بحارالانوار · المجلد السادس
36 - باب حجة الوداع وما جرى فيها إلى الرجوع إلى المدينة
ج ۲۲، ص ۷۲–۹۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۵ از ۷
كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي بالناس يوم الجمعة، ودخلت ميرة وبين يديها قوم يضربون بالدفوف والملاهي، فترك الناس الصلاة ومروا ينظرون إليهم، فأنزل الله: " و إذا رأو تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما " أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
نزلت " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة " للذين اتقوا " والله خير الرازقين ".
24 - تفسير علي بن إبراهيم: " وإن يكاد الذين كفروا " قال: لما أخبرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بفضل أمير المؤمنين (عليه السلام) قالوا: هو مجنون، فقال الله سبحانه: " وما هو " يعني أمير المؤمنين " إلا ذكر للعالمين ".
25 - أمالي الطوسي: الغضائري عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان غلام من اليهود يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) كثيرا حتى استخفه، وربما أرسله في حاجة، وربما كتب له الكتاب إلى قوم، فافتقده أياما فسأل عنه فقال له قائل:
تركته في آخر يوم من أيام الدنيا، فأتاه النبي (صلى الله عليه وآله) في ناس من أصحابه، وكان له (عليه السلام) بركة لا يكلم أحدا إلا أجابه، فقال: يا فلان ففتح عينه وقال: لبيك يا أبا القاسم، قال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فنظر الغلام إلى أبيه فلم يقل له شيئا، ثم ناداه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثانية وقال له مثل قوله الأول فالتفت الغلام إلى أبيه فلم يقل له شيئا، ثم ناداه رسول الله (صلى الله عليه وآله) الثالثة فالتفت
الغلام إلى أبيه فقال: إن شئت فقل، وإن شئت فلا، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ومات مكانه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبيه: اخرج عنا ثم قال (عليه السلام) لأصحابه: اغسلوه وكفنوه وأتوني به أصلي عليه ثم خرج وهو يقول: الحمد لله الذي أنجي بي اليوم نسمة من النار.
26 - تفسير علي بن إبراهيم: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما " فإنه كان سبب نزولها أن قوما من الأنصار من بني أبيرق إخوة ثلاثة كانوا منافقين: بشير ومبشر وبشر، فنقبوا على عم قتادة بن النعمان، وكان قتادة بدريا، وأخرجوا طعاما كان أعده لعياله، وسيفا ودرعا فشكى قتادة ذلك إلى رسول لله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن قوما نقبوا على عمي وأخذوا طعاما كان أعده لعياله، ودرعا وهم أهل بيت سوء، وكان معهم في الرأي رجل مؤمن يقال له: لبيد بن سهل، فقال بنو أبيرق لقتادة: هذا عمل لبيد بن سهل، فبلغ ذلك لبيدا فأخذ سيفه وخرج عليهم فقال: يا بني أبيرق أترمونني بالسرق وأنتم أولى به مني، وأنتم المنافقون تهجون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتنسبونه إلى قريش لتبينن ذلك أو لأملأن سيفي منكم، فداروه فقالوا له: ارجع رحمك الله، فإنك برئ من ذلك، فمشى بنو إبريق إلى رجل من رهطهم يقال له: أسيد بن عروة و كان منطيقا بليغا، فمشى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان عمد إلى أهل بيت منا أهل شرف وحسب ونسب فرماهم بالسرق واتهمهم بما ليس فيهم، فاغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك وجاء إليه قتادة فأقبل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: عمدت إلى أهل بيت شرف وحسب ونسب فرميتهم بالسرقة، فعاتبه عتابا شديدا، فاغتم قتادة من ذلك ورجع إلى عمه وقال: ليتني مت ولم أكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد كلمني بما كرهته، فقال عمه: الله المستعان، فأنزل الله في ذلك على نبيه: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله
ولا تكن للخائنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول " يعني الفعل فوقع القوم مقام الفعل، ثم قال: " ها أنتم هؤلاء " إلى " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا " لبيد بن سهل، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن أناسا من رهط بشير الاذنين قالوا: انطلقوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) نكلمه في صاحبنا ونعذره فإن صاحبنا برئ، فلما أنزل الله " يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم " إلى وقوله " وكيلا " فأقبلت رهط بشير فقالوا: يا بشير استغفر الله وتب من الذنب فقال: والذي أحلف به ما سرقها إلا لبيد فنزلت: " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا " ثم إن بشيرا كفر ولحق بمكة، وأنزل الله في النفر الذين أعذروا بشيرا وأتوا النبي (صلى الله عليه وآله) ليعذروه: " ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما " فنزل في بشير وهو بمكة:
" ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ".
27 - الخرائج: روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يسير في بعض مسيره فقال لأصحابه: يطلع عليكم من بعض هذه الفجاج شخص ليس له عهد بإبليس منذ ثلاثة أيام، فما لبثوا أن أقبل أعرابي قد يبس جلده على عظمه وغارت عيناه في رأسه، واخضرت شفتاه من أكل البقل، فسأل عن النبي (صلى الله عليه وآله) في أول الرفاق حتى لقيه فقال له: أعرض علي الاسلام، فقال: قل: أشهد أن لا
إله إلا الله، وأني محمد رسول الله، قال: أقررت، قال: تصلي الخمس وتصوم شهر رمضان، قال: أقررت، قال (عليه السلام) تحج البيت الحرام، وتؤدي الزكاة وتغتسل من الجنابة، قال: أقررت، فتخلف بعير الاعرابي ووقف النبي (صلى الله عليه وآله) فسأل عنه فرجع الناس في طلبه فوجدوه في آخر العسكر قد سقط خف بعيره في حفرة من حفر الجرذان فسقط فاندق عنق الاعرابي وعنق البعير وهما ميتان، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) فضربت خيمة فغسل فيه ثم دخل النبي (صلى الله عليه وآله) فكفنه، فسمعوا للنبي (صلى الله عليه وآله) حركة فخرج وجبينه يترشح عرقا وقال: إن هذا الاعرابي مات وهو جائع وهو ممن آمن ولم يلبس إيمانه بظلم، فابتدره الحور العين بثمار الجنة يحشون بها شدقه وهي تقول: يا رسول الله اجعلني في أزواجه.
