بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
3 باب إبليس لعنه الله وقصصه وبدء خلقه ومكائده ومصائده و أحوال
ج ۶۰، ص ۲۶۳–۲۹۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۵ از ۷
148 - الكافي: عن علي بن محمد عن علي بن العباس عن الحسن بن عبد الرحمن عن منصور بن يونس عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: " وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون " فقال: يا أبا محمد يسلط والله من المؤمن على بدنه ولا يسلط على دينه، قد سلط على أيوب عليه السلام فشوه خلقه ولم يسلط على دينه، وقد يسلط من المؤمنين على أبدانهم ولا يسلط على دينهم قلت له: قول الله عز وجل: " إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون " قال: الذين هم بالله مشركون يسلط على أبدانهم وعلى أديانهم.
تبيين: قد مر الكلام في تفسير الآية، ولما كانت الاستعاذة الكاملة ملزومة للايمان الكامل بالله وقدرته وعلمه وكماله والاقرار بعجز نفسه وافتقاره في جميع أموره إلى معونته تعالى وتوكله في كل أحواله عليه، فلذا ذكر بعد الاستعاذة أنه ليس له
سلطنة واستيلاء على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، فالمستعيذ به تعالى في أمانه وحفظه إذا راعى شرائط الاستعاذة.
وقوله عليه السلام: ولا يسلط على دينه، أي في أصول عقائده أو الأعم منها ومن الأعمال فإنه إذا كان على حقيقة الايمان وارتكب باغوائه بعض المعاصي فالله يوفقه للتوبة و الإنابة، ويصير ذلك سببا لمزيد رفعته في الايمان وبعده عن وساوس الشيطان، ويدل الخبر على أن ضمير " به " راجع إلى الرب كما هو الأظهر لا إلى الشيطان.
149 - الكافي: عن عدة من أصحابه عن سهل بن زياد وعلي بن إبراهيم عن أبيه جميعا عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم، وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه وانتفخت أوداجه ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض فان رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك.
150 - حياة الحيوان: قال وهب بن الورد: بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا عليه السلام فقال له: أنصحك؟ فقال: لا أريد ذلك، ولكن أخبرني عن بني آدم فقال: هم عندنا ثلاثة أصناف: صنف منهم أشد الأصناف عندنا، نقبل على أحدهم حتى نفتنه في دينه ونستمكن منه، فيفزع إلى الاستغفار والتوبة فيفسد علينا كل شئ نصيبه منه، ثم نعود إليه فيعود إلى الاستغفار والتوبة فلا نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا فنحن معه في عناء، وصنف هم في أيدينا بمنزلة الكرة في أيدي صبيانكم نتلقفهم كيف شئنا قد كفينا مؤنة أنفسهم، وصنف منهم مثلك معصومون لا نقدر منهم على شئ.
151 - المتهجد: عن جماعة عن أبي المفضل عن عبد الله بن الحسين العلوي عن عبد العظيم الحسني أن أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام كتب هذه العوذة لابنه أبي الحسن عليه السلام وساق الدعاء الطويل إلى قوله: أمتنع من شياطين الإنس والجن ومن رجلهم وخيلهم وركضهم وعطفهم ورجعتهم وكيدهم وشرهم وشر ما يأتون به تحت الليل وتحت النهار من البعد والقرب ومن شر الغائب والحاضر إلى قوله: ومن شر الدناهش والحس واللمس واللبس ومن عين الجن والإنس ومن شر كل صورة وخيال أو بياض أو سواد أو مثال أو معاهد أو غير معاهد ممن يسكن الهواء والسحاب والظلمات والنور والظل والحرور والبر والبحور والسهل والوعور والخراب والعمران والآكام والآجام والمغائض والكنائس والنواويس والفلوات والجبانات من الصادرين والواردين ممن يبدو بالليل وينتشر بالنهار وبالعشي والأبكار والغدو والآصال والمريبين والأسامرة والأفاترة وابن فطرة، والفراعنة والأبالسة ومن جنودهم وأزواجهم وعشائرهم وقبائلهم، ومن همزهم ولمزهم ونفثهم ووقاعهم وأخذهم وسحرهم وضربهم وعينهم ولمحهم واحتيالهم واحلافهم، ومن شر كل ذي شر من السحرة والغيلان وأم الصبيان
وما ولدوا وما وردوا إلى آخر الدعاء.
توضيح: قال الكفعمي رحمه الله: الدناهش: جنس من أجناس الجن، والحس:
الصوت الخفي، وبرد يحرق الكلاء والقتل، والتمثال: الصورة والمعاهد: الذي حصل منه الأمان، والآكام جمع أكمة وهي الرابية، والآجام جمع أجمة وهي منبت الشجر والقصب الملتف والمغائض جمع مغيضة وهي الأجمة. وكنايس اليهود معروفة.
والنواويس: مقابر النصارى. والمريبين: الذين يأتون بالريبة والتهمة والأسامرة:
الذين يتحدثون بالليل، والأفاترة: الأبالسة، وابن فطرة: حية خبيثة.
والفراعنة: العتاة. والأبالسة: هم الشياطين وهم ذكور وإناث يتوالدون ولا يموتون ويخلدون في الدنيا كما خلد إبليس وإبليس هو أبو الجن، والجن ذكور وإناث ويتوالدون ويموتون، وأما الجان فهو أبو الجن، وقيل: هو إبليس، وقيل: إنه مسخ الجن كما أن القردة والخنازير مسخ الانس، والكل خلقوا قبل آدم عليه السلام، والعرب تنزل الجن مراتب، فإذا ذكروا الجنس قالوا: جن، فان أرادوا أنه يسكن مع الناس قالوا: عامر والجمع عمار، فان كانوا ممن يتعرض للصبيان قالوا: أرواح، فان خبث فهو شيطان فان زاد على ذلك قالوا: مارد، فان زاد على القوة قالوا عفريت، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: خلق الله الجن خمسة أصناف: صنف كالريح في الهواء، وصنف حياة، وصنف عقارب، وصنف حشرات الأرض، وصنف كبني آدم عليهم الحساب والعقاب. والغيلان:
سحرة الجن. وأم الصبيان: ريح تعرض لهم.
أقول: وسيأتي الدعاء بتمامه مشروحا في كتاب الدعاء إن شاء الله.
152 - الفقيه: قال: قال الصادق عليه السلام: إذا تغولت بكم الغول فأذنوا.
153 - المحاسن: عن عبيد بن يحيى بن المغيرة عن محمد بن سنان عن سلام
المدائني عن جابر الجعفي عن محمد بن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا تغولت بكم الغيلان فأذنوا بأذان الصلاة.
بيان: قال الشهيد رحمه الله في الذكرى: في الجعفريات عن النبي صلى الله عليه وآله إذا تغولت بكم الغيلان فأذنوا بأذان الصلاة.
ورواه العامة وفسره الهروي بأن العرب تقول: إن الغيلان في الفلوات تراءى للناس، تتغول تغولا أي تتلون تلونا، فتضلهم عن الطريق وتهلكهم. وروي في الحديث.
