بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
1 باب عموم أحوال
ج ۶۰، ص ۳۴۷–۳۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۳
النحل " 16 ": ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة 49.
وقال تعالى: ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون 79.
الأنبياء " 21 ": وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين 79. النور " 24 ": ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون 41.
وقال تعالى: والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء ان الله على كل شئ قدير 45.
النمل " 27 ": وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين * وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم
يوزعون * حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون 16 - 18.
إلى قوله تعالى: وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين * لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين * فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سباء بنبأ يقين 20 - 22.
إلى قوله سبحانه: قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين * اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون 27 و 28.
العنكبوت " 29 ": وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم 60.
لقمان " 31 ": وبث فيها من كل دابة 10.
ص " 38 ": والطير محشورة كل له أواب 19.
الزخرف " 43 ": والذي خلق الأزواج كلها 12.
الجاثية " 43 ": وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون 4.
الملك " 67 " أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شئ بصير 19.
التكوير " 81 ": وإذا الوحوش حشرت 5.
الفيل " 105 ": ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. إلى آخر السورة.
تفسير: قال الطبرسي قدس سره في قوله تعالى: " وما من دابة في الأرض ":
أي ما من حيوان يمشي على وجه الأرض " ولا طائر يطير بجناحيه " جمع بهذين اللفظين جميع الحيوانات لأنها لا تخلو أن تكون تطير بجناحيه أو تدب، وإنما قال: " يطير بجناحيه " للتوكيد ورفع اللبس، لان القائل قد يقول: طرفي حاجتي أي أسرع فيها، أو لان السمك تطير في الماء ولا جناح لها، وإنما خرج السمك عن الطائر لأنه من دواب البحر، وإنما أراد تعالى ما في الأرض وما في الجو.
وأقول: قيل: إنها تشمل الحيتان أيضا، إما بدخولها في الأول لأنها تدب في الماء أو في الثاني، ولا يخفى بعدهما.
وقال الرازي في قوله: " إلا أمم أمثالكم: " قال الفراء: يقال: كل صنف من البهائم أمة، وجاء في الحديث: " لولا أن الكلاب أمة تسبح لأمرت بقتلها " فجعل الكلاب أمة، إذا ثبت هذا فنقول: الآية دلت على أن هذه الدواب والطيور أمثالنا، وليس فيها ما يدل على أن هذه المماثلة في أي المعاني حصلت ولا يمكن أن يقال: المراد حصول المماثلة من كل الوجوه وإلا لكان يجب كونها أمثالنا في الصورة والصفة والخلقة، وذلك باطل، فظهر أنه لا دلالة في الآية على أن تلك المماثلة حصلت في أي الأحوال والأمور، فاختلف الناس في تفسير الامر الذي حكم الله فيه بالمماثلة بين البشر وبين الدواب والطيور: وذكروا فيه أقوالا:
الأول: نقل الواحدي عن ابن عباس: أنه قال: [يريد يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني " وإلى هذا القول ذهبت طائفة عظيمة من المفسرين وقالوا: إن هذه الحيوانات تعرف الله وتحمده وتسبحه، واحتجوا عليه بقوله:
" وإن من شئ إلا يسبح بحمده " وبقوله في صفة الحيوانات: " كل قد علم صلاته وتسبيحه " ولأنه تعالى خاطب النمل والهدهد.
وعن أبي الدرداء قال: أبهمت عقول البهم عن كل شئ إلا أربعة أشياء:
معرفة الاله، وطلب الرزق، ومعرفة الذكر والأنثى، وتهيأ كل واحد منهما لصاحبه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة يعج - إلى الله تعالى يقول يا رب إن هذا قتلني عبثا لم ينتفع بي ولم يدعني فآكل من حشارة الأرض.
الثاني أن المراد كونها أمثالكم في كونها أمما وجماعات، وفي كونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضا ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض، إلا أن للسائل أن يقول: حمل الآية على هذا الوجه لا يفيد فائدة معتبرة، إذ معلوم لكل أحد كونها كذلك.
الثالث: أن المراد أنها أمثالنا في أن دبرها الله تعالى وخلقها وتكفل برزقها، وهذا يقرب من القول الثاني فيما ذكر.
الرابع : أن المراد أنه تعالى كما أحصى في الكتاب كل ما يتعلق بأحوال البشر من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة، فكذلك أحصى في الكتاب جميع هذه الأحوال في حق كل الحيوانات، قالوا: والدليل عليه قوله تعالى: " ما فرطنا في الكتاب من شئ ".
والخامس: أنه أراد تعالى أنها أمثالها في أنها تحشر يوم القيامة وتوصل إليها حقوقها كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: يقتص للجماء من القرناء.
السادس: ما رواه الخطابي عن سفيان بن عيينة أنه لما قرأ هذه الآية قال:
ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم، فمنهم من يقدم إقدام الأسد ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس
كفعل الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير، فإنه لو القي إليه الطعام الطيب تركه وإذا أقام الرجل عن رجيعه ولغت فيه، وكذلك نجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، فان أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلسا إلا رواه عنه.
ثم قال: فاعلم يا أخي أنك إنما تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الاحتراز.
ثم قال: ذهب القائلون بالتناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله موصوفة بالمعارف الحقة وبالأخلاق الطاهرة فإنها بعد موتها تنقل إلى أبدان الملوك، فربما قالوا: إنها تنقل إلى مخالطة عالم الملائكة، وإن كانت شقية جاهلة عاصية فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت تلك الأرواح أكثر شقاوة واستحقاقا للعذاب نقلت إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعبا وشقاء واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فقالوا: صريح هذه الآية يدل على أنه لا دابة ولا طير إلا وهي أمم أمثالنا، ولفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية وأما الصفات العرضية المفارقة فالمساواة فيها غير معتبرة في حصول المماثلة.
ثم إن القائلين بهذا القول زادوا عليه وقالوا: قد ثبت بهذا أن أرواح جميع الحيوانات عارفة بربها وعارفة بما تحصل لها من السعادة والشقاوة، وأن الله تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولا من جنسها.
واحتجوا عليه بأنه ثبت بهذه الآية أن الدواب والطيور أمم، ثم إنه تعالى قال: " وإن من أمة إلا خلا فيها نذير " وذلك تصريح بأن لكل طائفة من هذه الحيوانات رسولا أرسله الله إليه، ثم أكدوا ذلك بقصة الهدهد والنمل وسائر القصص المذكورة في القرآن.
واعلم أن القول بالتناسخ قد أبطلناه بالدلائل الجيدة في علم الأصول، وأما
هذه الآية فقد ذكرنا أنه يكفي في ضبط حصول المماثلة في بعض الأمور المذكورة فلا حاجة إلى إثبات ما ذكره أهل التناسخ انتهى.