28 - الخرائج: روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتب إلى قيس بن عرنة البجلي يأمره بالقدوم عليه، فأقبل ومعه خويلد بن الحارث الكلبي حتى إذا دنا من المدينة هاب الرجل أن يدخل، فقال له قيس: أما إذا أبيت أن تدخل فكن في هذا الجبل حتى آتيه، فإن رأيت الذي تحب أدعوك فاتبعني، فأقام ومضى قيس حتى إذا رجل على النبي (صلى الله عليه وآله) المسجد فقال: يا محمد أنا آمن؟ قال: نعم وصاحبك الذي تخلف في الجبل، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فبايعه وأرسل إلى صاحبه فأتاه فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): يا قيس إن قومك قومي، وإن لهم في الله وفي رسوله خلفا.
29 - الإرشاد: لما دخل أبو سفيان المدينة لتجديد العهد بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين قريش عندما كان من بني بكر في خزاعة وقتلهم من قتلوا منها فقصد أبو سفيان ليتلافى الفارط من القوم، وقد خاف من نصرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم وأشفق مما حل بهم
يوم الفتح، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) وكلمه في ذلك فلم يرد عليه جوابا، فقام من عنده فلقيه أبو بكر فتشبث به وظن أنه يوصله إلى بغيته من النبي (صلى الله عليه وآله) فسأله كلامه له فقال: ما أنا بفاعل ذلك، لعلم أبي بكر بأن سؤاله في ذلك لا يغني شيئا، فظن أبو سفيان بعمر ما ظنه بأبي بكر، فكلمه في ذلك فدفعه بغلظة وفظاظة كادت أن يفسد الرأي على النبي (صلى الله عليه وآله) فعدل إلى بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فاستأذن عليه فأذن له وعنده فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وأقربهم مني قرابة وقد جئتك فلا أرجعن كما جئت خائبا، اشفع لي عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما قصدته، فقال له: ويحك يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أمر لا نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت أبو سفيان إلى فاطمة (عليها السلام) فقال لها: يا بنت محمد (صلى الله عليه وآله) هل لك أن تأمري ابنيك أن يجيرا بين الناس فيكونا سيدي العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت: ما بلغ بنياي أن يجيرا بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتحير أبو سفيان وأسقط في يديه (ذ) ثم أقبل على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أبا الحسن أرى الأمور قد التبست علي، فانصح لي، فقال له أمير المؤمنين: ما أرى شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم وأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: فترى ذلك مغنيا عنى شيئا؟ قال: لا والله ما أظن ولكن ما أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره وانطلق، فلما قدم على قريش قالوا ما وراءك؟
قال: جئت محمدا فكلمته فوالله ما رد علي شيئا، ثم جئت إلى ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا، ثم لقيت ابن الخطاب فوجدته فظا غليظا لا خير فيه، ثم جئت
عليا فوجدته ألين القوم لي، وقد أشار علي بشئ فصنعته، فوالله ما أدري يغني عني شيئا أم لا، قالوا: بما أمرك (1)؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت، فقالوا:
هل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: فويلك فوالله إن زاد الرجل على أن لعب بك فما يغني عنك، فقال أبو سفيان: لا والله ما وجدت غير ذلك.
30 - مناقب ابن شهرآشوب: روي أنه أخذ بلال جمانة ابنة الزحاف الأشجعي ، فلما كان في وادي النعام هجمت عليه وضربته ضربة بعد ضربة، ثم جمعت ما كان يعز عليها من ذهب وفضة في سفره وركبت حجرة من خيل أبيها، وخرجت من العسكر تسير على وجهها إلى شهاب بن مازن الملقب بالكوكب الدري، وكان قد خطبها من أبيها، ثم إنه أنقذ النبي (صلى الله عليه وآله) سلمان وصهيبا إليه لابطائه فرأوه ملقى على وجه الأرض ميتا، والدم يجري من تحته، فأتيا النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبراه بذلك فقال النبي (صلى الله عليه وآله): كفوا عن البكاء، ثم صلى ركعتين ودعا بدعوات ثم أخذ كفا من الماء فرشه على بلال فوثب قائما، وجعل يقبل قدم النبي (صلى الله عليه وآله) فقال له النبي (صلى الله عليه وآله):
من هذا الذي فعل بك هذا الفعال يا بلال؟ فقال: جمانة بنت الزحاف، وإني لها عاشق، فقال: أبشر يا بلال فسوف انفذ إليها وآتي بها، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا أبا الحسن هذا أخي جبرئيل يخبرني عن رب العالمين إن جمانة لما قتلت بلالا مضت إلى رجل يقال له: شهاب بن مازن. وكان قد خطبها من أبيها ولم ينعم له بزواجها وقد شكت حالها إليه، وقد سار بجموعه يروم حربنا، فقم واقصده بالمسلمين، فالله تعالى ينصرك عليه، وها أنا راجع إلى المدينة، قال: فعند ذلك سار الامام بالمسلمين وجعل يجد في السير حتى وصل إلى شهاب وجاهده ونصر المسلمين، فأسلم شهاب وأسلمت جمانة والعسكر وأتى بهم الامام إلى المدينة وجددوا الاسلام على يدي النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا بلال ما تقول؟ فقال: يا رسول الله قد كنت
محبا لها، فالآن شهاب أحق بها مني، فعند ذلك وهب شهاب لبلال جاريتين وفرسين وناقتين.
بيان: في القاموس: الحجر بالكسر: الأنثى من الخيل، وبالهاء لحن.