" لا غول " وفيه إبطال لكلام العرب فيمكن أن يكون الأذان لدفع الخيال الذي يحصل في الفلوات وإن لم تكن له حقيقة، وفي مضمر سليمان الجعفري سمعته يقول: " أذن في بيتك فإنه يطرد الشيطان، ويستحب من أجل الصبيان " وهذا يمكن حمله على أذان الصلاة.
وفي النهاية: فيه " لا غول ولا صفر " الغول: أحد الغيلان، وهي جنس من الجن والشياطين وكانت العرب تزعم أن الغول تتراءى للناس، فتتغول تغولا أي تتلون تلونا في صور شتى، وتغولهم أي تضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبطله، وقيل:
قوله: [لا غول] ليس نفيا لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال مزعم العرب وتلونه بالصور المختلفة واغتياله: فيكون المعني بقوله: " ولا غول " إنها لا تستطيع أن تضل أحدا ويشهد له الحديث الآخر: " لا غول ولكن السعالى " السعالى: سحرة الجن أي ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث: " إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان " أي ادفعوا شرها بذكر الله تعالى، وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها.
154 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
الضوء: الشيطان: فيعال من شطن: إذا تباعد، فكأنه يتباعد إذا ذكر الله تعالى وقيل: إنه فعلان من شاط يشيط: إذا احترق غضبا لأنه يحترق ويغضب إذا أطاع العبد فيقول صلى الله عليه وآله: إن الشيطان لا يزال يراقب العبد ويوسوس إليه في نومه ويقظته، وهو جسم لطيف هوائي يمكنه أن يصل إلى ذلك، والانسان غاو غافل فيوصل كلامه ووسواسه إلى باطن اذنه فيصير إلى قلبه، والله تعالى هو العالم بكيفية ذلك، فأما وسواسه فلا شك فيه، والشيطان هنا اسم جنس ولا يريد به إبليس فحسب وذلك لأن له أولادا وأعوانا وذكر جريانه من ابن آدم مجرى الدم مثل، ولا يعني به أنه يدخل عروقه وأوراده وتجاويف أعضائه، بل المعنى أنه لا يزايله كما يقال: فلان يلازمني ملازمة الظل وملازمة الحفيظين وملازمة الروح الجسد وملازمة القرن الشاة إلى غير ذلك، كلام العرب إشارات وتلويحات والكلام إذا ذهب عنه المجاز والاستعارة زالت طلاوته وفارقه رونقه وبقي مغسولا وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله من أفصح الناس، وفي كلام بعضهم: احترس من الشيطان فإنه عدو مبين يراك ولا تراه ويكيدك وأنت لا تعلم وهو قديم وأنت حديث، وأنت سليم الصدر وهو خبيث.
وفائدة الحديث إعلام أن الشيطان يلازمك ويراصدك من حيث لا تعلم، فعليك بالاحتراز منه والتوقي من مكره وكيده ووسوسته، والراوي أنس بن مالك.
155 - الكافي: بإسناده عن عطية أبي العرام قال: ذكرت لأبي عبد الله عليه السلام المنكوح من الرجال فقال: ليس يبلي الله بهذا البلاء أحدا وله فيه حاجة ان في أدبارهم أرحاما منكوسة وحياء أدبارهم كحياء المرأة قد شرك فيهم ابن لإبليس يقال له: زوال فمن شرك فيه من الرجال كان منكوحا، ومن شارك فيه من النساء كانت من الموارد
العامل على هذا من الرجال إذا بلغ أربعين سنة لم يتركه الخبر.
156 - ومنه بإسناده عن يعقوب بن جعفر قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام أو أبا إبراهيم عليه السلام عن المرأة تساحق المرأة وكان متكئا فجلس فقال: ملعونة ملعونة الراكبة والمركوبة - وساق الحديث إلى أن قال قاتل الله لاقيس بنت إبليس ماذا جاءت به؟ فقال الرجل: هذا ما جاء به أهل العراق، فقال: والله لقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله قبل أن يكون العراق الخبر.
157 نوادر علي بن أسباط: عن سعيد بن عمرو بن أبي نصر عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين عليه السلام قال: كان عابد من بني إسرائيل فقال إبليس لجنده من له فإنه قد غمني، فقال واحد منهم: أنا له، فقال: في أي شئ؟ قال: أزين له الدنيا، قال: لست بصاحبه، قال الآخر: فأنا له، قال: في أي شئ؟ قال: في النساء، قال: لست بصاحبه، قال الثالث: أنا له، قال: في أي شئ؟ قال: في عبادته قال: أنت له، فلما جنه الليل طرقه فقال: ضيف، فأدخله، فمكث ليلته يصلي حتى أصبح، فمكث ثلاثا يصلي ولا يأكل ولا يشرب، فقال له العابد: يا عبد الله ما رأيت مثلك، فقال له: إنك لم تصب شيئا من الذنوب وأنت ضعيف العبادة، قال:
وما الذنوب التي أصيبها؟ قال: خذ أربعة دراهم فتأتي فلانة البغية فتعطيها درهما للحم، ودرهما للشراب، ودرهما لطيبها ودرهما لها فتقضي حاجتك منها؟ قال:
فنزل وأخذ أربعة دراهم فأتى بابها فقال: يا فلانة يا فلانة، فخرجت فلما رأته قالت:
مفتون والله، مفتون والله، قالت له: ما تريد؟ قال: خذي أربعة دراهم فهيئي لي طعاما وشرابا وطيبا وتعالي حتى آتيك، فذهبت فدارت فإذا هي بقطعة من حمار ميت
فأخذته، ثم عمدت إلى بول عتيق فجعلته في كوز، ثم جاءت به إليه، فقال: هذا طعامك؟ قالت: نعم قال: لا حاجه لي فيه، وهذا شرابك؟ فلا حاجة لي فيه، اذهبي فتهيئي، فتقذرت جهدها، ثم جاءته فلما شمها قال: لا حاجة لي فيك، فلما أصبحت كتب على بابها: إن الله قد غفر لفلانة البغية بفلان العابد.
