بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
3 باب إبليس لعنه الله وقصصه وبدء خلقه ومكائده ومصائده و أحوال
ج ۶۰، ص ۲۹۴–۳۲۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۶ از ۷
قال الزبير: ولا يحل لأحد أن يستنجي بعظم ولا روثة. ثم روى أيضا عن ابن مسعود قال: استتبعني رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة فقال: إن نفرا من الجن خمسة عشر بنو إخوة وبنو عم يأتون الليلة فأقرأ عليهم القرآن، فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فجعل لي خطا ثم أجلسني فيه وقال: لا تخرجن من هذا فبت فيه حتى أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله من السحر وفي يده عظم حائل وروثة وجمجمة، وقال: إذا أتيت الخلا فلا تستنج بشئ من هذا، قال فلما أصبحت قلت: لأعلمن حيث كان رسول الله صلى الله عليه وآله فذهبت فرأيت موضع سبعين بعيرا.
وفي كتاب خبر البشر بخير البشر للعلامة محمد بن ظفر عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو بمكة: من أحب منكم أن يحصر الليلة أمر الجن (5)؟ فانطلقت معه حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي خطا ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسود كثيرة فحالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل الرهط؟
قلت: هم أولئك يا رسول الله، فأخذ عظما وروثا فأعطاهم إياه، ونهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث. وفي إسناده ضعف. وفيه أيضا عن بلال بن الحارث. قال: نزلنا مع النبي صلى الله عليه وآله في بعض أسفاره بالعرج فتوجهت نحوه فلما قاربته سمعت لغطا وخصومة
رجال لم أسمع أحد من ألسنتهم، فوقفت حتى جاء النبي صلى الله عليه وآله وهو يضحك فقال:
اختصم إلي الجن المسلمون والجن المشركون وسألوني أن أسكنهم، فأسكنت المشركين الغور كل مرتفع من الأرض: جلس ونجد، وكل منخفض غور وروي أيضا عن ابن عباس أنه قال: انطلق النبي صلى الله عليه وآله في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم قد حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب؟ قالوا:
ما ذاك إلا من شئ حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فالتقى الذين أخذوا نحو تهامة النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن أنصتوا، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء ورجعوا إلى قومهم فقالوا: " إنا سمعنا قرآنا عجبا " الآيتين.
وهذا الذي ذكره ابن عباس أول ما كان من أمر الجن مع النبي صلى الله عليه وآله ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله رآهم إذ ذاك، إنما أوحي إليه بما كان منهم.
روى الشافعي والبيهقي أن رجلا من الأنصار خرج يصلي العشاء فسبته الجن وفقد أعواما وتزوجت امرأته ثم أتى المدينة فسأله عمر عن ذلك فقال: اختطفتني الجن فلبثت فيهم زمانا طويلا فغزاهم جن مؤمنون فقاتلوهم فظهروا عليهم فسبوا منهم سبايا وسبوني معهم فقالوا: نراك رجلا مسلما ولا يحل لنا سباؤك، فخيروني بين المقام عندهم أو القفول إلى أهلي فاخترت أهلي، فأتوا بي إلى المدينة، فقال له عمر: ما كان طعامهم (6)؟
قال: الفول وما لم يذكر اسم الله عليه قال: فما كان شرابهم؟ قال: الجذف، وهو الرغوة لأنها تجذف عن الماء، وقيل: نبات يقطع ويؤكل، وقيل: كل إناء كشف عنه غطاؤه.
وأما الاجماع فنقل ابن عطية وغيره الاتفاق على أن الجن متعبدون بهذه الشريعة على الخصوص، وأن نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم مبعوث إلى الثقلين.
فان قيل: لو كانت الاحكام بجملتها لازمة لهم لكانوا يترددون إلى النبي صلى الله عليه وآله يتعلمونها، ولم ينقل أنهم أتوه إلا مرتين بمكة، وقد تجدد بعد ذلك أكثر الشريعة.
قلنا: لا يلزم من عدم النقل عدم اجتماعهم به وحضورهم مجلسه وسماعهم كلامه من غير أن يراهم المؤمنون، ويكون صلى الله عليه وآله يراهم هو، ولا يراهم أصحابه، فان الله تعالى يقول عن رأس الجن: " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم " فقد يراهم هو صلى الله عليه وآله بقوة يعطيها الله له زائدة على قوة أصحابه، وقد يراهم بعض الصحابة في بعض الأحوال كما رأى أبو هريرة الشيطان الذي يسرق من زكاة رمضان، كما رواه البخاري.
فان قيل: فما تقول فيما حكي عن بعض المعتزلة أنه ينكر وجود الجن؟ قلنا عجب أن يثبت ذلك عمن صدق بالقرآن وهو ناطق بوجودهم، وروى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة يريد أن يقطع علي صلاتي فذعته - بالذال المعجمة والعين المهملة أي خنقته - وأردت أن أربطه في سواري المسجد فذكرت قول أخي سليمان عليه السلام وقال: إن
بالمدينة جنا قد أسلموا. وقال: لا يسمع نداء صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة.
وروى المسلم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير.
وروي: فأسلم بفتح الميم وضمها وصحح الخطابي الرفع، ورجح القاضي عياض والنووي الفتح، وأجمعت الأمة على عصمة النبي صلى الله عليه وآله من الشيطان، وإنما المراد تحذير غيره من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، وأعلمنا أنه معنا لنتحرز منه بحسب الامكان، والأحاديث في وجود الجن والشياطين لا تحصى، وكذلك أشعار العرب وأخبارها، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر، ثم إنه أمر لا يحيله العقل ولا يكذبه الحس، ولذلك جرت التكاليف عليهم، ومما اشتهر أن سعد بن عبادة لما لم يبايعه الناس وبايعوا أبا بكر سار إلى الشام فنزل حوران وأقام بها إلى أن مات في سنة خمس عشرة، ولم يختلفوا في أنه وجد ميتا في مغتسله بحوران وأنهم لم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول:
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * فرميناه بسهمين ولم نخط فؤاده.
فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه ووقع في صحيح مسلم أنه شهد بدرا.
وروي عن حجاج بن علاط السلمي أنه قدم مكة في ركب فأجنهم الليل بواد مخوف موحش فقال له أهل الركب: قم فخذ لنفسك أمانا لأصحابك، فجعل لا ينام بل يطوف بالركب ويقول:
أعيذ نفسي وأعيذ صحبي * من كل جني بهذا النقب حتى أعود سالما وركبي فسمع قائلا يقول: " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض " الآية، فلما قدم مكة أخبر كفار قريش بما سمع، فقالوا:
صبأت يا أبا كلاب، إن هذا يزعم أنه انزل على محمد، فقال: والله لقد سمعته وسمعه هؤلاء معي ثم أسلم وحسن إسلامه وهاجر إلى المدينة وابتنى بها مسجدا يعرف به.
وقال محمد بن الحسن الأبرسي: قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن أبطلنا شهادته لقوله تعالى: " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم " إلا أن يكون الزاعم نبيا.