31 - تفسير الإمام العسكري: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لقد بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) جيشا ذات يوم إلى قوم من أشداء الكفار فأبطأ عليهم خبرهم وتعلق قلبه بهم، وقال: ليت لنا من يتعرف أخبارهم ويأتينا بأنبائهم، بينا هو قائل إذا جاءه البشير بأنهم قد ظفروا بأعدائهم واستولوا وصيروهم بين قتيل وجريح وأسير، وانتهبوا أموالهم وسبوا ذراريهم وعيالهم، فلما قرب القوم من المدينة خرج إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأصحابه يتلقاهم فلما لقيهم، ورئيسهم زيد بن حارثة وكان قد أمر عليهم، فلما رأى زيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل عن ناقته وجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقبل رجله ثم قبل يده، فأخذه رسول الله (صلى الله عليه آله) وقبل رأسه، ثم نزل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبد الله بن رواحة فقبل رجله ويده وضمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليه، ثم نزل إليه سائر الجيش ووقفوا يصلون عليه ورد عليهم رسول الله خيرا، ثم قال لهم: حدثوني خبركم وحالكم مع أعدائكم، وكان معهم من اسراء القوم وذراريهم وعيالاتهم وأموالهم من الذهب والفضة وصنوف الأمتعة شئ عظيم، فقالوا: يا رسول الله لو علمت كيف حالنا لعظم تعجبك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لم أكن أعلم ذلك حتى عرفنيه الآن جبرئيل (عليه السلام) وما كنت أعلم شيئا من كتابه ودينه أيضا حتى علمنيه ربي، قال الله عز وجل: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " إلى قوله: " صراط مستقيم " ولكن حدثوا بذلك
إخوانكم هؤلاء المؤمنين لأصدقكم فقد اخبرني جبرئيل (عليه السلام) فقالوا: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنا لما قربنا من العدو بعثنا عينا لنا لنعرف أخبارهم وعددهم لنا فرجع إلينا يخبرنا أنهم قدر ألف رجل وكنا ألفي رجل، وإذا القوم قد خرجوا إلى ظاهر بلدهم في ألف رجل، وتركوا في البلد ثلاثة آلاف يوهموننا أنهم ألف وأخبرنا صاحبنا أنهم يقولون في ما بينهم: نحن ألف وهم ألفان، ولسنا نطيق مكافحتهم، وليس لنا إلا التحاصن في البلد حتى تضيق صدورهم من منازلتنا فينصرفوا عنا فتجرأنا بذلك عليهم وزحفنا إليهم فدخلوا بلدهم وأغلقوا دوننا بابه فقعدنا ننازلهم فلما جن علينا الليل وصرنا إلى نصفه فتحوا باب بلدهم ونحن غارون نائمون ما كان فينا منتبه إلا أربعة نفر: زيد بن حارثة في جانب من جوانب عسكرنا يصلي ويقرأ القرآن، وعبد الله بن رواحة في جانب آخر يصلي ويقرأ القرآن، و قتادة بن النعمان في جانب آخر يصلي ويقرأ القرآن، وقيس بن عاصم في جانب آخر يصلي ويقرأ القرآن، فخرجوا في الليلة الظلماء الدامسة ورشقونا بنبالهم.
وكان ذلك بلدهم، وهم بطرقه ومواضعه عالمون، ونحن بها جاهلون، فقلنا فيما بيننا دهينا وأوتينا، هذا ليل مظلم لا يمكننا أن نتقي النبال، لأنا لا نبصرها، فبينا نحن كذلك إذ رأينا ضوءا خارجا من في قيس بن عاصم المنقري كالنار المشتعلة، و ضوءا خارجا من في قتادة بن النعمان كضوء الزهرة والمشتري، وضوءا خارجا من في عبد الله بن رواحة كشعاع القمر في الليلة المظلمة، ونورا ساطعا من في زيد بن الحارثة أضوأ من الشمس الطالعة، وإذا تلك الأنوار قد أضاءت معسكرنا حتى أنه أضوأ من نصف النهار، وأعداؤنا في ظلمة شديدة فأبصرناهم وعموا عنا، ففرقنا زيد عليهم حتى أحطنا بهم ونحن نبصرهم وهم لا يبصروننا، فنحن بصراء وهم عميان فوضعنا عليهم السيوف فصاروا بين قتيل وجريح وأسير، ودخلنا بلدهم فاشتملنا على
الذراري والعيال والإناث والأموال، هذه عيالاتهم وذراريهم، وهذه أموالهم وما رأينا يا رسول الله أعجب من تلك الأنوار من أفواه هؤلاء القوم التي عادت ظلمة على أعدائنا حتى مكننا منهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فقولوا: الحمد لله رب العالمين على ما فضلكم به من شهر شعبان، هذه كانت غرة شعبان، وقد انسلخ عنهم الشهر الحرام، وهذه الأنوار بأعمال إخوانكم هؤلاء في غرة شعبان، و أسلفوا لها أنوارا في ليلتها قبل أن يقع منهم الأعمال، قالوا: يا رسول الله وما تلك الأعمال لنثاب عليها؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما قيس بن عاصم المنقري فإنه أمر بمعروف في يوم غرة شعبان، وقد نهى عن منكر، ودل على خير، فلذلك قدم له النور في بارحة يومه عند قراءته القرآن، وأما قتادة بن النعمان فإنه قضى دينا كان عليه في يوم غرة شعبان، فلذلك أسلفه الله النور في بارحة يومه، وأما عبد الله ابن رواحة فإنه كان برا بوالديه فكثرت غنيمته في هذه الليلة، فلما كان من غده قال له أبوه: إني وأمك لك محبان، وإن امرأتك فلانة تؤذينا وتعيينا، وإنا لا نأمن من انقلاب في بعض هذه المشاهد، ولسنا نأمن أن تستشهد في بعضها فتداخلنا هذه في أموالك، ويزداد علينا بغيها وغيها، فقال عبد الله: ما كنت أعلم بغيها عليكم وكراهيتكما لها، ولو كنت علمت ذلك لابنتها من نفسي، و لكني قد أبنتها الآن لتأمنا ما تحذران، فما كنت بالذي أحب من تكرهان فلذلك أسلفه الله النور الذي رأيتم، وأما زيد بن حارثة الذي كان يخرج من فيه نور أضوء من الشمس الطالعة وهو سيد القوم وأفضلهم فلقد علم الله ما يكون منه فاختاره وفضله على علمه بما يكون منه، إنه في اليوم الذي ولي هذه الليلة التي
