پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

1 باب عموم أحوال

ج ۶۱، ص ۶۷–۹۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۳

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۶۰

قال: إن معاشها من ضروب تنتشر في هذا الجو من البعوض والفراش وأشباه الجراد واليعاسيب، وذلك أن هذه الضروب مبثوثة في الجو لا يخلو منها موضع، واعتبر ذلك بأنك إذا وضعت سراجا بالليل في سطح أو عرصة دار اجتمع عليه من هذا شئ كثير، فمن أين يأتي ذلك كله إلا من القرب.

فان قال قائل: انه يأتي من الصحاري والبراري، قيل له: كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد؟ وكيف يبصر من ذلك البعد سراجا في دار محفوفة بالدور فيقصد إليه؟ مع أن هذه عيانا تتهافت على السراج من قرب، فيدل ذلك على أنها منتشرة في كل موضع من الجو، فهذه الأصناف من الطير تلتمسها إذا خرجت فتتقوت بها.

فانظر كيف وجه الرزق لهذه الطيور التي لا تخرج إلا بالليل من هذه الضروب المنتشرة في الجو، واعرف ذلك المعنى في خلق هذه الضروب المنتشرة التي عسى أن يظن ظان أنها فضل لا معنى له.

خلق الخفاش خلقة عجيبة بين خلقة الطير وذوات الأربع، بل هو إلى ذوات الأربع أقرب: وذلك أنه ذو أذنين ناشزتين وأسنان ووبر، وهو يلد ولادا ويرضع و يبول ويمشي إذا مشى على أربع وكل هذا خلاف صفة الطير، ثم هو أيضا مما يخرج بالليل ويتقوت مما يسري في الجو من الفراش، وما أشبهه، وقد قال القائلون:

إنه لا طعم للخفاش وإن غذاءه من النسيم وحده، وذلك يفسد ويبطل من جهتين:

إحداهما خروج ما يخرج منه من الثفل والبول، فان هذا لا يكون من غير طعم، والأخرى أنه ذو أسنان ولو كان لا يطعم شيئا لم يكن للأسنان فيه معنى، وليس في الخلقة شئ لا معنى له، وأما المآرب فيه فمعروفة حتى أن زبله يدخل في

بعض الأعمال، ومن أعظم الإرب فيه خلقته العجيبة الدالة على قدرة الخالق جل ثناؤه وتصرفه فيما شاء كيف شاء لضرب من المصلحة، فأما الطائر الصغير الذي يقال له: ابن تمرة فقد عشش في بعض الأوقات في بعض الشجر فنظر إلى حية عظيمة قد أقبلت نحو عشته فاغرة فاها لتبلعه، فبينما هو يتقلب ويضطرب في طلب حيلة منها إذ وجد حسكة فحملها فألقاها في فم الحية فلم تزل الحية تلتوي و تتقلب حتى ماتت، أفرأيت لو لم أخبرك بذلك كان يخطر ببالك أو ببال غيرك أنه يكون من حسكة مثل هذه المنفعة العظيمة؟ أو يكون من طائر صغير أو كبير مثل هذه الحيلة؟ اعتبر بهذا وكثير من الأشياء تكون فيها منافع لا تعرف إلا بحادث يحدث به والخبر يسمع به.

انظر إلى النحل واحتشاده في صنعة العسل وتهيئة البيوت المسدسة وما ترى في ذلك اجتماعه من دقايق الفطنة، فإنك إذا تأملت العمل رأيته عجيبا لطيفا، وإذا رأيت المعمول وجدته عظيما شريفا موقعه من الناس، وإذا رجعت إلى الفاعل ألفيته غيبا جاهلا بنفسه فضلا عما سوى ذلك، ففي هذا أوضح الدلالة على أن الصواب و الحكمة في هذه الصنعة ليست للنحل بل هي للذي طبعه عليها وسخره فيها لمصلحة الناس.

انظر إلى هذه الجراد ما أضعفه وأقواه، فإنك إذا تأملت خلقه رأيته كأضعف

الأشياء وإن دلفت عساكره نحو بلد من البلدان لم يستطع أحد أن يحميه منه ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو جمع خيله ورجله ليحمي بلاده من الجراد لم يقدر على ذلك؟ أفليس من الدلائل على قدرة الخالق أن يبعث أضعف خلقه إلى أقوى خلقه فلا يستطيع دفعه؟ انظر إليه كيف ينساب على وجه الأرض مثل السيل فيغشى السهل والجبل والبدو والحضر حتى يستر نور الشمس بكثرته، فلو كان مما يصنع بالأيدي متى كان يجتمع منه هذه الكثرة؟ وفي كم من سنة كان يرتفع؟ فاستدل بذلك على القدرة التي لا يؤودها شئ ولا يكثر عليها.

تأمل خلق السمك ومشاكلته للامر الذي قدر أن يكون عليه، فإنه خلق غير ذي قوائم لأنه لا يحتاج إلى المشي إذا كان مسكنه الماء، وخلق غير ذي رية لأنه لا يستطيع أن يتنفس وهو منغمس في اللجة، وجعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملاح بالمجاذيف جانبي السفينة، و كسي جسمه قشورا متانا متداخلة كتداخل الدروع والجواشن لتقيه من الآفات، فأعين بفضل حس في الشم لان بصره ضعيف والماء يحجبه، فصار يشم الطعم من البعد البعيد فينتجعه وإلا فكيف يعلم به بموضعه؟ واعلم أن من فيه إلى صماخيه منافذ فهو يعب الماء بفيه ويرسله من صماخيه فيتروح إلى ذلك كما يتروح غيره من الحيوان إلى أن تنسم هذا النسيم، فكر الآن في كثرة نسله وما خص به

من ذلك فإنك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض مالا يحصى كثرة، والعلة في ذلك أن يتسع لما يغتذي به من أصناف الحيوان، فان أكثرها يأكل السمك حتى أن السباع أيضا في حافات الآجام عاكفة على الماء أيضا كي ترصد السمك فإذا مر بها خطفته، فلما كانت السباع تأكل السمك والطير يأكل السمك والناس يأكلون السمك والسمك يأكل السمك كان من التدبير فيه أن يكون على ما هو عليه من الكثرة فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق وقصر علم المخلوقين فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك ودواب الماء والأصداف والأصناف التي لا تحصى ولا تعرف منافعها إلا الشئ بعد الشئ يدركه الناس بأسباب تحدث، مثل القرمز فإنه إنما عرف الناس صبغه بأن كلبة تجول على شاطئ البحر فوجدت شيئا من الصنف الذي يسمي الحلزون فأكلته فاختضب خطمها بدمه، فنظر الناس إلى حسنه فاتخذوه صبغا، وأشباه هذا مما يقف الناس عليه حالا بعد حال وزمانا بعد زمان.

توضيح: وأوكدها، أي أوكد الأشياء وأحوجها إلى هذا النوع من الخلق هذه الصناعات، ويمكن أن يكون فعلا والضمير راجعا إلى جنس البشر، أي ألزمها وألهمها هذه الصناعات، ولا يبعد إرجاعه إلى الكف أيضا، والململم بفتح اللامين:

المجتمع المدور المصموم، واليمام: حمام الوحش، وفي حياة الحيوان: قال الأصمعي:

إنه الحمام الوحشي، الواحدة يمامة وقال الكسائي: هي التي تألف البيوت، وقال: الحمر بضم الحاء المهملة وتشديد الميم وبالراء المهملة: ضرب من الطير كالعصفور، وروى أبو داود الطيالسي والحاكم - وقال: صحيح الاسناد - عن ابن مسعود قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخل رجل غيضة فأخرج منها بيضة حمرة فجاءت

الحمرة تزف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فقال لأصحابه: أيكم فجع هذه؟

فقال رجل: يا رسول الله أخذت بيضها - وفي رواية الحاكم فريخها - فقال صلى الله عليه وآله وسلم:

رده رده، رحمة لها انتهى.