وعد ابن سعد والطبراني والحافظ وأبو موسى وغيرهم عمرو بن جابر الجني في الصحابة فرووا بأسانيدهم عن صفوان بن المعطل السلمي أنه قال: خرجنا حجاجا فلما كنا بالعرج إذا نحن بحية تضطرب، فلم نلبث أن ماتت فأخرج لها رجل منا خرقة فلفها فيها ثم حفر لها في الأرض ثم قدمنا مكة فأتينا المسجد الحرام فوقف علينا رجل فقال: أيكم صاحب عمرو بن جابر؟ قلنا: ما نعرفه، قال: أيكم صاحب الجان؟ قالوا: هذا، قال: جزاك الله خيرا أما إنه كان آخر التسعة الجن
الذين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وآله موتا. وكذا رواه الحاكم في المستدرك.
وذكر ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين أن حية دخلت عليه في خبائه تلهث عليه فسقاها ثم إنها ماتت فدفنها فأتي له من الليل فسلم عليه وشكر وأخبر أن تلك الحية كانت رجلا صالحا من جن نصيبين اسمه زوبعة.
قال: وبلغنا من فضائل عمر بن عبد العزيز أنه كان يمشي بأرض فلاة فإذا حية ميتة فكفنها فضلة من ردائه فإذا قائل يقول: يا سرق أشهد لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لك: ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صالح، فقال:
ومن أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا من الجن الذين سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبق منهم إلا أنا وهذا الذي قد مات.
وروى البيهقي في دلائله عن الحسن أن عمار بن ياسر قال: قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإنس والجن فسئل عن قتال الجن فقال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بئر أستقي منها فلقيت الشيطان في صورته حتى قاتلني فصرعته ثم جعلت أدمي أنفه بفهر كان معي أو حجر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: إن عمارا لقي الشيطان عند بئر فقاتله، فلما رجعت سألني فأخبرته الأمر، وكان أبو هريرة يقول: إن عمار بن ياسر أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وهذا الذي أشار إليه البخاري بما رواه
عن إبراهيم النخعي قال: ذهب علقمة إلى الشام فلما دخل المسجد قال: اللهم ارزقني جليسا صالحا، فجلس إلى أبي الدرداء فقال أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: أليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة، قال:
قلت: بلى، قال: أليس فيكم أو منكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه؟
يعني عمارا، قلت: بلى، قال: أليس فيكم أو منكم صاحب السواك أو السوار (2)؟
قلت: بلى، قال: كيف كان عبد الله يقرأ: " والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى "؟
قلت: " والذكر والأنثى " الحديث.
وفي كتاب خبر البشر بخير البشر: عن عبيد المكتب عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله بن مسعود يريدون الحج حتى إذا كانوا ببعض الطريق رأوا حية بيضاء تثني علي الطريق يفوح منها ريح المسك فقال: قلت لأصحابي: امضوا فلست ببارح حتى أرى ماذا يصير إليه أمره، فما لبثت أن ماتت فظننت به الخير لمكان الرائحة الطيبة فكفنته في خرقة ثم نحيتها عن الطريق وأدركت أصحابي في المتعشى، قال: فوالله أنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمروا؟ فقلنا:
من عمرو؟ فقالت: أيكم دفن الحية؟ قال: قلت؟ أنا، قالت: أما والله لقد دفنت صواما قواما يؤمن بما أنزل الله، ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته في السماء قبل أن يبعث بأربعمائة سنة، قال: فحمدت الله ثم قضينا حجنا ثم مررت بعمر فأخبرته خبر الحية فقال:
صدقت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيه هذا.
فيه أيضا عن ابن عمر قال: كنت عند عثمان إذ جاءه رجل فقال: ألا أحدثك بعجب (5)؟ قال: بلى، قال: بينما أنا بفلاة من الأرض رأيت عصابتين قد التقتا ثم
افترقتا قال: فجئت معتركهما قال: فإذا أنا من الحيات شئ ما رأيت مثله قط، وإذا ريح المسك أجده من حية منها صفراء دقيقة، وظننت أن تلك الرائحة لخير فيها فأخذتها فلففتها في عمامتي ثم دفنتها فبينما أنا أمشي إذا مناديا ينادي: هداك الله إن هذين حيان من أحياء الجن كان بينهما قتال، فاستشهدت الحية التي دفنت وهو من الذين استمعوا الوحي من رسول الله صلى الله عليه وآله.
وفيه أيضا: أن فاطمة بنت النعمان النجارية قالت: كان تابع من الجن وكان إذا اقتحم البيت الذي أنا فيه اقتحاما فجاءني يوما فوقع على الجدار ولم يصنع كما يصنع، فقلت له: ما بالك لم تصنع كما كنت تصنع صنيعك قبل؟ فقال: إنه قد بعث اليوم نبي يحرم الزنا.
وروى أبو بكر في رباعياته والقاضي أبو يعلى عن عبد الله بن الحسين المصيصي قال: دخلت على طرطوس فقيل له: ههنا امرأة يقال لها: نهوس رأت الجن الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله فأتيتها فإذا هي امرأة مستلقية على قفاها، فقلت: رأيت أحدا من الجن الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم، حدثني علية بن سمحج وسماه النبي صلى الله عليه وآله عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من مريض يقرأ
عنده يس إلا مات ودخل قبره ريانا وحشره يوم القيامة ريانا.
وفي أسد الغابة: عن أنس بن مالك قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله خارجا من جبال مكة إذ أقبل شيخ متكئ على عكازة فقال النبي صلى الله عليه وآله: مشية جني ونغمته قال:
أجل، قال: من أي الجن؟ قال: أنا هامة بن الهيم أو أبي هيم بن لاقيس بن إبليس، قال:
لا أرى بينك وبينه إلا أبوين، قال: أجل. قال: كم أتى عليك؟ قال: أكلت الدنيا إلا أقلها، كنت ليالي قتل قابيل غلاما ابن أعوام، فكنت أستوي على الآكام وأورش بين الأنام، فقال صلى الله عليه وآله: بئس العمل، فقال: يا رسول الله دعني من العتب فاني ممن آمن بنوح عليه السلام وتبت على يديه، وإني عاتبته في دعوته فبكى وأبكاني، وقال: إني والله من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، ولقيت هودا وآمنت به ولقيت إبراهيم وكنت معه في النار إذ القي فيها، وكنت مع يوسف إذ القي في الجب فسبقته إلى قعره وكنت مع شعيب وموسى ولقيت عيسى بن مريم وقال لي: إن لقيت محمدا فاقرأه مني السلام، وقد بلغت رسالته وآمنت بك، فقال رسول الله: وعلى عيسى وعليك السلام ما حاجتك يا هامة؟ قال: إن موسى علمني التوارة، وإن عيسى علمني الإنجيل فعلمني القرآن فعلمه.
وفي رواية: علمه عشر سور من القرآن، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ينعه إلينا فلا نراه والله أعلم إلا حيا.
