أن إنزال المشاق والمشتبهات سبب الشبهات، ومع ذلك فلم يمتنع فعله فكذا ههنا، وهذان الطريقان هما بعينهما الجواب عن السؤال الثاني.
" إلا عبادك منهم المخلصين " استثناهم لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم.
وقرأ ابن كثير وابن عامر بكسر اللام والباقون بالفتح، فعلى الأول أي الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم من كل شائب يناقض الايمان والتوحيد، وعلى الثاني معناه الذين أخلصهم الله بالهداية والايمان.
" هذا صراط علي مستقيم " فيه وجوه:
الأول: أن إبليس لما قال: " إلا عبادك منهم المخلصين " فلفظ " المخلصين " يدل على الاخلاص فقوله " هذا " عائد إليه، والمعنى أن الاخلاص طريق علي وإلى أي يؤدي إلى كرامتي، وقال الحسن: معناه هذا صراط إلي مستقيم، وقال آخرون:
هذا صراط من مر عليه، فكأنه مر على رضواني وكرامتي، وهو كما يقال: طريقك علي.
الثاني: أن الاخلاص طريق العبودية، فقوله: " هذا صراط علي مستقيم " أي هذا الطريق في العبودية طريق على مستقيم قال بعضهم: لما ذكر أن إبليس يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى الله تعالى وإلى إرادته، فقال تعالى " هذا صراط علي " أي تفويض الأمور إلى إرادتي " طريق مستقيم ".
" إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " اعلم أن إبليس لما قال: " لأزينن لهم في الأرض إلا عبادك منهم المخلصين " أو هم هذا الكلام أن له سلطانا على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين، فبين الله تعالى أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء كانوا
مخلصين أو لم يكونوا مخلصين بل من اتبع منهم إبليس باختياره صار تبعا له، ولكن حصول تلك المتابعة أيضا ليس لأجل أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطانا فبين تعالى كذبه وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلا، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس: " وما كان لي عليكم من سلطان " الآية، وقوله:
" ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون " وقال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما تقوله العامة، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة، وقال: ذلك خلاف نص القرآن، وفي الآية قول آخر: وهو أن إبليس لما قال: " إلا عبادك منهم المخلصين " فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله وقال: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " فلهذا قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس.
واعلم أنه على القول الأول يمكن أن يكون قوله: " إلا من اتبعك " استثناء لأن المعنى أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين، فان لك عليهم سلطانا بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي، وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء بل يكون إلا بمعنى لكن " وإن جهنم لموعدهم أجمعين " قال ابن عباس: يريد إبليس وأشياعه ومن اتبعه من الغاوين " فزين لهم الشيطان أعمالهم " قالت المعتزلة: الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه شتى.
" فهو وليهم اليوم " فيه احتمالات:
الأول أن المراد منه كفار مكة، يقول: الشيطان وليهم اليوم يتولى اغواءهم وصرفهم عنك كما فعل بكفار الأمم قبلك.
الثاني: أنه أراد باليوم " يوم القيامة يقول: فهو ولي أولئك الذين زين لهم أعمالهم يوم القيامة فلا ولي لهم ذلك اليوم ولا ناصر.
" فإذا قرأت القرآن " ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الاستعاذة بعد القراءة، وأما الأكثرون فقد اتفقوا على أن الاستعاذة متقدمة.
فالمعنى: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ، والمراد بالشيطان في هذه الآية قيل: إبليس، والأقرب أنه للجنس لان لجميع المردة من الشياطين حظا من الوسوسة ولما أمر الله رسوله بالاستعاذة من الشيطان وكان ذلك يوهم أن للشيطان قدرة على التصرف في أبدان الناس، فأزال الله تعالى هذا الوهم وبين أنه لا قدرة له البتة إلا على الوسوسة، فقال: " إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ".
ويظهر من هذا أن الاستعاذة إنما تفيد إذا خطر في قلب الانسان كونه ضعيفا وأنه لا يمكنه التحفظ عن وسوسة الشيطان إلا بعصمة الله.
" إنما سلطانه على الذين يتولونه " قال ابن عباس: يطيعونه، يقال: توليته أي أطعته، وتوليت عنه أي أعرضت عنه.
" والذين هم به مشركون " الضمير راجع إلى ربهم أو إلى الشيطان، أي بسببه
مشركون بالله " كانوا إخوان الشياطين " المراد من هذه الأخوة التشبه بهم في هذا الفعل القبيح، وذلك لا العرب يسمون الملازم للشئ أخا له فيقول: فلان أخو الكرم والجود وأخو الشعر، إذا كان مواظبا على هذه الأفعال.
وقيل: أي قرناءهم في الدنيا والآخرة " وكان الشيطان لربه كفورا " معنى كون الشيطان كفورا لربه هو أن يستعمل بدنه في المعاصي والافساد في الأرض والاضلال للناس. وكذلك من رزقه الله مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضات الله كان كفورا لنعمة الله، والمقصود أن المبذرين موافقون للشياطين في الصفة والفعل، ثم الشيطان كفور بربه فلزم كون المبذر كفورا بربه.
" إن الشيطان ينزغ بينهم " أي يفسد بينهم ويغري بينهم " إن الشيطان كان للانسان عدوا مبينا " أي العداوة الحاصلة بين الشيطان وبين الانسان عداوة قديمة.