وفي القاموس: الحمر كصرد: طائر وتشدد الميم والمودع بفتح الدال:

المستريح: ونير الفدان: الخشبة المعترضة في عنق الثورين، والدببة كعنبة جمع الدب، والعين بالفتح: الغلظ في الجسم والخشونة، والخطم بالفتح من كل دابة:

مقدم أنفه وفمه، والجحفلة: بمنزلة الشفة للبغال والحمير والخيل، والحياء:

الفرج، والمراد بمراقي البطن: ما ارتفع منه من وسطه أو قرب منه، والوضر: الدرن.

وقال الدميري: ذكر القزويني: أن فرج الفيلة تحت إبطها فإذا كان وقت الضراب ارتفع وبرز للفحل حتى يتمكن من إتيانها، فسبحان من لا يعجزه شئ.

أقول: سيأتي أحوال الفيل في باب المنسوخ إنشاء الله وقال الدميري: الزرافة بفتح الزاي وضمها مخففة الراء، وهي حسنة الخلق طويلة اليدين قصيرة الرجلين مجموع يديها ورجليها نحو عشرة أذرع، رأسها كرأس الإبل، وقرنها كقرن البقر وجلدها كجلد النمر، وقوائمها وأظلافها كالبقر، وذنبها كذنب الظبي، ليس لها ركب في رجليها، إنما ركبتاها في يديها، وإذا مشت قدمت الرجل اليسرى واليد اليمنى بخلاف ذوات الأربع كلها فإنها تقدم اليد اليسرى والرجل اليمنى، وفي طبعها التودد والتأنس وتجتر وتبعر، ولما علم الله تعالى أن قوتها في الشجر

جعل يديها أطول من رجليها، وتستعين بذلك على الرعي منها وفي تاريخ ابن خلكان في ترجمة محمد بن عبد الله العتبي البصري الاخباري الشاعر أنه كان يقول:

الزرافة بفتح الزاي وضمها: الحيوان المعروف، وهي متولدة بين ثلاثة حيوانات:

الناقة الوحشية، والبقر الوحشية، والضبعان وهو الذكر من الضباع، فيقع الضبعان على الناقة فيأتي بولد بين الناقة والضبع، فإن كان الولد ذكرا وقع على البقرة فتأتي بالزرافة، وذلك في بلاد الحبشة ولذلك قيل لها: الزرافة، وهي في الأصل الجماعة، فلما تولدت من جماعة قيل لها ذلك، والعجم يسمونها اشتر گاو پلنگ وقال قوم: إنها متولدة من حيوانات، وسبب ذلك اجتماع الدواب والوحوش في القيظ عند المياه، فتتسافد فيلقح منها ما يلقح ويمتنع ما يمتنع، وربما سفد الأنثى من الحيوان ذكور كثيرة فتختلط مياهها فيأتي منها خلق مختلف الصور والاشكال والألوان، والجاحظ لا يرتضي هذا القول ويقول: إنه جهل شديد لا يصدر إلا عمن لا تحصيل لديه، لان الله تعالى يخلق ما يشاء، وهو نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحمير، ومما يحقق ذلك أنه يلد مثله وقد شوهد ذلك.

وقال: السمع بكسر السين: ولد الذئب من الضبع، وهو سبع مركب فيه شدة الضبع وقوتها، وجرأة الذئب وخفته، ويزعمون أنه كالحية لا يعرف العلل ولا يموت حتف أنفه، وإنه أسرع عدوا من الريح.

وقال: القرد حيوان معروف وجمعه قرود وقد يجمع على قردة بكسر القاف

وفتح الراء المهملة، والأنثى قردة بكسر القاف وإسكان الراء وجمعها قرد بكسر القاف وفتح الراء وبالدال في آخر مثل قربة وقرب، وكنيته أبو خالد وأبو حبيب وأبو زنة وأبو قشة، وهو حيوان قبيح مليح ذكي سريع الفهم يتعلم الصنعة أهدى ملك النوبة إلى المتوكل قردا خياطا وآخر صائغا، وأهل اليمن يعلمون القردة القيام بحوائجهم حتى أن البقال والقصاب يعلم القردة حفظ الدكان حتى يعود صاحبه، ويعلم السرقة فيسرق، نقل الشيخان عن القاضي حسين أنه قال: لو علم قرد النزول إلى الدار وإخراج المتاع ثم نقب وأرسل القرد فأخرج المتاع ينبغي أن لا يقطع لان للحيوان اختيارا، وروي عن أحمد بن طاهر أنه قال: شهدت بالرملة قردا صائغا فإذا أراد أن ينفخ أشار إلى رجل حتى ينفخ له انتهى.

وسيأتي سائر أحواله في باب المسوخ.

وشحيج البغل والحمار: صوتهما، والاسراب جمع السرب وهو القطيع من الظبأ والقطا والخيل ونحوها، والمها جمع المهاة وهي البقر الوحشية.

قال الدميري: وقيل: المها نوع من البقر الوحشي والأنثى من المها إذا حملت هربت من البقر، ومن طبعها الشبق والذكر لفرط شهوته يركب ذكرا آخر، والمها أشبه شئ بالمعز الأهلية وقرونها صلاب جدا، ومخها يطعم صاحب القولنج ينفعه نفعا، ومن استصحب معه شعبة من قرن المها نفرت منه السباع، وإذا بخر بقرنه أو جلده أو ظفره في بيت نفرت منه الحيات، ورماد قرنه يذر على السن المتأكلة يسكن وجعها، وشعره إذا بخربه بيت هربت منه الفار والخنافس، وإذا أحرق قرنه وجعل في طعام صاحب حمى الربع فإنها تزول عنه، وإذا شرب في شئ من الأشربة زاد في الباه وقوي العصب وزاد في الانعاظ، وإذا نفخ في أنف الراعف قطع

دمه، وإذا أحرق قرناه حتى يصيرا رمادا واديفا بخل وطلي به موضع البرص مستقبل الشمس فإنه يزول، وإذا استف منه مقدار مثقال فإنه لا يخاصم أحدا إلا غلب عليه.

والوعل بالفتح وككتف: تيس الجبل والجمع أوعال ووعول، قال الدميري:

الوعل بفتح الواو وكسر العين المهملة: الأروى وهو التيس الجبلي، وفي طبعه أنه يأوي إلى الأماكن الوعر الخشنة ولا يزال مجتمعا، فإذا كان وقت الولادة تفرق.

وإذا اجتمع في ضرع أنثى لبن امتصته، والذكر إذا عجز عن النزو أكل البلوط فتقوى شهوته، وإذا لم يجد الأنثى انتزع المني بالامتصاص من فيه، وذلك إذا جذبه الشبق، وفي طبعه أنه إذا أصابه جرح طلب الخضرة التي في الحجارة فيمصها ويجعلها في الجرح فيبرأ وإذا أحس بقناص وهو في مكان مرتفع استلقى على ظهره ثم يزج نفسه فينحدر ويكون قرناه وهما في رأسه إلى عجزه يقيانه ما يخشى من الحجارة ويسرعان به لملوستهما على الصفا انتهى.