وفيه أيضا أن عمر بن الخطاب قال ذات يوم لابن عباس: حدثني بحديث تعجبني به، فقال: حدثني خريم بن فاتك الأسدي أنه خرج يوما في الجاهلية في طلب إبل له قد ضلت فأصابها في أبرق الغراف وسمي بذلك بأنه يسمع به غريف الجن قال: فعقلتها وتوسدت ذراع بكر منها ثم قلت: أعوذ بعظيم هذا المكان، وفي رواية:
بكبير هذا الوادي، وإذا بهاتف يهتف ويقول:
تعوذن بالله ذي الجلال * منزل الحرام والحلال ووحد الله ولا تبال * ما هول ذي الجن من الأهوال فقلت:
يا أيها الداعي ما تخييل * أرشد عنك أم تضليل؟
فقال:
هذا رسو الله ذو الخيرات * جاء بياسين وحاميمات وسور بعد مفصلات * يدعو إلى الجنة والنجاة يأمر بالصوم وبالصلاة * ويزجر الناس عن الهنات قال: فقلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا مالك بن مالك، بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله على جن أهل نجد، قال: فقلت: لو كان لي من يكفيني إبلي هذه لأتيته حتى أؤمن به، قال: أنا أكفيكها حتى أؤديها إلى أهلك سالمة إن شاء الله فاقتعدت بعيرا منها حتى أتيت النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة فوافقت الناس يوم الجمعة وهم في الصلاة فاني أنيخ راحلتي إذ خرج إلى أبو ذر فقال لي: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وآله: ادخل فدخلت، فلما رآني قال: ما فعل الشيخ الذي ضمن لك
أن يرد إبلك إلى أهلك؟ أما إنه قد أداها إلى أهلك سالمة، فقلت: رحمه الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أجل رحمه الله فأسلم وحسن إسلامه.
وفي مسند الدارمي عن الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود: لقي رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا من الجن فصارعه فصرعه الانسي فقال له الانسي:
إني أراك ضئيلا شخيتا كأن ذراعيك ذراعا كلب فكذلك أنتم معشر الجن أم أنت من بينهم كذلك؟ قال: لا والله إني من بينهم لضليع، ولكن عاودني الثانية فان صرعتني علمتك شيئا ينفعك، قال: نعم، قال: فعاوده فصرعه فقال له: أتقرأ: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم "؟ قال: نعم، قال: فإنك لا تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار ثم لا يدخل حتى يصبح.
قال الدارمي: الضئيل: الرقيق والشخيت: المهزول. والضليع: جيد الأضلاع. والخبج: الريح. قال أبو عبيدة: الخبج: الضراط.
ثم قال الدميري: يصح انعقاد الجمعة بأربعين مكلفا، سواء كانوا من الجن أو من الانس أو منهما.
قال القمولي: لكن نقل في مناقب الشافعي: إنه كان يقول: من زعم من أهل العدالة أنه يرى الجن ردت شهادته، وعزر لمخالفته قوله تعالى: " إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم " إلا أن يكون الزاعم نبيا، ويحمل قوله على من
ادعى رؤيتهم على ما خلقوا عليه، وقول القمولي على ما إذا تصورا صور بني آدم.
والمشهور أن جميع الجن من ذرية إبليس، وبذلك يستدل على أنه ليس من الملائكة، لأن الملائكة لا يتناسلون لأنهم ليس فيهم إناث، وقيل: الجن جنس وإبليس واحد منهم، ولا شك أن لهم ذرية بنص القرآن ومن كفر من الجن يقال له: شيطان. وفي الحديث: لما أراد الله تعالى أن يخلق لإبليس نسلا وزوجة ألقى عليه الغضب فطارت منه شظية من نار فخلق منه امرأته.
ونقل ابن خلكان في تاريخه في ترجمة الشعبي أنه قال: إني لقاعد يوما إذ أقبل جمال ومعه دن فوضعه ثم جاءني فقال: أنت الشعبي؟ قلت: نعم، قال: أخبرني هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك العرس ما شهدته، قال: ثم ذكرت قوله تعالى:
" أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني " فقلت: إنه لا يكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم، فأخذ دنه وانطلق، قال: فرأيته يختبرني.
وروي أن الله تعالى قال لإبليس: لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها فليس أحد من ولد آدم إلا وله شيطان قد قرن به.
وقيل: إن الشياطين فيهم الذكور والإناث يتوالدون من ذلك، وأما إبليس فان الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا وفي اليسرى فرجا فهو ينكح هذه بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات.
وذكر مجاهد أن من ذرية إبليس لا قيس وولها وهو صاحب الطهارة
والصلاة، والهفاف وهو صاحب الصحارى، ومرة به يكنى، وزلنبور وهو صاحب الأسواق ويزين اللغو والحلف الكاذب ومدح السلعة. وبثر وهو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، والأبيض وهو الذي يوسوس للأنبياء، والأعور وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله تعالى دخل معه ووسوس له فألقى الشر بينه وبين أهله، فان أكل ولم يذكر اسم الله تعالى أكل معه، فإذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر الله ورأي شيئا يكره فليقل: " داسم داسم أعوذ بالله منه " ومطرش وهو صاحب الاخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس ولا يكن لها أصل ولا حقيقة.
والأقبض وأمهم طرطبة، وقال النقاش: بل هي حاضنتهم، ويقال: إنه باض ثلاثين بيضة: عشرا في المشرق، وعشرا في المغرب، وعشرا في وسط الأرض، وإنه خرج من كل بيضة جنس من الشياطين كالعفاريت والغيلان والقطاربة والجان و أسماء مختلفة، كلهم عدو لبني آدم لقوله تعالى: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو " إلا من آمن منهم، وكنية إبليس أبو مرة.
واختلف العلماء في أنه من الملائكة من طائفة يقال لهم: الجن أم ليس من الملائكة، وفي أنه اسم عربي أو عجمي، فقال ابن عباس وابن مسعود وابن
المسيب وقتادة وابن جريح والزجاج وابن الأنباري: كان إبليس من الملائكة من طائفة يقال لهم: الجن وكان اسمه بالعبرانية عزازيل، وبالعربية الحارث، وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة سماء الدنيا وسلطانها وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، وكان يسوس ما بين السماء والأرض نعوذ بالله من خذلانه، قالوا: وقوله تعالى: " كان من الجن " أي من طائفة من الملائكة هم الجن.
وقال ابن جبير والحسن: لم يكن من الملائكة طرفة عين وانه لأصل الجن كما أن آدم أصل الانس.
وقال عبد الرحمن بن زيد وشهر بن حوشب: وإنما كان من الجن الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعضهم وذهب به إلى السماء.
وقال أكثر أهل اللغة والتفسير: إنما سمي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله، والصحيح كما قاله الامام النووي وغيره من الأئمة الاعلام: أنه من الملائكة وأنه اسم أعجمي، والاستثناء متصل لأنه لم يقل:: إن غيرهم امر بالسجود، والأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه.