كان فيها ظفر المؤمنين بالشمس الطالعة من فيه جاءه رجل من منافقي عسكرهم يريد التضريب بينه وبين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وإفساد ما بينهما، فقال له:
بخ بخ لك، أصبحت لا نظير لك في أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصحابته، هذا بلاؤك وهذا الذي شاهدناه نورك، فقال له زيد: يا عبد الله اتق الله ولا تفرط في المقال، و لا ترفعني فوق قدري، فإنك بذلك مخالف، وبه كافر، وإني إن تلقيت مقالتك هذا بالقبول كذلك، يا عبد الله ألا أحدثك بما كان في أوائل الاسلام وما بعده حتى دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة وزوجه فاطمة (عليها السلام)، وولدت الحسن والحسين (عليهما السلام) (5)؟ قال: بلى، قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان لي شديد المحبة حتى تبناني لذلك، فكنت ادعى زيد بن محمد، إلى أن ولد لعلي الحسن والحسين (عليهم السلام) فكرهت ذلك لأجلهما، وقلت لمن كان يدعوني: أحب أن تدعوني زيدا مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإني أكره أن أضاهي الحسن والحسين، فلم يزل ذلك حتى صدق الله ظني وأنزل على محمد (صلى الله عليه وآله) " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " يعني قلبا يحب محمد وآله ويعظمهم، وقلبا يعظم به غيرهم كتعظيمهم، أو قلبا يحب به أعداءهم، بل من أحب أعداءهم فهو يبغضهم ولا يحبهم ثم قال: " وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم " إلى قوله:
" وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " يعني الحسن والحسين (عليهما السلام) أولى ببنوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كتاب الله وفرضه " من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أولياءكم معروفا " إحسانا وإكراما لا يبلغ ذلك محل الأولاد " كان
ذلك في الكتاب مسطورا " فتركوا ذلك، وجعلوا يقولون: زيد أخو رسول الله (صلى الله عليه وآله) فما زال الناس يقولون لي هذا وأكرهه حتى أعاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المؤاخاة بينه وبين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثم قال زيد: يا عبد الله إن زيدا مولى علي بن أبي طالب، كما هو مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلا تجعله نظيره، ولا ترفعه فوق قدره فتكون كالنصارى لما رفعوا عيسى (عليه السلام) فوق قدره فكفروا بالله العظيم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فلذلك فضل الله زيدا بما رأيتم، وشرفه بما شاهدتم، والذي بعثني بالحق نبيا، إن الذي أعده الله لزيد في الآخرة ليصغر في جنبه ما شهدتم في الدنيا من نوره، إنه ليأتي يوم القيامة ونوره يسير أمامه وخلفه ويمينه ويساره وفوقه وتحته من كل جانب مسيرة مأتي ألف سنة.
32 - الكافي: العدة عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رفع رأسه إلى السماء فتبسم فقيل له: يا رسول الله رأيناك رفعت رأسك إلى السماء فتبسمت، قال: نعم، عجبت لملكين هبطا من السماء إلى الأرض يلتمسان عبدا مؤمنا صالحا في مصلى كان يصلي فيه ليكتبا له عمله في يومه وليلته فلم يجداه في مصلاه فعرجا إلى السماء فقالا: ربنا عبدك فلان المؤمن التمسناه في مصلاه لنكتب له عمله ليومه وليلته فلم نصبه، فوجدناه في حبالك، فقال الله عز وجل: اكتبا لعبدي مثل ما كان يعمله في صحته من الخير في يومه وليلته ما دام في حبالي، فإن علي أن أكتب له أجر ما كان يعمله إذا حبسته عنه.
33 - الكافي: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي سعيد المكاري، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتي رسول الله (صلى الله عليه وآله)
وفد من اليمن وفيهم رجل كان أعظمهم كلاما، وأشدهم استقصاء في محاجة النبي فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) حتى التوى عرق الغضب بين عينيه، وتربد وجهه وأطرق إلى الأرض، فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: ربك يقرؤك السلام ويقول لك:
هذا رجل سخي يطعم الطعام، فسكن عن النبي (صلى الله عليه وآله) الغضب ورفع رأسه وقال له:
لولا أن جبرئيل أخبرني عن الله عز وجل أنك سخي تطعم الطعام شددت بك وجعلتك حديثا لمن خلفك، فقال له الرجل: وإن ربك ليحب السخاء؟ فقال:
نعم، قال: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والذي بعثك بالحق لا رددت عن مالي أحدا.
بيان: تربد وجهه: تغير.
34 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن رجل، عن أبي عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إني شيخ كثير العيال، ضعيف الركن، قليل الشئ، فهل من معونة على زماني؟ فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أصحابه ونظر إليه أصحابه، وقال: قد أسمعنا القول وأسمعكم، فقال إليه رجل فقال :
كنت مثلك بالأمس، فذهب به إلى منزله فأعطاه مرودا من تبر، وكانوا يتبايعون بالتبر وهو الذهب والفضة، فقال الشيخ: هذا كله، قال: نعم، فقال الشيخ: اقبل تبرك فإني لست بجني ولا إنسي، ولكني رسول من الله لأبلوك، فوجدتك شاكرا فجزاك الله خيرا.
