بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
3 باب إبليس لعنه الله وقصصه وبدء خلقه ومكائده ومصائده و أحوال
ج ۶۰، ص ۱۹۵–۲۳۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۷
عن ذي الكفل، فقال كان رجلا من حضرموت واسمه عويد ابن أديم، وكان في زمن نبي من الأنبياء قال: من يلي أمر الناس بعدي على أن لا يغضب؟ فقام فتى فقال:
أنا، فلم يلتفت إليه، ثم قال: كذلك، فقام الفتى، فمات ذلك النبي وبقي ذلك الفتى وجعله الله نبيا، وكان الفتى يقضي أول النهار فقال إبليس لأتباعه: من له؟ فقال واحد منهم يقال له: الأبيض: أنا، فقال إبليس: فاذهب إليه لعلك تغضبه، فلما انتصف النهار جاء الأبيض إلى ذي الكفل وقد أخذ مضجعه فصاح وقال: إني مظلوم، فقال: قل له:
تعالى! فقال: لا أنصرف، قال: فأعطاه خاتمه فقال: اذهب وأتني بصاحبك، فذهب حتى إذا كان من الغد جاء تلك الساعة التي أخذ هو مضجعه فصاح إني مظلوم وإن خصمي لم يلتفت إلى خاتمك، فقال له الحاجب: ويحك دعه ينم فإنه لم ينم البارحة ولا أمس، قال:
لا أدعه ينام وأنا مظلوم، فدخل الحاجب وأعلمه فكتب له كتابا وختمه ودفعه إليه، فذهب حتى إذا كان من الغد حين أخذ مضجعه جاء فصاح فقال: ما التفت إلى شئ من أمرك ولم يزل يصيح حتى قام وأخذ بيده في يوم شديد الحر لو وضعت فيه بضعة لحم على الشمس لنضجت، فلما رأى الأبيض ذلك انتزع يده من يده ويئس منه أن يغضب، فأنزل الله جل وعلا قصته على نبيه ليصبر على الأذى كما صبر الأنبياء صلوات الله عليهم على البلاء بيان: كأنه سقط من أول الخبر شئ، والقائل: هو نبي آخر غير ذي
الكفل، والقائل: هو عليه السلام كما بيناه في المجلد الخامس.
6 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن عبد الله الحميري، عن موسى بن جعفر ابن وهب، عن علي بن سليمان النوفلي عن فطر بن خليفة، عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: لما نزلت هذه الآية: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم " صعد إبليس جبلا بمكة يقال له: ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه، فقالوا: يا سيدنا لم دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية، فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال : أنا لها بكذا وكذا، قال: لست لها، فقام آخر فقال: مثل ذلك، فقال: لست لها، فقال الوسواس الخناس: أنا لها، قال: بماذا؟
قال: أعدهم وأمنيهم حتى يواقعوا الخطيئة فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار، فقال: أنت لها، فوكله بها إلى يوم القيامة.
بيان: في القاموس: رجل عفر وعفرية وعفريت بكسرهن خبيث منكر والعفريت: النافذ في الأمر المبالغ فيه مع دهاء.
7 - العلل: بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الخناس قال: إن إبليس يلتقم القلب فإذا ذكر الله خنس فلذلك سمي الخناس.
8 - تفسير الفرات: بإسناده عن الحسن عليه السلام فيما سأل كعب الأحبار
أمير المؤمنين عليه السلام قال: لما أراد الله تعالى خلق آدم بعث جبرئيل فأخذ من أديم الأرض قبضة فعجنه بالماء العذب والمالح وركب فيه الطبايع قبل أن ينفخ فيه الروح، فخلقه من أديم الأرض فطرحه كالجبل العظيم، وكان إبليس يومئذ خازنا على السماء الخامسة يدخل في منخر آدم ثم يخرج من دبره، ثم يضرب بيده على بطنه فيقول: لأي أمر خلقت؟ لئن جعلت فوقي لا أطعتك، ولئن جعلت أسفل مني لأعينك فمكث في الجنة ألف سنة ما بين خلقه إلى أن ينفخ فيه الروح الحديث.
9 - الكافي: بإسناده عن مسعدة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وسئل عن الكفر والشرك أيهما أقدم؟ فقال: الكفر أقدم؟ وذلك أن إبليس أول من كفر وكان كفره غير شرك لأنه لم يدع إلى عبادة غير الله، وإنما دعا إلى ذلك بعد فأشرك.
10 - ومنه: بإسناده عن عبد الحميد أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
قال لي: يا أبا محمد والله لو أن إبليس سجد لله بعد المعصية والتكبر عمر الدنيا ما نفعه ذلك، ولا قبله الله عز وجل منه ما لم يسجد لآدم كما أمره الله أن يسجد له الحديث.
11 - العلل: باسناده قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله عليه السلام فقال له:
يا أبا حنيفة بلغني أنك تقيس؟ قال نعم: أنا أقيس، قال : ويلك لا تقس إن أول من قاس إبليس، قال: " خلقتني من نار وخلقته من طين " قاس ما بين النار والطين
ولو قاس نورية آدم بنور النار عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدها على الآخر.
12 - العياشي: عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إبليس أول من تغنى، وأول من ناح، لما أكل آدم من الشجرة تغنى.
13 - العلل: بإسناده عن يزيد بن سلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: الخميس يوم خامس من الدنيا وهو يوم أنيس لعن فيه إبليس ورفع فيه إدريس الخبر.
14 - الكافي: بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان إبليس يوم بدر يقلل المسلمين في أعين الكفار ويكثر الكفار في أعين المسلمين، فشد عليه جبرئيل بالسيف فهرب منه وهو يقول: يا جبرئيل إني مؤجل، حتى وقع في البحر قال زرارة: فقلت لأبي جعفر عليه السلام: لأي شئ كان يخاف وهو مؤجل؟ قال: على أن يقطع بعض أطرافه.
15 - ومنه: بإسناده عن علي عليه السلام: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تؤووا
منديل اللحم في البيت فإنه مربض الشيطان، ولا تؤووا التراب خلف الباب فإنه مأوى الشيطان، فإذا بلغ أحدكم باب حجرته فليسم فإنه يفر الشيطان، وإذا سمعتم نياح الكلاب ونهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنهم يرون ولا ترون فافعلوا ما تؤمرون الخبر.
16 - العلل: بإسناده عن عبد العظيم الحسني قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام أسأله عن علة الغائط ونتنه، قال: إن الله تعالى خلق آدم وكان جسده طيبا وبقي أربعين سنة ملقى تمر به الملائكة فتقول: لأمر ما خلقت، وكان إبليس يدخل في فيه ويخرج من دبره فلذلك صار ما في جوف آدم منتنا خبيثا غير طيب.
17 - العلل: عن ماجيلويه عن عمه عن أحمد البرقي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما كانت بلية أيوب التي ابتلي بها في الدنيا لنعمة أنعم الله بها عليه فأدى شكرها، وكان إبليس في ذلك الزمان لا يحجب دون العرش، فلما صعد عمل أيوب بأداء شكر النعمة حسده إبليس فقال:
يا رب إن أيوب لم يؤد شكر هذه النعمة إلا بما أعطيته من الدنيا، فلو حلت بينه وبين دنياه ما أدى إليك شكر نعمة، فسلطني على دنياه تعلم أنه لا يؤدي شكر نعمة فقال: قد سلطتك على دنياه، فلم يدع له دنيا ولا ولدا إلا أهلك ذلك وهو يحمد
الله عز وجل.