وقال الطبرسي رحمه الله: " إلا أمم " أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يشتمل كل صنف على العدد الكثير عن مجاهد " أمثالكم " قيل: يريد أشباهكم في إبداع الله إياها وخلقه لها ودلالته على أن لها صانعا، وقيل: إنما مثلت الأمم من غير الناس بالناس في الحاجة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم وأكلهم ولباسهم ونومهم ويقظتهم وهدايتهم إلى مراشدهم إلى ما لا يحصى كثرة من أحوالهم ومصالحهم وانهم يموتون ويحشرون. وبين بهذا أنه لا يجوز للعباد أن يتعدوا في ظلم شئ منها فان الله خالقها والمنتصف لها.
ثم قال في قوله سبحانه: " إلى ربهم يحشرون " معناه يحشرون إلى الله بعد موتهم يوم القيامة كما يحشر العباد، فيعوض الله تعالى ما يستحق العوض منها و ينتصف لبعضها من بعض.
وفيما رووه عن أبي هريرة أنه قال: يحشر الله الخلق يوم القيامة البهائم والدواب والطير، وكل شئ، فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: " كوني ترابا " فلذلك يقول الكافر: " يا ليتني كنت ترابا ".
وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا انتطحت عنزان فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أتدرون فيم انتطحا؟ فقالوا: لا ندري قال: لكن الله يدرى
وسيقضي بينهما " وعلى هذا فإنما جعلت أمثالنا في الحشر والقصاص.
واستدلت جماعة من أهل التناسخ بهذه الآية على أن البهائم والطيور مكلفة لقوله: " أمم أمثالكم " وهذا باطل لأنا قد بينا أنها من اي جهة تكون أمثالنا ولو وجب حمل ذلك على العموم لوجب أن تكون أمثالنا في كونها على مثل صورنا وهيئاتنا وخلقتنا وأخلاقنا، فكيف يصح تكليف البهائم وهي غير عاقلة؟ والتكليف لا يصح إلا مع كمال العقل انتهى.
وقال الرازي: للفضلاء فيه قولان:
الأول: أنه تعالى يحشر البهائم والطيور لا يصال الأعواض إليها وهو قول المعتزلة، وذلك لان إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض ولما كان إيصال العوض إليها واجبا فالله تعالى يحشرها ليوصل تلك الأعواض إليها.
والقول الثاني قول أصحابنا: إن الايجاب على الله تعالى محال، بل الله يحشرها بمجرد الإرادة والمشية ومقتضى الإلهية.
واحتجوا على أن القول: بوجوب العوض على الله باطل بأمور:
الأول: أن الوجوب عبارة عن كونه مستلزما للذم عند الترك، وكونه تعالى مستلزما للذم محال، لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته لا يعقل كونه مستحقا للذم بسبب أمر منفصل، لان ما يكون لازما بالذات لا يبطل عند عروض أمر من الخارج.
الثاني: أنه لو حسن إيصال الضرر إلى الغير لأجل العوض لوجب أن يحسن منا إيصال المضار إلى الغير لأجل التزام العوض من غير رضاه، وذلك باطل، فثبت أن القول بالعوض باطل.
إذا عرفت هذا فلنذكر بعض التفاريع الذي ذكر ها القاضي في هذا الباب:
الأول: قال: كل حيوان استحق العوض عن الله مما لحقه من الآلام و كان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا. فإنه يجب على الله حشره في الآخرة ليوفر عليه العوض، والذي لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلا إلا أنه تعالى أخبر أنه يحشر الكل، فمن حيث السمع يقطع بذلك، وإنما قلنا: إن في الحيوانات من لا يستحق العوض البتة لأنه ربما بقيت مدة حياتها مصونة عن الآلام، ثم إنه تعالى يميتها من غير إيلام أصلا، فإنه لم يثبت بالدليل أن الموت لابد وأن يحصل معه شئ من الآلام، وعلى هذا التقدير فإنه لا يستحق العوض البتة.
الثاني: كل حيوان أذن الله في ذبحه فالعوض على الله، وهي على أقسام:
منها: ما أذن في ذبحها لأجل الاكل، ومنها: ما أذن في ذبحها لأجل كونها مؤذية مثل السباع العادية والحشرات المؤذية، ومنها: ما أوذي بالأمراض.
ومنها: ما أذن الله في حمل الأحمال الثقيلة عليها واستعمالها بالافعال الشاقة، وأما إذا ظلمها الناس فذلك العوض على ذلك الظالم، وإذا ظلم بعضها بعضا فذلك العوض على ذلك الظالم.
فان قيل: إذا ذبح ما يؤكل لحمه لا على وجه التذكية فعلى من العوض؟ أجاب: بأن ذلك ظلم والعوض على الذابح، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله عن ذبح الحيوان إلا لاكله.
الثالث: المراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة والرفعة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل لها إلى تحصيل تلك المنفعة إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح فإنها كانت ترضى به، فهذا هو العوض الذي لأجله يحسن الايلام والاضرار.
الرابع: مذهب القاضي وأكثر معتزلة البصرة أن العوض منقطع، قال القاضي:
وهو قول أكثر المفسرين لأنه قال: إنه تعالى بعد توفير العوض عليها يجعلها ترابا وعنده يقول الكافر: " يا ليتني كنت ترابا ".
قال أبو القاسم: يجب كون العوض دائما.
واحتج القاضي على قوله بأنه يحسن من الواحد منا أن يلتزم عملا شاقا لمنفعة منقطعة، فعلمنا أن إيصال الألم إلى الغير غير مشروط بدوام الاجر.
واحتج البلخي على قوله بأن قال: لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الألم وذلك الألم يوجب عوضا آخر وهكذا إلى مالا آخر له.
والجواب عنه، أنه لم يثبت بالدليل أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا مع الايلام.
الخامس: أن البهيمة إذا استحقت على بهيمة أخرى عوضا فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت على الله عوضا فان الله تعالى ينقل ذلك العوض إلى المظلوم وإن لم يكن الامر كذلك فالله تعالى يكمل هذا العوض فهذا مختصر من أحكام الأعواض على قول المعتزلة انتهى كلامه في هذا المقام.
وقال في قوله تعالى: " ولله يسجد ": قد ذكرنا أن السجود على نوعين: سجود هو عبادة كسجود المسلمين لله، وسجود عبارة عن الانقياد والخضوع، ويرجع حاصل هذا السجود إلى أنها في أنفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما، فإنه لا يرجح
أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح، فمن الناس من قال: المراد هنا المعنى الثاني لان اللائق بالدابة ليس له إلا هذا السجود، ومنهم من قال: المراد هو المعنى الأول لأنه اللائق بالملائكة، ومنهم من قال: هو لفظ مشترك وحمل المشترك على معنييه جائز وهو ضعيف.
وقال في قوله تعالى: " ألم يروا إلى الطير " هذا دليل آخر على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، فإنه لولا أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران، و خلق الجو خلقة معها يمكن الطيران فيها لما أمكن ذلك، فإنه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ويكسره أخرى، مثل ما يعمل السابح في الماء، وخلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل خرقه والنفاذ فيه، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا، " ما يمسكهن إلا الله " المعنى أن جسد الطير جسم ثقيل، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجو هو الله تعالى، قال القاضي: إنما أضاف الله تعالى هذا الامساك إلى نفسه لأنه تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لأجلها يتمكن الطير من تلك الأفعال، فلما كان تعالى هو السبب لذلك لاجرم صحت الإضافة انتهى.