والأيل بضم الهمزة وكسرها وفتح الياء المشددة وكسيد: الذكر من الأوعال، ويقال: هو الذي يسمى بالفارسية گوزن والجمع اياييل، قال الدميري:

وأكثر أحواله شبيهة ببقر الوحشي، وإذا خاف من الصياد يرمي نفسه من رأس الجبل ولا يتضرر بذلك، وعدد سني عمره العقد التي في قرنه، وإذا لسعته الحية أكل السرطان، ويصادق السمك فهو يمشي إلى الساحل ليرى السمك، والسمك يقرب من البر ليراه، والصيادون يعرفون هذا فيلبسون جلده ليقصدهم السمك فيصطادون

منه، وهو مولع بأكل الحيات يطلبها حيث وجدها وربما لسعته فتسيل دموعه إلى نقرتين تحت محاجر عينيه، يدخل الإصبع فيها فتجمد تلك الدموع فتصير كالشمع فيتخذ درياقا لسم الحيات وهو البادزهر الحيواني، وأجوده الأصفر، وأماكنه بلاد السند والهند، وفارس، وإذا وضع على لسع الحيات والعقارب نفعها، وإن أمسكه شارب السم في فيه نفعه، وله في دفع السموم خاصية عجيبة، وهذا الحيوان لا تنبت له قرون إلا بعد مضي سنتين من عمره، فإذا نبت قرناه نبتا مستقيمين كالوتدين وفي الثالثة يتشعب، ولا تزال التشعب في زيادة إلى تمام ست سنين، فحينئذ يكونان كشجرتين في رأسه ثم بعد ذلك يلقي قرنيه في كل سنة مرة ثم ينبتان، فإذا نبتا تعرض بها للشمس ليصلبا والأيل في نفسه جبان دائم الرعب، وهو يأكل الحيات أكلا ذريعا، وإذا أكل الحيات بدأ بأكل ذنبها إلى رأسها وهو يلقي قرونه في كل سنة، وذلك إلهام من الله تعالى لما للناس فيها من المنفعة، لان الناس يطردون بقرنه كل دابة سوء وييسر عسر الولادة وينفع الحوامل ويخرج الدود من البطن إذا أحرق جزء منه ولعق بالعسل.

وقال أرسطو: إن هذا النوع يصاد بالصفير والغناء ولا ينام ما دام يسمع ذلك، فالصيادون يشغلونه بذلك ويأتونه من ورائه فإذا رأوه قد استرخت أذناه أخذوه، وذكره من عصب لا لحم ولا عظم وقرنه مصمت لا تجويف فيه، ويسمن هذا الحيوان سمنا كثيرا، فإذا اتفق له ذلك هرب خوفا من أن يصاد، وإن الأيايل تأكل الأفاعي في الصيف فتحمى وتلتهب لحرارتها فتطلب الماء فإذا رأته امتنعت من شر به وحامت عليه تتنسمه لأنها لو شربته في تلك الحالة فصادف الماء السم الذي في أجوافها هلكت، فلا تزال تمتنع من شرب الماء حتى يطول بها الزمان فيذهب ثوران السم ثم تشربه فلا يضرها، وإذا بخر بقرنه طرد الهوام وكل ذي سم وإذا أحرق

قرنه واستيك به قلع الصفرة والحفر من الأسنان وشد أصولها، ومن علق عليه شيئا من أجزائه لم ينم ما دام عليه، وإذا جفف قضيبه وسفي هيج الباه، وإذا شرب دمه فتتت الحصاة التي في المثانة انتهى.

والقانص: الصائد، والمراد بالتمثيل ما ذكر الله تعالى في قصة هابيل، و المعرة: الأذى، قوله عليه السلام: لا يعقل، لعل المراد أن هذه الأمور بمحض لطفه سبحانه حيث يلهمهم ذلك لا بعقل وروية.

وقال الفيروزآبادي: الدلفين بالضم: دابة بحرية تنجي الغريق، وقال الدميري: الدلفين ضبطه الجوهري في باب السين بضم الدال، فقال: الدخس مثل الصرد: دابة في البحر تنجي الغريق تمكنه من ظهرها تستعين على السباحة وتسمى الدلفين، وقال بعضهم: إنه خنزير البحر وهو دابة تنجي الغريق وهو كثير بأواخر نيل مصر من جهة البحر المالح لأنه يقذف به البحر إلى النيل، وصفته كصفة الزق المنفوخ وله رأس صغير جدا، وليس في دواب البحر دابة لها رئة سواه، ولذا يسمع منه النفخ والنفس وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب في نجاته لأنه لا يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه، ولا يؤذي أحدا ولا يأكل إلا السمك، و ربما ظهر على وجه الماء كأنه الميت وهو يلد ويرضع وأولاده تتبعه حيث ذهب ولا يلد إلا في الصيف، وفي طبعه الانس وخاصة بالصبيان، وإذا صيد جاءت دلافين كثيرة لقتال صائده، وإذا لبث في العمق حينا حبس نفسه وصعد بعد ذلك مسرعا مثل السهم لطلب النفس فإن كانت بين يديه سفينة وثب وثبة وارتفع بها عن

السفينة، ولا يرى منها ذكر إلا مع أنثى انتهى.

وقال الفيروزآبادي: التنين كسكين: حية عظيمة، وقال الدميري:

ضرب من الحيات كأكبر ما يكون منها، وقال القزويني في عجائب المخلوقات:

إنه شر من الكوسج، في فمه أنياب مثل أسنة الرماح، وهو طويل كالنخلة السحوق أحمر العينين مثل الدم واسع الفم والجوف براق العينين يبتلع كثيرا من الحيوانات يخافه حيوان البر والبحر، إذا تحرك يموج البحر لشدة قوته، وأول أمره تكون حية متمردة تأكل من دواب البر ما ترى فإذا كثر فسادها احتملها ملك وألقاها في البحر، فتفعل في دواب البحر ما كانت تفعل بدواب البر فيعظم بدنها، فيبعث الله تعالى إليها ملكا يحملها ويلقيها إلى يأجوج ومأجوج، وروى بعضهم أنه رأى تنينا طوله نحو فرسخين، ولونه مثل لون النمر مفلسا مثل فلوس السمك بجناحين عظيمين على هيئة جناحي السمك ورأسه كرأس الانسان لكنه كالتل العظيم، وأذناه طويلتان وعيناه مدورتان كبيرتان جدا انتهى.

وأقول: لم أر في كلامهم اختطاف السحاب للتنين، وقال الفيروزآبادي:

القيظ صميم الصيف من طلوع الثريا إلى طلوع سهيل والزبية بالضم: الحفرة. و النشز بالفتح وبالتحريك: المكان المرتفع، وقال الجوهري: الليث: الأسد و ضرب من العناكب يصطاد الذباب بالوثب، ويقال: أحال عليه بالسوط يضربه أي أقبل، قوله: فكذلك أي كفعل الليث، وقوله: هكذا أي كفعل العنكبوت، قال الدميري: العنكبوت: دويبة تنسج في الهواء، وجمعها عناكب والذكر عنكب و

وزنه فعللوت وهي قصار الأرجل كبار العيون للواحد ثمانية أرجل وست أعين فإذا أراد صيد الذباب لطأ بالأرض وسكن أطرافه وجمع نفسه ثم وثب على الذباب فلا يخطئه.