158 - تفسير الامام: قال عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا فاذكروا يا أمة محمد محمدا وآله عند نوائبكم وشدائدكم لينصر الله بهم ملائكتكم على الشياطين الذين يقصدونكم، فان كل واحد منكم معه ملك عن يمينه يكتب حسناته وملك عن يساره يكتب سيئاته ومعه شيطانان من عند إبليس يغويانه فإذا وسوسا في قلبه ذكر الله وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد وآله حبس الشيطانان ثم سار إلى إبليس فشكواه وقالا له: قد أعيانا أمره فأمددنا بالمردة، فلا يزال يمدهما حتى يمدهما بألف مارد فيأتونه، فكلما راموه ذكر الله وصلى على محمد وآله الطيبين لم يجدوا عليه طريقا ولا منفذا، قالوا لإبليس: ليس له غيرك تباشره بجنودك فتغلبه وتغويه، فيقصده إبليس بجنوده فيقول الله تعالى للملائكة: هذا إبليس قد قصد عبدي فلانا أو أمتي فلانة بجنوده، ألا فقاتلوه، فيقاتلهم بإزاء كل شيطان رجيم منهم مائة ألف ملك وهم على أفراس من نار بأيديهم سيوف من نار ورماح من نار وقسي ونشاشيب وسكاكين وأسلحتهم من نار، فلا يزالون يخرجونهم ويقتلونهم بها ويأسرون إبليس فيضعون عليه تلك الأسلحة فيقول: يا رب وعدك وعدك، قد أجلتني إلى يوم الوقت المعلوم، فيقول الله تعالى للملائكة: وعدته أن لا أميته، ولم
أعده أن لا أسلط عليه السلاح والعذاب والآلام، اشتفوا منه ضربا بأسلحتكم فاني لا أميته، فيثخنونه بالجراحات، ثم يدعونه فلا يزال سخين العين على نفسه وأولاده المقتولين المقتلين، ولا يندمل شئ من جراحاته إلا بسماعه أصوات المشركين بكفرهم فان بقي هذا المؤمن على طاعة الله وذكره والصلاة على محمد وآله بقي إبليس على تلك الجراحات، وإن زال العبد عن ذلك وانهمك في مخالفة الله عز وجل ومعاصيه اندملت جراحات إبليس ثم قوي على ذلك العبد حتى يلجمه ويسرج على ظهره ويركبه ثم ينزل عنه ويركب ظهره شيطانا من شياطينه ويقول لأصحابه: أما تذكرون ما أصابنا من شأن هذا؟ ذل. وانقاد لنا الآن حتى صار يركبه هذا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
فان أردتم أن تديموا على إبليس سخنة عينه وألم جراحاته فداوموا على طاعة الله وذكره والصلاة على محمد وآله، وإن زلتم عن ذلك كنتم اسراء فيركب أقفيتكم بعض مردته.
بيان: النشاشيب جمع النشاب بالضم والتشديد وهو النبل. وقال الجوهري:
سخنة العين نقيض قرتها، قد سخنت عينه بالكسر فهو سخين العين، وأسخن الله عينه أي أبكاه، والمقتلين على بناء المفعول من باب الأفعال أي المعرضين للقتل، أو التفعيل تأكيدا لبيان كثرة مقتوليهم.
قال الجوهري: أقتلت فلانا: عرضته للقتل، وقتلوا تقتيلا: شدد للكثرة.
159 - تفسير الامام: قال عليه السلام: الشيطان هو البعيد من كل، خير، الرجيم:
المرجوم باللعن، المطرود من بقاع الخير.
160 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عما ندب الله الخلق إليه أدخل فيه الضلال؟ قال: نعم، والكافرون دخلوا فيه، لان الله تبارك وتعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فدخل في أمره الملائكة وإبليس، فان إبليس كان مع الملائكة في السماء يعبد الله وكانت الملائكة تظن أنه منهم ولم يكن منهم، فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم أخرج ما كان في قلب إبليس من الحسد، فعلمت الملائكة عند ذلك أن إبليس لم يكن منهم، فقيل له عليه السلام:
فكيف وقع الأمر على إبليس وإنما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم؟ فقال: كان إبليس منم بالولاء ولم يكن من جنس الملائكة، وذلك أن الله خلق خلقا قبل آدم وكان إبليس فيهم حاكما في الأرض فعتوا وأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله الملائكة فقتلوهم وأسروا إبليس ورفعوه إلى السماء، وكان مع الملائكة يعبد الله إلى أن خلق الله آدم.
161 - ومنه: عن أبيه عن ابن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام عن ثابت الحذاء عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أراد أن يخلق خلقا بيده، وذلك بعد ما مضى من الجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة - وساق الحديث إلى أن قال تعالى: - إني أريد أن أخلق خلقا بيدي وأجعل من ذريته أنبياء ومرسلين وعبادا صالحين وأئمة مهتدين، وأجعلهم خلفاء على خلقي في أرضي، وأبيد النسناس من أرضي وأطهرها منهم، وأنقل مردة الجن العصاة من بريتي وخلقي وخيرتي، واسكنهم في الهواء وفي أقطار الأرض فلا يجاورون نسل خلقي، وأجعل بين الجن وبين خلقي حجابا فلا يرى نسل خلقي الجن ولا يجالسونهم ولا يخالطونهم - وساق الحديث إلى قوله: - فخلق الله آدم فبقي
أربعين سنة مصورا، فكان يمر به إبليس اللعين فيقول: لأمر ما خلقت، فقال العالم عليه السلام فقال إبليس: لئن أمرني الله بالسجود لهذا لعصيته، ثم نفخ فيه ثم قال للملائكة " اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس " فأخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد فأبى أن يسجد، فقال الله عز وجل: " ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك * قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ".
قال الصادق عليه السلام: أول من قاس إبليس واستكبر، والاستكبار هو أول معصية عصى الله بها.
قال: فقال إبليس: يا رب اعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرب ولا نبي مرسل، قال الله تبارك وتعالى: لا حاجة لي إلى عبادتك إنما أريد أن أعبد من حيث أريد لا من حيث تريد، فأبي أن يسجد، فقال الله تبارك وتعالى: " اخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين " قال إبليس: يا رب وكيف وأنت العدل الذي لا تجوز ولا تظلم؟ فثواب عملي بطل؟ قال:
لا ولكن سلني من أمر الدنيا ما شئت ثوابا لعملك فأعطيك، فأول ما سأل البقاء إلى يوم الدين، فقال الله: قد أعطيتك، قال: سلطني على ولد آدم، قال: سلطتك قال: أجرني فيهم مجرى الدم في العروق، قال: قد: أجريتك، قال: لا يولد لهم ولد
إلا ولد لي اثنان، وأراهم ولا يروني، وأتصور لهم في كل صورة شئت، فقال: قد أعطيتك، قال: يا رب زدني، قال: قد جعلت لك ولذريتك في صدورهم أوطانا، قال:
رب حسبي، فقال إبليس عند ذلك: فوعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين.
162 - ومنه عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما أعطى الله تبارك وتعالى إبليس ما أعطاه من القوة قال آدم: يا رب سلطت إبليس على ولدي وأجريته فيهم مجرى الدم في العروق، وأعطيته ما أعطيته فما لي ولولدي؟ فقال: لك ولولدك السيئة بواحدة والحسنة بعشرة أمثالها، قال: يا رب زدني، قال: التوبة مبسوطة إلى حين تبلغ النفس الحلقوم، قال: يا رب زدني قال: اغفر ولا أبالي، قال: حسبي، قال: قلت: جعلت فداك بماذا استوجب إبليس من الله أن أعطاه ما أعطاه؟ قال: بشئ كان منه شكره الله عليه، قلت: وما كان منه جعلت فداك؟ قال: ركعتان ركعهما في السماء أربعة آلاف سنة.