قوله تعالى: " والطير " أي والطير أيضا تسبح، وقد مر أن تسبيحها إما محمول على الحقيقة بناء على شعورها، أو جعلها الله في هذا الوقت ذات شعور معجزة لداود عليه السلام، أو تسبيحها بلسان الحال، كما مر في تسبيح الجمادات، أو هو من السباحة قال الرازي: وأما الطير فلا امتناع في أن يصدر عنها الكلام، ولكن أجمعت الأمة على
أن المكلفين إما الجن أو الانس أو الملائكة فيمتنع فيها أن تبلغ في العقل إلى درجة التكليف، بل يكون حاله كحال الطفل في أن يؤمر وينهى وإن لم يكن مكلفا فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة المرافق.
وقال الطبرسي رحمه الله: تسخير الطير له تسبيح يدل على أن مسخرها قادر لا يجوز عليه ما يجوز على العباد، عن الجبائي وعلي بن عيسى، وقيل: إن الطير كانت تسبح معه بالغداة والعشي معجزة له عن وهب، " وكنا فاعلين " أي قادرين على فعل هذه الأشياء، ففعلناها دلالة على نبوته.
قوله سبحانه: " ألم تر " قال الرازي: أي ألم تعلم، وظاهره الاستفهام والمراد به التقرير والبيان.
واعلم: أنه إما أن يكون المراد من التسبيح دلالته بهذه الأشياء على كونه تعالى منزها عن النقائص موصوفا بنعوت الجلال، وإما أن يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه، وفي حق الباقين النطق باللسان، والأول: أقرب وأما القسم الثالث: فهو أن يقال: استعمل اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معا وهو غير جائز فلم يبق إلا الأول.
فان قيل: فالتسبيح بها المعنى حاصل لجميع المخلوقات فما وجه تخصيصه هنا بالعقلاء؟
قلنا: لان خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه، لان العجائب فيها أكثر.
ولما ذكر أن أهل السماوات وأهل الأرض يسبحون ذكر أن الذين استقروا في الهواء وهو الطير يسبحون، وذلك لان إعطاء الجرم الثقيل القوة التي تقوى بها على الوقوف في جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط من أعظم الدلائل على قدرة الصانع المدبر سبحانه، وجعل طيرانها سجودا منها له سبحانه وذلك يؤكد ما ذكرناه أن المراد من التسبيح دلالة هذه الأمور على التنزيه لا النطق اللساني، " كل قد علم " أي علم الله ويدل عليه قوله: " والله عليم بما يفعلون " هو اختيار جمهور المتكلمين.
والثاني: أن يعود الضمير في علم، والصلاة، والتسبيح، على لفظ " كل " أي انهم يعلمون ما يجب عليهم من الصلاة والتسبيح.
والثالث: أن تكون الهاء راجعة إلى الله، يعنى قد علم كل مسبح وكل مصل صلاته التي كلفه إياها، وعلى هذين التقديرين فقوله: " والله عليم " استيناف.
وروي عن أبي ثابت قال: كنت جالسا عند أبي جعفر الباقر عليه السلام فقال لي: أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها؟ قال: فإنهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن.
واستبعد المتكلمون ذلك، فقالوا: الطير لو كانت عارفة بالله لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا، لكنها ليست كذلك فانا نعلم بالضرورة أنها أشد نقصانا
من الصبي الذين لا يعرف هذه الأمور، فبأن يمتنع ذلك فيها أولى، وإذا ثبت أنها لا تعرف الله استحال كونها مسبحة له بالنطق فثبت أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال.
ثم ذكر كثيرا من الحيل الدقيقة الصادرة عن الحيوانات كما سيأتي، واستدل بها على شعورها وعقلها، ثم قال: والأكياس من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال: إنها ملهمة عن الله سبحانه بمعرفته والثناء عليه وكانت غير عارفة بسائر الأمور التي يعرفها الناس؟ ولله در شهاب السمعاني حيث قال: جل جناب العز والجلال، عن أن يوزن بميزان الاعتزال.
وقال في قوله سبحانه: " والله خلق كل دابة من ماء " في هذه الآية سؤالات:
الأول: قال الله: " خلق كل دابة من ماء " مع أن كثيرا من الحيوانات غير مخلوقة من الماء كالملائكة، وهو أعظم المخلوقات عددا، وأنهم مخلوقون من النور، وأما الجن فهم مخلوقون من النار، وخلق الله آدم من التراب وخلق الله عيسى من الريح لقوله: " فنفخنا فيه من روحنا ".
وأيضا نرى أن كثيرا من الحيوانات يتولد لا عن النطفة.
والجواب من وجوه:
أحدها وهو الأحسن ما قاله القفال: وهو أن " من ماء " صلة " كل دابة " وليس هو من صلة " خلق " أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله.
وثانيها: أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما روي " أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار والهواء والنور "
ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة وكان الأصل الأول هو الماء لا جرم ذكره على هذا الوجه.
وثالثها: أن المراد من الدابة، الذي يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك لتخرج الملائكة والجن، ولما كان الغالب جدا من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء إما لأنها متولدة من النطفة، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق الكل تنزيلا للغالب منزلة الكل.
الثاني: لم سمي الزحف على البطن مشيا؟
والجواب هذا على سبيل الاستعارة كما يقال: فلان لا يمشي له أمر، وعلى طريق المشاكلة.
الثالث: أنه لم تنحصر القسمة، لأنا نجد ما يمشي على أكثر من أربع مثل العناكب والعقارب ومثل الحيوان الذي له أربع وأربعون رجلا الذي يسمى دخال الاذن.
والجواب: القسم الذي ذكرتم كالنادر فكان ملحقا بالعدم، ولان الفلاسفة يقولون:
ماله قوائم كثيرة فالاعتماد له إذا مشى على أربع جهاته لا غير فكأنه يمشي على أربع ولان قوله: " يخلق الله ما يشاء " تنبيه على أن الحيوانات كما اختلف بحسب كيفية المشي فكذا هي مختلفة بحسب أمور أخر.
ولنذكر هيهنا بعض تلك التقسيمات:
التقسيم الأول: الحيوانات قد تشترك في أعضاء وقد تتباين بأعضاء، أما الشركة:
فمثل اشتراك الانسان والفرس في أن لهما لحما وعصبا وعظما، وأما التباين: فاما أن يكون في نفس العضو، أو في صفته.
أما الأول، فعلى وجهين: أحدهما: أن لا يكون العضو حاصلا للآخر وإن كانت أجزاؤه حاصلة للثاني، كالفرس والانسان، فان الفرس له ذنب، والانسان ليس له ذنب ولكن أجزاء الذنب ليس إلا العظم والعصب واللحم والجلد والشعر، وكل ذلك حاصل للانسان.