قال أفلاطون: أحرص الأشياء الذباب، وأقنع الأشياء العنكبوت، فجعل الله رزق أقنع الأشياء أحرص الأشياء. فسبحان اللطيف الخبير، وهذا النوع يسمى الذباب، ومنها نوع يضرب بالحمرة له زغب وله في رأسه أربع إبرينهش بها، وهو لا ينسج بل يحفر بيته في الأرض ويخرج بالليل كسائر الهوام، منها الرتيلا قال الجاحظ: الرتيل نوع من العناكب وتسمى عقرب الحيات لأنها تقتل الحيات والأفاعي، وقيل: إنها ستة أنواع، وقيل: ثمانية، وكلها من أصناف العنكبوت وقال الجاحظ: ولد العنكبوت أعجب من الفروخ الذي يخرج إلى الدنيا كاسبا كاسيا، لان ولد العنكبوت يقوى على النسج ساعة يولد من غير تلقين ولا تعليم و يبيض ويحضن وأول ما يولد يكون دودا صغارا ثم يتغير ويصير عنكبوتا وتكمل صورته عند ثلاثة أيام وهو يطاول للفساد، فإذا أراد الذكر الأنثى جذب بعض خيوط نسجها من الوسط فإذا فعل ذلك فعلت الأنثى مثله فلا يزالان يتدانيان حتى يتشابكا فيصير بطن الذكر قبالة بطن الأنثى، وهذا النوع من العناكب حكيم، ومن حكمته أنه يمد السدى ثم يعمل اللحمة ويبتدئ من الوسط ويهيئ موضعا لما يصيده من مكان آخر كالخزانة، فإذا وقع شئ فيما نسجه وتحرك عمد إليه وشبك عليه شيئا يضعفه، فإذا علم ضعفه حمله وذهب به إلى خزانته فإذا خرق الصيد من النسج شيئا عاد إليه و رمه، والذي تنسجه لا يخرجه من جوفها بل من خارج جلدها وفمها مشقوق بالطول، وهذا النوع ينسج بيته دائما مثلث الشكل وتكون سعة بيتها بحيث

يغيب فيه شخصها انتهى.

ويقال: وضع عنه أي حط من قدره، وأقله أي حمله ورفعه، وجسا كدعا صلب ويبس، وسحجت جلده فانسحج أي قشرته فانقشر، والتقصف: التكسر والغريض: الطري أي غير مطبوخ، والعجم بالتحريك: النوى، وتقوقى أي تصيح والمح بضم الميم والحاء المهملة: صفرة البيض، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة وتنقاب اي تنفلق، وماء ضحضاح: قريب القعر، والربيئة بالهمز: العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، والمرقب: الموضع المشرف يرتفع عليه الرقيب والبشم محركة: التخمة بشم كفرح، والفراش هي التي تقع في السراج، واليعسوب أمير النحل وطائر أصغر من الجرادة أو أعظم، وفي القاموس: التمرة كقبرة أو ابن تمرة طائر أصغر من العصفور، وقال: القرمز صبغ أرمني يكون من عصارة دود في آجامهم، وقال: الحلزون محركة: دابة تكون في الرمث أي بعض مراعي الإبل.

أقول: ويظهر من الخبر اتحادهما، ويحتمل أن يكون المراد أن من صبغ الحلزون تفطنوا باعمال القرمز للصبغ لتشابههما.

قال الدميري: الحلزون: دود في جوف أنبوبة حجرية يوجد في سواحل البحار وشطوط الأنهار وهذه الدودة تخرج بنصف بدنها من جوف تلك الأنبوبة الصدفية وتمشي يمنة ويسرة، تطلب مادة تغتدي بها، فإذا أحست برطوبة ولين انبسطت إليها، وإذا أحست بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصت في جوف الأنبوبة الصدفية حذرا من المؤذي لجسمها، وإذا انسابت جرت بيتها معها انتهى..

أقول:: قد أوردنا الخبر بتمامه وشرحناه على وجه آخر في كتاب التوحيد.

تذييل نفعه جليل: اعلم أنه قد ظهر من سياق هذا الخبر في مواضع أن الأعمال الصادرة عن الحيوانات العجم ليست على جهة الفهم والشعور، وإنما هي طبايع طبعت عليها، وقد لاح من ظواهر كثير من الآيات والاخبار أن لها شعورا

ومعرفة، بل لهم تكاليف يعاقبون على ترك بعضها في الدنيا وعلى ترك بعضها في الآخرة لا على الدوام، بل في مدة يحصل فيها التقاص بين مظلومها وظالمها، وقد اختلف الحكماء و المتكلمون من الخاص والعام في ذلك، فالحكماء ذهبوا إلى تجرد النفوس الناطقة الانسانية، وإلى أنه لا يتأتي إدراك الكلي إلا من المجرد، فلذا خصوا إدراكه بالانسان، وأما سائر الحيوانات فتدرك بالقوى الدراكة البدنية الأمور الجزئية كادراك الشاة معنى جزئيا في الذئب يوجب نفورها عنه، وأكثر المتكلمين أيضا نفوا عنها الفهم والشعور والعقل التي هي مناط التكليف، وأولوا الآيات والأخبار الواردة في ذلك كما عرفت سابقا وسيأتي، والحق أنه لم يدل دليل قاطع على نفي العقل والتكليف عنها مطلقا، بل إنما يدل على أنها ليست في درجة الانسان في إدراك المعاني الدقيقة والتكاليف العظيمة التي كلف بها الانسان والوعد بالنعيم الدائم والوعيد بالعذاب المخلد، فيحتمل أن تكون مدركة لبعض الأمور الكلية والمصالح الجلية المتعلقة ببقاء نوعها وغذائها ونموها، وملهمة بمعرفة صانعها وطاعة إمام الزمان وسائر الأمور الواردة في الأخبار المعتبرة، ولا استحالة في ذلك، ولا يلزم من ذلك أن تكون كسائر المكلفين مكلفة بجميع التكاليف معاقبة على ترك كلها، وأيضا في التكليف لا يدل على سلب العقول والشعور مطلقا فان المراهقين غير مكلفين قد يكون لهم من إدراك العلوم وتحقيق المطالب ما لم يحصل لكثير من المكلفين على أنه يمكن حمل بعض الآيات والاخبار على أنه تعالى لاظهار المعجز لنبي أو وصي أو الكرامة لولي أعطاها في ذلك الوقت عقلا وشعورا بها يصدر منها بعض أقوال العقلاء وأفعالهم كما مر، أو أوجد فيها كلاما أو فعلا بحيث لا تشعر لما ذكروا وإن كان بعيدا، وأما القول: بأن صدور الأعمال الوثيقة والصنايع الدقيقة منها إنما هي من طبع طبعت عليها من غير شعور بها وفائدتها ففي غاية البعد، ويمكن تأويل ما يوهم ذلك في حديث المفضل على أن المعنى أن الله تعالى يلهمها عند حاجة إلى أمر من الأمور ومصلحة من المصالح ذلك، من غير أن يحصل لها ذلك العلم بالأخذ من معلم أو بتحصيل تجربة أو الرجوع إلى كتاب كما

تتفق تلك الأمور لأكثر أفراد البشر العاقلين، كما أن الطفل عند الولادة يلقى عليه شهوة الغذاء والبكاء لتحصيله، ويلهم كيفية مص الثدي وأمثال ذلك مما مر شرحه وتفصيله.

ولنذكر هنا بعض ما ذكره محققوا أصحابنا وغيرهم في ذلك، فمنها ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الغرر حيث سئل ما القول في الأخبار الواردة في عمدة كتب من الأصول والفروع بمدح أجناس من الطير والبهائم والمأكولات والأرضين وذم أجناس منها، كمدح الحمام والبلبل والقنبر والحجل والدراج وما شاكل ذلك من فصيحات الطير، وذم الفواخت والرخم؟ وما يحكى من أن كل جنس من هذه الأجناس المحمودة ينطق بثناء على الله تعالى وعلى أوليائه ودعاء لهم ودعاء على أعدائهم، وأن كل جنس من هذه الأجناس المذمومة ينطق بضد ذلك من ذم الأولياء عليهم السلام، وكذم الجري وما شاكله من السمك وما نطق به الجري من أنه مسخ بجحده الولاية، وورود الآثار بتحريمه لذلك، وكذم الدب والقرد والفيل وسائر المسوخ المحرمة، وكذم البطيخة التي كسرها أمير المؤمنين عليه السلام فصادفها مرة فقال: من النار إلى النار ودحابها من يده ففار من الموضع الذي سقطت فيه دخان، وكذم الأرضين السبخة، والقول بأنها جحدت الولاية أيضا، وقد جاء في هذا المعنى ما يطول شرحه، وظاهره مناف لما تدل العقول عليه من كون هذه الأجناس مفارقة لقبيل ما يجوز تكليفه ويسوغ أمره ونهيه، وفي هذه الأخبار التي أشرنا إليها أن بعض هذه الأجناس يعتقد الحق ويدين به وبعضها يخالفه، وهذا كله مناف لظاهر ما العقلاء عليه.

