بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
1 باب عموم أحوال
ج ۶۱، ص ۳۵–۶۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۳
13 - الاختصاص: عن أحمد بن محمد بن عيسى وأحمد بن الحسن بن فضال عن الحسن بن فضال عن عبد الله بن بكير عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن ناضحا كان لرجل من الأنصار فلما استن قال بعض أهله: لو نحرتموه، فجاء البعير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يرغو، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى صاحبه، فلما جاء قال له النبي: إن هذا يزعم أنه كان لكم شابا حتى إذا هرم وإنه قد نفعكم وإنكم أردتم نحره فقال: صدق، فقال: لا تنحروه ودعوه.
14 - ومنه: عن أحمد بن محمد بن عيسى عن العباس بن معروف عن عبد الرحمن ابن حماد عن محمد بن الحسن بن أبي خالد قال: خرجت مع علي بن الحسين عليه السلام
إلى مكة فلما دخلنا الأبواء كان على راحلته وكنت أمشي فوافى غنما وإذا نعجة قد تخلفت عن الغنم وهي تثغو ثغاء شديد وتلتفت، وإذا رخلة خلفها تثغو وتشتد في طلبها، فلما قامت الرخلة ثغت النعجة فتبعتها الرخلة، فقال علي بن الحسين عليه السلام يا عبد العزيز أتدري ما قالت النعجة؟ قالت: لا والله، ما أدري، قال: فإنها قالت: الحقي بالغنم فان أختها عام الأول تخلفت في هذا الموضع فأكلها الذئب.
بيان: الثغاء: صياح الغنم، والرخل بكسر الراء: الأنثى من سخال الضأن.
15 - الاختصاص: عن أحمد بن محمد بن عيسى وأحمد بن الحسن بن فضال، عن الحسن بن فضال، عن عبد الله بن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الذئاب جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تطلب أرزاقها، فقال لأصحابه: إن شئتم صالحتها على شئ تخرجوه إليها ولا ترزأ من أموالكم شيئا، وإن تركتموها تعدو وعليكم حفظ أموالكم، قالوا: بل نتركها كما هي تصيب منا ما أصابت ونمنعها ما استطعنا 4).
16 - ومنه: عن عبد الله بن محمد عن محمد بن إبراهيم عن بشر وإبراهيم ابني محمد أبيهما عن حمران عن علي بن الحسين عليه السلام قال: كان قاعدا في جماعة من أصحابه إذا جاءته ظبية فبصبصت عنده وضربت بيديها، فقال أبو محمد عليه السلام: أتدرون ما تقول
هذه الظبية؟ قالوا: لا، قال: تزعم هذه الظبية أن فلان ابن فلان - رجلا من قريش اصطاد خشفا لها في هذا اليوم، وإنما جاءت أن أسأله أن يضع الخشف بين يديها فترضعه.
ثم قال أبو محمد عليه السلام لأصحابه: قوموا بنا، فقاموا بأجمعهم فأتوه، فخرج إليهم فقال لأبي محمد: فداك أبي وأمي ما جاء بك؟ فقال: أسألك بحقي عليك إلا أخرجت إلى الخشف الذي اصطدتها اليوم، فأخرجها فوضعها بين يدي أمها فأرضعتها فقال علي بن الحسين عليه السلام: أسألك يا فلان لما وهبت لنا الخشف، قال: قد فعلت فأرسل الخشف مع الظبية فمضت الظبية فبصبصت وحركت ذنبها، فقال علي بن الحسين عليه السلام: تدرون ما قالت الظبية؟ قالوا: لا قال: قالت: رد الله عليكم كل غائب لكم وغفر لعلي - بن الحسين كما رد علي ولدي.
بيان: بصبص الكلب: حرك ذنبه، والخشف مثلثة: ولد الظبي أول ما يولد أو أول مشيه، أو التي نفرت من أولادها وتشردت.
17 - نوادر الراوندي: باسناده، عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام أن أبا ذر الغفاري رضي الله عنه تمعك فرسه ذات يوم فحمحم في تمعكه، فقال أبو ذر : هي حسبك الآن فقد استجيب لك، فاسترجع القوم وقالوا: خولط أبو ذر، فقال للقوم:
مالكم، قالوا: تكلم بهيمة من البهائم؟ فقال أبو ذر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا تمعك الفرس دعا بدعوتين فيستجاب له يقول: " اللهم اجعلني أحب ماله إليه " والدعوة الثانية: " اللهم ارزقه على ظهري الشهادة " ودعوتاه مستجابتان.
18 - وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان يوم الجمعة نادت
الطير الطير، والوحش الوحش، والسباع السباع: سلام عليكم هذا يوم صالح.
19 - نهج البلاغة من خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في صفة عجيب خلق أصناف من الحيوان: ولو فكروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عليلة، والبصائر مدخولة، ألا ينظرون إلى صغير ما خلق، كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر، وسوى له العظم والبشر؟ انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها وضنت على رزقها، تنقل الحبة إلى حجرها، وتعدها في مستقرها، تجمع في حرها لبردها، وفي ورودها لصدرها، مكفولة برزقها، مرزوقة برفقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولو في الصفا اليابس، والحجر الجامس ولو فكرت في مجاري اكلها وفي علوها وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها وما في الرأس من عينها واذنها، لقضيت من خلقها عجبا، ولقيت من وصفها تعبا، فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه في خلقها قادر، ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلتك الدلالة إلا على أن فاطر النملة هو فاطر النخلة لدقيق تفصيل كل شئ، وغامض اختلاف كل حي، وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلا سواء، كذلك السماء والهواء والرياح والماء، فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار وتفجر هذه البحار، وكثرة هذه الجبال، وطول هذه القلال، وتفرق هذه اللغات والألسن المختلفات، فالويل لمن جحد المقدر، وأنكر المدبر، زعموا أنهم
كالنبات مالهم زارع، ولا لاختلاف صورهم مانع، ولم يلجأوا إلى حجة فيما ادعوا ولا تحقيق لما أوعوا، وهل يكون بناء من غير بان، أو جناية من غير جان وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين، وأسرج لها حدقتين قمراوين وجعل لها السمع الخفي، وفتح لها الفم السوي، وجعل لها الحس القوي. ونابين بهما تقرض، ومنجلين بهما تقبض، يرهبها الزارع في زرعهم ولا يستطيعون ذبها ولو أجلبوا بجمعهم حتى ترد الحرث في نزواتها، وتقضي منه شهواتها، وخلقها كله لا يكون أصبعا مستدقة.
فتبارك الله الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها ويعفر له خدا ووجها، ويلقي بالطاعة إليه سلما وضعفا، ويعطي له القياد رهبة وخوفا فالطير مسخرة لامره، أحصى عدد الريش منها والنفس، وأرسى قوائمها على الندى واليبس، قدر أقواتها، وأحصى أجناسها، فهذا غراب وهذا عقاب، وهذا حمام وهذا نعام، دعا كل طير باسمه، وتكفل برزقه، وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها وعدد قسمها، فبل الأرض بعد جفوفها، وأخرج نبتها بعد جدوبها.