وقال البيضاوي في قوله: " لمن خلقت طينا ": لمن خلقته من طين، فنصب بنزع الخافض، ويجوز أن يكون حالا من الراجع إلى الموصول، أي خلقته وهو طين أو منه، أي أسجد له وأصله طين؟ وفيه على الوجوه إيماء بعلة الانكار " قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي " الكاف لتأكيد الخطاب لا محل له من الاعراب، وهذا مفعول أول، والذي صفته، والمفعول الثاني محذوف لدلالة صلته عليه، والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسجود له لم كرمته على؟ " لئن أخرتن إلى يوم القيامة " كلام مبتدء واللام موطئة للقسم وجوابه " لاحتنكن ذريته إلا قليلا " أي لأستأصلنهم بالاغواء إلا قليلا لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم، من احتنك الجراد الأرض: إذا جرد ما عليها أكلا، مأخوذ من الحنك، وإنما علم أن ذلك يتسهل له إما استنباطا من قول الملائكة: " أتجعل فيها من يفسد فيها " مع التقرير، أو تفرسا من خلقه ذا وهم وشهوة وغضب " قال اذهب " امض لما قصدته، وهو طرد
وتخلية بينه وبين ما سولته له نفسه " فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم " جزاؤك وجزاؤهم، فغلب المخاطب على الغائب، ويمكن أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات " جزاء موفورا " مكملا من قولهم: " فر لصاحبك عرضه " وانتصاب جزاء على المصدر باضمار فعله، أو بما في جزائكم من معنى تجازون، أو حال موطئة لقوله:
" موفورا " " واستفزز " واستخف " من استطعت منهم " أن تستفزه. والفز: الخفيف " بصوتك " بدعائك إلى الفساد.
وقال الرازي: يقال: أفزه الخوف واستفزه أي أزعجه واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله.
وقيل: أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب، والأمر للتهديد " وأجلب عليهم " قال الفراء إنه من الجلبة وهي الصياح، وقال الزجاج في فعل وأفعل: أجلب على العدو اجلابا: إذا جمع عليه الخيول، وقال ابن السكيت: يقال: هم يجلبون عليه ويجلبون عليه بمعنى أي يعينون عليه وعن ابن الأعرابي: أجلب الرجل الرجل: إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع، فالمعنى على قول الفراء: صح عليهم بخيلك ورجلك، وعلى قول الزجاج، أجمع عليهم كل ما تقدر من مكائدك، فالباء زائدة، وعلى قول ابن السكيت أعن عليهم، ومفعول الاجلاب محذوف كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله وهذا يقرب من قول ابن الأعرابي، واختلفوا في تفسير الخيل والرجل، فروي عن ابن عباس أنه قال: كل راكب أو راجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله، فخيله ورجله كل من شاركه في الدعاء
إلى المعصية، ويحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل.
أو المراد منه ضرب المثل، وهذا أقرب، والخيل يقع على الفرسان وعلى الأفراس والرجل جمع راجل كالصحب والركب " وشاركهم في الأموال " هي عبارة عن كل تصرف قبيح في المال، سواء كان ذلك القبح بسبب أخذه من غير حقه أ وضعه في غير حقه، ويدخل فيه الربا والغصب والسرقة والمعاملات الفاسدة، كذا قاله القاضي، وقال قتادة: هي أن جعلوا بحيرة وسائبة، وقال عكرمة: هي تبكيتهم آذان الأنعام.
وقيل: هي أن جعلوا من أموالهم شيئا لغير الله كما قال تعالى: " فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا " والأصوب ما قاله القاضي.
وأما المشاركة في الأولاد: فقالوا: إنه الدعاء إلى الزنا أو أن يسموا أولادهم بعبد اللات وعبد العزى، أو أن يرغبوا أولادهم في الأديان الباطلة، أو إقدامهم على قتل الأولاد ووأدهم، أو ترغيبهم في حفظ الأشعار المشتملة على الفحش، أو ترغيبهم في القتل والقتال والحرف الخبيثة الخسيسة.
والضابط أن يقال: إن كل تصرف من المرء في ولده على وجه يتأدى ذلك إلى ارتكاب منكر وقبيح. فهو داخل فيه.
قوله تعالى عز وجل: " وعدهم " اعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب في الاعتقاد الباطل والعمل الباطل والتنفير عن اعتقاد الحق وعمل الحق ومعلوم أن الترغيب في الشئ لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا ضرر البتة في فعله ومع ذلك فإنه يفيد المنافع العظيمة، والتنفير عن الشئ لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا فائدة في فعله، ومع ذلك فيفيد المضار العظيمة، فإذا ثبت هذا فنقول: إن الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد وأن يقرر أولا أنه لا مضرة في فعله البتة، وذلك لا يمكن إلا إذا قال: لا معاد ولا جنة ولا نار ولا حياة بعد هذه
الحياة، فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لا مضرة البتة في فعل هذه المعاصي، وإذا فرغ من هذا المقام قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعا من اللذة والسرور ولا حياة للانسان إلا في هذه الدنيا فتفويتها غبن وخسران، وأما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن قرر أولا عنده أنه لا فائدة فيه من وجهين:
الأول أنه لا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب.