وقال القاضي عياض: الأكثر على أنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، والاستثناء من غير الجنس شايع في كلام العرب، قال تعالى: " ما لهم به علم إلا اتباع الظن "
والصحيح المختار على ما سبق عن النووي ومن وافقه، وعن محمد بن كعب القرظي:
إنه قال: الجن مؤمنون والشياطين كفار وأصلهم واحد، وسئل وهب بن منبه عن الجن ما هم؟ وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون؟ فقال: هم أجناس، فأما الصميم الخالص من الجن فإنهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون في الدنيا ولا يتوالدون ولهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون وهم السعالى والغيلاب والقطارب وأشباه ذلك.
وقال القرافي: اتفق الناس على تكفير إبليس بقصته مع آدم عليه السلام وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا وليس كذلك، ولا كان كفره لكونه حسد آدم على منزلته من الله تعالى وإلا لكان كل حاسد كافرا، وليس كذلك، ولا كان كفره لعصيانه وفسوقه وإلا لكان كل عاص وفاسق كافرا، وقد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء فضلا عن غيرهم، وينبغي أن يعلم أنه إنما كفر لنسبة الحق جل جلاله إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرضي، وأظهر ذلك من فحوى قوله: " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " ومراده على ما قاله الأئمة المحققون من المفسرين وغيرهم؟ أن إلزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور والظلم، فهذا وجه كفره لعنه الله، وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن من نسب ذلك للحق تعالى وتنزه كافر.
واختلفوا هل كان قبل إبليس كافر أولا؟ فقيل: لا وإنه أول من كفر، قيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض انتهى.
وقد اختلفوا في كفر إبليس هل كان جهلا أو عنادا على قولين لأهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره، فمن قال: إنه كفر جهلا قال: إنه سلب
العلم الذي كان عنده عند كفره، ومن قال: كفر عنادا قال: كفر ومعه علمه، قال ابن عطية: والكفر مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز ولا يستحيل مع خذلان الله تعالى لمن يشاء.
وذكر البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في قوله تعالى: " ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " عن عمر بن ذر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: لو أراد الله تعالى أن لا يعصى لم يخلق إبليس وقد بين ذلك في آية من كتابه وفصلها علمها من علمها وجهلها من جهلها وهي قوله تعالى " ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم " ثم روى من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأبى بكر: يا أبا بكر لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس انتهى.
وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد أينام إبليس: فقال: لو نام لوجدنا راحة، ولا خلاص للمؤمن منه إلا بتقوى الله تعالى.
وقال في الاحياء: من غفل عن ذكر الله تعالى ولو لحظة ليس له قرين في تلك اللحظة الا الشيطان، قال تعالى: " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ".
واختلفوا هل بعث الله إليهم من الجن رسلا قبل بعثة نبينا محمد؟ فقال الضحاك:
كان منهم رسل لظاهر قوله تعالى: " يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم " وقال المحققون: لم يرسل إليهم منهم رسول ولم يكن ذلك في الجن قط، وإنما الرسل من الانس خاصة، وهذا هو الصحيح المشهور، أما الجن ففيهم النذر، وأما الآية فمعناها
من أحد الفريقين كقوله تعالى: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " وإنما يخرجان من المالح دون العذب.
وقال منذر بن سعيد البلوطي: قال ابن مسعود: إن الذين لقوا النبي صلى الله عليه وآله من الجن كانوا رسلا إلى قومهم، وقال مجاهد: النذر من الجن والرسل من الانس، ولا شك أن الجن مكلفون في الأمم الماضية كما هم مكلفون في هذه الأمة لقوله تعالى:
" أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس انهم كانوا خاسرين " وقوله تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " قيل: المراد مؤمنوا الفريقين فما خلق أهل الطاعة منهم إلا لعبادته، ولا خلق الأشقياء إلا للشقاوة ولا مانع من إطلاق العام وإرادة الخاص، وقيل: معناه إلا لأمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها، وقيل: إلا ليوحدوني.
فان قيل: لم اقتصر على الفريقين ولم يذكر الملائكة فالجواب أن ذلك لكثرة من كفر من الفريقين بخلاف الملائكة فان الله تعالى عصمهم كما تقدم.
فان قيل: لم قدم الجن على الانس في هذه الآية؟ فالجواب أن لفظ الانس أخف لمكان النون الخفيفة والسين الهموسة وكان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وراحته.
فرع: كان الشيخ عماد الدين يونس يجعل من موانع النكاح اختلاف الجنس ويقول: لا يجوز للإنسي أن يتزوج لقوله تعالى: " والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " فالمودة الجماع، والرحمة الولد
ونص على منعه جماعة من الحنابلة، وفي الفتاوى السراجية: لا يجوز ذلك لاختلاف الجني، وفي القنية: سئل البصري عنه فقال: يجوز بحضرة شاهدين. وفي مسائل ابن حرب عن الحسن وقتادة أنهما كرها ذلك، ثم روى بسند فيه ابن لهيعة أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن نكاح الجن. وعن زيد العمي أنه كان يقول: اللهم ارزقني جنية أتزوج بها تصاحبني حيثما كانت.
وذكر ابن عدي في ترجمة نعيم بن سالم بن قنبر مولى علي بن أبي طالب عليه السلام عن الطحاوي قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قدم علينا نعيم بن سالم مصر فسمعته يقول: تزوجت امرأة من الجن ولم أعد إلى ذلك.
وروى في ترجمة سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أحد أبوي بلقيس كان جنيا.
قال الشيخ نجم الدين القمولي: وفي المنع عن التزويج نظر، لأن التكليف يعم الفريقين، قال: وقد رأيت شيخا كبيرا صالحا أخبرني أنه تزوج جنية انتهى.
قلت: وقد رأيت أنا رجلا من أهل القرآن والعلم تزوج أربعا من الجن واحدة بعد واحدة، لكن يبقى النظر في حكم طلاقها ولعانها والايلاء منها وعدتها ونفقتها وكسوتها والجمع بينها وبين أربع سواها وما يتعلق بذلك، وكل ذلك فيه نظر لا يخفى.
قال شيخ الاسلام شمس الدين الذهبي: رأيت بخط الشيخ فتح الدين اليعمري يقول: وحدثني عنه عثمان المقاتلي قال: سمعت أبا الفتح القشيري يقول: سمعت الشيخ عز الدين عبد السلام يقول وقد سئل عن ابن عربي فقال: شيخ سوء كذاب،
فقال: وكذاب أيضا؟ قال نعم تذاكرنا يوما نكاح الجن فقال: الجن روح لطيف والانس جسم كثيف فكيف يجتمعان؟ ثم غاب عنا مدة وجاء وفي رأسه شجة فقيل له في ذلك فقال: تزوجت امرأة من الجن فحصل بيني وبينها شئ فشجني هذه الشحة قال الامام الذهبي بعد ذلك: وما أظن عن ابن عربي تعمد هذه الكذبة وإنما هي من خرافات الرياضة.