ومنها ما يشهد أن لهذه الأجناس منطقا مفهوما وألفاظا تفيد أغراضها وأنها بمنزلة الأعجمي والعربي اللذين لا يفهم أحدهما صاحبه، وإن شاهد ذلك من قول الله سبحانه فيما حكاه عن سليمان عليه السلام: " يا أيها الناس علمنا منطق الطير

وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين " وكلام النملة أيضا مما حكاه الله سبحانه، وكلام الهدهد واحتجاجه وفهمه وجوابه، فلينعم بذكر ما عنده مثابا إن شاء الله وبالله التوفيق.

وأجاب رضي الله عنه! اعلم أن المعول فيما نعتقد على ما تدل الأدلة عليه من نفي وإثبات، فإذا دلت الأدلة على أمر من الأمور وجب أن نبني كل وارد من الاخبار إذا كان ظاهره بخلافه عليه ونسوقه إليه ونطابق بينه وبينه ونخلي ظاهرا إن كان له، ونشرط إن كان مطلقا، ونخصه إن كان عاما، ونفضله إن كان مجملا، ونوفق بينه وبين الأدلة من كل طريق اقتضى الموافقة وآل إلى المطابقة وإذا كنا نفعل ذلك ولا نحتشمه في ظواهر القرآن المقطوع على صحته المعلوم وروده فكيف نتوقف عن ذلك في أخبار آحاد لا توجب علما ولا تثمر يقينا؟ فمتى وردت عليك أخبار فأعرضها على هذه الجملة وابنها عليها وافعل فيها ما حكمت به الأدلة وأوجبته الحجج العقلية، وإن تعذر فيها بناء وتأويل وتخريج وتنزيل فليس غير الإطراح لها وترك التعريج عليها، ولو اقتصرنا على هذه الجملة لاكتفينا فيمن يتدبر ويتفكر، وقد يجوز أن يكون المراد بذم هذه الأجناس من الطير أنها ناطقة بضد الثناء على الله وبذم أوليائه ونقص أصفيائه: ذم متخذيها و مرتبطيها، وأن هؤلاء المغرين بمحبة هذه الأجناس واتخاذها هم الذين ينطقون بضد الثناء على الله ويذمون أولياءه وأحباءه، فأضاف النطق إلى هذه الأجناس وهو لمتخذيها أو مرتبطيها للتجاور والتقارب، وعلى سبيل التجوز والاستعارة كما أضاف الله تعالى السؤال في القرآن إلى القرية، وإنما هو لأهل القرية، وكما قال تعالى: " وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا و

عذ بناها عذابا نكرا * فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا " " وفي هذا كله حذوف، وقد أضيف في الظاهر الفعل إلى من هو في الحقيقة متعلق بغيره، والقول في مدح أجناس من الطير والوصف لها بأنها تنطق بالثناء على الله والمدح لأوليائه يجري على هذا المنهاج الذي نهجناه.

فان قيل: كيف يستحق مرتبط هذه الأجناس مدحا بارتباطها ومرتبط بعض آخر ذما بارتباطه حتى علقتم المدح والذم بذلك؟

قلنا: ما جعلنا لارتباط هذه الأجناس حظا في استحقاق مرتبطيها مدحا ولا ذما وإنما قلنا: إنه غير ممتنع أن تجري عادة المؤمنين الموالين لأولياء الله تعالى والمعادين لأعدائه، بأن بالغوا ارتباط أجناس من الطير، وكذلك تجري عادة بعض أعداء الله تعالى باتخاذ بعض أجناس الطير فيكون متخذ بعضها ممدوحا لا من أجل اتخاذه لكن لما هو عليه من الاتخاذ الصحيح فيضاف المدح إلى هذه الأجناس وهو لمرتبطها والنطق بالتسبيح والدعاء الصحيح إليها وهو لمتخذها تجوزا واتساعا، وكذلك القول في الذم المقابل للمدح.

فإن قيل: فلم نهي عن اتخاذ بعض هذه الأجناس إذا كان الذم لا يتعلق باتخاذها، وإنما يتعلق ببعض متخذيها لكفرهم وضلالهم؟

قلنا: يجوز أن يكون في اتخاذ هذه البهائم المنهي عن اتخاذها وارتباطها مفسدة، وليس يقبح خلقها في الأصل لهذا الوجه لأنها خلقت لينتفع بها من سائر وجوه الانتفاع سوى الارتباط والاتخاذ الذي لا يمتنع تعلق المفسدة به، ويجوز أيضا أن يكون في اتخاذ هذه الأجناس المنهي عنها شوم وطيرة، فللعرب في ذلك مذهب معروف ويصح هذا النهي أيضا على مذهب من نفي الطيرة على التحقيق، لان الطيرة والتشأم وإن كان لا تأثير لهما على التحقيق فان النفوس تستشعر ذلك، ويسبق

إليها ما يجب على كل حال تجنبه والتوقي عنه، وعلى هذا يحمل معنى قوله عليه السلام: " لا يورد ذو عاهة على مصح " وأما تحريم السمك الجري وما أشبهه فغير ممتنع لشئ يتعلق بالمفسدة في تناوله كما نقول في سائر المحرمات، فأما القول:

بأن الجري نطق بأنه مسخ لجحده الولاية فهو مما يضحك منه ويتعجب من قائله والملتفت إلى مثله، فأما تحريم الدب والقرد والفيل فكتحريم كل محرم في الشريعة والوجه في التحريم لا يختلف، والقول بأنها ممسوخة إذا تكلفنا حملناه على أنها كانت على خلق حميدة غير منفور عنها، ثم جعلت على هذه الصور الشنية على سبيل التنفير عنها والزيادة عن الصد في الانتفاع بها، لان بعض الاحياء لا يجوز أن يكون غيره على الحقيقة، والفرق بين كل حيين معلوم ضرورة، فكيف يجوز أن يصير حي حيا آخر غيره، وإذا أريد بالمسخ هذا فهو باطل، وإن أريد غيره نظرنا فيه، وأما البطيخة فقد يجوز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام لما ذاقها ونفر عن طعمها وزادت كراهيته له قال: " من النار وإلى النار " أي هذا من طعام أهل النار وما يليق بعذاب أهل النار، كما يقول أحدنا ذلك فيما يستوبيه ويكرهه، ويجوز أن يكون فوران الدخان عند الالقاء لها على سبيل التصديق لقوله عليه السلام: " من النار وإلى النار " وإظهار المعجز له، وأما ذم الأرضين السبخة والقول بأنها جحدت الولاية، فمتى لم يكن محمولا معناه على ما قدمناه من جحد هذه الأرض وسكانها الولاية لم يكن معقولا، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: " وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله " وأما إضافة اعتقاد الحق إلى بعض البهائم واعتقاد الباطل والكفر إلى بعض آخر فمما تخالفه العقول والضرورات لأن هذه البهائم غير عاقلة ولا كاملة ولا مكلفة، فيكف تعتقد حقا أو باطلا؟ وإذا ورد أثر في ظاهره شئ من هذه المحالات فالوجه فيه إما إطراح أو تأول على المعنى الصحيح، وقد نهجنا