والثاني: أن هذه العبادات لا فائدة فيها للعابد ولا للمعبود فكانت عبثا محضا وإذا فرغ من هذا المقام قال: إنها يوجب التعب والمحنة، وذلك أعظم المضار، فهذه مجامع تلبيس الشيطان، فقوله: " وعدهم " يتناول كل هذه الأقسام:
قال المفسرون: " وعدهم " بأنه لا جنة ولا نار، أو بتسويف التوبة، أو بشفاعة الأصنام عند الله، أو بالأنساب الشريفة، أو إيثار العاجل على الآجل.
وبالجملة فهذه الأقسام كثيرة وكلها داخلة في الضبط الذي ذكرناه " وما يعدهم الشيطان إلا غرورا " لأنه إنما يدعو إلى أحد ثلاثة أمور: قضاء الشهوة وإمضاء الغضب، وطلب الرياسة والرفعة، ولا يدعو البتة إلى معرفة الله ولا إلى خدمته وتلك الأشياء الثلاثة معيوبة من وجوه كثيرة:
أحدها: أنها في الحقيقة ليست لذات بل هي خلاص عن الآلام.
وثانيها: أنها وإنه كانت لذات ولكنها لذات خسيسة مشترك فيها بين الكلاب والديدان والخنافس.
وثالثها: أنها سريعة الذهاب والانقضاء والانقراض.
ورابعها: أنها لا تحصل إلا بعد متاعب كثيرة ومشاق عظيمة.
وخامسها: أن لذات البطن والفرج لا يتم إلا بمزاولة رطوبات عفنة مستقذرة.
وسادسها: أنها غير باقية بل يمنعها الموت والهرم والفقر والحسرة على الفوت والخوف من الموت، فلما كانت هذه المطالب وإن كانت لذيذة بحسب الظاهر إلا أنها ممزوجة بهذه الآفات العظيمة والمخافات الجسيمة كانت الترغيب فيها تغريرا " إن عبادي " أي كلهم أو أهل الفضل والايمان منهم كما مر " وكفى بربك وكيلا " لما أمكن إبليس بأن يأتي بأقصى ما يقدر عليه في باب الوسوسة وكان ذلك سببا لحصول الخوف الشديد في قلب الانسان قال: " وكفى بربك وكيلا " ومعناه أن الشيطان وإن كان قادرا فالله أقدر منه وأرحم بعباده من الكل، فهو تعالى يدفع عنه كيد الشيطان ويعصمه من إضلاله وإغوائه، وفيها دلالة على أن المعصوم من عصمه الله، وأن الانسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال.
وقال في قوله تعالى: " إنه كان من الجن ": للناس في هذه المسألة أقوال:
الأول: أنه من الملائكة ولا ينافي ذلك كونه من الجن، ولهم فيه وجوه:
الأول: أن قبيلة من الملائكة يسمون بذلك بدليل قوله تعالى: " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا " وقوله تعالى: " وجعلوا لله شركاء الجن ".
والثاني: أن الجن سمي جنا للاستتار، فهم داخلون في الجنة.
الثالث: أنه كان خازن الجنة فنسب إلى الجنة، كقولهم: كوفي وبصري وعن سعيد بن جبير: كان من الجانين الذين يعملون في الجنان جن من الملائكة يصوغون حلي أهل الجنة مذ خلقوا، رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن ابن جبير.
والثاني أنه من الجن الذين هم الشياطين والذين خلقوا من النار وهو أبوهم.
والثالث: قول من قال: كان من الملائكة فمسخ وغير.
وقال البيضاوي: " كان من الجن " حال باضمار " قد " أو استيناف للتعليل كأنه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن " ففسق عن أمر ربه " فخرج عن أمره بترك السجود، والفاء للتسبب، وفيه دليل على أن الملك لا يعصي البتة وإنما عصى إبليس لأنه كان جنيا في أصله، " أفتتخذونه " أعقيب ما وجد منه تتخذونه؟ والهمزة للانكار والتعجب " وذريته " أولاده وأتباعه، وسماهم ذريته مجازا " أولياء من دوني " فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي " بئس للظالمين بدلا " من الله إبليس وذريته " ما أشهدتهم " الخ نفي إحضار إبليس وذريته " خلق السماوات والأرض " وإحضار بعضهم خلق بعض ليدل على نفي الاعتضاد بهم في ذلك كما صرح به بقوله: " وما كنت متخذ المضلين عضدا " أي أعوانا ردا لاتخاذهم أولياء من دون الله شركاء له في العبادة، فان استحقاق العبادة من توابع الخالقية والاشتراك فيه يستلزم الاشتراك فيها.
وقيل: الضمير للمشركين، والمعنى ما أشهدتهم خلق ذلك وما خصصتهم بعلوم لا يعرفها غيرهم حتى لو آمنوا تبعهم الناس كما يزعمون فلا يلتفت إلى قولهم طمعا في نصرتهم للدين، فإنه لا ينبغي لي أن أعتضد بالمضلين لديني.
وقال في قوله: " وما أنسانيه " الخ أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان فإن " أذكره " بدل من الضمير وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوسواسه ولعله
نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان هضما لنفسه، أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان انتهى، قوله تعالى: " لا تعبد الشيطان " أي لا تطعه في عبادة الآلهة، ثم علل ذلك بأن الشيطان عاص لله والمطاوع للعاصي عاص، " وليا " أي قرينا في اللعن أو العذاب تليه ويليك، أو ثابتا في موالاته فإنه أكبر من العذاب كما أن رضوان الله أكبر من الثواب.
قوله: " والشياطين " قال البيضاوي: عطف أو مفعول معه لما روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم كل مع شيطانه في سلسلة " جثيا " على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع، أو لأنه من توابع التواقف للحساب.
" إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين " قال الطبرسي: أي خلينا بينهم و بين الشياطين إذا وسوسوا إليهم ودعوهم إلى الضلال حتى أغووهم ولم يحل بينهم وبينهم بالالجاء ولا بالمنع، وعبر عن ذلك بالارسال على سبيل المجاز والتوسع، وقيل:
معناه سلطانهم عليهم ويكون في معنى التخلية أيضا " تؤزهم أزا " أي تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية عن ابن عباس.
وقيل: تغريهم إغراء بالشئ تقول: امض في هذا الأمر حتى توقعهم في النار عن ابن جبير.
قوله سبحانه: " ومن الشياطين من يغوصون له " قال الرازي: المراد أنهم يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر ويتجاوزن ذلك إلى الأعمال المهين
وبناء المدن والقصور واختراع الصنائع العجيبة كما قال: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل " وأما الصناعات فكاتخاذ الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون، وليس في الظاهر إلا أنه سخرهم، لكنه قدر روي أنه تعالى سخر كفارهم دون المؤمنين، وهو الأقرب من وجهين:
أحدهما، إطلاق لفظ الشياطين، والثاني: قوله: " وكنا لهم حافظين " فان المؤمن إذا سخر في أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد، وإنما يجب ذلك في الكافر.
وفي قوله: " وكنا لهم حافظين وجوه:
أحدها: أنه تعالى وكل بهم جمعا من الملائكة أو جمعا من مؤمني الجن.
وثانيها: سخرهم الله تعالى بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم من مخالفته.
وثالثها: قال ابن عباس: يريد وسلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء.
فان قيل: وعن أي شئ كانوا محفظين؟.
قلنا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تعالى كان يحفظهم عليه لئلا يذهبوا ويتركوا وثانيها كان يحفظهم من أن يهيجوا أحدا في زمانه، وثالثها: كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا وكان دأبهم أنهم يعملونه في النهار ثم يفسدونه في الليل، وسأل الجبائي نفسه وقال: كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل، وإنما يمكنهم الوسوسة؟ وأجاب بأنه سبحانه كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزادهم في عظمهم فيكون ذلك معجزة لسليمان عليه السلام، فلما مات سليمان عليه السلام ردهم إلى الخلقة الأولى لأنه تعالى لو أبقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس، ولو ادعى متنبئ النبوة وجعله دلالة لكان كمعجزات الرسل، فلذلك ردهم إلى خلقهم الأولى.
واعلم أن هذا الكلام ساقط من وجوه: أحدها لم قلت: إن الجن من الأجسام ولم لا يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ويكون الجن منهم؟
فان قلت: لو كان الأمر كذلك لكان مثلا للباري تعالى.
قلت: هذا ضعيف لأن الاشتراك في اللوازم السلبية، سلمنا أنه جسم لكن لم لا يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة في الجسم اللطيف؟ وكلامه بناء على أن البنية شرط وليس في يده إلا الاستقراء الضعيف، سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم لكن لم قلت: إنه لا بد من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان عليه السلام وقوله: لأنه يفضي إلى التلبيس، قلنا: التلبيس غير لازم لأن المتنبئ إذا جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعو أن يقول: لم لا يجوز أن يقال: إن قوة أجسادهم كانت معجزة لنبي آخر قبلك؟ ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبئ من الاستدلال به.
وقال البيضاوي: " ويتبع " في المجادلة أو في عامة أحواله " كل شيطان مريد " متجرد للفساد، وأصله العري " كتب عليه " على الشيطان " من تولاه " تبعه والضمير للشأن " فإنه يضله " خبر لمن أو جواب له، والمعنى كتب عليه إضلال من تولاه لأنه جبل عليه " ويهديه إلى عذاب السعير " بالحمل على ما يؤدي إليه.
وقال في قوله: " في أمنيته " في تشهيه بما يوجب اشتغاله بالدنيا، كما قال
صلى الله عليه وآله: وإنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة " فينسخ الله ما يلقي الشيطان " فيبطله ويذهب به بعصمته عن الركون والارشاد إلى ما يزيحه " ثم يحكم الله آياته " ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة " والله عليم " بأحوال الناس " حكيم " فيما يفعله بهم " ليجعل ما يلقي الشيطان " علة لتمكين الشيطان منه " للذين في قلوبهم مرض " شك ونفاق " والقاسية قلوبهم " المشركين.
أقول: قد مضت الأقوال في نزول الآية في المجلد السادس.
" من همزات الشياطين " أي وساوسهم " أن يحضرون " أن يحوموا حولي في شئ من الأحوال " فكبكبوا فيها هم والغاوون " أي الآلهة وعبدتهم، والكبكبة تكرير الكب، معناه أنه القي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها " و جنود إبليس " متبعوه من عصاة الثقلين أو شياطينه " وما تنزلت به الشياطين " كما زعمت المشركون أنه من قبيل ما يلقي الشيطان إلى الكهنة " وما ينبغي لهم " وما يصلح لهم أن ينزلوا به " وما يستطيعون " وما يقدرون " إنهم عن السمع " لكلام الملائكة " لمعزولون " أي مصروفون عن استماع القرآن من السماء قد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب.