تبيين، التفكير: إعمال النظر في الشئ، يقال: فكر فيه كضرب، وفكر بالتشديد وأفكر وتفكر بمعنى، والجسيم: العظيم، والحريق اسم من الاحتراق والبصائر جمع البصيرة وهي والبصر بالتحريك: العلم والخبرة، وفي بعض النسخ:
الابصار موضع البصائر، والدخل بالتحريك: ما داخلك من فساد في عقل أو جسم والعيب والريبة، يقال: هذا الامر فيه دخل ودغل بمعنى، وقد دخل كفرح، ودخل على البناء للمفعول، والاحكام: الاتقان، وركبه تركيبا أي وضع بعضه على بعض فتركب، وفلق كضرب أي شق فانفلق، ومنه " فالق الحب والنوى " واستوى
الشئ: اعتدل، وسويته: عدلته، والنملة واحدة النمل، والجثة بالضم للانسان:
شخصه قاعدا أو نائما، فإن كان منتصبا فهو طل بالتحريك، والشخص عام، كذا قيل وفي القاموس: جثة الانسان: شخصه، ولطف الشئ ككرم لطافة بالفتح وقيل: هو اسم أي صغر ودق، والهيئة: حال الشئ وكيفيته، ونلته بالكسر أنيله أي أصبته، واللحظ في الأصل: النظر بمؤخر العين وهو أشد التفاتا من الشزر وفي بعض النسخ: بلحظ النظر، واستدرك الشئ وأدركه بمعنى، ذكره الجوهري واستدركت ما فات وتداركته بمعنى، واستدركت الشئ بالشئ أي حاولت إدراكه به، والفكر كعنب جمع فكرة بالكسر وهو إعمال النظر، وقيل: اسم من الافتكار كالعبرة من الاعتبار، وفي بعض النسخ: الفكر بسكون العين، ومستدرك الفكر على بناء المفعول يحتمل أن يكون مصدرا أي إدراك الكفر أو يطلبها الادراك، ولعله أنسب بقوله عليه السلام: " بلحظ البصر " وأن يكون اسم مفعول أي بالفكر الذي يدركه الانسان ويصل إليه أو يطلب إدراكه أي منتهى طلبه لا يصل إلى إدراك ذلك، وأن يكون اسم مكان، والباء بمعنى في، ودب كفر أي مشى رويدا، وصبت على بناء المفعول من الصب وهو في الأصل الإراقة، وقيل: هو على العكس أي صبت رزقها عليها والظاهر أنه لا حاجة إليه، أي كيف ألهمت حتى انحطت على رزقها، واستعير له الصب لهجومها عليه، وفي بعض النسخ: " وضنت " بالضاد المعجمة والنون على بناء المعلوم أي بخلت برزقها، وذكر دبيبها لأنه متوقف على القوائم والمفاصل والقوى الجزئية، وتركبها فيها مع غاية صغرها على وجه تنتظم به حركاتها السريعة المتتابعة مظهر للقدرة ولطيف الصنعة، وذكر الصب أو الضنة للدلالة على علمها بحاجتها إلى الرزق وحسن نظرها في الاعداد والحفظ، والجحرة بالضم: الحفرة التي تحتفرها الهوام والسباع لأنفسها، وأعده أي هيأه، ومستقرها: موضع استقرارها، والورود في الأصل: الاشراف على الماء للشرب، والصدر بالتحريك: رجوع الشاربة من الورود كان المعنى: تجمع في أيام التمكن من الحركة لأيام العجز عنها، فإنها تظهر في الصيف وتخفى في الشتاء لعجزها عن البرد، وكفل كنصر وقيل: كعلم وشرف أي
ضمن، قيل: تقول: كفلته وبه وعنه: إذا تحملت به، بوفقها أي بقدر كفايتها وأغفلت الشئ إغفالا أي تركته إهمالا من غير نسيان، والمنان: المنعم المعطي من المن بمعنى العطاء لا من المنة، وقد يشتق منه وهو مذموم، وحرمه كمنعه: ضد أعطاه والديان: الحاكم والقاضي، وقيل: القهار، وقيل: السائس وهو القائم على الشئ بما يصلحه كما تفعل الولاة والامراء بالرعية، ووجه المناسبة على الأخير واضح ولعله على الأول هو أن إعطاء كل شئ ما يستحقه ولو على وجه التفضل من فروع الحكم بالحق، وعلى الثاني الاشعار بأن قهره سبحانه لا يمنعه عن العطاء كما يكون في غيره أحيانا، والصفا مقصورا: الحجارة، وقيل: الحجر الصلد الضخم لا ينبت شيئا والواحدة صفاة، وجمس وجمد بمعنى، وقيل: أكثر ما يستعمل في الماء جمد، وفي السمن وغيره جمس، وصخرة جامسة أي ثابتة في موضعها، والاكل بالضم كما في بعض النسخ وبضمتين كما في بعضها: المأكول، والأكلة بالضم: اللقمة، وعلوها وسفلها بالضم فيهما في بعض النسخ، وبالكسر في بعضها، والضميران كالسوابق.
قال بعض شراح النهج: علوها: رأسها وما يليه إلى الجزء المتوسط، ويحتمل رجوعهما إلى المجاري، والشراسيف: مقاط الأضلاع وهي أطرافها التي تشرف على البطن، وقيل: الشرسوف كعصفور: غضروف معلق بكل ضلع مثل غضروف الكتف، ولا حاجة إلى الحمل على المجاز كما يظهر من كلام بعض الشارحين، والاذن بضمتين في النسخ، والقضاء يكون بمعنى الأداء، قال الله تعالى: " فإذا قضيتم مناسككم " وقال: " فإذا قضيتم الصلاة " وقضاء العجب " التعجب أو التعجب الكامل، وقال بعض الشارحين: يحتمل أن يكون بمعنى الموت من قولهم: قضى فلان أي مات، أي لقضيت نحبك من شدة تعجبك، ويكون " عجبا " نصبا على المفعول له، ولا يخفى بعده، والدعامة والدعام بالكسر فيهما: عماد البيت، والخشب المنصوب للتعريش
وفيه تشبيه لها بالبيت المبني على الدعائم، وفي بعض النسخ: " لم يعنه " والضرب في الأرض: السير فيها أو الاسراع فيه، والدلالة بالفتح كما في بعض النسخ وبالكسر كما في بعضها، الاسم من قولك: دله إلى الشئ وعليه، أي أرشده وسدده، والغامض:
خلاف الواضح، والغرض من الكلام دفع توهم يسر الخلق وسهولة الابداع في بعض الأشياء للصغر وخفاء دقائق الصنع، والجليل: العظيم، يقال: جل كفر جلالة بالفتح أي عظم، والغرض استواء نسبة القدرة الكاملة إلى الأنواع، كذلك السماء قيل: المشبه به الأمور المتضادة السابقة، والمشبه هو السماء والهواء والرياح والماء ووجه الشبه هو حاجتها في خلقها وتركيبها وأحوالها المختلفة والمتفقة إلى صانع حكيم، ويحتمل أن يكون التشبيه في استواء نسبة القدرة.
فانظر إلى الشمس والقمر الخ، أي تدبر فيما أودع في هذه الأشياء من غرائب الصنعة ولطائف الحكمة، وقيل: استدلال بامكان الاعراض على ثبوت الصانع بأن يقال:
كل جسم يقبل لجسميته المشتركة بينه وبين سائر الأجسام ما يقبله غيره من الأجسام فإذا اختلف الأجسام في الاعراض فلابد من مخصص وهو الصانع الحكيم انتهى.