ثم رجع إليه فقال: يا رب إن أيوب يعلم أنك سترد عليه دنياه التي أخذتها منه فسلطني على بدنه حتى تعلم أنه لا يودي شكر نعمة، قال عز وجل:
قد سلطتك على بدنه ما عدا عينيه وقلبه ولسانه وسمعه، فقال أبو بصير: قال أبو عبد الله عليه السلام: فانقض مبادرا خشية أن تدركه رحمة الله عز وجل فيحول بينه وبينه فنفخ في منخريه من نار السموم فصار جسده نقطا نقطا.
18 - الكافي: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن عثمان النوا عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل يبتلي المؤمن بكل بلية ويميته بكل ميتة ولا يبتليه بذهاب عقله، أما ترى أيوب كيف سلط إبليس على ماله وعلى ولده وعلى أهله وعلى كل شئ منه ولم يسلط على عقله؟ ترك له يوحد الله به.
19 - الفقيه: قال الصادق عليه السلام: إذا أتى أحدكم أهله فليذكر الله فان من لم يذكر الله عند الجماع فكان منه ولد كان شرك شيطان ويعرف ذلك بحبنا وبغضنا.
20 - ومنه: قال أبو جعفر عليه السلام: إذا انكشف أحدكم لبول أو لغير ذلك فليقل:
بسم الله فان الشيطان يغض بصره عنه حتى يفرغ.
21 - ومنه: بإسناده عن علي بن أسباط، عن الرضا عليه السلام قال: قال لي:
إذا خرجت من منزلك في سفر أو حضر فقل: بسم الله آمنت بالله توكلت على الله ما شاء
الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فتلقاه الشياطين فتضرب الملائكة وجوهها وتقول: ما سبيلكم عليه وقد سمى الله وآمن به وتوكل على الله؟ وقال: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله.
22 - الكافي: بإسناده عن حفص بن القاسم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن على ذروة كل جسر شيطانا، فإذا انتهيت إليه فقل: " بسم الله " يرحل عنك.
23 - التهذيب: بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الرجل إذا أتى المرأة وجلس مجلسه حضره الشيطان فإن هو ذكر اسم الله تنحى الشيطان عنه، وإن فعل ولم يسم أدخل الشيطان ذكره فكان العمل منهما جميعا والنطفة واحدة قلت: فبأي شئ يعرف هذا جعلت فداك؟ قال: بحبنا وبغضنا.
24 - ومنه: بإسناده عن أبي حمزة قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: يا ثمالي إن الصلاة إذا أقيمت جاء الشيطان إلى قرين الامام فيقول: هل ذكر ربه؟ فان قال:
نعم ذهب، وإن قال: لا ركب على كتفيه فكان إمام القوم حتى ينصرفوا، قال: فقلت:
جعلت فداك ليس يقرأون القرآن؟ قال: بلى ليس حيث تذهب يا ثمالي إنما هو الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
بيان: قرين الامام: الملك الذي يحفظ عمله، أو الشيطان الذي وكل به.
25 - المحاسن: بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أكلت الطعام فقل:
بسم الله في أوله وفي آخره، فان العبد إذا سمى في طعامه قبل أن يأكل لم يأكل معه الشيطان وإذا سمى بعد ما يأكل وأكل الشيطان منه تقيأ ما كان أكل.
16 - ومنه: بإسناده عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا وضع الغداء والعشاء فقل: " بسم الله " فان الشيطان يقول لأصحابه: اخرجوا فليس هنا عشاء ولا مبيت، وإن هو نسي أن يسمي قال لأصحابه: تعالوا فان لكم هنا عشاء ومبيتا.
27 - وقال عليه السلام: في خبر آخر إذا توضأ أحدكم ولم يسم كان للشيطان في وضوئه شرك، وإن أكل أو شرب أو لبس لباسا ينبغي أن يسمي عليه، فإن لم يفعل كان للشيطان فيه شرك.
28 - الفقيه: في وصايا النبي صلى الله عليه وآله لعلي: يا علي النوم على أربعة: نوم الأنبياء على أقفيتهم، ونوم المؤمنين على أيمانهم، ونوم الكفار والمنافقين على يسارهم ونوم الشياطين على وجوههم.
29 - تفسير الامام: قال عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فان من تعوذ بالله أعاذه الله، وتعوذوا من همزاته ونفخاته ونفثاته، أتدرون ما هي؟ أما همزاته: فما يلقيه في قلوبكم من بغضنا أهل البيت، قالوا: يا رسول الله وكيف نبغضكم بعد ما عرفنا محلكم من الله ومنزلتكم؟ قال: أن تبغضوا أولياءنا وتحبوا أعداءنا.
قيل: يا رسول الله وما نفخاتهم؟ قال: هي ما ينفخون به عند الغضب في الانسان الذي يحملونه على هلاكه في دينه ودنياه، وقد ينفخون في غير حال الغضب بما يهلكون به، أتدرون ما أشد ما ينفخون؟ وهو ما ينفخون بأن يوهموا أن أحدا من هذه الأمة فاضل علينا أو عدل لنا أهل البيت، وأما نفثاته: فإنه يرى أحدكم أن شيئا بعد القرآن أشفى له من ذكرنا أهل البيت ومن الصلاة علينا.
30 - العلل: بإسناده عن جابر الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اغلقوا أبوابكم وخمروا آنيتكم وأوكئوا أسقيتكم، فان الشيطان لا يكشف غطاء ولا يحل وكاء.
31 - الكافي: بإسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن عليه السلام قال:
قال رسول الله: إذا ركب الرجل الدابة فسمى ردفه ملك يحفظه حتى ينزل، وإذا ركب ولم يسم ردفه شيطان فيقول له: تغن، فان قال له: لا أحسن قال له: تمن
فلا يزال يتمنى حتى ينزل.
32 - العيون: بإسناده عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
في أول يوم من شهر رمضان تغل مردة الشياطين.
33 - العلل: عن أبيه عن محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد بن يحيى عن الحسن بن علي بن أسباط عن أبي عبد الرحمن قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ربما حزنت فلا أعرف في أهل ولا مال ولا ولد، وربما فرحت فلا أعرف في أهل ولا مال ولا ولد فقال: إنه ليس من أحد إلا ومعه ملك وشيطان فإذا كان فرحه كان دنو الملك منه وإذا كان حزنه كان دنوا الشيطان منه، وذلك قول الله تبارك وتعالى " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ".
بيان: كأن المراد أن هذا الهم لأجل وساوس الشيطان لكنه لا يتفطن به الانسان فيظن أنه بلا سبب.
أو المراد: أنه لما كان شأن الشيطان ذلك يصير محض دنوه سببا للهم، أو أراد السائل عدم كونه لفوت تلك الأمور في الماضي ويجري جميع الأمور في الملك أيضا.
34 - الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من قلب إلا وله أذنان على أحدهما ملك مرشد، وعلى الأخرى
شيطان مفتن، هذا يأمره وهذا يزجره، الشيطان يأمره بالمعاصي، والملك يزجره عنها، وهو قول الله عز وجل: " عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ".