طريق التأويل وبينا كيف التوصل إليه، فأما حكايته تعالى عن سليمان عليه السلام: " يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ ان هذا لهو الفضل المبين " فالمراد به أنه علم ما يفهم به ما تنطق به الطير وتتداعى في أصواتها وأغراضها ومقاصدها بما يقع منها من صياح على سبيل المعجزة لسليمان عليه السلام، وأما الحكاية عن النملة بأنها قالت: " يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان " فقد يجوز أن يكون المراد به أنه ظهر منها دلالة القول على هذا المعنى، وأشعرت باقي النمل وخوفتهم من الضرر بالمقام، وأن النجاة في الهرب إلى مساكنها، فتكون إضافة القول إليه مجازا أو استعارة، كما قال الشاعر:

وشكا إلى بعيرة وتحمحم وكما قال الآخر:

وقالت له العينان: سمعا وطاعة ويجوز أن يكون وقع من النملة كلام ذو حروف منظومة كما يتكلم أحدنا يتضمن المعاني المذكورة ويكون ذلك معجزة لسليمان عليه السلام لان الله تعالى سخر له الطير وافهمه معاني أصواتها على سبيل المعجز له، وليس هذا بمنكر فان النطق بمثل هذا الكلام المسموع منا لا يمتنع وقوعه ممن ليس بمكلف ولا كامل العقل، ألا ترى أن المجنون ومن لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلمون بالكلام المتضمن للأغراض، وإن كان التكليف والكمال عنهم زائلين، والقول فيما حكي عن الهدهد يجري على الوجهين اللذين ذكرناهما في النملة، فلا حاجة بنا إلى إعادتهما، وأما حكاية أنه قال: " لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين "

وكيف يجوز أن يكون ذلك في الهدهد وهو غير مكلف ولا يستحق مثله العذاب؟

فالجواب عنه: أن العذاب اسم للضرر الواقع، وان لم يكن مستحقا فليس يجري مجري العقاب الذي لا يكون إلا جزاء على أمر تقدم، فليس يمتنع أن يكون معنى " لأعذبنه " أي لأؤلمنه، ويكون الله تعالى قد أباحه الايلام له كما أباحه الذبح له لضرب من المصلحة، كما سخر له الطير يصرفها في منافعه وأغراضه، وكل هذا لا ينكر في نبي مرسل تخرق له والعادات وتظهر على يده المعجزات، وإنما يشتبه على قوم يظنون أن هذه الحكايات تقتضي كون النملة والهدهد مكلفين، وقد بينا أن الامر بخلاف ذلك.

وقال قدس الله روحه أيضا في جواب المسائل الطرابلسيات: فأما الاستبعاد في النملة أن تنذر باقي النمل بالانصراف عن الموضع، والتعجب من فهم النملة عن الأخرى، ومن أن يخبر عنها بما نطق القرآن به من قوله: " يا أيها النمل ادخلوا " الآية، فهو في غير موضعه لان البهيمة قد تفهم عن الأخرى بصوت يقع منها أو فعل كثيرا من أغراضها، ولهذا نجد الطيور وكثيرا من البهائم يدعو الذكر منها الأنثى بضرب من الصوت يفرق بينه وبين غيره من الأصوات التي لا تقتضي الدعاء، والامر في ضروب الحيوانات وفهم بعضها من بعض مرادها وأغراضها بفعل يظهر أو صوت يقع أظهر من أن يخفي والتغابي عن ذلك مكابرة، فما المنكر على هذا أن يفهم باقي النمل من تلك النملة التي حكي عنها ما حكي الانذار والتخويف؟ فقد نرى مرارا نملة تستقبل أخرى وهي متوجهة إلى جهة فإذا حاذتها وباشرها عادت من جهتها ورجعت معها، وتلك الحكاية البليغة الطويلة لا يجب أن تكون النملة قائلة لها ولا ذاهبة إليها، وإنها لما خوفت من الضرر الذي أشرف النمل عليه جاز أن يقول الحاكي لهذه الحال: تلك الحكاية البليغة المرتبة، لأنها لو كانت قائلة ناطقة ومخوفة بلسان وبيان لما قالت إلا مثل ذلك، وقد يحكى العربي عن الفارسي كلاما مرتبا مهذبا

ما نطق به الفارسي، وإنما أشار إلى معناه، فقد زال التعجب من الموضعين معا وأي شئ أحسن وأبلغ وأدل على قوه البلاغة وحسن التصرف في الفصاحة من أن تشعر نملة لباقي النمل بالضرر لسليمان وجنده بما يفهم به أمثالها عنها، فيحكي هذا المعنى الذي هو التخويف التنفير بهذه الألفاظ المونقة والترتيب الرائق الصادق وإنما يضل عن فهم هذه الأمور وسرعة الهجوم عليها من لا يعرف مواقع الكلام الفصيح ومراتبه ومذاهبه.

وقال شارح المقاصد: ذهب جمهور الفلاسفة إلى أنه ليست لغير الانسان من الحيوانات نفوس مجردة مدركة للكليات، وبعضهم إلى أننا لا نعرف وجود النفس لها لعدم الدليل ولا نقطع بالانتفاء لقيام الاحتمال، وما يتوهم من أنه لو كانت لها نفوس لكانت إنسانا، لان حقيقة النفس والبدن لا غير ليس بشئ لجواز اختلاف النفسين بالحقيقة وجواز التميز بفصول آخر لا نطلع على حقيقتها، وذهب جمع من أهل النظر إلى ثبوت ذلك تمسكا بالمعقول والمنقول، أما العقول فهو أنا نشاهد منها أفعالا غريبة تدل على أن لها إدراكات عقلية كالنحل في بناء بيوته المسدسة والانقياد لرئيس، والنمل في إعداد الذخيرة، والإبل والبغل والخيل والحمار في الاهتداء إلى الطريق في الليالي المظلمة، والفيل في غرائب أحوال تشاهد منه، وكثير من الطيور والحشرات في علاج أمراض تعرض لها إلى غير ذلك من الحيل العجيبة التي يعجز عنها كثير من العقلاء، وأما المنقول فكقوله تعالى: " والطير صافات " الآية، وقوله تعالى: " وأوحى ربك إلى النحل " الآية، وقوله تعالى: " يا جبال أو بي معه والطير " وقوله تعالى حكاية عن الهدهد: " أحطت بما لم تحط

به "، وحكاية عن النملة " يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم " الآية.

وقال الرازي في المطالب العالية في البحث عن نفوس سائر الحيوانات: أما الفلاسفة المتأخرون فقد اتفقوا على أن لها قوي جسمانية وأنه يمتنع أن تكون لها نفوس مجردة، ولم يذكروا في تقريره حجة ولا شبهة، وليس لاحد أن يقول:

لو كانت نفوسها مجردة لوجب كونها مساوية للنفوس البشرية في تمام الماهية فيلزم وقوع الاستواء في العلوم والأخلاق، وذلك محال، فانا نقول: الاستواء في التجرد استواء في قيد سلبي، وقد عرفت أن الاستواء في القيود السلبية لا يوجب الاستواء في تمام الماهية، وأما سائر الناس فقد اختلفوا في أنه هل لها نفوس مجردة وهل لها شئ من القوة العقلية أم لا؟ فزعم طائفة من أهل النظر ومن أهل الأثر أن ذلك ثابت، واحتجوا على صحته بالمعقول والمنقول، أما المعقول فهو أنهم قالوا: إنا نشاهد من هذه الحيوانات أفعالا لا يصدر إلا من أفاضل العقلاء، وذلك يدل على أن لها قدرا من العقل، وبينوا ذلك بوجوه:

الأول: أن الفارة تدخل ذنبها في قارورة الدهن ثم تلحسه، وهذا الفعل لا يصدر عنها إلا لعلمها بمجموع مقدمات: فأحدها أنها محتاجة إلى الدهن، وثانيها:

أن رأسها لا تدخل في القارورة، وثالثها: أن ذنبها تدخل، ورابعها: أن المقصود حاصل بهذا الطريق فوجب الاقدام عليه.