قيل: وذلك لأنه مشروط بمشاركة في صفات الذات وقبول فيضان الحق
ونفوسهم حينئذ ظلمانية شريرة ثم لما بين سبحانه أن القرآن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين أكد ذلك ببيان من تنزلت عليه فقال: " هل أنبئكم " إلى قوله: " على كل أفاك أثيم " أي كذاب شديد الاثم " يلقون السمع وأكثرهم كاذبون " أي الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنونا وأمارات لنقصان علمهم فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق، كذا قيل.
وفي الكافي في خبر طويل عن الباقر عليه السلام قال: ليس من يوم وليلة إلا وجميع الجن والشياطين تزور أئمة الضلال، ويزور أئمة الهدى عددهم من الملائكة حتى إذا أتت ليلة القدر، فهبط فيها من الملائكة إلى أولي الأمر خلق الله، أو قال : قيض الله من الشياطين بعددهم ثم زاروا ولي الضلالة فأتوه بالإفك والكذب حتى لعله يصبح فيقول: رأيت كذا وكذا فلو سأل ولي الأمر عن ذلك لقال: رأيت شيطانا أخبرك بكذا وكذا حتى يفسر له تفسيرا ويعلمه الضلالة التي هو عليها.
" ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " صدق في ظنه وهو قوله: " لأضلنهم ولأغوينهم " وقرئ بالتشديد أي حققه " إلا فريقا من المؤمنين " أي إلا فريقا هم المؤمنون لم يتبعوه، وتقليلهم بالإضافة إلى الكفار، أو إلا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان وهم المخلصون " من سلطان " أي من تسلط واستيلاء " إلا لنعلم " الخ أي
إلا ليتعلق علمنا بذلك تعلقا يترتب عليه الجزاء، أو ليتميز المؤمن من الشاك، والمراد من حصول العلم حصول متعلقة مبالغة.
وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال: كان تأويل هذه الآية، لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله والظن من إبليس حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: " إنه ينطق عن الهوى " فظن بهم إبليس ظنا فصدقوا ظنه.
وفي تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام قال: لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن ينصب أمير المؤمنين عليه السلام للناس في قوله: " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك " في علي بغدير خم، قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه " فجاءت الأبالسة إلى إبليس الأكبر وحثوا التراب على رؤوسهم فقال لهم إبليس: ما لكم؟ قالوا: إن هذا الرجل قد عقد اليوم عقدة لا يحلها شئ إلى يوم القيامة، فقال لهم إبليس: كلا إن الذين حوله قد وعدوني فيه عدة لن يخلفوني، فأنزل الله عز وجل على رسوله: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " الآية.
" إن الشيطان لكم عدو " عداوة عامة قديمة، " فاتخذوه عدوا " في عقائدكم وأفعالكم وكونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم " إنما يدعوا " الخ تقدير لعداوته وبيان لغرضه.
" ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان " هو من جملة ما يقال لهم يوم القيامة تقريعا وإلزاما للحجة، وعهده إليهم ما نصب لهم من الدلائل العقلية والسمعية الآمرة بعبادته الزاجرة عن عبادة غيره، وجعلها عبادة الشيطان لأنه الآمر بها المزين لها.
" إنه لكم عدو مبين " تعليل للمنع عن عبادته بالطاعة فيما يحملهم عليه " وأن اعبدوني " عطف على أن لا تعبدوا " هذا صراط مستقيم " إشارة إلى ما عهد إليهم، أو إلى عبادته بالطاعة فيما يحملهم عليه، والجملة استيناف لبيان المقتضي للعهد " ولقد أضل منكم جبلا كثيرا " رجوع إلى بيان معاداة الشيطان مع ظهور عداوته ووضوح إضلاله لمن له أدنى عقل ورأي، والجبل: الخلق.
قوله سبحانه: " وحفظا من كل شيطان مارد " قال البيضاوي: " حفظا " منصوب باضمار فعله أو العطف على زينة باعتبار المعنى، كأنه قال: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا من كل شيطان مارد، خارج عن الطاعة برمي الشهب.
قال الرازي: قال ابن عباس: يريد حفظ السماء بالكواكب من كل شيطان تمرد على الله، قال المفسرون: الشياطين يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب، وكانوا يخبرون به ضعفاءهم ويوهمونهم أنهم يعلمون الغيب، فمنعهم الله تعالى عن الصعود إلى قرب السماء بهذه الشهب، فإنه تعالى يرميهم بها فيحرقهم بها.
وبقي ههنا سؤالات:
الأول هذه الشهب هل هي من الكواكب التي زين الله السماء بها أم لا؟ و الأول باطل لأن هذه الشهب تبطل وتضمحل، فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء، ومعلوم أن هذا المعنى لم يوجد البتة، وأيضا فجعلها رجوما للشياطين مما يوجب النقصان في زينة السماء فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض.
وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: هذه الشهب جنس آخر غير الكواكب المركوزة
في الفلك، فهذا أيضا مشكل لأنه تعالى قال في سورة تبارك: " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين " والضمير عائد إلى المصابيح.
والجواب أن هذه الشهب غير تلك الثواقب الباقية، وأما قوله: " ولقد زينا " الخ فنقول: كل منير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد، ومنها ما لا يكون كذلك وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوما للشياطين.