35 - ومنه: بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن للقلب أذنين فإذا هم العبد بذنب قال له روح الايمان: لا تفعل، وقال له الشيطان: افعل، وإذا كان على بطنها نزع منه روح الايمان.
36 - المحاسن: عن أبي طالب عن أنس عن عياض الليثي عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن على ذروة كل بعير شيطانا فامتهنوها لأنفسكم وذللوها، واذكروا اسم الله عليها كما أمركم الله.
37 - ومنه: عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن عن يعقوب بن جعفر قال:
سمعت أبا الحسن عليه السلام قال: الخيل على كل منخر منها شيطان فإذا أراد أحكم أن يلجمها فليسم الله.
38 طب الأئمة: باسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أكثروا من الدواجن في بيوتكم تتشاغل بها الشياطين عن صبيانكم.
39 - الكافي: بإسناده عن سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله حرم الجنة على كل فحاش بذي قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل له، فإنك إن فتشته لم تجده إلا لغية أو شرك شيطان، قيل: يا رسول الله وفى الناس شرك شيطان؟ فقال صلى الله عليه وآله: أما تقرأ قول الله عز وجل: " وشاركهم في الأموال والأولاد " الخبر.
بيان: في القاموس: ولد غية ويكسر: زنية.
40 - الكافي: بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام حيث علمه الدعاء إذا دخلت عليه امرأته، وقال فيه: ولا تجعل فيه شركا للشيطان، قال: قلت: وبأي شئ يعرف ذلك؟ قال: أما تقرأ كتاب الله عز وجل: " وشاركهم في الأموال والأولاد " ثم قال: إن الشيطان ليجئ حتى يقعد من المرأة كما يقعد الرجل منها ويحدث كما يحدث وينكح كما ينكح، قلت: بأي شئ يعرف ذلك؟ قال: بحبنا وبغضنا فمن أحبنا كان نطفة العبد، ومن أبغضنا كان نطفة الشيطان.
41 - وقال في حديث آخر: وإن الشيطان يجيئ فيقعد كما يقعد الرجل وينزل كما ينزل الرجل.
42 - وفي رواية أخرى عن هشام، عنه عليه السلام في النطفتين اللتين للآدمي والشيطان إذا اشتركا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ربما خلق من أحدهما وربما خلق منهما جميعا.
43 - تفسير الفرات: بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: رأى أمير المؤمنين عليه السلام على بابه شيخا فعرفه أنه الشيطان فصارعه وصرعه قال: قم عني يا علي حتى أبشرك فقام عنه فقال: بم تبشرني يا ملعون؟ قال: إذا كان يوم القيامة صار الحسن عن يمين العرش والحسين عن يسار العرش، يعطيان شيعتهما الجواز من النار، قال: فقام إليه وقال: أصارعك؟
قال: مرة أخرى، قال: نعم، فصرعه أمير المؤمنين قال: قم عني حتى أبشرك، فقام عنه فقال: لما خلق الله آدم خرج ذريته من ظهره مثل الذر فأخذ ميثاقهم فقال: " ألست بربكم قالوا بلى " قال: فأشهدهم على أنفسهم فأخذ ميثاق محمد وميثاقك فعرف وجهك الوجوه وروحك الأرواح، فلا يقول لك أحد: أحبك، إلا عرفته، ولا يقول لك أحد:
أبغضك، إلا عرفته، قال: قم صار عني، قال: ثلاثة، قال: نعم فصارعه وصرعه فقال: يا علي لا تبغضني وقم عني حتى أبشرك قال: بلى وأبرأ منك وألعنك، قال:
والله يا بن أبي طالب ما أحد يبغضك إلا شركت في رحم أمه وفي ولده، فقال له: أما قرأت كتاب الله " وشاركهم في الأموال والأولاد " الآية.
44 - تفسير علي بن إبراهيم: بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر في قصة طويلة في
حج إبراهيم وذبحه ابنه إلى أن قال: وسلما لأمر الله، وأقبل شيخ فقال: يا إبراهيم ما تريد من هذا الغلام؟ قال: أريد أن أذبحه، فقال: سبحان الله تذبح غلاما لم يعص الله عز وجل طرفة عين؟ فقال إبراهيم: إن الله أمرني بذلك، فقال: ربك ينهاك عن ذلك، وإنما أمرك بهذا الشيطان، فقال له إبراهيم إن الذي بلغني هذا المبلغ هو الذي أمرني به والكلام الذي وقع في اذني، فقال: لا والله ما أمرك بهذا إلا الشيطان فقال إبراهيم: لا والله لا أكلمك.
ثم عزم إبراهيم على الذبح فقال: يا إبراهيم إنك إمام يقتدى بك، وإنك إذا ذبحته ذبح الناس أولادهم، فلم يكلمه وأقبل على الغلام واستشاره في الذبح - وساق الحديث في الفداء إلى قوله - ولحق إبليس بأم الغلام حين نظرت إلى الكعبة في وسط الوادي بحذاء البيت فقال لها: ما شيخ رأيته، قالت: إن ذلك بعلي، قال: فوصيف رأيته معه، قالت: ذلك ابني، قال: فاني رأيته وقد أضجعه وأخذ المدية ليذبحه فقالت: كذبت إن إبراهيم أرحم الناس كيف يذبح ابنه؟ قال: فورب السماء والأرض ورب هذا البيت لقد رأيته أضجعه وأخذ المدية، فقالت: ولم؟ قال: يزعم أن ربه أمره بذلك، قالت: فحق له أن يطيع ربه، فوقع في نفسها أنه قد امر في ابنها بأمر.
فلما قضت مناسكها أسرعت في الوادي راجعة إلى منى وهي واضعة يدها على رأسها تقول: ربي لا تؤاخذني بما عملت بأم إسماعيل الحديث .
45 - العلل: عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن سهل بن زياد عن الحسن بن محبوب عن خالد بن جرير عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن آدم
عليه السلام لما هبط من الجنة اشتهى من ثمارها فأنزل الله تبارك وتعالى عليه قضيبين من عنب فغرسهما فلما أورقا وأثمرا وبلغا جاء إبليس فحاط عليهما حائط، فقال له آدم:
ما لك يا ملعون؟ فقال له إبليس: إنهما لي، فقال: كذبت، فرضيا بينها بروح القدس فلما انتهيا إليه قص آدم عليه السلام قصته فأخذ روح القدس شيئا من نار فرمى بها عليهما فالتهبت في أغصانهما حتى ظن آدم أنه لم يبق منهما شئ إلا احترق وظن إبليس مثل ذلك قال: فدخلت النار حيث دخلت وقد ذهب منهما ثلثاهما وبقي الثلث، فقال الروح:
أما ما ذهب منهما فحظ إبليس لعنه الله وما بقي فلك يا آدم.
الكافي: عن علي بن إبراهيم عن أبيه وعدة من أصحابه عن أحمد بن محمد وسهل بن زياد جميعا عن ابن محبوب مثله.