واختلاف الليل والنهار: تعاقبهما، وفجر الماء أي فتح له طريقا فتفجر وانفجر أي جري وسال، والمراد البحار الأنهار العظيمة أو البحار المعروفة، وتفجرها:
جريانها لو وجدت طريقا، والقلال كجبال جمع قلة: بالضم وهي أعلى الجبل، وقيل:
الجبل، وتفرق اللغات: اختلافها وتباينها كما قال عز وجل: " واختلاف ألسنتكم وألوانكم " والويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وعلم واد في جهنم والجملة تحتمل الاخبار والدعاء، قال سيبويه: الويل مشترك بين الدعاء والخبر.
والمراد بالنبات ما ينبت في الصحارى والجبال من غير زرع، وليس المراد أن النبات ليس له مقدر ولا مدبر، بل المعنى أن النبات المذكور كما أنه ليس له مدبر من البشر يزعمون أن الانسان يحصل من غير مدبر أصلا، وقيل: المراد أنهم قاسوا
أنفسهم على النبات الذي جعلوا من الأصول المسلمة أنه لا مقدر له بل ينبت بنفسه من غير مدبر، وذكر الاختلاف في الصور لأنه من الدلائل الواضحة على الصانع لم يلجأوا أي لم يستندوا، والغرض استنادهم في دعواهم إلى قياس باطل وظن ضعيف كما قال عز وجل: " وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون " وأوعى الشئ ووعاه على المجرد كما في بعض النسخ أي حفظه وجمعه، أي لم يرتبوا العلوم الضرورية، ولم يحصلوا المقدمات على وجهها حتى تفضي إلى نتيجة صحيحة، وجنى فلان جناية بالكسر أي جر جريرة على نفسه وقومه، ويقال: جنيت الثمرة أجنيها واجتنيتها أي اقتطفتها، واسم الفاعل منها " جان " إلا أن المصدر من الثاني " جنى " لا جناية، والغرض دعوى الضرورة في الاحتياج إلى الصانع والفاعل كالبناء والجناية لا الاستناد إلى القياس.
قلت في الجرادة، أي تكلمت في بديع صنعتها وعجيب فطرتها، وأسرج لها حدقتين، أي جعلهما، مضيئتين كالسراج، قمراوين أي منيرتين كالليلة القمراء المضيئة بالقمر، وجعل لها السمع الخفي أي من عين أعين الناظرين، وقيل: المراد بالخفي اللطيف السامع لخفي الأصوات، فوصف بالخفة مجازا من قبيل إطلاق اسم المقبول على القابل وهو أنسب بقوله عليه السلام: وجعل لها الحس القوي، وقيل: أراد بحسها قوتها الوهمية، وبقوته حذفتها فيما ألهمت إياه من وجوه معاشها وتصرفها يقال: لفلان حس حاذق: إذا كان ذكيا فطنا دراكا، والناب في الأصل: السن خلف الرباعية، وقرض كضرب أي قطع، والمنجل كمنبر: حديدة يقضب بها الزرع وقيل: المنجلان رجلاها شبههما بالمناجل لعوجهما وخشونتهما، ورهبه كعلم أي خاف، وذب عن حريمه كمد أي دفع وحمى، وأجلبوها أي تجمعوا وتألبوا، وأجلب على فرسه أي استحثه للعدو بوكز أو صياح أو نحو ذلك، بجمعهم أي بأجمعهم، وكلمة
" لو " للوصل، والحرث: الزرع، ونزا كدعا أي وثب " وخلقها " الجملة حالية واستدق صار دقيقا، " الذي يسجد " أي حقيقة فإنه يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثقلين " طوعا " حالتي الشدة والرخاء، والكفرة له كرها حال الشدة والضرورة أو أعم منها ومن السجدة المجازية وهي الخضوع والدخول تحت ذل الافتقار والحاجة كما مر مرارا، والعفر بالتحريك وقد يسكن: وجه الأرض ويطلق على التراب وعفره في التراب كضرب وعفره تعفيرا أي مرغه فيه، وكان التعفير في البعض كأهل السماوات كناية عن غاية الخضوع، والالقاء بالطاعة مجاز عن الانقياد، وفي بعض النسخ بالطاعة إليه، والسلم بالكسر كما في بعض النسخ الصلح وبالتحريك كما في بعضها: الاستسلام والانقياد، والقياد بالكسر: ما يقاد به وإعطاء القياد: الانقياد، والرهبة: الخوف، وأرسى أي أثبت، والندى: البلل والمطر، واليبس بالتحريك: ضد الرطوبة، وطريق يبس أي لا نداوة فيه ولا بلل والحمام بالفتح:
كل ذي طوق من الفواخت والقماري والوراشين وغيرها، والحمامة تقع على الذكر والأنثى كالحية والنعامة، واسم الجنس من النعامة نعام بالفتح والغرض بيان عموم علمه سبحانه وقدرته، دعا كل طائر باسمه، قيل: الدعاء استعارة في أمر كل نوع بالدخول في الوجود، وقد عرفت أن ذلك الامر يعود إلى حكم القدرة الإلهية عليه بالدخول في الوجود كقوله تعالى: " فقال لها وللأرض ائتيا " الآية، ولما استعار الدعا رشح بذكر الاسم لان الشئ إنما يدعى باسمه، ويحتمل أن يريد الاسم اللغوي، وهو العلامة، فان لكل نوع من الطير خاصة وسمة ليست للآخر، ويكون المعنى أنه تعالى أجرى عليها حكم القدرة بما لها من السمات والخواص في العلم الإلهي واللوح المحفوظ، وقال بعضهم: أراد أسماء الأجناس وذلك أن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ كل لغة تواضع عليها العباد في المستقبل وذكر
الأسماء التي يتواضعون عليها، وذكر لكل اسم مسماه فعند إرادة خلقها نادى كل نوع باسمه فأجاب داعية وأسرع في إجابته، وكفل برزقه أي ضمن، والسحاب جمع سحابة وهي الغيم، والهطل بالفتح: تتابع المطر أو الدمع وسيلانه، وقيل: تتابع المطر المتفرق العظيم القطر، والديمة بالكسر: مطر يدوم في سكون بلا رعد وبرق والجمع ديم كعنب، وتعديد القسم: إحصاء ما قدر منها لكل بلد وأرض على وفق الحكمة، والبلة بالكسر: ضد الجفاف، يقال: بله فابتل: والجفوف بالضم: الجفاف بالفتح، والجدوب بالضم: انقطاع المطر ويبس الأرض.
20 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو تعلم البهائم من الموت ما يعلم ابن آدم ما أكلتم سمينا.
الضوء: في الحديث استزادة من بني آدم وإعلام أن البهائم لو كان لها عقل لكانت أضبط منهم، وذلك لأنها ليست بمكلفة، ولو علمت بالموت لم تأكل ولم تشرب فكانت تهزل وابن آدم يأكل ويشرب ويعلم أنه غدا ميت، وفيه تعيير بالقصور عن البهائم في هذه الخلة خاصة فعليك أيها العاقل بالانتباه من سنة الغفلة فان هذا الخطاب لك، وفائدة الحديث إعلام أن البهائم الخرس لو علمت الموت لما سمنت بالرتوع في المراتع ولامسكت عن الرعي.
21 - كتاب جعفر بن محمد بن شريح: عن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما يصاد من الطير إلا ما ضيع التسبيح.