الثاني: كيف يجوز أن يذهب الشياطين إلى السماء حيث يعلمون بالتجربة أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم البتة؟ وهل يمكن أن يصدر مثل هذا الفعل عن عاقل فكيف من الشياطين الذين لهم مزية في معرفة الحيل الدقيقة؟
والجواب: أن حصول هذه الحالة ليس له موضع معين، وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة، ومواضعها مختلفة، فربما أن صاروا إلى موضع تصيبهم الشهب، وربما صاروا إلى غيره ولا يصادفون الملائكة فلا تصيبهم الشهب فلما هلكوا في بعض الأوقات وسلموا في بعضها، جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنه لا تصيبهم الشهب فيها، كما يجوز فيمن يسلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة، هذا ما ذكره الجبائي في تفسيره.
ولقائل أن يقول: إنهم إذا صعدوا فاما أن يصلوا إلى مواضع الملائكة أو إلى غير ذلك الموضع، فان وصلوا إلى مواضع الملائكة احترقوا، وإن وصلوا إلى غيرها لم يفوزوا بمقصود أصلا، فبعد هذه التجزية وجب أن يمتنعوا عن هذا العمل.
والأقرب في الجواب أن نقول: هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لم يشتهر بين الشياطين.
الثالث: قالوا: دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلا قبل مجئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك فان الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجئ النبي صلى الله عليه وآله بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه.
وأجاب القاضي بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي لكنها كثرت في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم فصار بسبب الكثرة معجزا انتهى.
وأقول: يمكن أن يقال في الجواب عن السؤال الأول: أما أولا فبأنه على تقدير كون المراد بالمصابيح الكواكب نمنع عدم التغير في أعدادها، لان جميعها غير مرصودة لا سيما على القول بأن المجرة مركبة من الكواكب الصغيرة.
وأما ثانيا فبأن يقال: يجوز أن يخلق الله تعالى في موضع الكوكب الذي يرمى به الشياطين كوكبا آخر فلا يحس بزواله.
وأما ثالثا فبأن يقال: لعله ينفصل من الكوكب جسم يحرق الشياطين ويهلكهم مع بقاء الكوكب، كما ينفصل عن النار شعل محرقة مع بقائها، والشهاب في الأصل شعلة نار ساطعة، ومنه قوله تعالى: " آتيكم بشهاب قبس ".
وأما السؤال الثاني فأجاب الشيخ رحمه الله في التبيان عنه بأنهم ربما جوزوا أن يصادفوا موضعا يصعدون منه ليس فيه ملك يرميهم بالشهب، أو اعتقدوا أن ذلك غير صحيح ولم يصدقوا من أخبرهم أنهم رموا حين أرادوا الصعود.
وقيل في الجواب: إذا جاء القضا عمي البصر، فإذا قضى الله عليه شيطان بالحرق قبض الله من نفسه ما يبعثه على الاقدام على الهلكة، وربما غفل عن التجربة لشدة حرصه على درك المقصود، وقد يقال في الجواب عن الثالث: بأن ما حدث بولادته صلى الله عليه وآله
وبعثه هو طرد الشياطين بالشهب الثواقب لا وجودها، مع أن طائفة زعموا أن هذه الشهب ما كانت موجودة قبل البعث، ورووه عن ابن عباس وأبي بن كعب قالوا: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى بن مريم عليه السلام حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وآله فرمي بها، فرأت قريش أمرا ما رأوه قبل ذلك فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون رقابهم يظنون إبان الفناء، فبلغ ذلك بعض أكابرهم فقال: لم فعلتم ذلك؟ فقالوا: رمي بالنجوم فرأينا تتهافت في السماء فقال: اصبروا فان تكن نجوم معروفة فهو وقت فناء الدنيا، وإن كانت نجوم لا تعرف فهو أمر حدث، فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال: في الأمر مهلة، وهذا عند ظهور نبي فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم أبو سفيان على أخواله وأخبر أولئك الأقوام أنه ظهر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ويدعي أنه نبي مرسل، وهؤلاء زعموا أن كتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات، فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة بها طعنا منهم في هذه المعجزة، وكذا الأشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلقة عليهم لذلك.
قوله تعالى: " لا يسمعون إلى الملا الأعلى " قال البيضاوي: كلام مبتدأ لبيان حالهم بعد ما حفظ السماء عنهم، ولا يجوز جعله صفة " لكل شيطان " فإنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون، والضمير لكل باعتبار المعنى، وتعدية السماع بإلى لتضمنه معنى الاصغاء مبالغة لنفيه وتهويلا لما يمنعهم، ويدل عليه قراءة حمزة و الكسائي وحفص بالتشديد من التسمع وهو طلب السماع، والملأ الأعلى الملائكة أو أشرافهم " ويقذفون " يرمون " من كل جانب " من السماء إذا قصدوا صعوده " دحورا " علة أي للدحور وهو الطرد، أو مصدر لأنه والقذف متقاربان، أو حال بمعنى مدحورين أو منزوع عنه الباء جمع دحر وهو ما يطرد به، ويقويه القراءة بالفتح، وهو يحتمل أيضا أن يكون مصدرا كالقبول أو صفة له، أي قذفا دحورا " ولهم عذاب واصب " أي عذاب آخر دائم أو شديد وهو عذاب الآخرة " إلا من خطف الخطفة " استثناء من " واو " يسمعون ومن بدل منه، والخطف: الاختلاس، والمراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة و " أتبع " بمعنى تبع والثاقب المضئ.
أقول: وقد مر بعض الكلام في بعض هذه الآيات.