بيان: المرود في بعض النسخ بالراء المهملة وهو الميل، أو حديد تدور في اللجام، ومحور البكرة من حديد، وفي بعض النسخ بالزاء، وهو ما يجعل فيه الزاد وهو أظهر.
35 - الكافي: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، وعلي بن محمد، عن صالح بن
أبي حماد جميعا عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن معلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رجل للنبي (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله علمني، قال: اذهب ولا تغضب، فقال الرجل: قد اكتفيت بذلك، فمضى إلى أهله فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفا ولبسوا السلاح، فلما رأى ذلك لبس سلاحه ثم قام معهم، ثم ذكر قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تغضب، فرمى السلام ثم جاء يمشي إلى القوم الذين هم عدو قومه فقال: يا هؤلاء ما كانت لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر فعلي في مالي أنا أوفيكموه، فقال القوم: فما كان فهو لكم، نحن أولى بذلك منكم قال: فاصطلح القوم وذهب الغضب.
36 - تفسير فرات بن إبراهيم: محمد بن أحمد، عن محمد بن عماد البربري، عن محمد بن يحيى - و لقب أبيه داهر الرازي - عن عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن موسى بن السيف، عن سالم بن الجعد، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال:
بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني وليعة قال: وكات بينه وبينهم شحناء في الجاهلية، قال: فلما بلغ إلى بني وليعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه، قال: فخشي القوم، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن بني وليعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة، فلما بلغ بني وليعة الذي قال لهم الوليد بن عقبة عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: يا رسول الله لقد كذب الوليد ولكن كان بيننا وبينه شحناء في الجاهلية فخشينا أن يعاقبنا بالذي بيننا وبينه، قال فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لتنتهن يا بني وليعة أو لأبعثن إليكم رجلا عندي كنفسي، فقتل مقاتليكم، وسبى ذراريكم، هو هذا حيث ترون " ثم ضرب بيده على كتف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأنزل الله في الوليد هذه الآية: " يا أيها الذين
آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ".
37 - الكافي: علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي جميلة، عن سعد الإسكاف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مر النبي (صلى الله عليه وآله) في سوق المدينة بطعام فقال لصاحبه: ما أرى طعامك إلا طيبا وسأله عن سعره فأوحى الله عز وجل إليه: أن يدس يده في الطعام، ففعل فأخرج طعاما رديا، فقال لصاحبه: ما أراك إلا وقد جمعت خيانة وغشا للمسلمين.
38 - معاني الأخبار: أبي، عن محمد العطار، عن الأشعري، عن موسى بن عمر، عن موسى بن بكر، عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى النبي (صلى الله عليه وآله) أعرابي فقال له: ألست خيرنا أبا واما، وأكرمنا عقبا ورئيسا في الجاهلية والاسلام؟ فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: يا أعرابي كم دون لسانك من حجاب! قال: اثنان: شفتان وأسنان، فقال (صلى الله عليه وآله): أما كان في أحد هذين ما يرد عنا غرب لسانك هذا؟
أما إنه لم يعط أحد في دنياه شيئا هو أضر له في آخرته من طلاقه لسانه، يا علي قم فاقطع لسانه، فظن الناس أنه يقطع لسانه، فأعطاه دراهم.
بيان: قال الجوهري: غرب كل شئ: حده، يقال: في لسانه غرب، أي حدة.
39 - دعوات الراوندي: عن ربيعة بن كعب قال: قال لي ذات يوم رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ربيعة خدمتني سبع سنين، أفلا تسألني حاجة؟ فقلت: يا رسول الله أمهلني حتى أفكر، فلما أصبحت ودخلت عليه قال لي: يا ربيعة هات حاجتك فقلت: تسأل الله أن يدخلني معك الجنة، فقال لي: من علمك هذا؟ فقلت: يا رسول الله
ما علمني أحد، لكني فكرت في نفسي وقلت: إن سألته مالا كان إلى نفاد، وإن سألته عمرا طويلا وأولادا كان عاقبتهم الموت، قال ربيعة: فنكس رأسه ساعة ثم قال:
أفعل ذلك فأعني بكثرة السجود.
40 - كنز الكراجكي: قال: كان أكثم بن صيفي الأسدي حكيما مقدما عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين، وكان ممن أدرك الاسلام، وآمن بالنبي (صلى الله عليه وآله) ومات قبل أن يراه، وروي أنه لما سمع به (صلى الله عليه وآله) بعث إليه ابنه وأوصاه بوصية حسنة وكتب معه كتابا يقول فيه: " باسمك اللهم من العبد إلى العبد فأبلغنا ما بلغك فقد أتانا عنك خبر لا ندري ما أصله، فإن كنت أريد فأرنا، وإن كنت علمت فعلمنا، وأشركنا في كنزك والسلام " فكتب إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله): " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أكثم بن صيفي، أحمد الله إليك، إن الله أمرني أن أقول: لا إله إلا الله، أقولها وآمر الناس بها، الخلق خلق الله، والامر كله لله خلقهم وأماتهم وهو ينشرهم وإليه المصير، أدبتكم بآداب المرسلين، ولتسألن عن النبأ العظيم، ولتعلمن نبأه بعد حين " فلما وصل كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليه جمع بني تميم ووعظهم وحثهم على المسير معه إليه، وعرفهم وجوب ذلك عليهم فلم يجيبوه، وعند ذلك سار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحده ولم يتبعه غير بنيه وبني بنيه، و مات قبل أن يصل إليه (صلى الله عليه وآله).