فرع: روى أبو عبيد في كتاب الأموال والبيهقي عن الزهري عن النبي أنه نهى عن ذبائح الجن، وذبائح الجن هو أن يشتري الرجل الدار ويستخرج العين وما أشبه ذلك فيذبح لها ذبيحة للطيرة وكانوا في الجاهلية يقولون، إذا فعل الرجل ذلك لا يضر أهلها الجن، فأبطل صلى الله عليه وآله ذلك ونهى عنه.
وقال الدميري: لا تدخل الجن بيتا فيه أترج، قال: وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الجن لا يدخلون دارا فيه فرس عتيق.
وأقول: قال: السعلاة: أخبث الغيلان وكذلك السعلاء يمد ويقصر والجمع السعالى.
قال الجاحظ: كان عمرو بن يربوع متولدا من السعلاة والانسان، قال: وذكروا أن جرهما كان من نتاج الملائكة وبنات آدم، قال: وكان الملائكة إذا عصى ربه أهبط إلى الأرض في صورة رجل كما صنع بهاروت وماروت فولدت منهما جرهما.
قال: ومن هذا الضرب كانت بلقيس ملكة سبا، وكذلك كان ذو القرنين كانت أمه آدمية وأبوه من الملائكة، ولذلك لما سمع عمر رجلا ينادي رجلا: يا ذا القرنين، قال:
أفرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة، انتهى.
والحق في ذلك أن الملائكة معصومون من الصغائر والكبائر كالأنبياء عليهم السلام كما
قاله القاضي عياض وغيره وما ذكروه من أمر جرهم وذي القرنين وبلقيس فممنوع، واستدلالهم بقصة هارون وماروت ليس بشئ فإنها لم تثبت على الوجه الذي أرادوه بل قال ابن عباس: هما رجلان ساحران كانا ببابل.
وقال الجاحظ: وزعموا أن التناكح والتلاقح قد يقع بين الجن والإنس لقوله تعالى: " وشاركهم في الأموال والأولاد " وهذا ظاهر، وذلك أن الجنية إنما تصرع رجال الانس على جهة العشق في طلب السفاد وكذلك رجال الجن لنساء الانس ولولا ذلك لعرض الرجال للرجال والنساء للنساء قال تعالى: " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان " فلولا كان الجان تقتض الآدميات ولم يكن ذلك في تركيبه لما قال الله تعالى هذا القول، وذكروا أن الواق واق نتاج ما بين بعض النباتات وبعض الحيوان.
وقال السهيلي: السعلاة: ما يتراءى للناس بالنهار، والغول: الذي يتراءى بالليل.
وقال القزويني: السعلاة نوع من المتشيطنة مغاير للغول، وأكثر ما توجد السعلاة في الغياض إذا ظفرت بانسان ترقصه وتلعب به، كما يلعب القط بالفأر، وقال: وربما اصطادها الذئب بالليل فأكلها فإذا افترسها ترفع صوتها وتقول: أدركوني فان الذئب قد أكلني، وربما تقول: من يخلصني ومعي ألف دينار يأخذها؟ والناس يعرفون أنه كلام السعلاة فلا يخلصها أحد فيأكلها الذئب.
وقال الدميري أيضا الغول واحد الغيلان وهو جنس من الجن والشياطين وهم سحرتهم، قال الجوهري: هو من السعالى والجمع أغوال وغيلان وكل من اغتال الانسان فأهلكه فهو غول، والتغول: التلون.
وروى الطبراني وغيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان فان الشيطان إذا سمع النداء أدبر وله حصاص أي ضراط.
قال النووي في الأذكار: إنه حديث صحيح أرشد صلى الله عليه وآله إلى دفع ضررها بذكر الله.
ورواه النسائي في آخر سننه الكبرى عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله قال عليكم بالدلجة فان الأرض تطوى بالليل فإذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان.
قال النووي: وكذلك ينبغي أن يؤذن أذان الصلاة إذا عرض للانسان شيطان، لما روى مسلم عن سهل بن أبي صالح أنه قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام لنا، أو صاحب لنا، فناداه مناد من حائط باسمه فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئا فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة فاني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:
إن الشيطان إذا نوي بالصلاة أدبر.
وروى مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا عدوى ولا طيرة ولا غول.
قال جمهور العلماء: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول تغولا، أي تتلون تلونا، فتضلهم عن الطريق وتهلكهم فأبطل النبي صلى الله عليه وآله ذلك، وقال آخرون: ليس المراد بالحديث نفي وجود الغول، و إنما معناه إبطال ما تزعم العرب من تلون الغول بالصور المختلفة، قالوا: ومعنى لا غول، أي لا تستطيع أن تضل أحدا، ويشهد له حديث آخر:
" لا غول ولكن السعالى " قال العلماء: السعالى بالسين المفتوحة والعين المهملة من سحرة الجن، ومنه ما روى الترمذي والحاكم عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال:
كانت لي سهوة فيها تمر فكانت تجيئ الغول كهيئة السنور فتأخذ منه، فشكونا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اذهب فإذا رأيتها فقل: بسم الله أجيبي رسول الله " فأخذتها فحلفت أن لا نعود، فأرسلها ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما فعل أسيرك؟
قال: حلفت أن لا تعود، قال صلى الله عليه وآله: كذبت وهي معاودة للكذب فأخذها وقال: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالت: إني ذاكرة لك شيئا: آية الكرسي اقرأها في بيتك فلا يقربك شيطان ولا غيره، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:
ما فعل أسيرك؟ فأخبره بما قال، قال صلى الله عليه وآله، صدقك وهو كذوب.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهذا روى مثله البخاري عن أبي هريرة وفي آخره: تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال: صلى الله عليه وآله: ذاك الشيطان.
وروى الحاكم وابن حبان عن أبي بن كعب أنه كان له جرين تمر وكان يجده ينقص فحرسه ليلة فإذا هو بمثل الغلام المحتلم قال: فسلمت فرد علي السلام، فقلت:
ما أنت ناولني يدك، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: أجني أم إنسي؟ فقال بل جني، قلت: إني أراك ضئيل الخلقة، أهكذا خلق الجن؟ قال: لقد علمت الجن
أن ما فيهم أشد مني فقلت، ما يحملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببت أن أصيب من طعامك، فقلت: فما يجيرنا منكم؟ قال: تقرأ آية الكرسي فإنك إن قرأتها غدوة اجرت منا حتى تمسي، وإن قرأتها حين تمسي اجرت منا حتى تصبح، قال: فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرته فقال: صدق الخبيث.
وتزعم العرب أنه إذا انفرد الرجل في الصحراء ظهرت له في خلقة انسان فلا يزال يتبعها حتى تضله عن الطريق وتدنو له وتتمثل له في صور مختلفة فتهلكه روعا، وقالوا:
إذا أرادت أن تضل إنسانا أو قدت له نارا فيقصدها فيفعل ذلك، قالوا: وخلقتها خلقة انسان ورجلاها رجلا حمار.
وقال القزويني: ورأي الغول جماعة من الصحابة منهم عمر حين سافر إلى الشام قبل الاسلام فضربها بالسيف. وذكر عن ثابت بن جابر الفهري أنه رأى الغول، وذكر أبياته النونية في ذلك.