22 - أصل قديم منقول من خط التلعكبري رحمه الله قال: أخبرني محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن موسى ابن القاسم، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن مولى للقميين، قد أخبرني عمن أخبره، عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال: قال رجل من اليهود لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا محمد أخبرني ما يقول الحمار في نهيقه؟ وما يقول الفرس في
صهيله؟ وما يقول الدراج في صوته؟ وما تقول القنبرة في صوتها؟ وما يقول الضفدع في نقيقه؟ وما يقول الهدهد في صوته؟ قال: فأطرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: أعد علي يا يهودي قال: فأعاد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما الحمار فيلعن العشار، وأما الفرس فيقول: " الملك لله الواحد القهار " وأما الدراج فيقول: " الرحمن على العرش استوى " وأما الديك فيقول: " سبوح قدوس رب الملائكة والروح " وأما الضفدع فيقول: " اذكروا الله يا غافلين " وأما الهدهد فيقول: " رحمك الله يا داود " يعني سليمان بن داود، وأما القنبرة فيقول: " لعن الله من يبغض أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
23 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم، إنما سميت الوحش لأنها استوحشت من آدم يوم هبوطه.
24 - المناقب: لابن شهرآشوب: روى أبو بكر الشيرازي بالاسناد عن مقاتل عن محمد بن الحنفية، عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى: " إنا عرضنا الأمانة " عرض الله أمانتي على السماوات السمع بالثواب والعقاب، فقلن: ربنا لا نحملها بالثواب والعقاب، ولكنها نحملها بلا ثواب ولا عقاب، وإن الله عرض أمانتي وولايتي على الطيور، فأول من آمن بها البزاة البيض والقنابر، وأول من جحدها البوم والعنقاء، فأما البوم فلا تقدر أن تظهر بالنهار لبعض الطير لها، وأما العنقاء فغابت في البحار لا ترى، وإن الله عرض إمامتي على الأرضين، فكل بقعة آمنت بولايتي جعلها طيبة زكية وجعل نباتها وثمرها حلوا عذبا، وجعل ماءها زلالا، وكل بقعة جحدت إمامتي وأنكرت ولايتي، جعلها سبخة وجعل نباتها مرا علقما وجعل ثمرها العوسج والحنظل، وجعل ماءها ملحا أجاجا، ثم قال: " وحملها الانسان " يعني أمتك يا محمد ولاية أمير المؤمنين وإمامته بما فيها من الثواب والعقاب، " إنه كان
ظلوما " لنفسه " جهولا " لأمر ربه، من لم يؤدها بحقها فهو ظلوم غشوم.
بيان: في القاموس: العلقم: الحنظل وكل شئ مر، والنبقة المرة، فإن قلت: لما أبوا أولا حملها كيف قبل بعض الطيور والأرضين؟ قلت: ليس في أول الخبر ذكر الأرضين ولا في آخره العرض على السماوات، فلا تنافي، لكن يرد عليه أنه تفسير للآية، وفيها ذكر إباء السماوات والأرضين والجبال جميعا، فذكر السماوات أولا على المثال، والاكتفاء في البعض لظهور البواقي، فاما أن يحمل العرض أولا على العرض على مجموع السماوات والأرضين والجبال إجمالا، والثاني على العرض على كل حيوان وكل بقعة تفصيلا، أو يقال: ليس في أول الخبر إلا امتناعها عن الحمل بالثواب والعقاب، فلا ينافي قبول بعضها ورد بعضها عند العرض بلا ثواب ولا عقاب، فقوله: ولكنا نحملها قول بعضهم، أو قول الجملة باعتبار البعض، أو يحمل الأول على الظاهري والثاني على القلبي، والله يعلم.
25 - الدر المنثور: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن إبراهيم حين القي في النار لم تكن في الأرض دابة إلا تطفئ عنه النار غير الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتله.
وعن أم شريك عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل الأوزاغ، وقال: كانت تنفخ على إبراهيم عليه السلام.
وعن قتادة عن بعضهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كانت الضفدع تطفئ النار عن إبراهيم، وكانت الوزغ تنفخ عليه، فنهى عن قتل هذا، وأمر بقتل الوزغ. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تسبوا الضفدع، فان صوته تسبيح وتقديس وتكبير، إن البهائم استأذنت ربها في أن تطفئ النار عن إبراهيم فأذن للضفادع فتراكبت عليه فأبدلها الله بحر النار الماء.
وعن ابن مسعود، عن كعب الحبر قال: جاءت هامة إلى سليمان فقال:
السلام عليك يا نبي الله فقال: وعليك السلام يا هام، أخبرني كيف لا تأكلين الزرع فقالت: يا نبي الله لان آدم عصي ربه بسببه فلذلك لا آكله، قال: فكيف لا تشربين الماء؟ قالت: يا نبي الله لان الله أغرق بالماء قوم نوح، من أجل ذلك تركت شربه قال: فكيف تركت العمران وسكنت الخراب؟ قالت: لان الخراب ميراث الله وأنا أسكن في ميراث الله، وقد ذكر الله في كتابه فقال: " وكم أهلنا من قرية بطرت معيشتها " إلى قوله: " وكنا نحن الوارثين ".
وعن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: " اللهم إنا خلق من خلقك ليس لنا غنى عن رزقك فاما أن تسقينا وإما أن تهلكنا، فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سقاكم بدعوة غيركم.
وعن أبي الدرداء قال: كان داود عليه السلام يقضي بين البهائم يوما وبين الناس يوما فجاءت بقرة فوضعت قرنها على حلقة الباب ثم نغمت كما تنغم الوالدة على ولدها وقالت: كنت شابة كانوا ينتجوني ويستعملوني، ثم إني كبرت فأرادوا أن يذبحوني فقال داود، أحسنوا إليها لا تذبحوها، ثم قرأ " علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ ".
وعن نوف والحكم قالا: كان النمل في زمن سليمان أمثال الذباب.
وعن ابن عباس أنه سئل كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير، قال:
إن سليمان نزل منزلا فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدل سليمان على الماء فأراد أن يسأله عنه ففقده، قيل: كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقى عليه التراب ويضع له الصبي الحبالة فيغيبها فيصيدها، فقال: إذا جاء القضاء ذهب البصر.
26 - كتاب عبد الملك بن حكيم، عن بشير النبال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سهر داود عليه السلام ليلة يتلو الزبور فأعجبته عبادته فنادته ضفدع: يا داود تعجب من سهرك ليلة، وإني لتحت هذه الصخرة منذ أربعين سنة ما جف لساني عن ذكر الله عز وجل.
27 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين عليه السلام أنه كان يقول: ما بهمت البهائم عنه فلم تبهم عن أربعة: معرفتها بالرب تبارك وتعالى، ومعرفتها بالموت، ومعرفتها بالأنثى من الذكر، ومعرفتها بالمرعى الخصب.
الكافي: عن العدة عن سهل بن زياد عن ابن محبوب مثله.
الفقيه: باسناده الصحيح عن ابن رئاب مثله، ثم قال رحمه الله: وأما الخبر الذي روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " لو عرفت البهائم من الموت ما تعرفون ما أكلتم منها سمينا قط " فليس بخلاف هذا الخبر لأنها تعرف الموت، لكنها لا تعرف منه ما تعرفون.
28 - مجالس الشيخ: عن جماعة عن أبي المفضل الشيباني عن محمد بن صالح بن فيض عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن أبي حمزة قال: كان علي بن الحسين عليه السلام يقول: مهما أبهمت عنه البهائم فلم تبهم عن أربع: معرفتها بالرب عز وجل، ومعرفتها بالمرعى الخصب، ومعرفتها بالاثني عن الذكر، ومعرفتها بالموت والفرار منه.
قال أبو المفضل: حدثنا محمد بن صالح، عن أحمد بن محمد بجميع كتاب المشيخة عن ابن محبوب.