46 - ومنه: عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد عن الحسين بن يزيد عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى لما أهبط آدم عليه السلام أمره بالحرث والزرع وطرح إليه غرسا من غروس الجنة فأعطاه النخل والعنب والزيتون والرمان فغرسها لتكون لعقبه وذريته فأكل هو من ثمارها، فقال له إبليس لعنه الله: يا آدم ما هذا الغرس الذي لم أكن أعرفه في الأرض وقد كنت بها قبلك؟ ائذن لي آكل منه شيئا، فأبى أن يطعمه، فجاء عند آخر عمر آدم فقال لحوا: إنه قد أجهدني الجوع والعطش، فقالت له حواء عليها السلام: إن آدم عهد إلي
أن لا أطعمك شيئا من هذا الغرس لأنه من الجنة ولا ينبغي لك أن تأكل منه فقال لها: فاعصري في كفي منه شيئا فأبت عليه، فقال: ذريني أمصه ولا آكله ، فأخذت عنقودا من عنب فأعطته فمصه ولم يأكل منه شيئا، لما كانت حواء قد أكدت عليه، فلما ذهب يعضه جذبته حواء من فيه فأوحى الله عز وجل إلى آدم عليه السلام إن العنب قد مصه عدوي وعدوك إبليس لعنه الله وقد حرمت عليك من عصيره الخمر ما خالطه نفس إبليس، فحرمت الخمر لأن عدو الله إبليس مكر بحواء حتى مص العنبة، ولو أكلها لحرمت الكرمة من أولها إلى آخرها وجميع ثمارها وما يأكل منها، ثم إنه قال لحواء عليها السلام: فلو أمصصتني شيئا من هذا التمر كما أمصصتني من العنب، فأعطته تمرة فمصها، وكانت العنبة والتمر أشد رائحة وأزكى من المسك الأذفر وأحلى من العسل، فلما مصهما عدو الله ذهبت رائحتهما وانتقصت حلاوتهما.
قال أبو عبد الله عليه السلام: ثم إن إبليس الملعون ذهب بعد وفاة آدم عليه السلام فبال في أصل الكرمة والنخلة فجرى الماء في عروقهما ببول عدو الله، فمن ثم يختمر العنب والتمر فحرم الله عز وجل على ذرية آدم كل مسكر لأن الماء جرى ببول عدو الله في النخلة والعنب وصار كل مختمر خمرا لأن الماء اختمر في النخلة والكرمة من رائحة بول عدو الله إبليس لعنه الله.
بيان قوله عليه السلام: فمن ثم يختمر العنب، أي يغلي وينتن ويصير مسكرا.
قوله عليه السلام: لأن الماء اختمر في النخلة، أي غلى وتغير وأنتن من رائحة بول عدو الله.
قال الفيروزآبادي: الخمر بالتحريك: التغير عما كان عليه، وقال: اختمار الخمر: إدراكها وغليانها انتهى.
ويحتمل أن يكون المراد باختمار العنب والتمر: تغطية أوانيهما ليصيرا خمرا وكذا اختمار الماء المراد به احتباسه في الشجرة لكنه بعيد.
وأقول: الأخبار بهذا المضمون كثيرة سيأتي بعضها في محالها.
47 - تفسير الامام: قيل للإمام عليه السلام: فعلى هذا لم يكن إبليس أيضا ملكا فقال: لا بل من الجن، أما تسمعون الله عز وجل يقول: " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن " وهو الذي قال الله عز وجل:
" والجان خلقناه من قبل من نار السموم " إلى آخر ما مر في قصة هاروت وماروت.
48 - النهج: في خطبة يذكر فيها خلقة آدم عليه السلام قال صلوات الله عليه:
واستأدى الله سبحانه وتعالى الملائكة وديعته لديهم وعهد وصيته إليهم في الاذعان بالسجود له والخنوع لتكرمته فقال: " اسجدوا لآدم " فسجدوا إلا إبليس وقبيله اعترتهم الحمية وغلبت عليهم الشقوة وتعززوا بخلقة النار واستوهنوا خلق الصلصال
فأعطاه النظرة استحقاقا للسخطة واستتماما للبلية وإنجازا للعدة فقال: " انك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " ثم أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشه وآمن فيها محلته وحذره إبليس وعداوته، فاغتره عدوه نفاسة عليه بدار المقام ومرافقة الأبرار.
توضيح، استأدى وديعته أي طلب أداءها، والوديعة إشارة إلى قوله تعالى: " وان قال ربك للملائكة إني خالق بشرا " الآية، والخنوع: الخضوع. والقبيل في الأصل: الجماعة تكون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى، فان كانوا من أب واحد فهم قبيلة، وضم القبيل هنا إلى إبليس غريب فإنه لم يكن له في هذا الوقت ذرية ولم يكن أشباهه في السماء فيمكن أن يكون المراد به أشباهه من الجن في الأرض بأن يكونوا مأمورين بالسجود أيضا، وعدم ذكرهم في الآيات وسائر الأخبار لعدم الاعتناء بشأنهم، أو المراد به طائفة خلقها الله تعالى في السماء غير الملائكة، ويمكن أن يكون المراد بالقبيل ذريته ويكون إسناد عدم السجود إليهم لرضاهم بفعله كما قال عليه السلام في موضع آخر: إنما يجمع الناس الرضا والسخط وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا فقال سبحانه: " فعقروها فأصبحوا نادمين ".
اعترتهم أي غشيتهم، والتعزز: التكبر، واستوهنه أي عده وهنا ضعيفا، نفاسة أي بخلا.
49 - النهج: في الخطبة القاصعة قال أمير المؤمنين عليه السلام: الحمد لله الذي لبس العز والكبرياء واختارهما لنفسه دون خلقه وجعلهما حمى وحرما على غيره واصطفاهما لجلاله وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده، ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب: " إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس " اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه وتعصب عليه لأصله، فعدو الله إمام المتعصبين وسلف المستكبرين الذي وضع أساس العصبية ونازع الله رداء الجبرية وادرع لباس التعزز وخلع قناع التذلل - إلى قوله -: فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة عن كبر ساعة واحدة، فمن بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته؟
كلا ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج به ملكا، إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد، وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين: فاحذروا عباد الله عدو الله أن يعديكم بدائه وأن
يستفزكم بخيله ورجله، فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد وأغرق بكم بالنزع الشديد ورماكم من مكان قريب، وقال: " رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين " قذفا بغيب بعيد ورجما بظن غير مصيب فصدقه به أبناء الحمية واخوان العصبية وفرسان الكبر والجاهلية - إلى قوله عليه السلام: - فاجعلوا عليه حدكم وله جدكم فلعمر الله لقد فخر على أصلكم ووقع في حسبكم ودفع في نسبكم وأجلب بخيله عليكم وقصد برجله سبيلكم. إلى آخر الخطبة.
بيان: لا يدرى. على صيغة المجهول، وفي بعض النسخ على المتكلم المعلوم، فعلى الأول لا يدل على عدم علمه عليه السلام وعلى الثاني أيضا المراد به غيره وأدخل نفسه تغليبا، والابهام لمصلحة كعدم تحاشي السامعين من طول المدة أو غيره.
قوله عليه السلام: اخرج به منها ملكا، ظاهره أن إبليس كان من الملائكة، ويمكن الجواب بان اطلاق الملك عليه لكونه من الملائكة بالولاء. وقال بعض شراح النهج:
يسلم على الله أي يرجع إليه سالما من طرده ولعنه تقول: سلم علي هذا الشئ: إذا رجع إليك سالما ولم يلحقه تلف، والباء للمصاحبة كما في قوله: بأمر ، وأما الباء في " به " فيحتمل المصاحبة والسببية وقد مر تمام الخطبة وشرحها.