41 - أقول: قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين و حسن أولئك رفيقا " قيل: نزلت في ثوبان مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان شديد الحب لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه فقال (صلى الله عليه وآله): يا ثوبان ما غير لونك؟ فقال: يا رسول الله ما بي من مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك
هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين، وإني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فلا أحسب أن أراك أبدا، فنزلت الآية، ثم قال (صلى الله عليه وآله): " والذي نفسي بيده لا يؤمنن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين " وقيل: إن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالوا: ما ينبغي لنا أن نفارقك فإنا لا نراك إلا في الدنيا، فأما في الآخرة فإنك ترفع فوقنا بفضلك فلا نراك، فنزلت الآية عن قتادة ومسروق.
42 - الكافي: الحسين بن محمد عن المعلى، وعلي عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمد الأشعري، عن القداح، عن أبي عبد الله، عن آبائه (عليهم السلام) قال: كان بالمدينة رجلان يسمى أحدهما هيت، والآخر مانع فقالا لرجل ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يسمع: إذا افتتحتم الطائف إنشاء الله فعليك بابنة غيلان الثقفية فإنها شموع نجلاء مبتلة هيفاء شنباء، إذا جلست تثنت، وإذا تكلمت غنت، تقبل بأربع، وتدبر بثمان، بين رجليها مثل القدح، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لا أراكما من اولي الإربة من الرجال، فأمر بهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغرب بهما إلى مكان يقال له: الغرابا وكانا يتسوقان في كل جمعة.
بيان: هذا الخبر مروي من طرق المخالفين أيضا، قال في المغرب: هيت من مخنثي المدينة، وقيل: هو تصحيف هنب بالنون والباء وخطئ قائله، وفي بعض شروحهم الشموع مثل السجود: اللعب والمزاح، وقد شمع يشمع شمعا وشموعا و مشمعة، وفي المحمل مبالغة في كثرة لعبها ومزاحها.
أقول: ويظهر من كتب اللغة أنه بقبح الشين، قال في الشمس العلوم: الشموع:
المرأة المزاحة، وفي الصحاح: الشموع من النساء: اللعوب الضحوك، نجلاء، إما من نجلت الأرض: اخضرت، أي خضراء، أو من النجل بالتحريك وهو سعة العين والرجل أنجل، والعين نجلاء، وفي النهاية: يقال: عين نجلاء أي واسعة، مبتلة
يقال: امرأة مبتلة بتشديد التاء مفتوحة أي تامة الخلق، لم يركب لحمها بعضه على بعض، ولا يوصف به الرجل، ويجوز أن يقرأ منبتلة بالنون والباء الموحدة والتاء المكسورة، نحو منقطعة لفظا ومعنى، أي منقطعة عن الزوج، يعني أنها باكرة.
هيفاء: الهيف محركة: ضمر البطن والكشح، ودقة الخاصرة، رجل أهيف، و امرأة هيفاء، وفي بعض النسخ بالقاف، والأهيق: الطويل العنق. شنباء: الشب بالتحريك: البياض، والبريق، والتحديد في الأسنان، وفي الصحاح: الشنب:
حدة في الأسنان، ويقال: برد وعذوبة، وامرأة شنباء: بينة الشنب، قال الجرمي:
سمعت الأصمعي يقول: الشنب: برد الفم والأسنان، فقلت: إن أصحابنا يقولون:
هو حدتها حين تطلع فيراد بذلك حدائتها وطراوتها لأنها إذا أتت عليه السنون احتكت، فقال: ما هو إلا بردها. قوله: تثنت أي ترد بعض أعضائها على بعض من ثنى الشئ كسعى: إذ رد بعضه على بعض فتثنى، فيكون كناية عن سمنها، أو من الثني بمعنى ضم الشئ إلى شئ، ومنه التثنية، فالمعنى أنها كانت تثني رجلا واحدة، وتضع الأخرى على فخذها، كما هو شأن المغرور بحسنه أو بجاهه من الشبان وأهل الدنيا، أو من ثنى العود: إذا عطفه، ومعناه إذا جلست انعطفت أعضاؤها وتمايلت كما هو شأن المتبختر والمتجبر الفخور، أو إنهار شيقة القد ليس لها انعطاف إلا إذا جلست، وفي روايات العامة: إذا مشت تثنت، وإذا جلست تبنت " فالمعنى أنها تتكبر في مشيتها وتتثنى فيه وتتبختر، قال الجزري في النهاية:
إذا قعدت تبنت، أي فرجت رجليها لضخم ركبها كأنها شبهها بالقبة من الادم وهي مبناة لسمنها وكثرة لحمها. وقيل: شبهها بها إذا ضربت وطنبت انفرجت، وكذلك هذه، إذا قعدت تربعت وفرشت رجليها.
قوله: وإذا تكلمت غنت، أقول: في روايات العامة " تغنت " قال القاضي عياض: هو من الغنة لامن الغناء أي تتغن في كلامها، وتدخل صوتها في الخيشوم وقد عد ذلك من علامات التجبر. قوله: تقبل بأربع، أقول: يحتمل وجوها:
الأول ما ذكره المطرزي في المغرب حيث قال: يعني أربع عكن تقبل بهن، و
لهن أطراف أربعة من كل جانب فتصير ثماني تدبر بهن، وقال المازري: الأربع التي تقبل بهن هن من كل ناحية ثنتان، ولكل واحدة طرفان، فإذا أدبرت ظهرت الأطراف ثمانية.
الثاني: أن يراد بالأربع اليدان والثديان، يعني أن هذه الأربعة بلغت في العظمة حدا توجب مشيها مكبة، مثل الحيوانات التي تمشي على أربع، فإذا أقبلت أقبلت بهذه الأربعة، ولم يعتبر الرجلين لأنهما محجوبتان خلف الثديين لعظمتهما فلا تكونان مرئيتين عند الاقبال، وإذا أدبرت أدبرت بها مع أربعة أخرى، وهي الرجلان والأليتان، لان جميع الثمانية عند الادبار مرئية، ويؤيده ما ذكره الجزري حيث قال: إن سعدا خطب امرأة بمكة فقيل: إنها تمشي على ست إذا أقبلت، وعلى أربع إذا أدبرت، يعني بالست يديها ورجليها وثدييها، يعني إنها لعظم يديها وثدييها كأنها تمشي مكبة، والأربع رجلاها وأليتاها، وإنهما كادتا تمسان الأرض لعظمهما، وهي بنت غيلان الثقفية التي قيل فيها: تقبل بأربع، و تدبر بثمان، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف انتهى.