وقال الدميري أيضا: قطرب: طائر يجول الليل كله لا ينام. وقال ابن سيدة: إنه الذكر من السعالى، وقيل: هم صغار الجن، وقيل: القطارب: صغائر الكلاب واحدها قطرب: دويبة لا تستريح نهارها سعيا، وقال محمد بن ظفر: القطرب حيوان يكون بالصعيد في أرض مصر يظهر للمنفرد من الناس، فربما صده عن نفسه إذا كان شجاعا إلا لم ينته حتى ينكحه، فإذا نكحه هلك، وهم إذا رأوا من ظهر له القطرب قالوا: أمنكوح أم مروع، فان قال: منكوح يئسوا منه، وإن قال:
مروع عالجوه، قال: وقد رأيت أهل مصر يلهجون بذكره انتهى ما أخرجته من كتاب
حياة الحيوان.
ولنبين بعض ما ربما يحتاج إلى البيان: الحشاش مثلثة: حشرات الأرض، وفي النهاية: مستطير أي منتشر متفرق كأنه طائر في نواحيها، ومنه حديث ابن مسعود فقدنا رسول الله ليلة فقلنا: اغتيل استطير أي ذهب به بسرعة، كأن الطير حملته أو اغتاله أحد، والاستطارة والتطاير: التفرق والذهاب، والاغتيال: أن يخدع فيقتل في موضع لا يراه فيه أحد، قوله: أو فرما كان قال الآبي: الأظهر انه مما يبقى عليه بدع الأكل، ويحتمل أنه تعالى يخلق ذلك عليها، والنظر في أنه هل يستحب أن لا يستقصى العظام بتقشير ما عليها وهل يثاب مثله له، والأظهر ان انتفاعهم إنما هو بالشم لأنه لا يبقى ع؟ ليه ما يقولون إلا أن يكونوا في القوت بخلاف الانس انتهى.
وفي النهاية في صفة الجن: فإذا نحن برجال طوال كأنهم الرماح مستثفرين ثيابهم هو أن يدخل الرجل ثوبه بين رجليه كما يفعل الكلب بذنبه.
وقال: العرج بفتح العين وسكون الراء: قرية جامعة من أعمال الفرع على أيام من المدينة، وقال: اللغط: صوت وضجة لا يفهم معناه، وقال: الجلس: كل مرتفع من الأرض، والغور: ما انخفض من الأرض.
وقال: فيه ذكر عكاظ وهي موضع بقرب مكة كانت تقام به في الجاهلية سوق يقيمون فيها أياما.
وقال: في حديث عمر أنه سأل رجلا استهوته الجن فقال: ما كان طعامهم؟ قال:
الفول وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما كان شرابهم؟ قال: الجذف. الفول هو الباقلي والجذف بالتحريك: نبات يكون باليمن لا يحتاج آكله معه إلى شرب ماء، وقيل:
هو كل ما لا يغطى من الشراب وغيره قال القتيبي: أصله من الجدف: القطع، أراد ما يرمى به عن الشراب من زبد أو رغوة أو قذى كأنه قطع من الشراب فرمي به، هكذا حكاه الهروي عنه، والذي جاء في صحاح الجوهري: أن القطع هو الجذف بالذال المعجمة، ولم يذكره في الدال المهملة، وأثبته الأزهري فيهما.
وقال: تفلت علي أي تعرض في صلاتي فجأة. وقال في ذعت: فأمكنني الله منه فذعته أي خنقته، والذعت والدعت بالذال والدال: الدفع العنيف، والذعت أيضا:
المعك في التراب.
وقال: وفيه ما من آدمي إلا ومعه شيطان، قيل: ومعك؟ قال: نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم، وفي رواية: حتى أسلم أي انقاد وكف عن وسوستي، وقيل: دخل في الاسلام فسلمت من شره، وقيل: إنما هو فأسلم بضم الميم على أنه فعل مستقبل أي أسلم أنا منه ومن شره، ويشهد للأول الحديث الآخر: كان شيطان آدم كافرا وكان شيطاني مسلما انتهى.
وأقول: قصة سعد مما افترى على الجن، وإنما قتله من بعثه عمر ليقتله كما ذكرناه في كتاب الفتن مفصلا.
وفي النهاية: يقال: صبأ فلان: إذا خرج من دين إلى دين غيره، وكانت العرب تسمي النبي صلى الله عليه وآله الصابئ لأنه خرج من دين قريش إلى دين الاسلام ويسمون المسلمين الصباة بغير همز.
وقال: لهث الكلب وغيره يلهث لهثا: إذا أخرج لسانه من شدة العطش والحر وقال الفهر: الحجر ملء الكف، وقيل: هو الحجر مطلقا.
وفي القاموس: الغريف: صوت الجن وهو جرس يسمع في المفاوز بالليل، وكشداد رمل لبني سعد أو جبل بالدهناء على اثني عشر ميلا من المدينة سمي به لأنه كان يسمع به غريف الجن، وأبرق الغراف، ماء لبني أسد. وقال: القعدة بالضم من الإبل:
ما يقتعده الراعي في كل حاجة، واقتعده، اتخذه قعدة.
وفي النهاية: قال للجني: إني أراك ضئيلا شخيتا، الضئيل: النحيف الدقيق والشخت والشخيت: النحيف الجسم الدقيق.
وقال: إني منهم لضليع رأي عظيم الخلق، وقيل: هو العظيم الصدر الواسع الجبينين، وقال: الشظية: الفلقة من العصا ونحوها، وقال الفيروزآبادي: القط بالكسر السنور.
وقال في النهاية: الحصاص: شدة العدو وحدته، وقيل: هو أن يمصع بذنبه ويصر بأذنيه ويعدو، وقيل: هو الضراط وقال: السهوة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع والخزانة وقيل: هو كالصفة يكون بين يدي البيت، وقيل: شبيه بالرف والطاق يوضع فيه شئ وقال: الجرين هو موضع تجويف التمر وهو له كالبيدر للحنطة.
وقال الرازي في مفتتح تفسيره في تحقيق الاستعاذة من الشيطان وفي بيان المستعاذ منه قال: وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف الناس في وجود الجن والشياطين، فمن الناس من ينكر الجن والشياطين، واعلم أنه لا بد من البحث أولا عن ماهية الجن والشياطين، فنقول: أطبق الكل على أنه ليس الجن والشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة تجيئ وتذهب مثل الناس والبهائم، بل القول المحصل فيه قولان: الأول أنها أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ولها عقول وأفهام وقدرة على أعمال صعبة شاقة.
والقول الثاني أن كثيرا من الناس أثبتوا أنها موجودات غير متحيزة ولا حالة في المتحيز، وزعموا أنها موجودات مجردة عن الجسمية، ثم إن هذه الموجودات قد تكون عالية مقدسة عن تدبير الأجسام بالكلية، وهي الملائكة المقربون كما قال تعالى: " ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون " وتليها مرتبة الأرواح المتعلقة بتدبير الأجسام، وأشرفها حملة العرش كما قال تعالى: " ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ".