163 - دلائل الطبري: عن محمد بن هارون بن موسى عن أبيه عن محمد بن همام عن أحمد بن الحسين المعروف بابن أبي القاسم عن أبيه عن بعض رجاله عن الحسن بن شعيب عن علي بن هاشم عن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما لإبليس من السلطان؟ قال: ما يوسوس في قلوب الناس، قلت: فما لملك الموت قال: يقبض أرواح الناس، قلت: وهما مسلطان على من في المشرق والمغرب؟ قال: نعم، قلت: فما لك أنت جعلت فداك من السلطان؟ قال: أعلم ما في المشرق والمغرب وما في السماوات
والأرض وما في البر والبحر وعدد ما فيهن، وليس ذلك لإبليس ولا لملك الموت.
164 - الكافي: بإسناده عن الحسن بن العباس بن الجريش قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لما يزور من بعثه الله للشقاء على أهل الضلالة من أجناد الشياطين وأرواحهم أكثر مما يزور خليفة الله الذي بعثه للعدل والصواب من الملائكة قيل:
يا أبا جعفر وكيف يكون شئ أكثر من الملائكة؟ قال: كما شاء الله عز وجل، قال السائل: يا أبا جعفر إني لو حدثت بعض الشيعة بهذا الحديث لأنكروه، قال: كيف ينكرونه؟ قال يقولون: إن الملائكة عليهم السلام أكثر من الشياطين، قال: صدقت افهم عني ما أقول، إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا وجميع الجن والشياطين تزور أئمة الضلالة ويزور إمام الهدى عددهم من الملائكة حتى إذا أتت ليلة القدر فيهبط فيها من الملائكة إلي ولي الأمر، خلق الله أو قال: قيض الله عز وجل من الشياطين بعددهم، ثم زاروا ولي الضلالة فأتوه بالإفك والكذب حتى لعله يصبح فيقول: رأيت كذا وكذا، فلو سئل ولي الأمر عن ذلك لقال: رأيت شيطانا أخبرك كذا وكذا حتى يفسر له تفسيرها ويعلمه الضلالة التي هو عليها. الحديث.
165 - ومنه: عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن محمد بن
سنان عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان عابد في بني إسرائيل لم يقارف من أمر الدنيا شيئا فنخر إبليس نخرة فاجتمعت إليه جنوده فقال: من لي بفلان؟ فقال بعضهم:
أنا، فقال: من أين تأتيه؟ فقال: من ناحية النساء، قال: لست له لم يجرب النساء، فقال له آخر: فأنا له، قال: من أين تأتيه؟ قال: من ناحية الشراب واللذات قال لست له ليس، هذا بهذا قال آخر، فأنا له، قال من أين تأتيه؟ قال: من ناحية البر، قال: انطلق فأنت صاحبه، فانطلق إلى موضع الرجل فأقام حذاءه يصلي، قال: وكان الرجل ينام، والشيطان لا ينام، ويستريح والشيطان لا يستريح.
فتحول إليه الرجل وقد تقاصرت إليه نفسه واستصغر عمله، فقال: يا عبد الله بأي شئ قويت على هذه الصلاة: فلم يجبه، ثم عاد عليه فلم يجبه، ثم عاد عليه فقال:
يا عبد الله إني أذنبت ذنبا وأنا تائب منه، فإذا ذكرت الذنب قويت على الصلاة، قال:
فأخبرني بذنب حتى أعمله وأتوب، فإذا فعلته قويت على الصلاة، فقال: ادخل المدينة فسل عن فلانة البغية فأعطها درهمين ونل منها، قال: ومن أين لي درهمين؟ ما أدري ما الدرهمين؟
فتناول الشيطان من تحت قدمه درهمين فناوله إياهما، فقام فدخل المدينة بجلابيبه يسأل عن فلانة البغية فأرشدوه الناس وظنوا أنه جاء يعظها، فأرشدوه فجاء إليها فرمى إليها بالدرهمين وقال: قومي، فقامت فدخلت منزلها وقالت: ادخل، وقالت: إنك جئتني في هيئة ليس يؤتى مثلي في مثلها، فأخبرني بخبرك، فأخبرها، فقال له: يا عبد الله إن ترك الذنب أهون من طلب التوبة، وليس كل من طلب التوبة وجدها، وإنما ينبغي أن يكون هذا شيطانا مثل لك، فانصرف فإنك لا ترى شيئا، فانصرف وماتت من ليلتها فأصبحت فإذا على بابها مكتوب: احضروا فلانة فإنها من أهل الجنة، فارتاب الناس فمكثوا ثلاثا لا يدفنونها ارتيابا في أمرها، فأوحى الله عز وجل إلى نبي من الأنبياء لا أعلمه إلا موسى بن عمران عليه السلام أن أئت فلانة فصل عليها ومر الناس أن يصلوا عليها
فاني قد غفرت لها وأوجبت لها الجنة بتثبيطها عبدي فلانا عن معصيتي.
166 - ومنه: عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن محمد بن سعيد عن زكريا بن محمد عن أبيه عن عمرو عن أبي جعفر عليه السلام: قال كان قوم لوط من أفضل قوم خلقهم الله، فطلبهم إبليس الطلب الشديد، وكان من فضلهم وخيرتهم أنهم إذا خرجوا إلى العمل خرجوا بأجمعهم وتبقى النساء خلفهم، فلم يزل إبليس يعتادهم وكانوا إذا رجعوا خرب إبليس ما يعملون، فقال بعضهم لبعض: تعالوا نرصد هذا الذي يخرب متاعنا، فرصدوه فإذا هو غلام أحسن ما يكون من الغلمان، فقالوا له: أنت الذي تخرب متاعنا مرة بعد أخرى؟ فأجمع رأيهم على أن يقتلوه، فبيتوه عند رجل فلما كان الليل صاح فقال له: ما لك؟ فقال: كان أبي ينومني على بطنه، فقال له:
تعال فنم على بطني، قال فلم يزل يدلك الرجل حتى علمه أن يفعل بنفسه، فأولا علمه إبليس، والثانية علمه هو، ثم انسل ففر منهم فأصبحوا فجعل الرجل يخبر بما فعل بالغلام ويعجبهم منه وهم لا يعرفونه، فوضعوا أيديهم فيه حتى اكتفى الرجال بعضهم ببعض، ثم جعلوا يرصدون مارة الطريق يفعلون بهم حتى تنكب مدينتهم الناس، ثم تركوا نساءهم وأقبلوا على الغلمان، فلما رأى أنه قد أحكم أمره في الرجال جاء إلى النساء فصير نفسه امرأة، ثم قال: إن رجالكن يفعل بعضهم ببعض؟ قالوا:
نعم قد رأينا ذلك، وكل ذلك يعظهم لوط عليه السلام ويوصيهم وإبليس يغويهم حتى استغنى النساء بالنساء الحديث الطويل.