الثالث: أن يراد بالأربع الذوائب المرسلة في طرفي الوجه، في كل طرف اثنتان مفتول ومرسل، وبالثمان الذوائب المرسلة خلفها فإنهن كثيرا ما يقسمنه ثمانية أقسام، فالمقصود وصفها بكثرة الشعر.
الرابع ما أفاده الوالد العلامة رحمه الله وهو أن يكون المراد بالأربع العينين والحاجبين، أو الحاجب والعين والأنف والفم، أو مكان الانف النحر أو مثل ذلك وبالثمان تلك الأربع مع قلب الناظر ولسانه وعينيه، أو قلبه وعقله ولسانه و عينه، أو قلبه وعينه واذنه ولسانه، وهذا معنى لطيف وإن كان الظاهر أنه لم يخطر ببال قائله.
قوله: مثل القدح، شبه فرجها بالقدح في العظم وحسن الهيئة. قوله (صلى الله عليه وآله):
لا أراكما من اولي الإربة، أي ما كنت أظن أنكما من اولي الإربة، أي الذين لهم حاجة إلى النساء، بل كنت أظن أنكما لا تشتهيان النساء ولا تعرفان من حسنهن
ما تذكران، فلذا نفيهما عن المدينة، لأنهما كانا يدخلان على النساء ويجلسان معهن. قوله: فعزب بهما، على بناء المفعول بالعين المهملة والزاء المعجمة، كما في أكثر النسخ بمعنى التبعيد والاخراج من موضع إلى آخر، أو بالغين المعجمة والراء المهملة بمعنى النفي عن البلد. قوله (عليه السلام): يتسوقان، أي يدخلان سوق المدينة للبيع والشراء.
أقول: قد أثبتنا في باب غزوة تبوك وقصة العقبة أحوال أصحاب العقبة و كفرهم، وحال حذيفة، وفي باب أحوال سلمان أحوال جماعة، وفي أبواب غزوات النبي (صلى الله عليه وآله) أحوال جماعة، لا سيما في غزوة بدر واحد وتبوك، وحال زيد بن حارثة في باب أبي طالب، وباب جعفر وباب قصة زينب، وحال المستهزئين برسول الله (صلى الله عليه وآله) في أبواب المعجزات، وبعض أحوال جابر في غزوة الخندق، وبعض أحوال حاطب بن أبي بلتعة في باب فتح مكة، وفي باب أحوال أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)، وفي باب العباس حديث الأخوات من أهل الجنة، وفي باب فتح مكة خبر بديل بن ورقاء الخزاعي، وفي باب بني المصطلق ما صنع خالد بن الوليد لعنه الله بهم، وفي غزوة أحد حال أبي دجانة، وفي غزوة خيبر بعض أحوال أسامة بن زيد، وفي باب غصب لصوص الخلافة الجماعة الذين أنكروا على أبي بكر، ويظهر منه أحوال جماعة أخرى، وفي أبواب الفتن إنكار أسامة بن زيد على أبي بكر، وإنكار أبي قحافة عليه، وفي احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على جماعة من الصحابة في زمن معاوية ما يظهر منه أحوال جماعة، وفي إرادة قتل خالد لأمير المؤمنين (عليه السلام) أيضا كذلك، و سيظهر في أبواب احتجاجات الحسن بن علي (عليه السلام) وأصحابه على معاوية أحوال جماعة وحال أبي الدرداء في باب عبادة علي (عليه السلام)، وحال أم أيمن في باب ولادة الحسين (عليه السلام)، وشقاوة أربعة استشهدهم أمير المؤمنين (عليه السلام) على خلافته فكتموا فدعا عليهم وهم أنس بن مالك، والبراء بن عازب الأنصاري، والأشعث بن قيس الكندي وخالد بن يزيد البجلي في بابه، وشقاوة سعد بن أبي وقاص في أحوال الحسين (عليه السلام) وأنه قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ما في رأسك ولحيتك من شعرة إلا وفي أصلها
شيطان جالس، وفي باب الاذان بعض أحوال بلال، وفي أبواب أحوال الباقر (عليه السلام) بعض فضائل جابر بن عبد الله الأنصاري، وحال طلحة والزبير لعنهما الله في أبواب كتاب الفتن، وفي أخبار الغدير حال أبي سعيد الخدري وجماعة، وفي أبواب الفضائل أخبارا كثيرة عن أبي سعيد، وفي باب وجوب ولايتهم (عليهم السلام) فضلا عظيما لسعد بن معاذ، وكذا في باب فضائل أصحاب الكساء.
43 - أمالي الصدوق: ماجيلويه، عن أبيه، عن البرقي، عن أبيه، عن خالد بن حماد الأسدي، عن أبي الحسن العبدي، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، قال:
سئل جابر بن عبد الله الأنصاري عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: ذاك خير خلق الله من الأولين والآخرين ما خلا النبيين والمرسلين، إن الله عز وجل لم يخلق خلقا بعد النبيين والمرسلين أكرم عليه من علي بن أبي طالب والأئمة من ولده بعده، قلت: فما تقول فيمن يبغضه وينتقضه؟ فقال: لا يبغضه إلا كافر، ولا ينتقضه إلا منافق، قلت: فما تقول فيمن يتولاه ويتولى الأئمة من ولده بعده؟ فقال: إن شيعة علي (عليه السلام) والأئمة من ولده هم الفائزون الآمنون يوم القيامة، ثم قال:
ما ترون لو أن رجلا خرج يدعو الناس إلى ضلالة من كان أقرب الناس منه؟ قالوا:
شيعته وأنصاره، قال: فلو أن رجلا خرج يدعو الناس إلى هدى، من كان أقرب الناس منه؟ قالوا: شيعته وأنصاره، قال: فكذلك علي بن أبي طالب (عليه السلام) بيده لواء الحمد يوم القيامة أقرب الناس منه شيعته وأنصاره.