50 - المحاسن: عن عبد الله بن الصلت عن أبي هدية عن أنس بن مالك ان
رسول الله صلى الله عليه وآله كان ذات يوم جالسا على باب الدار معه علي بن أبي طالب عليه السلام إذ أقبل شيخ فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم انصرف فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام:
أتعرف الشيخ: فقال له على: ما أعرفه، فقال صلى الله عليه وآله: هذا إبليس، فقال علي عليه السلام:
لو علمت يا رسول الله لضربته ضربة بالسيف فخلصت أمتك منه، قال: فانصرف إبليس إلى علي عليه السلام فقال له: ظلمتني يا أبا الحسن، أما سمعت الله عز وجل يقول: " فشاركهم في الأموال والأولاد "؟ فوالله ما شركت أحدا أحبك في أمه.
51 - ومنه عن علي بن حسان الواسطي رفع الحديث قال: أتت امرأة من الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فآمنت به وحسن اسلامها فجعلت تجيئه في كل أسبوع فغابت عنه أربعين يوما ثم أتته فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما الذي أبطأ بك يا جنية فقالت: يا رسول الله أتيت البحر الذي هو محيط بالدنيا في أمر أردته، فرأيت على شط ذلك البحر صخرة خضراء وعليها رجل جالس قد رفع يديه إلى السماء وهو يقول:
" اللهم إني أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا ما غفرت لي " فقلت له:
من أنت؟ قال: أنا إبليس، فقلت: ومن أين تعرف هؤلاء؟ قال: إني عبدت ربي في الأرض كذا وكذا سنة، وعبدت ربي في السماء كذا وكذا سنة، ما رأيت في السماء أسطوانة إلا وعليها مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله علي أمير المؤمنين أيدته به.
52 - ومنه عن القاسم بن محمد الأصفهاني عن سليمان بن داود المنقري عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ظهر إبليس ليحيى بن زكريا عليه السلام وإذا عليه معاليق من كل شئ، فقال له يحيى: ما هذه المعاليق يا إبليس؟ فقال: هذه الشهوات التي أصبتها من ابن آدم، قال: فهل لي منها شئ؟ قال: ربما شبعت فثقلتك عن الصلاة والذكر قال يحيى: لله علي أن لا أملا بطني من طعام أبدا، فقال إبليس: لله علي أن لا أنصح مسلما أبدا، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: يا حفص ولله على جعفر وآل جعفر أن لا يملؤا بطونهم من طعام أبدا ولله على جعفر وآل جعفر أن لا يعملوا للدنيا أبدا.
بيان: ثقلتك، على صيغة الغيبة أي الشبعة، ويحتمل التكلم بحذف العائد.
53 - المحاسن: عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام:
إن لإبليس كحلا وسفوفا ولعوقا، فاما كحله فالنوم وأما سفوفه فالغضب وأما لعوقه فالكذب.
بيان: مناسبة الكحل للنوم ظاهر، وأما السفوف للغضب فلان أكثر السفوفات من المسهلات التي توجب خروج الأمور الردية، والغضب أيضا يوجب صدور ما لا ينبغي من الانسان وبروز الأخلاق الذميمة به ويكثر منه، وفي القاموس: سففت الدواء بالكسر سفا واستففته: قمحته أو أخذته غير ملتوت، وهو سفوف كصبور انتهى، وأما اللعوق فلانه غالبا مما يتلذذ به ويكثر منه، والكذب كذلك، وفي النهاية: فيه إن للشيطان لعوقا ودسوما، اللعوق بالفتح: اسم لما يلعق به أي يؤكل بالملعقة، والدسام بالكسر:
ما يسد به الاذن فلا تعي ذكرا ولا موعظة.
54 - العياشي: عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إبليس أكان من الملائكة أو كان يلي شيئا من أمر السماء؟ فقال: لم يكن من الملائكة وكانت الملائكة ترى أنه منها، وكان الله يعلم أنه ليس منها ولم يكن يلي شيئا من أمر السماء ولا كرامة فأتيت الطيار فأخبرته بما سمعت فأنكر وقال: كيف لا يكون من الملائكة والله يقول للملائكة: " اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس " فدخل عليه الطيار فسأله وأنا عنده فقال له: جعلت فداك قول الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا " في غير مكان
في مخاطبة المؤمنين أيدخل في هذه المنافقون؟ قال: نعم يدخل في هذه المنافقون والضلال وكل من أقر بالدعوة الظاهرة.
كا: أبو علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن علي بن حديد عن جميل مثله.
55 - العياشي: عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن إبليس أكان من الملائكة أو هل كان يلي شيئا من أمر السماء؟ قال: لم يكن من الملائكة ولم يكن يلي شيئا من أمر السماء وكان من الجن وكان مع الملائكة وكانت الملائكة ترى أنه منها وكان الله يعلم أنه ليس منها، فلما أمر بالسجود كان منه الذي كان.
بيان: قوله عليه السلام: ترى أنه منهم أي في طاعة الله وعدم العصيان لمواظبته على
عبادته سبحانه أزمنة متطاولة لبعد عدم علم الملائكة بأنه ليس منهم بعد أن أسروه من الجن ورفعوه إلى السماء فيكون من قبيل قولهم عليهم السلام: " سلمان منا أهل البيت " أو أنهم لما رأوا تباين أخلاقه ظاهرا للجن وتكريم الله تعالى إياه وجعله من بينهم بل جعله رئيسا على بعضهم كما قيل ظنوا أنه كان منهم وقع بين الجن، أو أن الظان كان بعض الملائكة.
56 - العياشي: عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " قال: أمر الله بما أمر به.
57 - ومنه عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " قال: دين الله.
بيان: فسر عليه السلام في الخبر الأول خلق الله بأمر الله وفي الثاني بدين الله، وقال الطبرسي رحمه الله: قيل: يريد دين الله وأمره عن ابن عباس وإبراهيم ومجاهد والحسن وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، ويؤيده قوله سبحانه:
" فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " وأراد بذلك تحريم الحلال وتحليل الحرام، وقيل: أراد الخصاء، وقيل: إنه الوشم، وقيل: إنه أراد الشمس والقمر والحجارة عدلوا عن الانتفاع بها إلى عبادتها.
58 - العياشي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله قال: كان إبليس أول من ناح وأول من تغنى وأول من حدا، قال: لما أكل آدم من الشجرة تغنى، فلما أهبط حدا به، فلما استقر على الأرض ناح فأذكره ما في الجنة، فقال آدم: رب هذا الذي جعلت بيني وبينه العداوة لم أقو عليه وأنا في الجنة وإن لم تعني عليه لم أقو عليه، فقال الله:
السيئة بالسيئة والحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة قال: رب زدني قال: لا يولد لك ولد إلا جعلت معه ملكا أو ملكين يحفظانه، قال: رب زدني، قال: التوبة مفروضة في الجسد ما دام فيها الروح، قال: رب زدني، قال: أغفر الذنوب ولا أبالي قال: حسبي قال: فقال إبليس: رب هذا الذي كرمت علي وفضلته وإن لم تفضل علي لم أقو عليه قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك ولدان، قال: رب زدني، قال: قال تجري منه مجرى الدم في العروق، قال ربي زدني، قال تتخذ أنت وذريتك في صدورهم مساكن قال: رب زدني، قال: تعدهم وتمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا.