بيان: يعتادهم أي يعتاد المجئ إليهم أو ينتابهم كلما رجعوا أقبل اللعين، قال في القاموس: العود: انتياب الشئ كالاعتياد، وفي المحاسن: فلما حسدهم إبليس لعبادتهم كانوا إذا رجعوا " وفي ثواب الأعمال: " فأتى إبليس عبادتهم ". " فأولا علمه " كذا في النسخ بتقديم اللام على الميم في الموضعين ولعل الأظهر تقديم الميم، أي أو لا أدخل إبليس ذكر الرجل، وثانيا أدخل الرجل ذكره، وعلى ما في النسخ كأن المعنى أنه كان أولا معلم هذا الفعل حيث علمه ذلك الرجل ثم صار الرجل معلم الناس.
167 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن سليمان بن داود أمر الجن فبنوا له بيتا من قوارير فبينا هو متكئ على عصاه ينظر إلى الشياطين كيف يعملون وينظرون إليه إذ حانت منه التفاتة فإذا هو برجل معه في القبة ففزع منه وقال: من أنت؟ قال: أنا الذي لا أقبل الرشى ولا أهاب الملوك، أنا ملك الموت، فقبضه وهو متكئ على عصاه فمكثوا سنة يبنون وينظرون إليه ويدأبون له ويعملون حتى بعث الله الأرضة فأكلت منسأته وهي العصا، فلما خر تبينت الانس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا سنة في العذاب المهين فالجن تشكر الأرضة بما عملت بعصا سليمان، قال: فلا تكاد تراها في مكان إلا وجد عندها ماء وطين، فلما هلك سليمان وضع إبليس السحر وكتبه في كتاب ثم طواه وكتب على ظهره: هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم من أراد كذا وكذا فليفعل كذا وكذا، ثم دفنه تحت السرير ثم استشاره لهم فقرأه فقال الكافرون: ما كان سليمان عليه السلام يغلبنا إلا بهذا، وقال المؤمنون: بل هو
عبد الله ونبيه.
168 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ذات ليلة إذ رمي ينجم فاستنار، فقال للقوم: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا رأيتم مثل هذا؟
قالوا: كنا نقول: مات عظيم وولد عظيم، قال: فإنه لا يرمى به لموت أحد ولحياة أحد ولكن ربنا إذا قضى أمرا سبح حملة العرش وقالوا: قضى ربنا بكذا، فيسمع ذلك أهل السماء التي تليهم فيقولون ذلك حتى يبلغ ذلك أهل السماء الدنيا فيسترق الشياطين السمع فربما اعتلقوا شيئا فأتوا به الكهنة فيزيدون وينقصون، فتخطئ الكهنة وتصيب ثم إن الله عز وجل منع السماء بهذه النجوم فانقطعت الكهانة فلا كهانة، وتلا جعفر بن محمد عليه السلام: " إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب ثاقب وقوله: " وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع " الآية.
بيان: فربما اعتلقوا شيئا أي أحبوه أو تعلموه أو تعلقوا به، في القاموس: اعتلقه أي أحبه وتعلقه وتعلق به بمعنى، وفي النهاية: أنى علقها أي من أين تعلمها ممن أخذها.
169 - الدر المنثور للسيوطي: عن ابن عمر قال: لقي إبليس موسى فقال لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلمك تكليما، أذنبت وأنا أريد أن أتوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علي، قال موسى: نعم، فدعا موسى ربه فقيل: يا موسى قد قضيت حاجتك: فلقي موسى إبليس وقال: قد أمرت أن تسجد بقبر آدم ويتاب عليك، فاستكبر وغضب وقال: لم أسجد له حيا، أسجد له ميتا؟ ثم قال إبليس: يا موسى إن لك علي حقا بما شفعت لي إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيمن أهلك: اذكرني
حين تغضب فاني أجري منك مجرى الدم. واذكرني حين تلقى الزحف فاني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف فأذكره ولده وزوجته حتى يولي، وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فاني رسولها إليك ورسولك إليها.
170 - وعن أنس قال: إن نوحا لما ركب السفينة أتاه إبليس فقال له نوح: من أنت؟ قال أنا إبليس، قال: فما جاء بك؟ قال: جئت تسأل لي ربك هل لي من توبة؟
فأوحى الله إليه: أن توبته أن يأتي قبر آدم فيسجد له، قال: أما أنا لم أسجد له حيا أسجد له ميتا؟ قال فاستكبر وكان من الكافرين.
171 - وعن جنادة بن أبي أمية قال: أول خطيئة كانت الحسد: حسد إبليس آدم أن يسجد له حين أمره فحمله الحسد على المعصية.
172 وعن قتادة: قال: لما هبط إبليس قال آدم: أي رب قد لعنته فما علمه ؟ قال:
السحر قال: فما قراءته؟ قال: الشعر، قال: فما كتابته (4)؟ قال: الوشم، قال: فما طعامه؟
قال: كل ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فما شرابه؟ قال: كل مسكر، قال:
فأين مسكنه؟ قال: الحمام، قال: فأين مجلسه؟ قال: الأسواق، قال: فما صوته؟
قال: المزمار قال: فما مصائده؟ قال النساء.
173 - وعن ابن عباس: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله قال إبليس لربه تعالى:
يا رب قد اهبط آدم وقد علمت أنه سيكون كتب ورسل، فما كتبهم ورسلهم؟ قال: رسلهم الملائكة والنبيون، وكتبهم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، قال: فما كتابي؟ قال:
كتابك الوشم، وقراءتك الشعر، ورسلك الكهنة، وطعامك ما لم يذكر اسم الله عليه وشرابك كل مسكر، وصدقك الكذب، وبيتك الحمام، ومصائدك النساء، ومؤذنك المزمار، ومسجدك الأسواق.
174 - وعن ابن عباس: قال: جاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان:
" لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم " وأقبل جبريل على إبليس فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده وولى مدبرا وشيعته فقال الرجل:
يا سراقة إنك جار لنا، فقال: إني أرى ما لا ترون، وذلك حين رأى الملائكة " اني أخاف الله والله شديد العقاب ".
175 - وعن رفاعة الأنصاري: قال: لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة ابن مالك فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر يرفع يديه فقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي.
176 - وعن أبي التياح: قال: قال رجل لعبد الرحمن بن خنيش كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وآله كادته الشياطين؟ قال: نعم تحدرت الشياطين من الجبال والأودية يريدون رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن يحرق بها رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله فزع منهم وجاءه جبرئيل فقال: يا محمد قل: ما أقول:
" أعوذ بكلمات الله التامات اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وبرأ وذرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن " قال: فطفئت نار الشياطين وهزمهم الله عز وجل.
177 - وعن ابن مسعود قال: لما كان ليلة الجن أقبل عفريت من الجن في يده شعلة من نار فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ القرآن فلا يزداد إلا قربا، فقال له جبرئيل:
ألا أعلمك كلمات تقولهن ينكب منها لفيه وتطفئ شعلته؟ قل: أعوذ بوجه الله الكريم وكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن.
فقالها فانكب لفيه وطفيت شعلته.