والثاني: أن لا يكون ذلك العضو حاصلا للثاني لا بذاته ولا بأجزائه، مثل أن للسلحفاة صدفا يحيط به وليس للانسان، وللسمك فلوس، وللقنفذ شوك، وليس شئ منها للانسان.
وأما التباين في صفة العضو، فأما أن يكون من باب الكمية، أو الكيفية أو الوضع، أو الفعل، أو الانفعال، أما الذي في الكمية، فاما أن يتعلق بالمقدار مثل أن عين البوم كبيرة وعن العقاب صغيرة، أو بالعدد مثل أن أرجل بعض العناكب ستة وأرجل ضرب آخر ثمانية أو عشرة، والذي في الكيفية فكاختلافها في الألوان والاشكال والصلابة واللين ، والذي في الوضع: فمثل اختلاف وضع ثدي الفيل فإنه قريب من الصدور، وثدي الفرس فإنه عند السرة، وأما الذي في الفعل:
فمثل كون اذن الفيل للذب مع كونه آلة للسمع، وليس كذلك الانسان وكون أنفه آلة للقبض دون أنف غيره، وأما الذي في الانفعال: فمثل كون عين الخفاش سريعة التحير في الوضوء، وعين الخطاف خلاف ذلك.
التقسيم الثاني للحيوان: إما أن يكون مائيا بأن يكون مسكنه الأصلي هو الماء، أو أرضيا، أو يكون مائيا ثم يصير أرضيا، أما الحيوانات المائية: فتعتبر أحوالها من وجوه الأول: إما أن يكون مكانه وغذاؤه ونفسه مائيا فله بدل التنفس
جذب الماء إلى بطنه ثم رده ولا يعيش إذا فارقه، والسمك كله كذلك أو مكانه وغذاؤه مائي، لا يتنفس ولا يستنشق مثل أصناف من الصدف لا تظهر للهواء ولا تستدخل الماء إلى باطنها.
الثاني: الحيوانات المائية بعضها ماؤها الأنهار الجارية، وبعضها ماؤها البطائح مثل الضفادع، وبعضها ماؤها مياه البحر.
الثالث: منها لجية، ومنها شطية، ومنها طينية، ومنها صخرية.
الوجه الرابع: الحيوان المنتقل في الماء منه ما يعتمد في غوصه على رأسه وفي السباحة على أجنحته كالسمك، ومنه ما يعتمد في السباحة على أرجله كالضفادع ومنه ما يمشى في قعر الماء كالسرطان، ومنه ما يزحف مثل ضرب من السمك لا جناح له كالدود.
وأما الحيوانات البرية: فتعتبر أحوالها أيضا من وجهين. الأول:
أن منها ما يتنفس من طريق واحد كالفم والخيشوم، ومنه ما لا يتنفس كذلك بل على نحو آخر مثل الزنبور والنحل.
الثاني: أن الحيوانات الأرضية منها: ماله مأوى معلوم، ومنها: ما مأواه كيف اتفق إلا أن تلد فيقيم للحضانة واللواتي لها مأوى: فبعضها مأواه قلة رابية، وبعضها مأواه وجه الأرض.
الثالث: الحيوان البري كل طائر منه ذو جناحين فإنه يمشي برجليه ومن جملة ذلك مشيه صعب عليه كالخطاف الكبير الأسود والخفاش، وأما الذي جناحه جلد أو غشاء فقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة تطير.
الرابع: الطير تختلف فبعضها تتعايش معا كالكراكي، وبعضها تعيش منفردا كالعقاب وجميع الجوارح التي تتنازع على الطعم لاحتياجها إلى الاجتهاد لتصيد ومنها: ما تتعايش زوجا كالقطا، ومنها: ما تجتمع تارة وتنفرد أخرى، ثم إن المنفرد قد تكون مدنية وقد تكون برية صرفة وقد تكون بستانية.
والانسان من بين الحيوان: هو الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، فان أسباب حياته ومعيشته تلتئم بالمشاركة المدنية، والنحل وبعض الفراش يشارك الانسان في ذلك، لكن الحدا والكراكي تطيع رئيسا واحدا. والنمل: لها اجتماع ولا رئيس لها.
الخامس: الطير منه آكل لحم ومنه لا قط حب ومنه آكل عشب، وقد يكون للبعض طعم معين كالنحل فان غذاءه الزهر، والعنكبوت فان غذاءه الذباب، وقد يكون بعضه متفق الطعم.
وأما القسم الثالث: وهو الحيوان الذي يكون تارة مائيا وأخرى بريا فيقال: إنه حيوان يكون في البحر ويعيش فيه ثم إنه يبرز إلى البر ويبقى فيه القسم الثالث: منه ما هو إنسي بالطبع، فمنه ما يسرع استيناسه ويبقى
مستأنسا كالفيل، ومنه ما يبطئ كالأسد، ويشبه أن يكون من كل نوع صنف أنسي وصنف وحشي حتى من الناس.
التقسيم الرابع: من الحيوان ما هو مصوت ومنه ما لا صوت له، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتا حتى الانسان، ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين.
التقسيم الخامس: بعض الحيوانات هادئ الطبع قليل الغضب مثل البقر وبعضه شديد الجهل حاد الغضب كالخنزير البري، وبعضها حليم حمول كالبعير، وبعضها سريع الحركات كالحية، وبعضها قوي جرئ شهم كبير النفس كريم الطبع كالأسد، ومنها قوي محتال وحشي كالذئب، وبعضها محتال مكار ذي الحركات كالثعلب، وبعضها غضوب شديد الغضب سفيه إلا أنه ملق متودد كالكلب وبعضها شديد اللين مستأنس كالفيل والقرد، وبعضها حسود مباه بجماله كالطاووس وبعضها شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى كل منهما الطريق الذي رآه.
التقسيم السادس: من الحيوانات ما تناسله بأن تلد حيوانا، وبعضها ما تناسله بأن تلد أنثاه دودا انتهى.
وقال النيسابوري منه ولود، ومنه بيوض، وكل اذون ولود، وكل
صموخ بيوض سوى الخشاف.
وفي قوله: " إن الله على كل شئ قدير " إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن قادر مختار قهار انتهى.
وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وعلمنا منطق الطير ": النطق والمنطق في المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفردا كان أو مركبا، وقد يطلق لكل ما يصوت به على التشبيه والتبع، كقولهم: نطقت الحمامة، ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد، فان الأصوات الحيوانية من حيث أنها تابعة للتخيلات منزلة منزلة العبارات، سيما وفيها ما تتفاوت باختلاف الأغراض بحيث يفهمها ما من جنسه، ولعل سليمان مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية التخيل الذي صوته والغرض الذي توخاه به، ومن ذلك ما حكي أنه مر ببلبل يتصوت ويترقص، فقال: يقول: " إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا " وصاحت فاختة فقال: إنها تقول: " ليت الخلق لم يخلقوا " فلعله كان صوت البلبل عن شبع وفراغ بال، وصياح الفاختة عن مقاساة شدة وتألم قلب، " فهم يوزعون " يحبسون بحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا " حتى إذا أتوا على واد النمل ": واد بالشام كثير النمل، والتعدية " بعلى " إما لان إتيانهم كان من على، أو لان المراد قطعه من قولهم: أتى الشئ: إذا أنفده وبلغ آخره، كأنهم أرادوا أن ينزلوا أخريات الوادي " قالت نملة " كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت عنهم مخافة حطمهم فتبعها غيره فصاحت صيحة نبهت بها ما بحضرتها من النمال فتبعتها، فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم، ولذلك أجروا مجراهم، مع أنه لا يمتنع أن خلق
الله فيها العقل والنطق.
وقال النيسابوري: قال المفسرون: إنه تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل، وليس كذلك حال الطير في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها، يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه: إنه يقول: " أكلت نصف تمرة وعلى الدنيا العفاء " أي التراب، وصاحت فاختة فأخبر الناس أنها تقول: " ليت ذا الخلق لم يخلقوا " وصاح طاووس فقال: يقول:
" كما تدين تدان " وأخبر أن الهدهد يقول: " استغفروا الله يا مذنبون " والخطاف يقول: " قدموا خيرا تجدوه " والرخمة تقول: " سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه " والقمري يقول: " سبحان ربي الأعلى " والقطاة تقول: " من سكت سلم " والببغاء تقول: " ويل لمن الدنيا همه " والديك يقول: " اذكروا الله يا غافلون " والنسر يقول: " يا بن آدم عش ما شئت وآخرك الموت " والعقاب يقول: " في البعد من الناس انس ".
وقال الطبرسي قدس سره: أهل العربية يقولون: لا يطلق النطق على غير بني آدم، وإنما يقال: الصوت لان النطق عبارة عن الكلام ولا كلام للطير إلا أنه لما فهم سليمان معنى صوت الطير سماه منطقا مجازا، وقيل: إنه أراد حقيقة
المنطق لان من الطير ما له كلام يهجي كالطوطي، قال المبرد: العرب تسمي كل مبين عن نفسه ناطقا ومتكلما، وقال علي بن عيسى: إن الطير كانت تكلم سليمان معجزة له كما أخبر عن الهدهد، ومنطق الطير صوت تتفاهم به معانيها على صيغة واحدة، بخلاف منطق الذي يتفاهمون به المعاني على صيغ مختلفة، ولذلك لم نفهم عنها مع طول مصاحبتها ولم تفهم هي عنا، لان أفهامنا مقصورة على تلك الأمور المخصوصة، ولما جعل سليمان يفهم عنها كان قد علم منطقها.
وقال رحمه الله: واختلف في سبب تفقده للهدهد من بين الطير فقيل: إنه احتاج إليه في سفره ليدله على الماء لأنه يقال: إنه يرى الماء في بطن الأرض كما نراه في القارورة عن ابن عباس، وروى العياشي بالاسناد: قال: قال أبو حنيفة لأبي عبد الله عليه السلام: كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال: لان الهدهد يرى الماء في بطن الأرض كما يرى أحدكم الدهن في القارورة، فنظر أبو حنيفة إلى أصحابه وضحك، قال أبو عبد الله عليه السلام: ما يضحكك؟ قال: ظفرت بك جعلت فداك قال: وكيف ذاك؟ قال: الذي يرى الماء في بطن الأرض لا يرى الفخ في التراب حتى تأخذ بعنقه؟! قال أبو عبد الله عليه السلام: يا نعمان أما علمت أنه إذا نزل القدر أغشى البصر.
ثم قال رحمه الله في قوله: " لأعذبنه " كما صح نطق الطير وتكليفه في زمانه معجزة له جازت معاتبته على ما وقع منه من تقصير فإنه كان مأمورا بطاعته فاستحق العقاب على غيبته.
وقال في قوله تعالى: " وزين لهم الشيطان " الآية، قال الجبائي: لم يكن
الهدهد عارفا بالله تعالى، وإنما أخبر بذلك كما يخبر مراهقو صبياننا لأنه لا تكليف إلا على الملائكة والانس والجن، فيرانا الصبي على عبادة الله فيتصور أن ما خالفها باطل، فكذلك الهدهد تصور له أن ما خالف فعل سليمان باطل، وهذا الذي ذكره خلاف ظاهر القرآن لأنه لا يجوز أن يفرق بين الحق الذي هو السجود لله وبين الباطل الذي هو السجود للشمس، وأن أحدهما حسن، والآخر قبيح إلا العارف بالله سبحانه وبما يجوز عليه وبما لا يجوز، هذا مع نسبة تزيين أعمالهم وصدهم عن طريق الحق إلى الشيطان، وهذه مقالة من يعرف العدل وأن القبيح غير جائز على الله تعالى.
وقال قدس سره في قوله سبحانه في سورة العنكبوت: " وكأين من دابة لا تحمل رزقها ": أي وكم من دابة لا يكون رزقها مدخرا معدا عن الحسن، وقيل:
معناه لا يطيق حمل رزقها لضعفها وتأكل بأفواهها، عن مجاهد، وقيل، إن الحيوان أجمع من البهائم والطيور وغيرهما مما يدب على وجه الأرض لا يدخر القوت لغدها إلا بني آدم والنملة والفارة، بل تأكل منها قدر كفايتها فقط، عن ابن عباس، " الله يرزقها وإياكم " أي يرزق تلك الدابة الضعيفة التي لا تقدر على حمل رزقها ويرزقكم أيضا فلا تتركوا الهجرة بهذا السبب، عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخل بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال:
يا ابن عمر مالك لا تأكل؟ فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله، فقال: ولكني أشتهيه وهذه صبيحة رابعة منذ لم أذق طعاما ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا وبقيت مع قوم يخبؤون رزق سنتهم لضعف اليقين فوالله ما برحنا حتى نزلت الآية " وهو السميع " أي لأقوالكم عند مفارقة أوطانكم " العليم " بأحوالكم لا يخفى عليه شئ من سركم وإعلانكم.
وقال قدس الله روحه: " والطير " أي وسخرنا الطير " محشورة " أي مجموعة إليه تسبح الله تعالى معه " كل " يعني كل الطير والجبال " له أواب " رجاع إلى ما يريد، مطيع له بالتسبيح معه، قال الجبائي: لا يمتنع أن يكون الله تعالى خلق في الطيور من المعارف ما يفهم به أمر داود ونهيه فيطيعه فيما يريد منها وإن لم تكن كاملة العقل مكلفة.
وقال الرازي: فان قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل له؟
قلنا: لا يبعد أن يقال: إن الله تعالى كان يخلق لها عقولا حتى تعرف الله فتسبحه حينئذ، وكل ذلك كان معجزة لداود عليه السلام انتهى.
" خلق الأزواج كلها " قيل: يعني أزواج الحيوان من ذكر وأنثى، وقيل:
أي الاشكال، وقيل: أي الأصناف، وقيل: كل ممكن فهو زوج تركيبي.