59 - ومنه عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم وكان في علم الله أنه ليس منهم فاستخرج الله ما في نفسه بالحمية فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين.
60 - ومنه عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الصراط الذي قال إبليس:
" لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم " الآية، هو علي عليه السلام.
61 - ومنه عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن قوله: يا بني آدم، قالا: هي عامة.
أقول: ذكر الخبر في قوله تعالى: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان 62 - ومنه عن بكر بن محمد الأزدي عن عمه عبد السلام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: يا عبد السلام احذر الناس ونفسك، فقلت: بأبي أنت وأمي أما الناس فقد أقدر على أن أحذرهم وأما نفسي فكيف؟ قال: إن الخبيث يسترق السمع يجيئك
فيسترق ثم يخرج في صورة آدمي فيقول: قال عبد السلام: فقلت: بأبي أنت وأمي هذا ما لا حيلة له، قال: هو ذاك.
بيان: الظاهر أن المراد به ما تلفظ به من معايب الناس وغيرها من الأمور التي يريد إخفاءها فيكون مبالغ في التقية، ويحتمل شموله لما يخطر بالبال فيكون الغرض رفع الاستبعاد عما يخفيه الانسان عن غيره ثم يسمعه من الناس وهذا كثير والمراد بالخبيث الشيطان.
63 - تأويل الآيات الباهرة: بحذف الاسناد مرفوعا إلى وهب بن جميع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن إبليس وقوله: " رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم " أي يوم هو؟ قال: يا وهب أتحسب أنه يوم يبعث الله الناس؟ لا ولكن الله عز وجل أنظره إلى يوم يبعث الله قائمنا فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه فذلك اليوم هو الوقت المعلوم.
64 - الكافي: عن العدة عن البرقي عن عثمان بن عيسى عن أبي أيوب الخزاز عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من موت فقيه.
65 - ومنه عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن هارون بن خارجة عن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس: يا ويله أطاع وعصيت وسجد وأبيت.
توضيح: قال في النهاية: في حديث أبي هريرة: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله.
الويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة دعا بالويل ومعنى النداء فيه: يا ويلي ويا حزني ويا هلاكي ويا عذابي احضر فهذا وقتك وأوانك فكأنه نادى الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع والشدة، وعدل عن حكاية قول إبليس يا ويلي، كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه.
66 - الخصال: عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن ابن عيسى عن الحسن بن علي عن عمر عن أبان بن عثمان عن العلاء بن سيابة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما هبط نوح عليه السلام من السفينة أتاه إبليس فقال له: ما في الأرض رجل أعظم منة علي منك، دعوت الله على هؤلاء الفساق فأرحتني منهم، ألا أعلمك خصلتين؟
إياك والحسد فهو الذي عمل بي ما عمل، وإياك والحرص فهو الذي عمل بآدم ما عمل.
67 - ومنه: بهذا الاسناد عن أحمد بن محمد عن محمد البرقي عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما دعا نوح عليه السلام ربه عز وجل على قومه أتاه إبليس لعنه الله فقال: يا نوح إن لك عندي يدا أريد أن أكافيك عليها، فقال نوح عليه السلام: إنه ليبغض إلي أن يكون لك عندي يد، فما هي؟
قال: بلى دعوت الله على قومك فاغرقتهم فلم يبق أحد أغويه فأنا مستريح حتى ينشأ قرن آخر وأغويهم فقال له نوح عليه السلام: ما الذي تريد أن تكافئني به؟ قال: اذكرني
في ثلاث مواطن فاني أقرب ما أكون إلى العبد إذا كان في إحداهن: اذكرني إذا غضبت، واذكرني إذا حكمت بين اثنين، واذكرني إذا كنت مع امرأة خاليا ليس معكما أحد.
68 - ومنه: بالاسناد المتقدم عن محمد البرقي عن عبد الرحمن بن محمد العرزمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقول إبليس لعنه الله: ما أعياني في ابن آدم فلم يعيني منه واحدة من ثلاثة: أخذ مال من غير حله، أو منعه من حقه، أو وضعه في غير وجهه.
بيان: أي أي شئ أعجزني في إضلال ابن ادم في أمر من الأمور ومعصية من المعاصي فلا أعجز عن إضلاله في أحد هذه الأمور الثلاثة فأغويه في واحدة منها أي غالبا.
69 - الخصال: عن محمد بن الحسن عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد ابن عيسى عن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن ظريف عن أبي عبد الرحمن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الآباء ثلاثة: آدم ولد مؤمنا، والجان، ولد كافرا وإبليس ولد كافرا وليس فيهم نتاج، إنما يبيض ويفرخ، وولده ذكور ليس فيهم إناث.
70 - مجالس ابن الشيخ: عن أحمد بن هارون بن الصلت عن أحمد بن محمد بن
سعيد عن الحسن بن القاسم عن شبير بن إبراهيم عن سليم بن بلال المدني عن الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام ان إبليس كان يأتي الأنبياء عليهم السلام من لدن آدم عليه السلام إلى أن بعث الله المسيح عليه السلام يتحدث عندهم ويسائلهم ولم يكن بأحد منهم أشد انسا منه بيحيى بن زكريا عليه السلام فقال له يحيى: يا أبا مرة إن لي إليك حاجة فقال له: أنت أعظم قدرا من أن أردك بمسألة، فاسألني ما شئت فاني غير مخالفك في أمر تريده.
فقال يحيى: يا أبا مرة أحب أن تعرض علي مصائدك وفخوخك التي تصطاد بها بني آدم، فقال له إبليس: حبا وكرامة، وواعده لغد فلما أصبح يحيى عليه السلام قعد في بيته ينتظر الموعد وأغلق عليه الباب اغلاقا، فما شعر حتى ساواه من خوخة كانت في بيته، فإذا وجهه صورة وجه القرد، وجسده على صورة الخنزير، وإذا عيناه مشقوقتان طولا، وإذا أسنانه وفمه مشقوقا طولا عظما واحدا بلا ذقن ولا لحية وله أربعة أيد: يدان في صدره، ويدان في منكبه، وإذا عراقيبه قوادمه، وأصابعه خلفه وعليه قباء قد شد وسطه بمنطقة فيها خيوط معلقة بين أحمر وأصفر وأخضر وجميع الألوان، وإذا بيده جرس عظيم، وعلى رأسه بيضة، وإذا في البيضة حديدة معلقة شبيهة بالكلاب.