وقال البيضاوي: " طلعها " أي حملها: مستعار من طلع الثمر لمشاركته إياه في الشكل أو لطلوعه من الشجر " كأنها رؤوس الشياطين " في تناهي القبح والهول وهو تشبيه بالمتخيل كتشبيه الفائق في الحسن بالملك، وقيل: الشياطين حياة هائلة قبيحة المنظر لها أعراف، ولعلها سميت بها لذلك.
وقال: " والشياطين " عطف على الريح " كل بناء وغواص " بدل منه " وآخرين مقرنين في الأصفاد " عطف على " كل " كأنه فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص، ومردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر، ولعل أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى، ويمكن تقييدها، هذا والأقرب أن المراد تمثيل كفهم عن الشرور بالأقران في الصفد وهو القيد.
وقال الرازي: وههنا بحث وهو أن هذه الآيات دالة على أن الشياطين لها قوة عظيمة وبسبب تلك القوة قدروا على بناء الأبنية القوية التي لا يقدر عليها البشر وقدروا على الغوص في البحار، واحتاج سليمان عليه السلام إلى قيدهم، ولقائل أن يقول: هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة، فإن كان الأول وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة، إذ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجسادهم فليجز أن يكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة لا نراها ولا نسمعها، وذلك دخول في السفسطة فإن كان الثاني: وهو أن أجسادهم ليست كثيفة بل لطيفة رقيقة، فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا بالقوة الشديدة، وأيضا لزم أن تتفرق أجسادهم وأن تتمزق بسبب الرياح القوية وأن يموتوا في الحال، وذلك يمنع وصفهم بالآلات القوية.
وأيضا الجن والشياطين إن كانوا موصوفين بهذه الشدة والقوة فلم لا يقتلون العلماء والزهاد في زماننا؟ ولم لا يخربون ديار الناس مع أن المسلمين مبالغون في إظهار لعنتهم وعداوتهم، وحيث لا يحس شئ من ذلك علمنا أن القول باثبات الجن والشياطين ضعيف.
واعلم أن أصحابنا يجوزون أن تكون أجسامهم كثيفة مع أنا لا نراها، وأيضا لا يبعد أن يقال: أجسامهم لطيفه بمعنى عدم اللون، ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التفرق، وأما الجبائي فقد سلم أنها كانت كثيفة الأجسام، وزعم أن الناس كانوا يشاهدونهم في زمن سليمان عليه السلام، ثم إنهم لما توفي سليمان عليه السلام أمات الله تلك الجن والشياطين وخلق نوعا آخر من الجن والشياطين، والموجود في زماننا ليس إلا من هذا الجنس والله أعلم انتهى.
قال الطبرسي رحمه الله: " وآخرين " أي وسخرنا له آخرين من الشياطين مشددين في الاغلال والسلاسل من الحديد، وكان يجمع بين اثنين وثلاثة منهم في سلسلة لا يمتنعون عليه إذا أراد ذلك بهم عند تمردهم.
وقيل: إنه إنما كان يفعل ذلك بكفارهم فإذا آمنوا أطلقهم.
" بنصب وعذاب " أي بتعب ومكروه ومشقة وقيل: بوسوسة، فيقول له: طال مرضك ولا يرحمك ربك انتهى.
وقال البيضاوي في قوله تعالى: " فإذا سويته " عدلت خلقته " استكبر " تعظم و " كان " أي وصار، أو في علم الله " فبعزتك " فبسلطانك وقهرك " فالحق والحق أقول " أي فأحق الحق وأقوله.
وقيل: الحق الأول اسم الله تعالى، ونصب بحذف حرف القسم وجوابه " لأملئن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين " وما بينهما اعتراض، وهو على الأول جواب محذوف، والجملة تفسير للحق المقول، وقرأ عاصم وحمزة برفع الأول على الابتداء
أي الحق يميني أو قسمي أو الخبر أي أنا الحق " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ " أي نخس به شبه وسوسته لأنها بعث على ما لا ينبغي كالدفع بما هو أسوأ، وجعل النزغ نازغا على طريقة جد جده، أو أريد به نازغ وصفا للشيطان بالمصدر " فاستعذ بالله إنه هو السميع " لاستعاذتك " العليم " بنيتك أو بصلاحك ومن يعش عن ذكر الرحمن " يتعامى ويعرض عنه لفرط اشتغاله بالمحسوسات أو انهماكه في الشهوات " نقيض " نقدر ونسبب له " شيطانا فهو له قرين " يوسوسه ويغويه دائما.
أقول: وفي الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام: من تصدى بالاثم أعشى عن ذكر الله تعالى، ومن ترك الأخذ عمن أمر الله بطاعته قيض له شيطانا فهو له قرين.
" سول لهم " قيل أي سهل لهم اقتراف الكبائر، وقيل: حملهم على الشهوات " وأملى لهم " أي وأمد لهم في الآمال والأماني أو أمهلهم الله ولم يعاجلهم بالعقوبة " استحوذ عليهم الشيطان " أي استولى عليهم وهو مما جاء على الأصل " فأنساهم ذكر الله " لا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم " أولئك حزب الشيطان " جنوده وأتباعه " ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون " لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد وعرضوها للعذاب المخلد.