والواحد الحق والفرد والمطلق هو الله تعالى، " وما يبث من دابة " أي وفي خلق ما يفرق على وجه الأرض من الحيوان على اختلاف أجناسها ومنافعها والمقاصد المطلوبة منها دلالات واضحات على وجوده سبحانه وعلمه وقدرته وحكمته ولطفه " لقوم يوقنون " قيل: أي يطلبون علم اليقين بالتدبر والتفكر.
قوله سبحانه: " صافات " قيل: أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها " ويقبضن " أي ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت للاستظهار به على التحرك، ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل للتفرقة بين الأصيل في الطيران والطاري عليه " ما يمسكهن " في الجو على خلاف طبعهن " إلا الرحمن " الشامل رحمته كل شئ بأن خلقهن على أشكال وخصائص هيئاتهن للحركة في الهواء " إنه بكل شئ بصير " يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبر العجائب.
وأقول: في سورة الفيل وقصته دلالة على شعور الحيوانات وكونها مطيعة
لامره سبحانه، فان الظاهر أن الطيور كانت حيوانات ولم تكن من الملائكة وإن احتملت ذلك، وكذا الفيلة حيث امتنعت من دخول الحرم وفهمت كلام عبد المطلب وسجدت له رضي الله عنه كما مر مفصلا في ذكر تلك القصة، نعم: يمكن أن يكون الله تعالى جعلها في ذلك الوقت ذوات شعور ومعرفة كرامة للبيت وعبد المطلب وإرهاصا لنبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.
1 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد، عن الوشاء عن صديق بن عبد الله عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد - الله عليه السلام قال: ما من طير يصاد في بر ولا بحر ولا يصاد شئ من الوحوش إلا بتضييعه التسبيح.
العياشي: عن إسحاق مثله.
2 - التفسير: [والله خلق كل دابة من ماء] أي من مني [فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي علي رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شئ قدير] قال: على رجلين الناس، وعلى بطنه الحيات، وعلى أربع البهايم، وقال أبو عبد الله عليه السلام: ومنهم من يمشي على أكثر من ذلك.
بيان: قال الدميري: قال الجاحظ: الحيوان على أربعة أقسام: شئ يمشي وشئ يطير، وشئ يعوم، وشئ ينساخ في الأرض إلا أن كل طاير يمشي وليس كل شئ يمشي يطير فالنوع الذي يمشي هو على ثلاثة أقسام: ناس
وبهائم وسباع، والطير كله سبع وبهيمة وهمج، والخشاش: ما لطف جرمه وصغر جسمه وكان عديم السلاح، والهمج: ليس من الطير ولكنه يطير، وهو فيما يطير كالحشرات فيما يمشي، والسبع من الطير: ما أكل اللحم خالصا، والبهيمة:
ما أكل الحب خالصا، والمشترك كالعصفور فإنه ليس بذي مخلب ولا منسر وهو يلقط الحب، وهو مع ذلك يصيد النمل إذا طار، ويصيد الجراد، ويأكل اللحم ولا يزق فراخه كما يزق الحمام فهو مشترك الطبيعة، وأشباه العصافير من المشترك كثيرة وليس كل ما طار بجناحين من الطير، فقد يطير الجعلان والذباب والزنابير والجراد والنمل والبعوض والفراش والأرضة والنحل وغير ذلك ولا يسمى طيورا، وكذلك الملائكة تطير ولها أجنحة وليست من الطير، وكذلك جعفر بن أبي طالب ذو جناحين يطير بهما في الجنة وليس من الطير.
3 - قرب الإسناد: عن سعد بن طريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنه ما يصاد من الطير إلا بتضييعهم التسبيح.
4 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل عن محمد بن يحيي العطار عن الحسين ابن الحسن بن أبان عن محمد بن أورمة عن عبد الله بن محمد عن حماد بن عثمان عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: كانت الوحوش والطير والسباع وكل شئ خلق الله عز وجل مختلطا بعضه ببعض، فلما قتل ابن آدم أخاه نفرت وفزعت فذهب كل شئ إلى شكله.
5 - ومنه: عن أبيه عن محمد بن يحيي العطار عن محمد بن أحمد الأشعري عن أحمد ابن أبي عبد الله البرقي عن رجل عن ابن أسباط عن عمه يعقوب رفعه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام قال: إذا سمعتم نباح الكلب ونهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإنهم يرون ما لا ترون، فافعلوا ما تؤمرون الخبر.
6 - مجالس ابن الشيخ: عن جماعة، عن أبي المفضل الشيباني عن أحمد بن عبد الله بن عمار الثقفي الكاتب: عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، عن محمد بن الحارث بن بشير الدهني، عن القاسم بن الفضل بن عمرة القيسي، عن عباد المنقري عن أبي عبد الله جعفر بن محمد قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي ابن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بظبية مربوطة بطنب فسطاط، فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أطلق الله عز وجل لها من لسانها فكلمته فقالت: يا رسول الله إني أم خشفين عطشانين وهذا ضرعي قد امتلأ لبنا فخلني حتى أنطلق فأرضعهما ثم أعود فتربطني كما كنت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف وأنت ربيطة قوم وصيدهم؟ قالت: بلى يا رسول الله أنا أجيئ فتربطني كما كنت أنت بيدك فأخذ عليها موثقا من الله لتعودن، وخلى سبيلها
فلم تلبث إلا يسيرا حتى رجعت قد فرغت ما في ضرعها: فربطها نبي الله كما كانت ثم سأل لمن هذا الصيد؟ قالوا: يا رسول الله هذه لبني فلان، فأتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان الذي اقتنصها منهم منافقا فرجع عن نفاقه وحسن إسلامه فكلمه النبي ليشتريها منه قال: بل أخلي سبيلها فداك أبي وأمي يا نبي الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
لو أن البهائم يعلمون من الموت ما تعلمون أنتم ما أكلتم منها سمينا.
بيان: " من الموت " أي من أصل وقوعه أو من شدائد الموت والعقوبات الواقعة بعده والأهوال المتوقعة عنده وبعده، ولعله أظهر.
7 - المحاسن: عن محمد بن علي عن ابن فضال عن عبد الله بن ميمون القداح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال يعقوب عليه السلام لابنه: يا بني لا تزن فلو أن الطير زنى لتناثر ريشه.