تتمة: تشمل على فوائد جمة: الأولى: لا خلاف بين الامامية بل بين المسلمين في أن الجن والشياطين أجسام لطيفة يرون في بعض الأحيان ولا يرون في بعضها، ولهم حركات سريعة وقدرة على أعمال قوية ويجرون في أجساد بني آدم مجرى الدم، وقد يشكلهم الله بحسب المصالح بأشكال مختلفة وصور متنوعة كما ذهب إليه السيد المرتضى رضي الله عنه، أو جعل الله لهم القدرة على ذلك كما هو الأظهر من الأخبار والآثار.
قال صاحب المقاصد: ظاهر الكتاب والسنة وهو قول أكثر الأمة أن الملائكة أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة كاملة في العلم والقدرة على الأفعال الشاقة - وساق الكلام إلى قوله: - والجن أجسام لطيفة هوائية متشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أفعال عجيبة، منهم المؤمن والكافر والمطيع والعاصي والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء النفس في الفساد والغواية بتذكير أسباب المعاصي واللذات وإنساء منافع الطاعات وما أشبه ذلك على ما قال تعالى حكاية عن الشيطان:
" وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم " وقيل: تركيب الأنواع الثلاثة من امتزاج العناصر الأربعة إلا أن الغالب على الشيطان عنصر النار، وعلى الآخرين عنصر الهواء، وذلك أن امتزاج العناصر قد لا يكون على القرب من الاعتدال بل على قدر صالح من غلبة أحدهما، فان كانت الغلبة
للأرضية يكون الممتزج مائلا إلى عنصر الأرض، وإن كانت للمائية فإلى الماء أو للهوائية فإلى الهواء أو للنارية فإلى النار، لا يبرح ولا يفارق إلا بالاجبار، أو أبان يكون حيوانا فيفارق بالاختيار، وليس لهذه الغلبة حد معين بل تختلف إلى مراتب بحسب أنواع الممتزجات التي تسكن هذا العنصر، ولكون الهواء والنار في غاية اللطافة والشفيف، كانت الملائكة والجن والشياطين بحيث يدخلون المنافذ والمضايق حتى أجواف الانسان ولا يرون بحس البصر إلا إذا اكتسبوا من الممتزجات الأخر التي تغلب عليها الأرضية والمائية جلابيب وغواشي فيرون في أبدان كأبدان الناس أو غيره من الحيوانات، والملائكة كثيرا ما تعاون الانسان على أعمال يعجز هو عنها بقوته كالغلبة على الأعداء والطيران في الهواء والمشي على الماء، ويحفظه خصوصا المضطرين عن كثير من الآفات.
وأما الجن والشياطين فيخالطون بعض الأناسي ويعاونونهم على السحر والطلسمات والنيرنجات، ثم تعرض لدفع الشبهة الواردة على هذا القول وهي أن الملائكة والجن والشياطين إن كانت أجساما ممتزجة من العناصر يجب أن تكون مرئية لكل سليم الحس كسائر المركبات وإلا لجاز أن تكون بحضرتنا جبال شاهقة وأصوات هائلة لا نبصرها ولا نسمعها، والعقل جازم ببطلان ذلك على ما هو شأن العلوم العادية وإن كانت غلبته اللطيف بحيث لا تجوز رؤية الممتزج يلزم أن لا يروا أصلا، وأن تتمزق أبدانهم وتنحل تراكيبهم بأدنى سبب، واللازم باطل لما تواتر من مشاهدة بعض الأولياء والأنبياء إياهم ومكالمتهم ومن بقائهم زمانا طويلا مع هبوب الرياح العاصفة والدخول في المضائق الضيقة، وأيضا لو كان من المركبات المزاجية لكانت لهم صور نوعية وأمزجة مخصوصة تقتضي أشكالا مخصوصة كما في سائر الممتزجات، فلا يتصور التصور بأشكال مختلفة.
والجواب: منع الملازمات: أما على القول باستناد الممكنات إلى القادر المختار
فظاهر، لجواز أن يخلق رؤيتهم في بعض الابصار والأحوال دون البعض، وأن يحفظ بالقدرة والإرادة تركيبهم ويبدل أشكالهم.
وأما على القول بالايجاب فلجواز أن يكون فيهم من العنصر الكثيف ما يحصل منه الرؤية لبعض الابصار دون البعض وفي بعض الأحوال دون البعض، أو يظهروا أحيانا في أجسام كثيفة هي بمنزلة الغشاء والجلباب لهم فيبصروا وأن يكون نفوسهم أو أمزجتهم أو صورهم النوعية تقتضي حفظ تركيبهم عن الانحلال وتبدل أشكالهم بحسب اختلاف الأوضاع والأحوال ويكون فيهم من الفطنة والذكاء ما يعرفون به جهات هبوب الرياح وسائر أسباب انحلال التركيب، فيحترزون عنها ويأوون إلى أماكن لا يلحقهم ضرر.
وأما الجواب بأنه يجوز أن تكون لطافتهم بمعنى الشفافية دون رقة القوام فلا يلائم ما يحكى عنهم من النفوذ في المنافذ الضيقة والظهور في ساعة واحدة في صور مختلفة بالصغر والكبر ونحو ذلك.
ثم ذكر مذاهب الحكماء في ذلك فقال: والقائلون من الفلاسفة بالجن والشيطان زعموا أن الجن جواهر مجردة لها تصرف وتأثير في الأجسام العنصرية من غير تعلق بها تعلق النفوس البشرية بأبدانها والشياطين هي القوى المتخيلة في أفراد الانسان من حيث استيلائها على القوى العقلية وصرفها عن جانب القدس واكتساب الكمالات العقلية إلى اتباع الشهوات واللذات الحسية والوهمية.
ومنهم من زعم أن النفوس البشرية بعد مفارقتها عن الأبدان وقطع العلاقة عنها إن كانت خيرة مطيعة للدواعي العقلية فهم الجن، وإن كانت شريرة باعثة على الشرور والقبائح معينة على الضلال والانهماك في الغواية فهم الشياطين وبالجملة فالقول بوجود الملائكة والشياطين مما انعقد عليه إجماع الآراء ونطق به كلام الله تعالى و كلام الأنبياء عليهم السلام وحكي مشاهدة الجن عن كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات من الأولياء فلا وجه لنفيها كما لا سبيل إلى إثباتها بالأدلة العقلية ، ثم ذكر طريقة المتألهين من الحكماء وقولهم بالعالم بين العالمين وعالم المثال، وانهم جعلوا الملائكة والجن والشياطين والغيلان من هذا العالم وقد مضى بعض الكلام فيه.
الثانية: اختلف أصحابنا والمخالفون في أن إبليس هل كان من الملائكة أم لا؟
فالذي ذهب إليه أكثر المتكلمين من أصحابنا وغيرهم أنه لم يكن من الملائكة، وقد مرت الأخبار الدالة عليه. قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب المقالات: إن إبليس من الجن خاصة وإنه ليس من الملائكة ولا كان منها، قال الله تعالى: " إلا إبليس كان من الجن " وجاءت الاخبار متواترة عن أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام بذلك، وهو مذهب الإمامية كلها وكثير من المعتزلة وأصحاب الحديث انتهى.