" كمثل الشيطان " قال البيضاوي: أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان " إذ قال للانسان اكفر " أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور " فلما
كفر قال إني برئ منك " تبرأ عنه مخافة أن يشاركه في العذاب ولا ينفعه ذلك كما قال:
" إني أخاف الله رب العالمين " إلى قوله: " جزاء الظالمين " والمراد من الانسان الجنس وقيل: أبو جهل قال له إبليس يوم بدر: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم الآية، وقيل: راهب حمله على الفجور والارتداد.
ولقد زينا " أقول: قد مر الكلام فيها في باب السماوات.
" من شر الوسواس الخناس " قال الطبرسي رحمه الله فيه أقوال:
أحدها: أن معناه من شر الوسوسة الواقعة من الجنة التي يوسوسها في صدور الناس، فيكون فاعل يوسوس ضمير الجنة، وإنما ذكر لأن الجنة والجن واحد وجازت الكناية عنه وإن كان متأخرا لأنه في نية التقدم.
وثانيها: أن معناه من شر ذي الوسواس وهو الشيطان، كما جاء في الأثر " أنه يوسوس فإذا ذكر ربه خنس ".
ثم وصفه الله تعالى بقوله: " الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس " أي بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى قلوبهم من غير سماع، ثم ذكر أن هذا الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة وهم الشياطين كما قال سبحانه: " إلا إبليس كان من الجن " ثم عطف بقوله: " والناس " على الوسواس، والمعنى من شر الوسواس، ومن شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس.
وثالثها: أن معناه من شر ذي الوسواس الخناس، ثم فسره بقوله: " من الجنة والناس " كما تقول نعوذ بالله من شر كل ما رد من الجن والإنس، وعلى هذا فيكون وسواس الجنة هو وسواس الشيطان، وفي وسواس الانس وجهان:
أحدهما أنه وسوسة الانسان نفسه.
والثاني إغواء من يغويه من الناس، ويدل عليه قوله: " شياطين الإنس والجن "
فشيطان الجن يوسوس، وشيطان الانس يأتي علانية ويري أنه ينصح وقصده الشر، قال مجاهد: الخناس: الشيطان إذا ذكر الله سبحانه خنس وانقبض، وإذا لم يذكر الله انبسط على القلب، ويؤيده ما روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله سبحانه خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس.
وقيل: الخناس معناه الكثير الاختفاء بعد الظهور وهو المستتر المختفي عن أعين الناس لأنه يوسوس من حيث لا يرى بالعين، وروى العياشي باسناده، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من مؤمن إلا ولقلبه في صدره أذنان: اذن ينفث فيها الملك، واذن ينفث فيها الوسواس الخناس، فيؤيد الله المؤمن بالملك، وهو قوله سبحانه: " وأيدهم بروح منه ".
1 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله تعالى: " والشياطين كل بناء وغواص " أي في البحر " وآخرين مقرنين في الأصفاد " يعنى مقيدين قد شد بعضهم إلى بعض، وهم الذين عصوا سليمان عليه السلام حين سلبه الله ملكه، قال الصادق عليه السلام: جعل الله عز وجل ملك سليمان في خاتمه، فكان إذا لبسه حضرته الجن والإنس والشياطين وجميع الطير والوحش وأطاعوه ويبعث الله رياحا تحمل الكرسي بجميع ما عليه من الشياطين والطير والانس والدواب والخيل، فتمر بها في الهواء إلى موضع يريده سليمان، وكان يصلي الغداة بالشام والظهر بفارس، وكان يأمر الشياطين أن يحملوا الحجارة من فارس يبيعونها بالشام فلما مسح أعناق الخيل وسوقها بالسيف سلبه الله ملكه فجاء شيطان فأخذ من خادمه خاتمه حيث دخل الخلاء - وساق الحديث إلى قوله: - فلما رد عليه الخاتم ولبسه حوت
عليه الشياطين والجن والانس والطير والوحوش ورجع إلى ما كان، فطلب ذلك بالشيطان وجنوده الذين كانوا معه، فقيدهم وحبس بعضهم في جوف الماء وبعضهم في جوف الصخر بأسامي الله، فهم محبوسون معذبون إلى يوم القيامة.
2 - القصص: بسنده عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان سليمان عليه السلام يأمر الشياطين فتحمل له الحجارة من موضع إلى موضع فقال لهم إبليس: كيف أنتم؟ قالوا:
ما لنا طاقة بما نحن فيه، فقال إبليس: أليس تذهبون بالحجارة وترجعون فراغا؟
قالوا: نعم قال: فأنتم في راحة، فأبلغت الريح سليمان ما قال إبليس للشياطين، فأمرهم يحملون الحجارة ذاهبين ويحملون الطين راجعين إلى موضعها، فتراءى لهم إبليس فقال: كيف أنتم؟ فشكوا إليه فقال: ألستم تنامون بالليل؟ قالوا: بلى، قال: فأنتم في راحة، فأبلغت الريح ما قالت الشياطين وإبليس، فأمرهم أن يعملوا بالليل والنهار فما لبثوا إلا يسيرا حتى مات سليمان صلوات الله عليه.
3 - العيون والعلل: بإسناده عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: سأل الشامي أمير المؤمنين عليه السلام عن اسم إبليس ما كان في السماء؟ فقال: كان اسمه الحارث، وسأله عن أول من كفر، فقال: إبليس لعنه الله.
4 - التفسير: قال علي بن إبراهيم في قوله تعالى: " فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " قال: الرجيم أخبث الشياطين، قيل: ولم سمي رجيما؟ قال: لأنه يرجم 5 - القصص للراوندي: بإسناده عن عبد الله بن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.