8 - الخرائج: روي أن الحسين عليه السلام سئل في حال صغره عن أصوات الحيوانات لان من شرط الامام أن يكون عالما بجميع اللغات حتى أصوات الحيوانات، فقال:
على ما روى محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي عن الحسين عليه السلام أنه قال: إذا صاح النسر فإنه يقول: " يا ابن آدم عش ما شئت فآخره الموت " وإذا صاح البازي يقول: " يا عالم الخفيات ويا كاشف البليات " وإذا صاح الطاووس يقول:
" مولاي ظلمت نفسي واغتررت بزينتي فاغفر لي " وإذا صاح الدراج يقول: " الرحمن على العرش استوى " وإذا صاح الديك يقول: " من عرف الله لم ينس ذكره " وإذا قرقرت الدجاجة تقول: " يا إله الحق أنت الحق وقولك الحق يا الله يا حق "
وإذا صاح الباشق يقول: " آمنت بالله واليوم الآخر " وإذا صاحت الحداء تقول:
" توكل على الله ترزق " وإذا صاح العقاب يقول: " من أطاع الله لم يشق " وإذا صاح الشاهين يقول: " سبحان الله حقا حقا " وإذا صاحت البومة يقول: " البعد من الناس انس " وإذا صاح الغراب يقول: " يا رزاق ابعث الرزق الحلال " وإذا صاح الكركي يقول: اللهم احفظني من عدوي " وإذا صاح اللقلق يقول: " من تخلى عن الناس نجا من أذاهم " وإذا صاح البطة تقول: " غفرانك يا الله " وإذا صاح الهدهد يقول: " ما أشقى من عصى الله " وإذا صاح القمري يقول: " يا عالم السر والنجوى يا الله " وإذا صاح الدبسي يقول: " أنت الله لا إله سواك يا الله " وإذا صاح العقعق يقول: " سبحان من لا يخفى عليه خافية " وإذا صاح الببغاء يقول: " من ذكر ربه غفر ذنبه " وإذا صاح العصفور: يقول: " استغفر الله مما يسخط الله " وإذا صاح البلبل يقول: " لا إله إلا الله حقا حقا " وإذا صاح القبجة تقول: " قرب الحق قرب " وإذا صاحت السمانات يقول: يا ابن آدم ما أغفلك عن الموت " وإذا صاح السوذنيق يقول: " لا إله إلا الله محمد وآله خيرة الله " وإذا صاحت الفاختة: " يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد " وإذا صاح الشقراق يقول:
" مولاي أعتقني من النار ".
وإذا صاحت القنبرة تقول: " مولاي تب على كل مذنب من المذنبين " وإذا صاح الورشان يقول: " إن لم تغفر ذنبي شقيت " وإذا صاح الشفنين يقول: " لا قوة إلا
بالله العلي العظيم " وإذا صاحت النعامة تقول: " لا معبود سوى الله " وإذا صاحت الخطافة فإنها تقرأ سورة الحمد وتقول: " يا قابل توبة التوابين يا الله لك الحمد " وإذا صاحت الزرافة تقول: " لا إله إلا الله وحده " وإذا صاح الحمل يقول:
" كفى بالموت واعظا " وإذا صاح الجدي يقول: " عاجلني الموت ثقل ذنبي وازداد " وإذا صاح الأسد يقول: " أمر الله مهم مهم " وإذا صاح الثور يقول: " مهلا مهلا يا ابن آدم أنت بين يدي من يرى ولا يرى وهو الله " وإذا صاح الفيل يقول:
" لا يغني عن الموت قوة ولا حيلة " وإذا صاح الفهد يقول: " يا عزيز يا جبار يا متكبر يا الله " وإذا صاح الجمل يقول: " سبحان مذل الجبارين سبحانه " وإذا صهل الفرس يقول : " سبحان ربنا سبحانه " وإذا صاح الذئب يقول: " ما حفظ الله لن يضيع أبدا " وإذا صاح ابن آوي يقول: " الويل الويل للمذنب المصر " وإذا صاح الكلب يقول: " كفى بالمعاصي ذلا " وإذا صاح الأرنب يقول: " لا تهلكني يا الله لك الحمد " وإذا صاح الثعلب يقول: " الدنيا دار غرور " وإذا صاح الغزال يقول: " نجني من الأذى " وإذا صاح الكركدن يقول: " أغثني وإلا هلكت يا مولاي " وإذا صاح الإبل يقول: " حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الله " وإذا صاح النمر يقول: " سبحان من تعزز بالقدرة سبحانه " وإذا سبحت الحية تقول: " ما أشقى من عصاك يا رحمن " وإذا سبحت العقرب تقول: " الشر شئ وحش ".
ثم قال عليه السلام: ما خلق الله من شئ إلا وله تسبيح يحمد به ربه ثم تلا هذه الآية " وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ".
بيان: قال الدميري: النسر: طائر معروف وهو عريف الطير ويقول في
صياحه: " ابن آدم عش ما شئت فان الموت ملاقيك " كذا قال الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال: وفي هذا مناسبة لما خص النسر به من طول العمر، يقال:
إنه من أطول الطير عمرا وإنه يعمر ألف سنة وفي كتاب نفحات الأزهار عن علي ابن أبي طالب عليه السلام قال: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: هبط علي جبرئيل فقال: يا محمد إن لكل شئ سيدا فسيد البشر آدم، وسيد ولد آدم أنت، وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سلمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الشجر السدر وسيد الطير النسر، وسيد الشهور رمضان، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام العربية، وسيد العربية القرآن وسيد القرآن سورة البقرة.
وقال: البازي أفصح لغاته مخففة الياء، والثانية باز، والثالثة بازي بتشديد الياء، والتثنية بازان، والجمع بزاة، وفي عجائب المخلوقات: لا يكون إلا أنثى وذكرها من أنواع اخر من الحداء والشواهين ولهذا اختلف أشكالها.
وقال: طاووس في طبعه العفة وحب الزهو بنفسه والخيلاء والاعجاب بريشه وعقده لذنبه كالطاق، لا سيما إذا كانت الأنثى ناظرة إليه، إلى آخر ما سيأتي.
وقال في الدراج: وهو القائل: " بالشكر قدوم النعم " وصوته مقطع علي هذه الكلمات.
وفي القاموس: القرقرة هدير البعير وصوت الحمام انتهى.
والباشق: معرب باشه وهو معروف، والحدأة كعنبة: طائر معروف.
وقال الدميري: إن العقاب إذا صاحت تقول: " في البعد من الناس راحة ".
وقال: الكركي: طائر كبير معروف، والجمع الكراكي، وهو من الحيوان الذي لا يصح إلا برئيس، وفي طبعه التناصر، ولا تطير الجماعة منه متفرقة بل صفا واحدا يقدمها واحد منها كالرائس وهي تتبعه يكون ذلك حينا ثم يخلفه آخر منها مقدما حتى يصير الذي كان مقدما مؤخرا وقال: الدبسي بفتح الدال وضمها: طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب، وهو قسم من الحمام البري وقال: العقعق كثعلب تسمى كندش، وهو طائر على قدر الحمامة وعلى شكل الغراب، وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة، وهو ذو لونين: أبيض وأسود، طويل الذنب لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به، وفي طبعه الزنا والخيانة ويوصف بالسرقة والخبث وقال: الببغاء بثلاث باءات موحدات أولاهن وثالثتهن مفتوحات والثانية ساكنة، وبالغين المعجمة، هي الطائر الأخضر المسمى بالدرة، وهي في قدر الحمامة يتخذها الناس للانتفاع بصوتها، ولها قوة على حكاية الأصوات وقبول
التلقين يتخذها الملوك والأكابر لتنم ما تسمع من الاخبار، وتتناول مأكولها برجلها كما يتناول الانسان الشئ بيده وفي القاموس: الببغاء وقد تشدد الباء الثانية: طائر أخضر.