وذهب طائفة من المتكلمين إلى أنه منهم، واختاره من أصحابنا شيخ الطائفة روح الله روحه في التبيان وقال: وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام والظاهر في تفاسيرنا، ثم قال رحمه الله: ثم اختلف من قال: كان منهم. فمنهم من قال: إنه كان خازنا على الجنان، ومنهم من قال: كان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض، ومنهم من قال: إنه كان يوسوس ما بين السماء والأرض انتهى.
واحتج الأولون بوجوه: أحدها قوله تعالى: " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " قالوا: ومتى أطلق لفظ الجن لم يجز أن يعنى به إلا الجنس المعروف الذي يقابل بالانس في الكتاب الكريم.
وأجيب عنه بوجهين: الأول أن معنى " كان من الجن " صار من الجن كما أن قوله: " وكان من الكافرين " معناه صار من الكافرين ذكر ذلك الأخفش وجماعة من أهل اللغة.
الثاني: أن إبليس كان من طائفة من الملائكة يسمون جنا من حيث كانوا خزنة الجنة وقيل: سموا جنا لاجتنانهم من العيون، واستشهدوا بقول الأعشى في سليمان عليه السلام:
وسخر من جن الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجر
ورد الأول بأنه خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا لدليل.
وثانيها: قوله تعالى: " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " فنفى عن الملائكة المعصية نفيا عاما فوجب أن لا يكون إبليس منهم.
وأجيب عنه بأنه قوله تعالى: " لا يعصون " صفة لخزنة النيران لا لمطلق الملائكة يدل عليه قوله تعالى: " عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم " ولا يلزم من كونهم معصومين كون الجميع كذلك، ويرد عليه أن الدلائل الدالة على عصمة الملائكة كثيرة وقد مر كثير منها.
وثالثها: أن إبليس له نسل وذرية قال تعالى: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو " والملائكة لا ذرية لهم لأنه ليس فيهم أنثى لقوله تعالى: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " والذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى.
ويمكن الجواب عنه بعد تسليم دلالة الآية على السلب الكلي بأن انتفاء الأنثى فيهم لا يدل على انتفاء الذرية، كما أن الشياطين ليس فيهم أنثى مع أن لهم ذرية كما مر أن ذرية إبليس من نفسه وأنه يبيض ويفرخ.
وقال الشيخ رحمه الله في التبيان: من قال: إن إبليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم ولا يتناكحون ولا يتناسلون، فقد عول على خبر غير معلوم.
ورابعها: أن الملائكة رسول الله لقوله: " جاعل الملائكة رسلا " ورسل الله معصومون لقوله سبحانه ": الله أعلم حيث يجعل رسالته " ولا يجوز على رسل الله الكفر
والعصيان ملائكة كانوا أم بشرا.
وأجيب بأنه ليس المراد بالآية العموم لقوله تعالى: " الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس " قال في التبيان: وكلمة " من " للتبعيض بلا خلاف.
ولو لم يكن كذلك لجاز لنا أن نخص هذا العموم بقوله تعالى: " إلا إبليس " لأن حمل الاستثناء على أنه منقطع حمل له على المجاز كما أن تخصيص العموم مجاز وإذا تعارضا سقطا لو لم يكن التخصيص أولى. واستدلوا على مغايرة الجن للملائكة بأن الملائكة روحانيون مخلوقون من الريح في قول بعضهم ومن النور في قول بعضهم ولا يطعمون ولا يشربون، والجن خلقوا من النار لقوله تعالى: " والجان خلقناه من قبل من نار السموم " وقد ورد في الأخبار النهي عن التمسح بالعظم والروث لكونهما طعاما لهم ولدوابهم.
وأجيب بمنع المقدمات، قال في التبيان: الأكل والشرب لو علم فقدهما في الملائكة فلا نعلم أن إبليس كان يأكل ويشرب، وقد قيل: إنهم يتشمون الطعام ولا يأكلونه انتهى.
واستدل أيضا بقوله تعالى: " ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون " وعورض بقوله تعالى: " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا " لأن قريشا قالت: الملائكة بنات الله، فرد الله عليهم بقوله: " سبحان الله عما يصفون "
وأجيب بالمنع فإنه فسرت الآية بوجوه أخرى: منها أن المراد به قول الزنادقة: إن الله وإبليس أخوان أو إن الله خلق النور والخير والحيوان النافع، وإبليس خلق الظلمة والشر والحيوان الضار، وبعضهم أشركوا الشيطان في عبادة الله تعالى، وذلك هو النسب الذي جعلوه بينه سبحانه وبين الجنة.
ومنها أنهم قالوا: صاهر الله الجن فحدثت الملائكة.
واحتج القائلون بأنه من الملائكة بوجهين: الأول أن الله تعالى استثناه من الملائكة، والاستثناء يفيد اخراج ما لولاه لدخل، وذلك يوجب كونه من الملائكة.
وأجيب بأن الاستثناء ههنا منقطع، وهو مشهور في كلام العرب، كثير في كلامه تعالى، قال سبحانه: " لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما " وقال:
" لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " وأيضا فلانه كان جنيا واحدا بين الألوف من الملائكة فغلبوا عليه في قوله: " فسجدوا " ثم استثنى هو منهم استثناء واحد منهم وقد كان مأمورا بالسجود معهم، فلما دخل معهم في الأمر جاز اخراجه بالاستثناء منهم.
ورد بأن كل واحد من هذين الوجهين على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا عند الضرورة، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من الملائكة ليس فيها إلا الاعتماد على العمومات، فلو جعلناه من الملائكة لزم تخصيص ما عولتم عليه من العمومات، ولو قلنا: إنه ليس من الملائكة لزمنا حمل الاستثناء على المنقطع، ومعلوم أن تخصيص العموم أكثر في كتاب الله من حمل الاستثناء على المنقطع فكان قولي أولى، وأما قولكم: إنه جني واحد بين الألوف من الملائكة فغلبوا عليه فنقول: إنما يغلب الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه، وأما إذا كان معظم الحديث ليس إلا عن ذلك الواحد لم يجز تغليب غيره عليه، وفيه نظر.
الثاني أنه لو لم يكن من الملائكة لما كان قوله تعالى: " وإذ قلنا للملائكة
اسجدوا " متناولا له، فلا يكون تركه للسجود إباء واستكبارا ومعصية، ولما استحق الذم والعقاب فعلم أن الخطاب كان متناولا له، ولا يتناوله الخطاب إلا إذا كان من الملائكة.
وأجيب بأنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه نشأ منهم وطالت خلطته بهم والتصق بهم فلا جرم تناوله ذلك الخطاب، وأيضا يجوز أن يكون مأمورا بالسجود بأمر آخر ويكون قوله تعالى: " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك " إشارة إلى ذلك الأمر، ورد الأول بأن مخالطته لهم لا يوجب توجه الخطاب إليه كما حقق في موضعه، والثاني بأن ظاهر قوله تعالى " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس " الآية أن الاباء والعصيان إنما حصل بمخالفة هذا الأمر لا بمخالفة أمر آخر.