فلما تأمله يحيى عليه السلام قال له: ما هذه المنطقة التي في وسطك؟
فقال: هذه المجوسية أنا الذي سننتها وزينتها لهم، فقال له: ما هذه الخيوط الألوان قال له: هذه جميع أصناع النساء لا تزال المرأة تصنع الصنيع حتى يقع مع لونها فأفتن الناس بها؟ فقال له: فما هذا الجرس الذي بيدك؟ قال: هذا مجمع كل لذة من طنبور وبربط ومعزفة وطبل وناي وصرناي، وإن القوم ليجلسون على شرابهم فلا يستلذونه فأحرك الجرس فيما بينهم فإذا سمعوه استخفهم الطرب فمن بين من يرقص ومن بين من يفرقع أصابعه ومن بين من يشق ثيابه، فقال له: وأي الأشياء أقر لعينك؟ قال: النساء هن فخوخي ومصائدي، فاني إذا اجتمعت على دعوات الصالحين ولعناتهم صرت إلى النساء فطابت نفسي بهن، فقال له يحيى عليه السلام: فما هذه البيضة التي على رأسك؟ قال: بها أتوقى دعوة المؤمنين، قال: فما هذه الحديدة التي أرى فيها؟ قال: بهذه اقلب قلوب الصالحين، قال يحيى عليه السلام: فهل ظفرت بي ساعة قط قال: لا ولكن فيك خصلة تعجبني، قال يحيى: فما هي؟ قال: أنت رجل أكول فإذا أفطرت أكلت وبشمت فيمنعك ذلك من بعض صلاتك وقيامك بالليل، قال يحيى عليه السلام:
فاني أعطي الله عهدا أني لا أشبع من الطعام حتى ألقاه، قال له إبليس: وأنا أعطي الله عهدا أني لا أنصح مسلما حتى ألقاه، ثم خرج فما عاد إليه بعد ذلك.
بيان: قوله: وحبا، الظاهر زيادة الواو أو هو عطف على مفعول له الآخر مثله أي أفعله طاعة وحبا، حتى ساواه أي حاذاه محاذ، يقال: ساواه مساواة: ماثله وعادله قدرا أو قيمة، وفي القاموس: الخوخة: كوة تؤدي الضوء إلى البيت، ومخترق ما بين كل دارين ما عليه باب، والكلاب كتفاح: ما يقال له بالفارسية: قلاب قوله: أصناع النساء، في أكثر النسخ بالصاد والعين المهملتين والنون، وفي بعضها بالصاد
والباء والغين المعجمة وبعده: " لا تزال المرأة تصنع الصنيع " على الأول، و " تصبغ الصبغ " على الثاني، ولعله أظهر، أي تتبع الأصباغ والألوان في ثيابها وبدنها حتى يوافق لونها، وعلى الأول أيضا يؤل إليه، قال الفيروز آباد: صنع الشئ صنعا:
عمله، وما أحسن صنيع الله عندك وصنعة الفرس: حسن القيام عليه، صنعت فرسي صنعا وصنعة، والصنيع: ذلك الفرس، والاحسان، وهو صنيعي وصنيعتي أي اصطنعته وربيته، وصنعت الجارية كعني : أحسن إليها حتى سمنت، وصنع الجارية أي أحسن إليها وسمنها، ورجل صنيع اليدين: حاذق في الصنعة، من قوم أصناع الأيدي والصنع بالكسر: الثوب والعمامة، والجمع، أصناع، والتصنع: التزين.
وقال: المعازف: الملاهي كالعود والطنبور، الواحد عزف أو معزف كمنبر ومكنسة، وقال: البشم محركة: التخمة والسامة، بشم كفرح وأبشمه الطعام، وفي بعض النسخ: ونمت.
71 - وأقول: وجدت هذا الخبر في كتاب غور الأمور للترمذي على وجه أبسط فأحببت إيراده هنا، قال: حدثنا أبو مقاتل عن صالح بن سعيد عن أبي سهل عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن إبليس عدو الله كان يأتي الأنبياء ويتحدث إليهم من لدن نوح إلى عيسى بن مريم وما بين ذلك من الأنبياء، غير أنه لم يكن لاحد أكثر زيارة ولا أشد استيناسا منه إلى يحيى بن زكريا عليه السلام، وإنه دخل عليه ذات يوم فلما أراد الانصراف من عنده قال له يحيى: يا با مرة، واسمه الحارث وكنيته أبو مرة وإنما سماه الله إبليس لأنه أبلس من الخير كله يوم آدم عليه السلام.
فقال له: يا با مرة إني سائلك حاجة فأحببت أن لا تردني عنها، فقال له:
ولك ذلك يا نبي الله فسل، فقال له يحيى بن: زكريا: إني أحبك تجيئني
في صورتك وخلقك وتعرض علي مصائدك التي بها تهلك الناس، قال إبليس: سألتني أمرا عظيما ضقت به ذرعا وتفاقم خطبه عندي ولكنك أعز علي وأمن من أن أردك بمسألة ولا أجيبك بحاجة، ولكني أحب أن تخلو برؤيتي فلا يكون معك أحد غيرك، فتواعدا لغد عند ارتفاع النهار، صدر من عنده على ذلك، فلما كان من الغد في تلك الساعة تمثل بين يديه قائما فنظر إلى أمر من أمر الله عظيم، إذا هو ممسوخ منكوس مقبوح هائل كريه، جسده على أمثال أجساد الخنازير، ووجهه على وجه القردة، وشق عينيه طولا وشق فاه طولا، حيال رأسه وأسنانه كلها عظم واحد لا ذقن له أصلا ولا لحية، وشعر رأسه مقلل مقلوب المنبت نحو السماء ، وله أربعة أيدي:
يدان في منكبيه، ويدان في جنبيه، وأصابعه مما يليه من القدم خلفه، وعراقيبه أمامه وأصابع يديه ستة، وخده أصلت، ومنخرا أنفه نحو السماء، له خرطوم كخرطوم الطير، ووجهه قبل القفاء، أعمش العينين، أعرج معوج، له جناح، وإذا عليه قميص مقلص قد تمنطق فوقه بعد المجوس، وإذا أكواز صغار قد علقه من منطقته، وحوالي قميصه خياعيل شبه الشرب في ألوان شتى من بياض وسواد وحمرة
وصفرة وخضرة، وبيده جرس ضخم، وعلى رأسه بيضة في قلتها حديدة مستطيلة معقفة الطرف.
فقال له يحيى: أخبرني يا با مرة عما أسألك مما أرى، قال: يا نبي الله ما دخلت عليك على هذه الحالة إلا وأنا أحب أن أخبرك بكل شئ تسألني عليه ثم لا أعمى عليك، فقال: حدثني يا با مرة عن انطاقك هذا فوق القميص ما هو؟ قال: يا نبي الله تشبه بالمجوس، أنا وضعت المجوسية فدنت بها.
قال: فأخبرني ما هذه الأكواز الصغار التي هي معلقة من منطقتك مقدمة. قال:
يا نبي الله فيها شهواتي وخياعيل مصائدي، فأول ما أصيد به المؤمن من قبل النساء فان هو اعتصم بطاعة الله أقبلت عليه من قبل جمع المال من الحرام طمعا فيه حرصا عليه فان هو اعتصم بطاعة الله وأجنبني بالزهادة أقبلت عليه من قبل الشراب هذا المسكر حتى أكرر عليه هذه الشهوات كلها ولابد أن يواقع بعضها ولو كان من أورع الناس، قال:
فما هذه الخياعيل إلى طرف قميصك؟ قال: يا نبي الله هذه ألوان أصباغ النساء وزينتهن فلا يزال إحداهن تتلون ثيابها حتى تأتي على ما يليق بها فهناك افتتن الرجال إلى ما عليها من الزينة.