29 - الكافي: عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن الحجال وابن فضال عن ثعلبة عن يعقوب بن سالم عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مهما أبهم على البهائم من شئ فلا يبهم عليها أربع خصال، معرفة أن لها خالقا، ومعرفة طلب الرزق، ومعرفة الذكر من الأنثى، ومخافة الموت.
30 - العلل: عن أبيه عن محمد بن يحيى العطار عن الحسن بن أبان عن محمد ابن أورمة عن الحسن بن علي عن علي بن عقبة عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لقد شكرت الشياطين الأرضة حين أكلت عصاة سليمان عليه السلام حتى
سقط، وقالوا: عليك الخراب وعلينا الماء والطين، فلا تكاد تراها في موضع إلا رأيت ماء وطينا.
31 - المناقب لا بن شهرآشوب: في حديث أبي حمزة الثمالي أنه دخل عبد الله ابن عمر على زين العابدين عليه السلام وقال: يا ابن الحسين أنت تقول: إن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي لأنه عرضت عليه ولاية جدي فتوقف عندها؟ فقال:
بلى ثكلتك أمك، قال: فأرني آية ذلك إن كنت من الصادقين، فأمر بشد عينيه بعصابة وعيني بعصابة، ثم أمر بعد ساعة بفتح أعيننا، فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه، فقال ابن عمر: يا سيدي دمي في رقبتك، الله الله في نفسي، فقال:
هيه وأريه إن كنت من الصادقين، ثم قال: يا أيتها الحوت، قال: فاطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم وهو يقول: لبيك لبيك يا ولي الله، فقال:
من أنت؟ قال: أنا حوت يونس يا سيدي، قال: أنبئنا بالخبر، قال: يا سيدي إن الله تعالى لم يبعث نبيا من آدم إلى أن صار جدك محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا وقد عرض عليه ولايتكم أهل البيت، فمن قبلها من الأنبياء سلم وتخلص، ومن توقف عنها وتمنع في حملها لقي ما لقي آدم من المعصية، وما لقي نوح من الغرق، وما لقي إبراهيم من النار، وما لقي يوسف من الجب، وما لقي أيوب من البلاء، وما لقي داود من الخطيئة، إلى أن بعث الله يونس فأوحى الله إليه:
أن يا يونس تول أمير المؤمنين عليا عليه السلام والأئمة الراشدين من صلبه - في كلام له - قال: فكيف أتولى من لم أره ولم أعرفه؟ وذهب مغتاظا، فأوحى الله إلى: أن التقمي يونس ولا توهني له عظما، فمكث في بطني أربعين صباحا يطوف معي البحار في ظلمات ثلاث ينادي " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " قد قبلت
ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة الراشدين من ولده، فلما أن آمن بولايتكم أمرني ربي فقذفته على ساحل البحر، فقال زين العابدين عليه السلام: ارجع أيها الحوت إلى وكرك واستوى الماء.
أقول: قد مر شرح الخبر وتأويله في معجزات علي بن الحسين عليه السلام وباب أحوال يونس عليه السلام.
32 - توحيد المفضل: قال الصادق عليه السلام يا مفضل فكر في هذه الأصناف الثلاثة من الحيوان وفي خلقها على ما هي عليه بما فيه صلاح كل واحد منها، فالانس لما قدروا أن يكونوا ذوي ذهن وفطنة وعلاج لمثل هذه الصناعات من البناء والنجارة والصناعة والخياطة وغير ذلك خلقت لهم أكف كبار ذوات أصابع غلاظ، ليتمكنوا من القبض على الأشياء، وأوكدها هذه الصناعات، وآكلات اللحم لما قدر أن يكون معايشها من الصيد خلقت لهم أكف لطاف مدمجة ذوات براثن ومخاليب تصلح لاخذ الصيد ولا تصلح للصناعات، وآكلات النبات لما قدر أن يكونوا لا ذات صنعة ولا ذات صيد، خلقت لبعضها أظلاف تقيها خشونة الأرض
إذا حاول طلب الرعي، ولبعضها حوافر ململمة ذوات قعر كأخمص القدم تنطبق على الأرض ليتهيأ للركوب والحمولة.
تأمل التدبير في خلق آكلات اللحم من الحيوان حين خلقت ذوات أسنان حداد، وبراثن شداد، وأشداق وأفواه واسعة، فإنه لما قدر أن يكون طعمها اللحم خلقت خلقة تشاكل ذلك وأعينت بسلاح وأدوات تصلح للصيد، وكذلك تجد سباع الطير ذوات مناقير ومخاليب مهيأة لفعلها، ولو كانت الوحوش ذوات مخالب كانت قد أعطيت ما لا يحتاج إليه لأنها لا تصيد ولا تأكل اللحم، ولو كانت السباع ذوات أظلاف كانت قد منعت ما تحتاج إليه أعني السلاح الذي به تصيد وتتعيش، أفلا ترى كيف أعطي كل واحد من الصنفين ما يشأ كل صنفه وطبقته بل ما فيه بقاؤه وصلاحه؟
انظر الآن إلى ذوات الأربع كيف تراها تتبع أمهاتها مستقلة بأنفسها لا تحتاج إلى الحمل والتربية كما تحتاج أولاد الانس، فمن أجل أنه ليس عند أمهاتها ما عند أمهات البشر من الرفق والعلم بالتربية والقوة عليها بالأكف والأصابع المهيأة لذلك ، أعطيت النهوض والاستقلال بأنفسها، وكذلك ترى كثيرا من الطير كمثل الدجاج والدراج والقبج تدرج وتلقط حين ينقاب عنها البيض، فأما ما كان منها ضعيفا لا نهوض فيه كمثل فراخ الحمام واليمام والحمر فقد جعل في الأمهات فضل عطف عليها فصارت تمج الطعام في أفواهها بعد ما توعيه حواصلها، فلا تزال تغذوها حتى تستقل بأنفسها ولذلك لم ترزق الحمام فراخا كثيرة مثل ما ترزق الدجاج لتقوى الام على تربية فراخها، فلا تفسد ولا تموت، فكل أعطي بقسط من تدبير الحكيم اللطيف الخبير.
انظر إلى قوائم الحيوان كيف تأتي أزواجا لتهيأ للمشي ولو كانت أفرادا لم تصلح لذلك، لان الماشي ينقل بعض قوائمه ويعتمد على بعض: فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على واحدة، وذو الأربع ينقل اثنين ويعتمد على اثنين، وذلك من خلاف لان ذا الأربع لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه ويعتمد على قائمتين من الجانب الآخر لما يثبت على الأرض كما لا يثبت السرير وما أشبهه، فصار ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره، وينقل الأخريين أيضا من خلاف فيثبت على الأرض ولا يسقط إذا مشى.
أما ترى الحمار كيف يذل للطحن والحمولة وهو يرى الفرس مودعا منعما، والبعير لا يطيقه عدة رجال لو استعصى كيف كان ينقاد للصبي؟ والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه ويحرث به؟ والفرس الكريم يركب السيوف والأسنة بالمواتاة لفارسه، والقطيع من الغنم يرعاه رجل واحد، ولو تفرقت الغنم فأخذ كل واحد منها في ناحية لم يلحقها، وكذلك جميع الأصناف المسخرة للانسان، فبم كانت كذلك إلا بأنها عدمت العقل والروية، فإنها لو كانت تعقل وتروى في الأمور كانت خليقة أن تلتوي على الانسان في كثير من مآربه حتى يمتنع الجمل على قائده والثور على صاحبه وتتفرق الغنم عن راعيها وأشباه هذا من الأمور.
وكذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل وروية فتوازرت على الناس كانت خليقة أن تحاجهم، فمن كان يقوم للأسد، والذئاب والنمورة والدببة لو
تعاونت وتظاهرت على الناس؟ أفلا ترى كيف حجر ذلك عليها وصارت مكان ما كان يخاف من إقدامها ونكايتها تهاب مساكن الناس وتحجم عنها ثم لا تظهر ولا تنتشر لطلب قوتها إلا بالليل، فهي مع صولتها كالخائف للانس بلا مقموعة ممنوعة منهم، ولولا ذلك لساورتهم في مساكنهم وضيقت عليهم، ثم جعل في الكلب من بين هذه السباع عطف على مالكه ومحاماة عنه وحفاظ له، فهو ينتقل على الحيطان والسطوح في ظلمة الليل لحراسة منزل صاحبه وذب الدغار عنه، ويبلغ من محبته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه ودون ماشيته وماله، ويألفه غاية الألف حتى يصبر معه على الجوع والجفوة، فلم طبع الكلب على هذه الألف إلا ليكون حارسا للانسان، له عين بأنياب ومخاليب ونباح هائل ليذعر منه السارق ويتجنب المواضع التي يحميها ويحضرها.
يا مفضل تأمل وجه الدابة كيف هو؟ فإنك ترى العينين شاخصتين أمامها لتبصر ما بين يديها لئلا تصدم حائطا أو تتردى في حفرة، وترى الفم مشقوقا شقا في أسفل الخطم ولو شق كمكان الفم من الانسان في مقدم الذقن لما استطاع أن يتناول به شيئا من الأرض، ألا ترى أن الانسان لا يتناول بها الطعام بفيه ولكن بيده تكرمة له على سائر الآكلات فلما لم يكن للدابة يد تتناول بها العلف جعل خطمها مشقوقا من أسفله لتقبض به على العلف ثم تقضمه، وأعينت بالجحفلة تتناول بها ما قرب وما بعد.
اعتبر بذنبها والمنفعة لها فيه فإنه بمنزلة الطبق على الدبر والحياء جميعا يواريهما ويسترهما، ومن منافعها فيه أن ما بين الدبر ومراقي البطن منها وضر يجتمع عليه الذئاب والبعوض، فجعل لها الذنب كالمذبة تذب بها عن ذلك الموضع،
ومنها أن الدابة تستريح إلى تحريكه وتصريفه يمنة ويسرة، فإنه لما كان قيامها على الأربع بأسرها وشغلت المقدمتان بحمل البدن عن التصرف والتقلب كان لها في تحريك الذنب راحة، وفيه منافع أخرى يقصر عنها الوهم، يعرف موقعها في وقت الحاجة إليها، فمن ذلك أن الدابة ترتطم في الوحل فلا يكون شئ أعون على نهوضها من الاخذ بذنبها، وفي شعر الذنب منافع للناس كثيرة يستعملونها في مأربهم، ثم جعل ظهرها مسطحا مبطوحا على قوائم أربع ليتمكن من ركوبها، وجعل حياءها بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضربها، ولو كان أسفل البطن كمكان الفرج من المرأة لم يتمكن الفحل منها، ألا ترى أنه تستطيع أن يأتيها كفاحا كما يأتي الرجل المرأة؟
تأمل مشفر الفيل وما فيه من لطيف التدبير فإنه يقوم مقام اليد في تناول العلف والماء وازدرادهما إلى جوفه، ولولا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض، لأنه ليست له رقبة يمدها كسائر الانعام، فلما عدم العنق أعين مكان ذلك بالخرطوم الطويل ليسدله فيتناول به حاجته، فمن ذا الذي عوضه مكان العضو الذي عدمه ما يقوم مقامه إلا الرؤوف بخلقه؟ وكيف يكون هذا بالاهمال كما قالت الظلمة؟
فان قال قائل: فما باله لم يخلق ذا عنق كسائر الانعام؟
قيل له: إن رأس الفيل واذنيه أمر عظيم وثقل ثقيل، ولو كان ذلك على عنق عظيمة لهدها وأوهنها، فجعل رأسه ملصقا بجسمه لكيلا ينال منه ما وصفنا، وخلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول به غذاءه، فصار مع عدمه العنق مستوفيا ما فيه بلوغ حاجته.
انظر الآن كيف حياء الأنثى من الفيلة في أسفل بطنها فإذا هاجت للضراب ارتفع وبرز حتى يتمكن الفحل من ضربها، فاعتبر كيف جعل حياء الأنثى من الفيلة على خلاف ما عليه في غيرها من الانعام، ثم جعلت فيه هذه الخلة ليتهيأ للامر الذي فيه قوام النسل ودوامه.
فكر في خلق الزرافة واختلاف أعضائها وشبهها بأعضاء أصناف من الحيوان، فرأسها رأس فرس، وعنقها عنق جمل، وأظلافها أظلاف بقرة، وجلدها جلد نمر، وزعم ناس من الجهال بالله عز وجل أن نتاجها من فحول شتى، قالوا: وسبب ذلك أن أصنافا من حيوان البر إذا وردت الماء تنزو على بعض السائمة وينتج مثل هذا الشخص الذي هو كالملتقط من أصناف شتى، وهذا جهل من قائله وقلة معرفته بالباري جل قدسه، وليس كل صنف من الحيوان يلقح كل صنف، فلا الفرس يلقح الجمل، ولا الجمل يلقح البقر، وإنما يكون التلقيح من بعض الحيوان فيما يشاكله ويقرب من خلقه كما يلقح الفرس الحمارة فيخرج بينهما البغل، ويلقح الذئب الضبع فيخرج بينهما السمع، على أنه ليس يكون في الذي يخرج من بينهما عضو من كل واحد منهما كما في الزرافة عضو من الفرس، وعضو من الجمل، و أظلاف من البقرة، بل يكون كالمتوسط بينهما الممتزج منهما كالذي تراه في البغل، فإنك ترى رأسه واذنيه وكفله وذنبه وحوافره وسطا بين هذه الأعضاء من الفرس والحمار وشحيجه كالممتزج من صهيل ونهيق الحمار، فهذا دليل على أنه ليست الزرافة من لقاح أصناف شتى من الحيوان كما زعم الجاهلون، بل هي خلق عجيب من خلق الله للدلالة على قدرته التي لا يعجزها شئ، وليعلم أنه خالق أصناف الحيوان كلها يجمع بين ما يشاء من أعضائها في أيها شاء ويفرق ما شاء منها في أيها شاء و يزيد في الخلقة ما شاء وينقص منها ما شاء دلالة على قدرته على الأشياء وأنه لا يعجزه شئ
أراده جل وتعالى، فأما طول عنقها والمنفعة لها في ذلك فان منشأها ومرعاها في غياطل ذوات أشجار شاهقة ذاهبة طولا في الهواء فهي تحتاج إلى طول العنق لتناول بفيها أطراف تلك الأشجار فتتقوت من ثمارها.