الثاني: أن النحل يبني البيوت المسدسة، وهذا الشكل فيه منفعتان لا يحصلان إلا من المسدس، وتقريره أن الاشكال على قسمين: منها: أشكال متى ضم بعضها إلى بعض امتلأت العرصة منها، إلا أن زواياها ضيقة فتبقى معطلة، ومنها: أشكال ليست كذلك فالقسم الأول كالمثلثات والمربعات فإنهما وإن امتلأت العرصة منهاها إلا أن زوايا ضيقة فيبقى معطلة وأما المسبع والمثمن وغيرهما فزواياها وإن كانت واسعة إلا أنه لا تمتلى العرصة

منها بل يبقى بينها فضاء، فأما الشكل المستجمع لكلتا المنفعتين فليس إلا المسدس، وذلك لان زواياها واسعة فلا يبقي شئ من الجوانب فيه معطلا، وإذا ضمت المسدسات بعضها إلى بعض لم يبق فيما بينها فرجة ضائعة، فإذا ثبت أن الشكل الموصوف بهاتين الصفتين هذا المسدس لا جرم اختار النحل بناء بيوتها على هذا الشكل، ولولا أنه تعالى أعطاها من الالهام والذكاء لما حصل هذا الامر، وفيه أعجوبة ثانية وهي أن البشر لا يقدر على بناء البيت المسدس إلا بالمسطر والبركار، والنحل يبني تلك البيوت من غير حاجة إلى شئ من الآلات والأدوات.

واعلم أن عجائب أحوال النحل في رياسته وفي تدبيره لأحوال الرعية، وفي كيفية خدمة الرعية لذلك الرئيس كثيرة مذكورة في كتاب الحيوان.

الثالث: أن النمل يسعى في إعداد الذخيرة لنفسها: وما ذاك إلا لعلمها بأنها قد تحتاج في الأزمنة المستقبلة إلى الغذاء، ولا تكون قادرة على تحصيله في تلك الأوقات فوجب السعي في تحصيله في هذا الوقت الذي حصلت فيه القدرة على تحصيل الذخيرة، ومن عجائب أحوالها أمور ثلاثة: أحدها أنها إذا أحست بنداوة المكان فإنها تشق الحبة بنصفين لعلمها بأن الحبة لو بقيت سالمة ووصلت النداوة إليها لنبت منها وتفسد الحبة على النملة، أما إذا صارت مشقوقة بنصفين لم تنبت، وثانيها:

إذا وصلت النداوة إلى تلك الأشياء ثم طلعت الشمس فإنها تخرج تلك الأشياء من حجرها وتضعها حتى تجف وثالثها: أن النملة إذا أخذت في نقل متاعها إلى داخل الحجر أنذر ذلك بنزول الأمطار وهبوب الرياح، وهذه الأحوال تدل على حصول ذكاء عظيم لهذا الحيوان الصغير.

الرابع: أن العنكبوت تبني بيوتها على وجه عجيب وذلك لأنها ما نسجت الشبكة التي هي مصيدتها إلا بعد أن تفكرت أنه كيف ينبغي وضعها حتى يصلح لاصطياد الذباب بها، وهذه الأفعال فكرية ليست أقل من الأفكار الانسانية.

الخامس: أن الجمل والحمار إذا سلكا طريقا في الليلة الظلماء ففي المرة الثانية يقدر على سلوك ذلك الطريق من غير إرشاد مرشد ولا تعليم معلم، حتى أن

الناس إذا اختلفوا في ذلك الطريق وقدموا الجمل وتبعوه وجدوا الطريق المستقيم عند متابعته.

وأيضا أن الانسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد إلا عند الاستدلال بالعلامات المخصوصة، إما الأرضية كالجبال والرياح، أو السماوية كأحوال الشمس والقمر. وأما القطا فإنه يطير في الهواء من بلد إلى بلد طيرانا سويا من غير غلط ولا خطأ، وكذلك الكراكي تنتقل من طرف من أطراف العالم إلى طرف آخر لطلب الهواء الموافق من غير غلط البتة، فهذا فعل يعجز عنه أفضل البشر وهذا النوع من الحيوان قادر عليه.

السادس: أن الدب إذا أراد أن يفترس الثور علم أنه لا يمكنه أن يقصده ظاهرا، فيقال: إنه يستلقي في ممر ذلك الثور، فإذا قرب الثور وأراد نطحه جعل قرنيه فيما بين ذراعيه ولا يزال ينهش ما بين ذراعيه حتى يثخنه، وأيضا أنه يأخذ العصا ويضرب الانسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه وربما عاد يشمه ويتجسس نفسه وأيضا يصعد الشجر أخف صعود ويأخذ الجوز بين كفيه ويضرب ما في أحد كفيه على ما في الكف الآخر ثم ينفخ فيه ويزيل القشور ويأكل اللب.

السابع: أن الثعلب إذا اجتمع البق الكثير والبعوض الكثير على جلده أخذ بفيه قطعة من جلد حيوان ميت، ثم إنه يضع يده ورجليه في الماء ولا يزال يغوص فيه قليلا قليلا فإذا أحس البق والبعوض بالماء أخذت تصعد إلى المواضع الخارجة من الثعلب من الماء، ثم إن الثعلب لا يزال يغوص قليلا قليلا وتلك الحيوانات ترتفع قليلا قليلا، فإذا غاص كل بدنه في الماء وبقي رأسه خارج الماء تصاعد كل تلك الحيوانات إلى الرأس ثم إنه يغوص رأسه في الماء قليلا قليلا فتلك الحيوانات تنتقل إلى تلك الجلدة الميتة وتجتمع فيها فإذا أحس الثعلب بانتقالها إلى تلك الجلدة رماها في الماء وخرج من الماء سليما فارغا عن تلك الحيوانات المؤذية، ولا شك أنها حيلة عجيبة في دفع المؤذيات.

الثامن: يقال: إن من خواص الفرس أن كل واحد منها يعرف صوت الفرس الذي قاتله، والكلاب تتعالج بالعشبة المعروفة لها، والفهد إذا سقي الدواء المعروف بخانق الفهد طلب زبل الانسان فأكله، والتمساح تفتح فاها لطائر مخصوص يدخل في فمها وينظف ما بين أسنانها وعلى رأس ذلك الطير شئ كالشوك، فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطير تأذى من ذلك الشوك ففتح فاه فخرج ذلك الطير، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية صعترا جبليا ثم تعود قد شوهد ذلك، وحكى بعض الثقات المحبين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى وتنهزم عنه إلى بقلة تتناول منها ثم تعود ولا تزال تفعل ذلك، وكان ذلك الشيخ قاعدا في كن غاير كما تفعله الصيادون وكانت البقلة قريبة في ذلك الموضع، فلما اشتغل الحبارى بالأفعى قلع الرجل تلك البقلة فعادت الحبارى إلى منبتها فأخذت تدور حول منبتها دورانا متتابعا ثم سقطت وماتت فعلم ذلك الرجل أنها كانت تتعالج بأكلها من لسعة الأفعى، وتلك البقلة هي الخس البري، وأما ابن عرس فإنه يستظهر في قتال الحية بأكل السداب، فان النكهة السدابية مما يكرهها الأفعى، والكلاب إذا تدود بطنها أكلت سنبل الحية، وإذا جرحت اللقالق بعضها بعضا عالجت تلك الجراحات بالصعتر الجبلي، فتأمل من أين حصلت لهذه الحيوانات هذا الطب وهذا العلاج.