هذا ما قيل أو يمكن أن يقال في هذا المقام. لكن الظاهر من أكثر الأخبار والآثار عدم كونه من الملائكة، وإنه لما كان مخلوطا بهم وتوجه الخطاب إليهم شمله هذا الخطاب، وقوله تعالى: " وإذ قلنا للملائكة " مبني على التغليب الشايع في الكلام وأما ما يشعر به كلام الشيخ رحمه الله في التبيان من ورود الأخبار بأن إبليس كان من الملائكة فلم نظفر بها وإن ورد في بعضها فهو نادر مأول.
وقال رحمه الله: وأما ما روي عن ابن عباس من أن الملائكة كانت تقاتل الجن فسبي إبليس وكان صغيرا فكان مع الملائكة فتعبد معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا إلا إبليس فلذلك قال تعالى: " إلا إبليس كان من الجن " فإنه خبر واحد لا يصح، والمعروف عن ابن عباس أنه كان من الملائكة فأبى واستكبر وكان من الكافرين.
الثالثة: لا خلاف في أن الجن والشياطين مكلفون، وأن كفارهم في النار معذبون، وأما أن مؤمنهم يدخلون الجنة فقد اختلف فيه العامة، ولم أر لأصحابنا فيه تصريحا.
قال علي بن إبراهيم في تفسيره: سئل العالم عليه السلام عن مؤمني الجن يدخلون الجنة؟ فقال: لا، ولكن لله حظائر بين الجنة والنار يكون فيها مؤمنوا الجن وفساق الشيعة.
ولا خلاف في أن نبينا صلى الله عليه وآله مبعوث عليهم، وأما سائر أولي العزم عليهم السلام فلم يتحقق عندي بعثهم عليهم نفيا أو إثباتا، وإن كان بعض الأخبار يشعر بكونهم مبعوثين عليهم، ولا بد في إثبات الحجة عليهم من بعثة نبي عليهم منهم أو بعثة الأنبياء من الانس عليهم أيضا، وقد مر أنه بعث فيهم نبي يقال له: يوسف، وقد مضى كلام الطبرسي رحمه الله والأقوال التي ذكرها في ذلك.
الرابعة: فيما ذكره المخالفون في ذلك ورواياتهم التي رووها في خواصهم و أنواعهم وأحكامهم، قال الدميري في كتاب حياة الحيوان: إن الجن أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة لها عقول وأفهام وقدرة على الكلام والأعمال الشاقة وهم خلاف الانس، الواحد جني، ويقال: إنما سميت بذلك لأنها تبقى ولا ترى وروى الطبراني باسناد حسن عن ثعلبة الحسني أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الجن ثلاثة أصناف، فصنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حياة، وصنف يحلون ويظعنون، وكذلك رواه الحاكم وقال: صحيح الاسناد وروى أبو الدنيا في كتاب مكائد الشيطان من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف حياة وعقارب وخشاش
الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب، وخلق الله الانس ثلاثة أصناف: صنف كالبهائم لهم قلوب لا يفقهون بها، وله آذان لا يسمعون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين وصنف كالملائكة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.
وأجمع المسلمون على أن نبينا محمد صلى الله عليه وآله مبعوث إلى الجن كما هو مبعوث إلى الانس، قال الله تعالى: " وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ " والجن بلغهم القرآن، وقال تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن " الآية، وقال: " تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا " قال:
" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وما أرسلناك إلا كافة للناس " وقال الجوهري: الناس قد تكون من الجن والإنس، وقال تعالى خطابا لفريقين: " سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان " والثقلان:
الجن والإنس، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض، وقيل: لأنهما مثقلان بالذنوب وقال: " ولمن خاف مقام ربه جنتان " ولذلك قيل: إن من الجن مقربين و أبرارا، كما أن من الانس كذلك، وخالف في ذلك أبو حنيفة والليث فقال: ثواب
المؤمنين منهم أن يجاروا من العذاب، وخالفهم الأكثرون حتى أبو يوسف ومحمد وليس لأبي حنيفة والليث حجة إلا قوله تعالى: " يجركم من عذاب أليم " وقول:
" فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا " فلم يذكر في الآيتين ثوابا غير النجاة من العذاب.
والجواب من وجهين: أحدهما أن الثواب مسكوت عنه.
والثاني أن ذلك من قول الجن، ويجوز أن يكونوا لم يطلعوا إلى علي ذلك وخفي عليهم ما أعد الله لهم من الثواب، وقيل: إنهم إذا دخلوا الجنة لا يكونون مع الانس بل يكونون في ربضها، وفي الحديث عن ابن عباس: قال: الخلق كلهم أربعة أصناف فخلق في الجنة كلهم وهم الملائكة، وخلق في النار كلهم وهم الشياطين، وخلق في الجنة والنار وهم الجن والإنس لهم الثواب وعليهم العقاب، وفيه شئ: وهو أن الملائكة لا يثابون بنعيم الجنة.
ومن المستغربات ما رواه أحمد بن مروان المالكي الدينوري عن مجاهد أنه سئل عن الجن المؤمنين أيدخلون الجنة، فقال: يدخلونها ولكن لا يأكلون فيها ولا يشربون بل يلهمون التسبيح والتقديس فيجدون فيه ما يجد أهل الجنة من لذيذ الطعام والشراب.
ويدل على عموم بعثته صلى الله عليه وآله من السنة أحاديث: منها ما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أعطيت جوامع الكلم وأرسلت إلى الناس كافة.
وفيه : من حديث جابر: وبعثت إلى كل أحمر وأسود.
وفيه: عن ابن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، قال: أتاني داعي الجن فذهبت معه وقرأت عليهم القرآن فانطلق بنا فأرانا آثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تأخذونه فيقع في أيديكم أوفر ما كان لحما، وكل بعر علف لدوابكم، قال: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن.
وروى الطبراني باسناد حسن عن الزبير بن العوام قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟
فسكت القوم ولم يتكلم منهم أحد، قال ذلك ثلاثا، فمر بي يمشي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى يتباعد عنا جبال المدينة كلها وأفضينا إلى أرض براز وإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستثفري ثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاي من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله صلى الله عليه وآله بإبهام رجله في الأرض خطا وقال لي: اقعد في وسطه، فلما جلست ذهب عنى كل شئ أجده من ريبة، وبقي صلى الله عليه وآله بيني وبينهم فتلا قرآنا رفيعا حتى طلع الفجر ثم أقبل حتى مر بي فقال: الحق بي، فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد فقال:
التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد؟
قلت يا رسول الله أرى سوادا كثيرة، فخفض رسول الله صلى الله عليه وآله رأسه إلى الأرض
فنظم عظما بروثة فرمى به إليهم، ثم قال: هؤلاء وفد جن نصيبين سألوني الزاد فجعلت لهم كل عظم وروثة.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.