تأمل خلق القرد وشبهه بالانسان في كثير من أعضائه أعني الرأس والوجه و المنكبين والصدر وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضا بأحشاء الانسان، وخص مع ذلك بالذهن والفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يومي إليه ويحكي كثيرا مما يرى الانسان بفعله، حتى أنه يقرب من خلق الانسان وشمائله في التدبير في خلقته على ما هي عليه، أن يكون عبرة للانسان في نفسه، فيعلم أنه من طينة البهائم و سنخها إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب، ولولا أنه فضيلة فضله بها في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم، على أن في جسم القرد فضولا أخرى يفرق بينه وبين الانسان كالخطم والذنب المسدل والشعر المجلل للجسم كله، وهذا لم يكن مانعا للقرد أن يحلق بالانسان لو أعطي مثل ذهن الانسان وعقله ونطقه، و الفصل الفاصل بينه وبين الانسان بالصحة هو النقص في العقل والذهن والنطق.
انظر يا مفضل: إلى لطف الله جل اسمه بالبهائم كسيت أجسامهم هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف ليقيها من البرد، وكثرة الآفات، وألبست
الأظلاف والحوافر والاخفات ليقيها من الحفاء إذ كانت لا أيدي لها ولا أكف ولا أصابع مهيأة للغزل والنسج فكفوا بأن جعل كسوتهم في خلقتهم باقية عليهم ما بقوا:
لا يحتاجون إلى تجديدها والاستبدال بها، فأما الانسان فإنه ذو حيلة وكف مهيأة للعمل فهو ينسج ويغزل ويتخذ لنفسه الكسوة، ويستبدل بها حالا بعد حال، وله في ذلك صلاح من جهات: من ذلك أنه يشتغل بصنعة اللباس عن العبث وما يخرجه إليه الكفاية، ومنها: أنه يستريح إلى خلع كسوته ولبسها إذا شاء، ومنها:
أنه يتخذ لنفسه من الكسوة ضروبا، لها جمال وروعة فيتلذذ بلبسها وتبديلها، وكذلك يتخذ بالرفق من الصنعة ضروبا من الخفاف والنعال يقي بها قدميه وفي ذلك معايش لمن يعلمه من الناس، ومكاسب يكون فيها معاشهم، ومنها أقواتهم وأقوات عيالهم، فصار الشعر والوبر والصوف يقوم للبهائم مقام الكسوة، والأظلاف والحوافر والأخفاف مقام الحذاء.
فكر يا مفضل: في خلقة عجيبة في البهائم، فإنهم يوارون أنفسهم إذا ماتوا كما يواري الناس موتاهم، وإلا فأين جيف هذه الوحوش والسباع وغيرها لا يرى منها شئ، وليست قليلة فتخفى لقلتها، بل لو قال قائل: إنها أكثر من الناس لصدق.
فاعتبر ذلك بما تراه في الصحاري والجبال من أسراب الظباء والمها والحمير والوعول والأيائيل وغير ذلك من الوحوش، وأصناف السباع من الأسد والضباع و الذئاب والنمور وغيرها، وضروب الهوام والحشرات ودواب الأرض وكذلك سراب الطير من الغربان والقطا والإوز والكراكي والحمام وسباع الطير
جميعا، وكلها لا يرى منها إذا ماتت إلا الواحد بعد الواحد يصيده قانص ويفترسه سبع، فإذا أحسوا بالموت كمنوا في مواضع خفية فيموتون فيها، ولولا ذلك لامتلأت الصحاري منها حتى تفسد رائحة الهواء ويحدث الأمراض والوباء، فانظر إلى هذا الذي يخلص إليه الناس وعملوه بالتمثيل الأول الذي مثل لهم كيف جعل طبعا وفي البهائم وغيرها أدكارا ليسلم الناس من معرة ما يحدث عليهم من الأمراض والفساد.
فكر يا مفضل: في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة لطفا من الله عز وجل لهم، لئلا يخلو من نعمه جل وعز أحد من خلقه لا بعقل وروية، فان الأيل يأكل الحيات فيعطش عطشا شديدا فيمتنع من شرب الماء خوفا من أن يدب السم في جسمه فيقتله، ويقف على الغدير وهو مجهود عطشا فيعج عجيجا عاليا ولا يشرب منه، ولو شرب لمات من ساعته فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة من تحمل الظماء الغالب خوفا من المضرة في الشرب، وذلك مما لا يكاد الانسان العاقل المميز يضبطه من نفسه، والثعلب إذا أعوزه الطعم تماوت و نفخ بطنه حتى يحسبه الطير ميتا، فإذا وقعت عليه لتنهشه وثب عليها فأخذها، فمن أعان الثعلب العديم النطق والروية بهذه الحيلة إلا من توكل بتوجيه الرزق له من هذا وشبهه، فإنه لما كان الثعلب يضعف عن كثير مما يقوي عليه السباع من مساورة الصيد، أعين بالدهاء والفطنة والاحتيال لمعاشه، والدلفين يلتمس صيد الطير فيكون حيلته في ذلك أن يأخذ السمك فيقتله ويشرحه حتى يطفو على
الماء ثم يكمن تحته ويثور الماء الذي عليه حتى لا يتبين شخصه فإذا وقع الطير على السمك الطافي وثب إليها فاصطادها، فانظر إلى هذه الحيلة كيف جعلت طبعا في هذه البهيمة لبعض المصلحة.
قال المفضل: فقلت: خبرني يا مولاي عن التنين والسحاب، فقال عليه السلام:
إن السحاب كالموكل به يختطفه حيثما ثقفه كما يختطف حجر المقناطيس الحديد فهو لا يطلع رأسه في الأرض خوفا من السحاب، ولا يخرج إلا في القيظ مرة، إذا سحت السماء فلم يكن فيها نكتة من غيمة قلت: فلم وكل السحاب بالتنين يرصده ويختطفه إذا وجده، قال: ليدفع عن الناس مضرته.
قال المفضل: فقلت: قد وصفت لي يا مولاي من أمر البهائم ما فيه معتبر لمن اعتبر، فصف لي الذرة والنمل والطير، فقال عليه السلام: يا مفضل تأمل وجه الذرة الحقيرة الصغيرة هل تجد فيها نقصا عما فيه صلاحها، فمن أين هذا التقدير والصواب في خلق الذرة إلا من التدبير القائم في صغير الخلق وكبيره.
انظر إلى النمل واحتشادها في جمع القوت وإعداده، فإنك ترى الجماعة منها إذا نقلت الحب إلى بيتها بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره، بل للنمل في ذلك من الجد والتشمير ما ليس للناس مثله، أما تراهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل؟ ثم يعمدون إلى الحب فيقطعونه قطعا لكيلا ينبت فيفسد عليهم، فان أصابه ندى أخرجوه فنشروه حتى يجف، ثم لا يتخذ النمل الزبية إلا في نشز من الأرض كي لا يفيض السيل فيغرقها، فكل هذا منه بلا عقل
ولا روية، بل خلقة خلق عليها لمصلحة لطفا من الله عز وجل انظر إلى هذا الذي يقال له الليث: وتسميه العامة أسد الذباب وما أعطي من الحيلة، والرفق في معاشه، فإنك تراه حين يحس بالذباب قد وقع قريبا منه تركه مليا حتى كأنه موات لا حراك به، فإذا رأى الذباب قد اطمأن وغفل عنه دب دبيبا دقيقا حتى يكون منه بحيث يناله وثبه ثم يثب عليه فيأخذه، فإذا أخذه اشتمل عليه بجسمه كله مخافة أن ينجو منه فلا يزال قابضا عليه حتى يحس بأنه قد ضعف واسترخى ثم يقبل عليه فيفترسه ويحيى بذلك منه، فأما العنكبوت فإنه ينسج ذلك النسج فيتخذه شركا ومصيدة للذباب، ثم يكمن في جوفه فإذا نشب فيه الذباب أحال عليه يلدغه ساعة بعد ساعة فيعيش بذلك منه، فكذلك يحكي صيد الكلاب والنهود، وهكذا يحكى صيد الاشراك والحبائل.