التاسع: أن القنافذ قد تحس بريح الشمال والجنوب قبل الهبوب فتغير المدخل إلى حجرتها، يحكي أنه كان بالقسطنطينية رجل قد جمع مالا كثيرا بسبب أنه كان ينذر بالرياح قبل هبوبها وينتفع الناس بذلك الانذار وكان السبب فيه قنفذ في داره يفعل الفعل المذكور.

العاشر: أن الخطاف صناع حسن في اتخاذ العش لنفسه من الطين وقطع الخشب، فإذا أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدرا من الطين وإذا أفرخ بالغ في تعهد الفراخ ويأخذ زرقها بمنقارها ويرميها عن العش ثم

تعلمها إلقاء الزرق بالتولية نحو طرف العش.

الحادي عشر: إذا قرب الصائد من مكان فرخ القبجة ظهرت له القبجة وقربت منه مطيعة لأجل أن يتبعها ثم تذهب إلى جانب آخر سوى جانب فراخها.

الثاني عشر: ناقر الخشب قلما يجلس على الأرض، بل يجلس على الشجر وينقر الموضع الذي يعلم أن فيه دودا.

الثالث عشر: الغرانيق تصعد في الجو جدا عند الطيران فان حصل عباب أو سحاب يحجب بعضها عن بعض أحدثت عن أجنحتها حفيفا مسموعا، ويصير ذلك الصوت سببا لاجتماعها وعدم تفرقها، وإذا نامت نامت على فرد رجل قد اضطبعت الرؤس إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه وإذا أحس بأحد أو صوت صاح تنبيها للباقين.

الرابع عشر: النعامة إذا اجتمع لها من بيضها عشرون أو ثلاثون قسمتها ثلاثة أثلاث، فتدفن ثلثا منها في التراب، وثلثا تتركها في الشمس، وثلثا تحتضنه فإذا خرجت الفراريخ كسرت ما كان في الشمس وسقت تلك الفراريخ ما فيها من الرطوبات التي ذوبتها الشمس ورققتها، فإذا قويت تلك الفراريخ أخرجت الثلث الثاني الذي دفنته في الأرض وثقبتها وقد اجتمع فيها النمل والذباب والديدان والحشرات فتجعل تلك الأشياء طعمة لتلك الفراريخ، فإذا تم ذلك فقد صارت تلك الفراريخ قادرة على الرعي والطلب، ولا شك أن هذا الطريق حيلة عجيبة في تربية الأولاد.

ولنكتف من هذا النوع بهذا القدر الذي ذكرناه فان الاستقصاء فيه مذكور في كتاب الحيوان، وقد ظهر منها أن هذه الحيوانات قد تأتي بأفعال يعجز أكثر

الأذكياء من الناس عنها، ولولا كونها عاقلة فاهمة لما صح شئ من ذلك، فهذا ما يتعلق بالعقل، وأما النقل فقد تمسكوا في إثبات قولهم بآيات: فاحداها قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام: " يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين ".

والثانية: قوله تعالى: " حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ".

والثالثة: " وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد " وهذا التهديد لا يعقل إلا مع العاقل.

والرابعة: قوله تعالى حكاية عن الهدهد: " أحطت بما لم تحط به " إلى آخر الآية.

والخامسة قوله: " والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه " قيل:

معناه كل من الطير قد علم صلاته وتسبيحه.

قال بعضهم: كنت جالسا عند أبي جعفر الباقر عليه السلام فقال لي: أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها؟ قلت لا: قال: إنها تقدس ربها وتسأله قوت يومها.

وأقول: رأيت في بعض الكتب أن في الأوقات اشتد القحط وعظم حر الصيف والناس خرجوا إلى الاستسقاء فلما أبلحوا قال: خرجت إلى بعض الجبال فرأيت ظبية جاءت إلى موضع كان في الماضي من الزمان مملوا من الماء ولعل تلك الظبية كانت تشرب منه، فلما وصلت الظبية إليه ما وجدت فيه شيئا من الماء، وكان أثر العطش الشديد ظاهرا على تلك الظبية فوقفت وحركت رأسها إلى جانب السماء فأطبق الغيم وجاء الغيث الكثير.

ثم إن أنصار هذا القول قالوا: لما بينا بالدليل أن هذه الحيوانات تهدي إلى الحيل اللطيفة فأي استبعاد في أن يقال: إنها تعرف أن لها ربا ومدبرا وخالقا؟ وهذا تمام القول في دلائل هذه الطايفة.

واحتج المنكرون لكونها عاقلة عارفة بأن قالوا: لو كانت عاقلة لوجب أن تكون آثار العقل ظاهرة في حقها، لان حصول العقل لها مع أنه لا يمكنها الانتفاع البتة بذلك العقل عبث، وذلك لا يليق بالفاعل الحكيم، إلا أن آثار العقل غير ظاهرة فيها، لأنها لا تحترز عن الافعال القبيحة، ولا تميز بين ما ينفعها وبين ما يضرها فوجب القطع بأنها غير عاقلة.

ولمجيب أن يجيب فيقول: إن درجات العلوم والمعارف كثيرة واختلاف النفوس في ماهيتها محتمل، فلعل خصوصية نفس كل واحد منها لا تقتضي إلا النوع المعين من العقل، وإلا القسم المخصوص من المعرفة، فإن كان المراد بالعقل جميع العلوم الحاصلة للانسان فحق أنها ليست عاقلة، وإن كان المراد بالعقل معرفة نوع من هذه الأنواع فظاهر أنها موصوفة بهذه المعرفة، وبالجملة فالحكم عليها بالثبوت والعدم حكم على الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله، وليكن ههنا آخر كلامنا في النفوس الحيوانية والله أعلم انتهى كلامه.

وقال الدميري: الغرنيق بضم الغين وفتح النون، قال الجوهري والزمخشري إنه طائر أبيض من طير الماء طويل العنق، وقال في النهاية: إنه الذكر من طير الماء، ويقال: غرنيق وغرنوق، وقيل: هو الكركي، وقيل: الغرانيق والغرانقة طير أسود في حد البط، وقال القزويني: الغرنيق من الطيور القواطع، وهي إذا أحست بتغير الزمان عزمت على الرجوع إلى بلادها، فعند ذلك تتخذ قائدا حارسا ثم تنهض معا، فإذا طارت ترتفع في الهواء حتى لا يعرض لها شئ من السباع فإذا رأت غيما أو غشيها الليل أو سقطت للطعم أمسكت عن الصياح كيلا يحس بها العدو، وإذا أرادت النوم أدخل كل واحد منها رأسه تحت جناحه لعلمه بأن الجناح أحمل للصدمة من الرأس لما فيه من العين التي هي أشرف الأعضاء، والدماغ الذي هو ملاك البدن، وينام كل واحد منها قائما على إحدي رجليه حتى لا يكون نومها ثقيلا، وأما قائدها وحارسها فلا ينام، ولا يدخل رأسه في جناحه، ولا يزال ينظر في جميع الجوانب فإذا أحس بأحد صاح بأعلى صوته انتهى.

قوله: قد اضطبعت: أي أدخلت رأسها في ضبعها.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.