قوله: قرب الحق على بناء المجرد أو التفعيل، والحق: الرب سبحانه أو القيامة أو ضد الباطل.
وقال الدميري: القبجة اسم جنس تقع على الذكر والأنثى.
وقال: السماني بضم السين وفتح النون: اسم طائر يلبد بالأرض ولا يكاد يطير إلا أن يطار، وإذا سمع الرعد مات، ويسكت في الشتاء وإذا أقبل الربيع يصيح.
وفي القاموس: السوذنيق كزنجبيل ويضم أوله والسيذنوق بضم أوله وفتحه وكسر النون وفتحه، والسذانق بفتح النون وضمه، والسوذنيق: الصقر والشاهين.
وقال الدميري: الفاختة واحدة الفواخت، من ذوات الأطواق، وهي بفتح الفاء وكسر الخاء المعجمة وبالتاء المثناة في آخرها، قاله في الكفاية، وزعموا أن الحيات تهرب من صوتها، وفيها فصاحة وحسن صوت وفي طبعها الانس بالناس وتعيش في الدور، والعرب تصفها بالكذب، فان صوتها عندهم " هذا أوان الرطب " تقول ذلك والنخل لم تطلع.
وأقول: المشهور أنها بالتاء المثناة الفوقانية في القاموس وغيره، وقال الدميري: الشقراق بفتح الشين وكسرها وربما قالوا: الشرقراق: طائر هو صغير
يسمي الأخيل، والعرب تتشأم به، وهو أخضر مليح بقدر الحمامة، خضرته حسنة مشبعة، في أجنحته سواد، وله مشتى ومصيف، ويكون مخططا بحمرة وخضرة وسواد وفي القاموس: القبر كسكر وصرد: طائر، الواحدة بهاء ويقال: القنبراء والجمع قنابر، ولا تقل: قنبرة كقنفذة أو لغية.
وقال الدميري: الورشان: ساق حر وهو ذكر القماري، وقيل: إنه طائر متولد بين الفاختة والحمامة يوصف بالحنو على أولاده حتى إنه ربما قتل نفسه إذا رآها في يد القانص، قال عطاء: إنه يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب، وهذه لام العاقبة مجازا.
وقال: الشفنين بالكسر: متولد بين نوعين مأكولين، وعده الجاحظ في أنواع الحمام، وقيل: هو الذي تسميه العامة اليمام، وصوته في الترنم كصوت الرباب وفيه تحزين وتحسن أصواتها إذا اختلطت، ومن طبعه إذا فقد أنثاه لم يزل اغرب إلى أن يموت، وكذلك الأنثى.
وقال: ذكر الثعلبي أن آدم عليه السلام لما خرج من الجنة اشتكى الوحشة فآنسه الله بالخطاف وألزمها البيوت فهي لا تفارق بني آدم انسا لهم، قال: ومعها أربع آيات من كتاب الله عز وجل: " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله " إلى آخر السورة، وتمد صوتها بقوله: " العزيز الحكيم ".
وقال: الزرافة بفتح الزاي وضمها: حسنة الخلق، طويلة اليدين قصيرة الرجلين، مجموع يديها ورجليها نحو عشرة أذرع، رأسها كرأس الإبل، وقرنها كقرن البقر، وجلدها كجلد النمر، وقوائمها وأظلافها كالبقر، وذنبها كذنب الظبي، ليس لها ركب في رجليها، إنما ركبتاها في يديها، وإذا مشت قدمت الرجل اليسرى واليد اليمنى بخلاف ذوات الأربع فإنها تقدم اليد اليسرى، ومن طبعها التودد والتأنس ولما علم الله أن قوتها في الشجر جعل يديها أطول من رجليها لتستعين بذلك على المرعى منها، وقيل: هي متولدة بين ثلاثة حيوانات: الناقة الوحشية، والبقرة الوحشية، والضبعان.
أقول: سيأتي تمام القول في ذلك إنشاء الله.
وقال الدميري: الحمل: الخروف إذا بلغ ستة أشهر: وقيل: هو ولد الضأن الجذع فما دونه.
9 - المناقب: تفسير الثعلبي: قال الصادق عليه السلام: قال الحسين بن علي صلوات الله عليهما: إذا صاح النسر قال: ابن آدم! عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح الغراب قال: إن في البعد من الناس انسا، وإذا صاح القنبرة قال: اللهم العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطاف قرأ: " الحمد لله رب العالمين " ويمد " الضالين " كما يمدها القارئ.
10 - الكافي: عن أبي عبد الله العاصمي، عن علي بن الحسن الميثمي، عن علي بن أسباط، عن أبيه أسباط بن سالم، عن مولى أبان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من طير يصاد إلا بتركه التسبيح، وما من مال يصاب إلا بترك الزكاة.
11 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر عليه السلام، أو عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة، وإن كلام الطير فيه إذا لقي بعضه بعضا: سلام سلام يوم صالح.
12 - الاختصاص: عن ابن عباس قال: شهدنا مجلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه فإذا نحن بعدة من العجم فسلموا عليه فقالوا: جئناك لنسألك عن ست خصال، فان أنت أخبرتنا آمنا وصدقنا، وإلا كذبنا وجحدنا، فقال علي عليه السلام: سلوا متفقهين ولا تسألوا متعنتين، قالوا: أخبرنا ما يقول الفرس: في صهيله، والحمار في نهيقه، والدراج في صياحه، والقنبرة في صفيرها، والديك في نعيقه والضفدع في نقيقه؟ فقال علي عليه السلام: إذا التقى الجمعان ومشى الرجال إلى الرجال بالسيوف يرفع الفرس رأسه فيقول: " سبحان الملك القدوس " ويقول الحمار في نهيقه: " اللهم العن العشارين " ويقول الديك في نعيقه بالاسحار: " اذكروا الله يا غافلين " ويقول الضفدع في نقيقه: " سبحان المعبود في لجج البحار " ويقول الدراج في صياحه: " الرحمن على العرش استوى " وتقول القنبرة في صفيرها: " اللهم العن مبغضي آل محمد " قال: فقالوا: آمنا وصدقنا وما على وجه الأرض من هو أعلم منك، فقال عليه السلام: ألا أفيدكم؟ قالوا: بلى يا أمير - المؤمنين، فقال: إن للفرس في كل يوم ثلاث دعوات مستجابات، يقول في أول نهاره:
" اللهم وسع على سيدي الرزق " ويقول في وسط النهار: " اللهم اجعلني أحب إلى سيدي من أهله وماله " ويقول في آخر نهاره: اللهم ارزق سيدي على ظهري الشهادة.
بيان: نعق الغراب بالعين المهملة والمعجمة ينعق نعيقا: صاح، ونق الضفدع ينق نقيقا: صاح.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.