فانظر إلى هذه الدويبة الضعيفة كيف جعل طبعها مالا يبلغه الانسان إلا بالحيلة واستعمال آلات فيها فلا تزدر بالشئ إذا كانت العبرة فيه واضحة كالذرة والنملة وما أشبه ذلك فان المعنى النفيس، قد يمثل بالشئ الحقير فلا يصنع منه ذلك، كما لا يضع من الدينار وهو من ذهب أن يوزن بمثقال من حديد.
تأمل يا مفضل: جسم الطائر وخلقته فإنه حين قدر أن يكون طائرا في
الجو خفف جسمه وادمج خلقه فاقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين، ومن الأصابع الخمس على أربع، ومن منفذين للزبل والبول على واحد يجمعهما، ثم خلق ذا جؤجؤ محدد ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه كما جعل السفينة بهذه الهيئة لتشق الماء وتنفذ فيه، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران، وكسي كله الريش ليداخله الهواء فيقله، ولما قدر أن يكون طعمه الحب واللحم يبلعه بلعا بلا مضغ نقص من خلقه الأسنان وخلق له منقار صلب جاس يتناول به طعمه فلا ينسجح من لقط الحب ولا يتقصف من نهش اللحم، ولما عدم الأسنان وصار يزدرد الحب صحيحا واللحم غريضا أعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحنا يستغنى به عن المضغ.
واعتبر ذلك بأن عجم العنب وغيره يخرج من أجواف الانس صحيحا ويطحن في أجواف الطير، لا يرى له أثر، ثم جعل مما يبيض بيضا ولا يلده ولادة لكيلا يثقل عن الطيران، فإنه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم لاثقلته وعاقته عن النهوض والطيران، فجعل كل شئ من خلقه مشاكلا للامر الذي قدر أن يكون عليه، ثم صار الطائر السائح في هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه أسبوعا وبعضها أسبوعين وبعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة ثم يقبل عليه فيزقه الريح لتتسع حوصلته للغذاء، ثم يربيه ويغذيه بما يعيش به، فمن كلفه أن يلقط الطعم ويستخرجه بعد أن يستقر في حوصلته ويغذو به فراخه؟ ولأي معنى يحتمل هذه المشقة وليس بذي، روية ولا تفكر ولا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العز والرفد وبقاء الذكر؟ فهذا من فعل يشهد بأنه معطوف على فراخه لعلة لا يعرفها ولا يفكر فيها وهي دوام النسل وبقاؤه لطفا من الله تعالى ذكره.
انظر إلى الدجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ وليس لها بيض مجتمع ولا وكر موطئ، بل تنبعث تنتفخ وتقوقى وتمتنع من الطعم حتى يجمع لها البيض فتحضنه فتفرخ فلم كان ذلك منها إلا لإقامة النسل؟ ومن أخذها بإقامة النسل ولا روية ولا تفكر لولا أنها مجبولة على ذلك؟
اعتبر بخلق البيضة وما فيها من المح الأصفر الخاثر والماء الأبيض الرقيق، فبعضه لينشر منه الفرخ، وبعضه ليغذي به إلى أن تنقاب عنه البيضة وما في ذلك من التدبير، فإنه لو كان نشو الفرخ في تلك القشرة المستحضنة التي لا مساغ لشئ إليها لجعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفي به إلى وقت خروجه منها كمن يحبس في حصن حصين لا يوصل إلى من فيه فيجعل معه من القوت ما يكتفي به إلى وقت خروجه منه.
فكر في حوصلة الطائر وما قدر له فان مسلك الطعم إلى القانصة ضيق لا ينفذ فيه الطعام إلا قليلا قليلا، فلو كان الطائر لا يلقط حبة ثانية حتى تصل الأولى القانصة لطال عليه، ومتى كان يستوفي طعمه فإنما يختلسه اختلاسا لشدة الحذر فجعلت الحوصلة كالمخلاة المعلقة أمامه ليوعي فيها ما أدرك من الطعم بسرعة، ثم تنفذه إلى القانصة على مهل، وفي الحوصلة أيضا خلة أخرى، فان من الطائر ما يحتاج إلى أن يزق فراخه فيكون رده للطعم من قرب أسهل عليه.
قال المفضل: فقلت: إن قوما من المعطلة يزعمون أن اختلاف الألوان والاشكال في الطير إنما يكون من قبل امتزاج الاخلاط واختلاف مقاديرها بالمرج والاهمال.
فقال: يا مفضل هذا الوشي الذي تراه في الطواويس والدراج والتدارج على استواء ومقابلة كنحو ما يخط بالأقلام كيف يأتي به الامتزاج المهمل على شكل واحد لا يختلف؟ ولو كان بالاهمال لعدم الاستواء ولكان مختلفا.
تأمل ريش الطير كيف هو؟ فإنك تراه منسوجا كنسج الثوب من سلوك دقاق قد الف بعضه إلى بعض كتأليف الخيط إلى الخيط، والشعرة إلى الشعرة، ثم ترى ذلك النسج إذا مددته ينفتح قليلا ولا ينشق لتداخله الريح، فيقل الطائر إذا طار، وترى في وسط الريشة عمودا غليظا متينا قد نسج عليه الذي هو مثل الشعر ليمسكه بصلابته، وهو القصبة التي في وسط الريشة، وهو مع ذلك أجوف ليخف على الطائر ولا يعوقه عن الطيران.
هل رأيت يا مفضل هذا الطائر الطويل الساقين؟ وعرفت ماله من المنفعة في طول ساقيه؟ فإنه أكثر ذلك في ضحضاح من الماء فتراه بساقين طويلين كأنه ربيئة فوق مرقب، وهو يتأمل ما يدب في الماء فإذا رأى شيئا مما يتقوت به خطا خطوات
رقيقا حتى يتناوله، ولو كان قصير الساقين وكان يخطو نحو الصيد ليأخذه يصيب بطنه الماء فيثور ويذعر منه فيتفرق عنه فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسد عليه مطلبه.
تأمل ضروب التدبير في خلق الطائر فإنك تجد كل طائر طويل الساقين طويل العنق، وذلك ليتمكن من تناول طعمه من الأرض، ولو كان طويل الساقين قصير العنق لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض، وربما أعين مع طول العنق بطول المناقير ليزداد الامر عليه سهولة له وإمكانا، أفلا ترى أنك لا تفتش شيئا من الخلقة إلا وجدته على غاية الصواب والحكمة.
انظر إلى العصافير كيف تطلب اكلها بالنهار فهي لا تفقده ولا هي تجده مجموعا معدا، بل تناله بالحركة والطلب، وكذلك الخلق كله، فسبحان من قدر الرزق كيف قوته فلم يجعل مما لا يقدر عليه إذ جعل للخلق حاجة إليه ولم يجعله مبذولا يناله بالهوينا إذا كان لا صلاح في ذلك، فإنه لو كان يوجد مجموعا معدا كانت البهائم تتقلب عليه ولا تتقلع عنه حتى تبشم فتهلك، وكان الناس أيضا يصيرون بالفراغ إلى غاية الأشر والبطر حتى يكثر الفساد ويظهر الفواحش.
أعلمت ما طعم هذه الأصناف من الطير التي لا تخرج إلا بالليل كمثل البوم والهام والخفاش؟ قلت: لا يا مولاي.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.