قال: فما هذا الجرس بيدك؟ قال: يا نبي الله هذا معدن الطرب وجماعات أصوات المعازف من بين بربط وطنبور ومزامير وطبول ودفوف ونوح وغناء، وإن القوم يجتمعون على محفل شر وعندهم بعض ما ذكرت من هذه المعازف، فلا يكادون يتنعمون في مجلس ويستلذون ويطربون، فإذا رأيت ذلك منهم حركت هذا الجرس فيختلط ذلك الصوت بمعازفهم، فهناك يزيد استلذاذهم وتطريبهم، فمنهم من إذا سمع هذا يفرقع أصابعه، ومنهم من يهز رأسه، ومنهم من يصفق بيديه، فما زال هذا دأبهم حتى أبرتهم.
قال: فما هذه البيضة على رأسك؟ قال: يا نبي الله احترز مني ومن مصائدي التي وصفت لك الأنبياء والصالحون والنساك وأهل الورع، كما أحرز رأسي هذه البيضة من كل نكبة، قال: وما النكبة؟ قال: اللعنة، قال: فما هذه الحديدة المستطيلة التي في قلتها؟ قال: يا نبي الله هي التي اقلب بها قلوب الصالحين، قال: بقيت حاجة قال: قل، قال: ما بال خلقك وصورتك على ما أرى من القبح والتقليب والانكار؟
قال: يا نبي الله هذا بسبب أبيك آدم، إني كنت من الملائكة المكرمين ممن لم أرفع رأسي من سجدة واحدة أربعمائة ألف سنة، وعصيت ربي في أمر سجودي لآدم أبيك فغضب الله علي ولعنني، فحولت من صورة الملائكة إلى صورة الشياطين ولم يكن في الملائكة أحسن صورة مني فصرت ممسوخا منكوسا مقبوحا مقلوبا هائلا كريها كما ترى.
قال: فهل أريت صورتك هذه أحدا قط، ومصائدك بهذه الصورة؟ قال: لا وعزة ربي إن هذا الشئ ما نظر إليه آدمي قط، ولقد أكرمتك بهذه دون الناس كلهم، قال:
فتمم إكرامك إياي بمسئلتين أسألك عنهما، إحداهما عامة، والأخرى خاصة، قال:
ولك ذلك يا نبي الله فسل، قال: حدثني أي الأشياء أرجى عندك وأدعمه لظهرك وأسلاه لكأبتك وأقره لعينك وأشد لركنك وأفرحه لقلبك؟ قال: يا نبي الله إني أخاف أن تخبر به أحدا فيحفظون ذلك فيعتصمون به ويضيع كيدي.
قال: إن الله قد أنزل في الكتاب شأنك وكيدك وبين لأنبيائه وأوليائه.
فاحترزوا ما احترزوا، وأما الغاوون فأنت أولى بهم قد تلعب بهم كالصوالجة بالكرة فليس قولك عندهم أدعى وأعز من قول الله.
قال: يا نبي الله إن. أرجى الأشياء عندي وأدعمه لظهري وأقره لعيني النساء
فإنها حبالتي ومصائدي وسهمي الذي به لا أخطئ، بأبي هن، لو لم يكن هن ما أطقت إضلال أدنى آدمي، قرة عيني، بهن أظفر بمقراتي وبهن أوقع في المهالك، يا حبذا هن إذا اغتممت ليست على النساك والعباد والعلماء غلبوني بعد ما أرسلت عليهم الجيوش فانهزموا وبعد ما ركبت وقهرت ذكرت النساء طابت نفسي وسكن غضبي واطمأن كظمي وانكشف غيظي وسلت كأبتي وقرت عيني واشتد أزري، و لولاهن من نسل آدم لسجدتهن فهن سيداتي وعلى عنقي سكناهن وعلي ما هن ما اشتهت امرأة من حبالتي حاجة إلا كنت أسعي برأسي دون رجلي في إسعافها بحاجتها لأنهن رجائي وظهري وعصمتي ومسندي وثقتي وغوثي، قال: وما نفعك وفرحك في ضلالة الآدمي؟ وبأي شئ سلبت عليه (6)؟ قال: خلق الله الأفراح والأحزان والحلال والحرام، وخيرني فيهما يوم آدم فاخترت الشهوات والأفراح واخترت الحرام والفحش والمناكير صارت تلك نهمتي وهواي، وخير آدم فاختار الأحزان والعبادة والحلال، فصار ذلك له نهمة ومنية، فذلك منيته ونهمته، وهذا هواي ونهمتي وشهوتي، فذلك شيئه وماله ومتاعه، وهذا شيئي ومالي ومتاعي وبضاعتي، وشئ المرء كنفسه لأن فيه نهمته وشهوته، ونهمة المرء وشهوته حياته فإذا سلب الحياة هلك المرء، فكم نرى من خلق الله سلب منهم نهمته وهمته مات
وهلك، فكذلك هذا، إن ما اخترت صار ذلك شهوتي وهواي وحياتي، فمهما سلبت هلكت، ومهما ظفرت به فرحت وحييت، فإذا رأيت شهوتي وهواي وحياتي عند غيري قد سلبها مني أجتهد كل الجهد حتى أظفر بها ليكون بها قوامي يدي للآدمي سلب حياتي وهي الشهوة والهوى فجعلها في كنه وحرزه وقد تهيأ واستعد يقاتلني ويحاربني فهل بد من المحاربة ليصل المحق إلى حقه ويقهر الظالم فهذه حالتي وشأني وسبب فرحي إذا غلبته.
قال له: وما ظلمه حيث تقول: يقهر الظالم؟ قال: فيظلمني إذا سلب هواي فجعله في كنه، لولاه كيف لا أطمع أنا في حربه وحلاله كما طمع في حرامي وهواي؟
قال له: أليس بمحال أن تقول: أنا أريد استرداد هواي فتفرح إن هو استعمله وتحزن إن لم يستعمل هواك في شؤونه؟ قال: إذا استعمل هواي لست أحزن ولكني أفرح لأنه قد أعطاني نهمتي الفرح، إنما أحزن حتى لا يستعمله، لست أطلب نهمتي لأخذه مني فاني قد أمنت أن لا يرد لأنه قد خيل عليه، ولكنني أريد استعماله فإذا استعمله أعطاني منيتي ومختاري وحياتي فهو نفسي فإذا استعمل منيتي أحياني وفرحني، وإنه استعمله على جهته، وإذا لم يستعمله فهو في كنه كالمسجون، فإذا كان هو في كنه مسجونا مقيدا وهو حياتي كنت كأني المسجون المقيد وصرت حربا لأنه أبدلني بمكان حياتي الموت، فلا بد أن أحتال بكل حيلة آتية بكل خدعة وأهيئ وأزين الآلة
والأدوات، واخرج الملاهي والأدوات وأضربها وأحركها وألوحها لعله يرى ذلك فيطرب ويذكر وينشط ويغتر ويهيج فيستعمل الهواء الذي فيه، وهي حياتي وشهوتي فأحيى وأبهج حتى يجد هو السبيل إلى التحرك والخلاص من السجن وهذا ما لم أذكر لأحد قط منذ خلقت، ولولا ما أرى لك من الفضل والكرامة ما أخبرتك بهذا كله.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.