والمرتبة الثانية الحافون حول العرش كما قال تعالى: " وترى الملائكة حافين من حول العرش ".
المرتبة الثالثة: ملائكة الكرسي.
والمرتبة الرابعة: ملائكة السماوات طبقة فطبقة.
والمرتبة الخامسة: ملائكة كرة الأثير.
والمرتبة السادسة: ملائكة كرة الهواء الذي هو في طبع النسيم.
والمرتبة السابعة: ملائكة كرة الزمهرير.
والمرتبة الثامنة: مرتبة الأرواح المتعلقة بالبحار.
والمرتبة التاسعة: مرتبة الأرواح المتعلقة بالجبال.
والمرتبة العاشرة: مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في هذه الأجسام النباتية والحيوانية الموجودة في هذا العالم.
واعلم أنه على كلا القولين فهذه الأرواح قد تكون مشرقة إلهية خيرة سعيدة وهي المسماة بالصالحين من الجن، وقد تكون كدرة سفلية شريرة شقية وهي المسماة بالشياطين.
واحتج المنكرون لوجود الجن والشياطين بوجوه:
الحجة الأولى أن الشيطان لو كان موجودا لكان إما أن يكون جسما لطيفا أو كثيفا، والقسمان باطلان فيبطل القول بوجوده، وإنما قلنا: إنه يمتنع أن يكون كثيفا لأنه لو كان كذلك لوجب أن يراه كل من كان سليم الحس، إذ لو جاز أن يكون بحضرتنا أجسام كثيفة ونحن لا نراها لجاز أن تكون بحضرتنا جبال عالية وشموس مضيئته ورعود وبروق، مع أنا لا نشاهد شيئا منها، ومن جوز ذلك كان خارجا عن العقل.
وإنما قلنا: إنه لا يجوز كونها أجساما لطيفة لأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمزق ويتفرق عند هبوب الرياح العاصفة القوية، وأيضا يلزم أن لا يكون لها قدرة وقوة على الأعمال الشاقة ومثبتوا الجن ينسبون إليها الأعمال الشاقة، ولما
بطل القسمان ثبت فساد القول بالجن.
والحجة الثانية: أن هذه الاشخاص المسماة بالجن إذا كانوا حاضرين في هذا العالم ومخالطين للبشر فالظاهر الغالب أن يحصل لهم بسبب طول المخالطة والمصاحبة إما صداقة وإما عداوة، فان حصلت الصداقة وجب ظهور المنافع بسبب تلك الصداقة وإن حصلت العداوة وجب ظهور المضار بسبب تلك العداوة، إلا أنا لا نرى أثرا لا من تلك الصداقة ولا من تلك العداوة، وهؤلاء الذين يمارسون صنعة التعزيم إذا تابوا من الأكاذيب يعترفون بأنهم قط ما شاهدوا أثرا من هذا الجن، وذلك مما يغلب على الظن عدم هذه الأشياء، وسمعت ممن تاب عن هذه الصنعة قال: إني واظبت على العزيمة الفلانية كذا من الأيام وما تركت دقيقة من الدقائق إلا أتيت بها، ثم إني ما شاهدت من تلك الأحوال المذكورة أثرا ولا خبرا.
الحجة الثالثة: أن الطريق إلى معرفة هذه الأشياء إما الحس وإما الخبر وإما الدليل، أما الحس فلم يدل دليل على وجود هذه الأشياء، فإذا كنا لا نرى صورة ولا سمعنا صوتا فكيف يمكننا أن ندعي الإحساس بها، والذين يقولون: إنا أبصرناها أو سمعنا أصواتها فهم طائفتان: المجانين الذين يتخيلون أشياء بسبب خلل أمزجتهم فيظنون أنهم رأوها، والكاذبون المنحرفون.
وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة أخبار الأنبياء والرسل عليهم السلام فباطل لأن هذه الأشياء لو ثبتت لبطلت نبوة الأنبياء، فان على تقدير ثبوتها يجوز أن يقال: إن كل ما تأتي به الأنبياء من المعجزات إنما حصل بإعانة الجن والشياطين، وكل فرع أدى إلى إبطال الأصل كان باطلا مثاله إذا جوزنا نفوذ الجن في بواطن الانسان فلم لا يجوز أن يقال: إن حنين الجذع إنما كان لأجل أن الشيطان نفذ في ذلك الجذع ثم أظهر الحنين؟ ولم لا يجوز أن يقال: إن الناقة إنما تكلمت مع الرسول صلى الله عليه وآله لأجل أن الشيطان دخل في بطنها وتكلم؟ ولم لا يجوز أن يقال: إن الشجرة إنما انقلعت من
أصلها لأن الشيطان اقتلعها، فثبت أن القول باثبات الجن والشياطين يوجب القول ببطلان نبوة الأنبياء عليهم السلام، وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة الدليل والنظر فهو متعذر لأنا لا نعرف دليلا عقليا يدل على وجود الجن والشياطين فثبت أنه لا سبيل لنا إلى العلم بوجود هذه الأشياء فوجب أن يكون القول بوجود هذه الأشياء باطلا، فهذا جملة شبه منكري الجن والشياطين.
والجواب عن الأول بأنا نقول: إن الشبهة التي ذكرتم تدل على أنه يمتنع كون الجن جسما فلم لا يجوز أن يقال: إنه جوهر مجرد عن الجسمية؟
واعلم أن القائلين بهذا القول فرق: الأولى: الذين قالوا: النفوس الناطقة البشرية المفارقة للأبدان قد تكون خيرة، وقد تكون شريرة، فان كانت خيرة فهي الملائكة الأرضية، وإن كانت شريرة فهي الشياطين الأرضية، ثم إذا حدث بدن شديد المشابهة ببدن تلك النفس المفارقة وتعلق بذلك البدن نفس شديدة المتشابهة لتلك النفس المفارقة فحينئذ يحدث لتلك النفس المفارقة ضرب تعلق بهذا البدن الحادث وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن على الأعمال اللائقة بها فان كانت النفسان من النفوس الطاهرة المشرقة الخيرة كانت تلك المعاونة والمعاضدة إلهاما، وإن كانتا من النفوس الخبيثة الشريرة كانت تلك المعاونة والمناصرة وسوسة فهذا هو الكلام في الالهام والوسوسة على قول هؤلاء.
الفريق الثاني: الذين قالوا: الجن والشياطين جواهر مجردة عن الجسمية وعلائقها، وجنسها مخالف لجنس النفوس الناطقة البشرية، ثم إن ذلك الجنس يندرج فيه أنواع أيضا، فان كانت طاهرة نورانية فهي الملائكة الأرضية وهم المسمون بصالحي الجن، وإن كانت خبيثة شريرة فهي الشياطين المؤذية، إذا عرفت هذا فنقول:
الجنسية علة الضم، فالنفوس البشرية الطاهرة النورانية تنضم. إليها تلك الأرواح النورانية الطاهرة، وتعينها على أعمالها التي هي من أبواب الخير والبر والتقوى
والنفوس البشرية الخبيثة الكدرة تنضم إليها تلك الأرواح الخبيثة الشريرة وتعينها علي أعمالها التي هي من باب الشر والاثم والعدوان.
الفريق الثالث: وهم الذين ينكرون وجود الأرواح السفلية، ولكنهم أثبتوا الأرواح المجردة الفلكية، وزعموا أن تلك الأرواح أرواح عالية قاهرة قوية وهي مختلفة بجواهرها وماهياتها، فكما أن لكل روح من الأرواح البشرية بدنا معينا فكذلك لكل روح من الأرواح الفلكية بدن معين، وهو ذلك الفلك المعين، وكما أن الروح البشري يتعلق أولا بالقلب ثم بواسطته يتعدى أثر ذلك الروح إلى كل البدن فكذلك الروح الفلكي يتعلق أولا بالكواكب ثم بواسطة ذلك العلق يتعدى أثر ذلك الروح إلى كلية ذلك الفلك وإلى كلية ذلك العالم، وكما أنه يتولد في القلب والدماغ أرواح لطيفة وتلك الأرواح تتأدى في الشرائين والأعصاب إلى أجزاء البدن وتصل بهذا الطريق قوة الحياة والحس والحركة إلى كل جزء من أجزاء الأعضاء فكذلك ينبعث من جرم الكواكب خطوطا شعاعية تتصل بجوانب العالم وتتأدى قوة ذلك الكواكب بواسطة تلك الخطوط الشعاعية إلى أجزاء هذا العالم، وكما أن بواسطة الأرواح الفائضة من القلب والدماغ إلى أجزاء البدن يحصل في كل جزء من أجزاء ذلك البدن قوى مختلفة وهي الغاذية والنامية والمولدة والحساسة فتكون هذه القوى كالنتائج والأولاد لجوهر النفس المدبرة لكلية البدن، فكذلك بواسطة الخطوط الشعاعية المنبثة من الكواكب الواصلة إلى أجزاء هذا العالم تحدث في تلك الأجزاء نفوس مخصوصة، مثل نفس زيد ونفس عمرو، وهذه النفوس كالأولاد لتلك النفوس الفلكية ولما كانت النفوس الفلكية مختلفة في جواهرها وماهياتها فكذلك النفوس المتولدة من نفس فلك زحل مثلا طائفة، والنفوس المتولدة من نفس فلك المشتري طائفة
أخرى، فتكون النفوس المنسبة إلى روح زحل متجانسة متشاركة، ويحصل بينها مودة ومحبة، وتكون النفوس المنتسبة إلى روح زحل مخالفة بالطبع والماهية للنفوس المنتسبة إلى روح المشترى، وإذا عرفت هذا فنقول: قالوا: إن العلة تكون أقوى من المعلول، فلكل طائفة من النفوس البشرية طبيعة خاصة وهي تكون معلولة لروح من تلك الأرواح الفلكية، وتلك الطبيعة تكون في الروح الفلكي أقوى وأعلى بكثير منها في هذه الأرواح البشرية، وتلك الروح الفلكية بالنسبة إلى تلك الطائفة من الأرواح البشرية كالأب المشفق والسلطان الرحيم، فلهذا السبب تلك الأرواح الفلكية تعين أولادها على صلاحها وتهديها تارة في النوم على سبيل الرؤيا والأخرى في اليقظة على سبيل الالهام.
ثم إذا اتفق لبعض هذه النفوس البشرية قوة قوية من جنس تلك الخاصية وقوي اتصاله بالروح الفلكي. الذي هو أصله ومعدنه ظهرت عليه أفعال عجيبة وأعمال خارقة للعادات، فهذا تفصيل مذاهب من يثبت الجن والشياطين، ويزعم أنها موجودات ليست أجساما ولا جسما.
واعلم أن قوما من الفلاسفة طعنوا في هذا المذهب وزعموا أن المجرد يمتنع عليه إدراك الجزئيات، والمجردات يمتنع كونها فاعلة للأفعال الجزئية.
واعلم أن هذا باطل لوجهين: الأول أنه يمكننا أن نحكم على هذا الشخص المعين بأنه انسان وليس بفرس، والقاضي على الشيئين لابد وأن يحضره المقضي عليهما، فههنا شئ واحد هو مدرك للكلي وهو النفس، فيلزم أن يكون المدرك للجزئي هو النفس.
الثاني: هب أن النفس المجردة لا تقوى على إدراك الجزئيات ابتداء، لكن لا نزاع أنه يمكنها أن تدرك الجزئيات بواسطة الآلات الجسمانية، فلم لا يجوز أن يقال: إن تلك الجواهر المجردة المسماة بالجن والشياطين لها آلات جسمانية من كرة الأثير أو من كرة الزمهرير ثم إنها بواسطة تلك الآلات الجسمانية تقوى على إدراك الجزئيات وعلى التصرف في هذه الأبدان. فهذا تمام الكلام في شرح هذا المذهب.
وأما الذين زعموا أن الجن أجسام هوائية أو نارية فقالوا: الأجسام متساوية في الحجمية والمقدار، وهذان المعنيان أعراض فالأجسام متساوية في قبول هذه الأعراض والأشياء المختلفة في الماهية لا يمتنع اشتراكها في بعض اللوازم، فلم لا يجوز أن يقال:
إن الأجسام مختلفة بحسب ذواتها المخصوصة وماهياتها المعينة، وإن كانت مشتركه في قبول الحجمية والمقدار. وإذا ثبت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يقال: أحد أنواع الأجسام أجسام لطيفة نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها قادرة على الاعمال الشاقة لذواتها، وهي غير قابلة للتفرق والتمزق؟ وإذا كان الأمر كذلك فتلك الأجسام تكون قادرة على تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة، ثم إن الرياح العاصفة لا تمزقها والأجسام الكثيفة لا تفرقها، أليس أن الفلاسفة قالوا: إن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد وتخرج من الجانب الآخر؟ فلم لا يعقل مثله في هذه الصورة؟ وعلى هذا التقدير فان الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس، وعلى التصرف فيها، وإنها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الاجل المعين والوقت المعلوم، فكل هذه الأحوال الاحتمالات ظاهرة، والدليل لم يقم على إبطالها، فلم يجز المصير إلى القول بابطالها.
والجواب عن الشبهة الثانية أنه لا يجب حصول تلك الصداقة والعداوة مع كل واحد، وكل واحد لا يعرف إلا حال نفسه، أما حال غيره فإنه لا يعلمها، فبقي هذا الأمر في حيز الاحتمال.
فأما الجواب عن الشبهة الثالثة فهو أنا نقول: لا نسلم أن القول بوجود الجن والملائكة يوجب الطعن في نبوة الأنبياء عليهم السلام، وسيظهر الجواب عن الشبهة التي ذكرتموها فيما بعد ذلك، فهذا آخر الكلام في الجواب عن هذه الشبهات.
المسألة الثانية: اعلم أن القرآن والاخبار يدلان على وجود الجن والشياطين أما القرآن فآيات: الآية الأولى قوله تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ويهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم ". وهذا نص على وجودهم وعلى أنهم سمعوا القرآن وعلى أنهم أنذروا قومهم.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.