44 - تفسير علي بن إبراهيم: " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا " فإنها نزلت لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غزوة خيبر وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الاسلام، وكان رجل من اليهود يقال له: مرداس ابن نهيك الفدكي في بعض القرى، فلما أحسن بخيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع أهله و ماله، وصار في ناحية الجبل فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله
الله، فمر به أسامة بن زيد فطعنه وقتله، فلما رجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبره بذلك، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): قتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فلا شققت الغطاء عن قلبه، لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت، فحلف أسامة بعد ذلك أنه لا يقتل أحدا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتخلف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حروبه، وأنزل الله في ذلك: " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا.
45 - تفسير علي بن إبراهيم: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما انزل إليك وما انزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " فإنها نزلت في الزبير بن العوام فإنه نازع رجلا من اليهود في حديقة فقال الزبير: نرضى بابن شيبة اليهودي، وقال اليهودي: نرضى بمحمد، وأنزل الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما انزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلال بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا " - وهم أعداء آل محمد كلهم جرت فيهم هذه الآية.
46 - تفسير علي بن إبراهيم: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم " نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، و كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما حاصر بني قريظة قالوا له: ابعث إلينا أبا لبابة نستشيره
في أمرنا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبا لبابة ائت حلفاءك ومواليك، فأتاهم فقالوا له: يا أبا لبابة ما ترى؟ أننزل على حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: أنزلوا واعلموا أن حكمه فيكم هو الذبح، وأشار إلى حلقه، ثم ندم على ذلك فقال: خنت الله و رسوله، ونزل من حصنهم ولم يرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومر إلى المسجد وشد في عنقه حبلا، ثم شده إلى الأسطوانة التي كانت تسمى أسطوانة التوبة، فقال:
لا أحله حتى أموت أو يتوب الله علي، فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: أما لو أتانا لاستغفرنا الله له، فأما إذا قصد إلى ربه فالله أولى به، وكان أبو لبابة يصوم النهار ويأكل بالليل ما يمسك رمقه وكانت بنته تأتيه بعشائه، وتحله عند قضاء الحاجة فلما كان بعد ذلك ورسول الله في بيت أم سلمة نزلت توبته، فقال: يا أم سلمة قد تاب الله على أبي لبابة، فقالت: يا رسول الله أفأؤذنه بذلك؟ فقال: لتفعلن فأخرجت رأسها من الحجرة فقال: يا أبا لبابة أبشر قد تاب الله عليك، فقال:
الحمد لله، فوثب المسلمون يحلونه، فقال: لا والله حتى يحلني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا أبا لبابة قد تاب الله عليك توبة لو ولدت من أمك يومك هذا لكفاك، فقال: يا رسول الله أفأتصدق بما لي كله؟ قال : لا، قال:
فبثلثيه؟ قال: لا، قال: فبنصفه قال: لا، قال: فبثلثه؟ قال: نعم، فأنزل الله:
" وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم * خذ من أموالهم صدقة " إلى قوله: " أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم ".
47 - تفسير علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: المؤلفة قلوبهم أبو سفيان بن حرب بن أمية، وسهيل بن عمرو، وهو من بني عامر بن لوي، و
همام بن عمرو وأخوه، وصفوان بن أمية بن خلف القرشي ثم الجمحي، و الأقرع بن حابس التميمي، ثم أحد بني حازم، وعيينة بن حصن الفزاري ومالك بن عوف، وعلقمة بن علانة بلغني أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يعطي الرجل منهم مائة من الإبل ورعاتها وأكثر من ذلك وأقل.
48 - تفسير علي بن إبراهيم: " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن " فإن كان سبب نزولها أن عبد الله بن نفيل كانا منافقا وكان يقعد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيسمع كلامه وينقله إلى المنافقين، وينم عليه، فنزل جبرئيل على رسول الله فقال: يا محمد إن رجلا من المنافقين ينم عليك وينقل حديثك إلى المنافقين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من هو؟ فقال: الرجل الأسود كثير الشعر الرأس ينظر بعينين كأنهما قدران، وينطق بلسان شيطان، فدعاه رسول الله فأخبره، فحلف أنه لم يفعل فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد قبلت منك فلا تقعد فرجع إلى أصحابه فقال: إن محمدا اذن، أخبره الله أني أنم عليه وأنقل أخباره فقبل، وأخبرته أني لم أفعل فقبل فأنزل الله على نبيه: " ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين " أي يصدق الله فيما يقول له، ويصدقك فيما تعتذر إليه في الظاهر، ولا يصدقك في الباطن قوله: " ويؤمن للمؤمنين " يعني المقرين بالايمان من غير اعتقاد.
49 - تفسير علي بن إبراهيم: " يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم " قال: نزلت في الذين تحالفوا في الكعبة أن لا يردوا هذا الامر في بني هاشم، فهي كلمة الكفر، ثم قعدوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في العقبة وهموا بقتله، وهو قوله: " وهموا بما لم ينالوا " ثم ذكر البخلاء وسماهم منافقين وكاذبين فقال:
" ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله " إلى قوله: " وبما كانوا يكذبون " وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: هو ثعلبة بن خاطب بن عمرو بن عوف كان محتاجا فعاهد الله، فلما آتاه الله بخل به، ثم ذكر المنافقين فقال: " ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم " الآية، وأما قوله: " الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم " فجاء سالم ابن عمير الأنصاري بصاع من تمر فقال: يا رسول الله كنت ليلتي أخبز لجرير حتى نلت صاعين تمرا، أما أحدهما فأمسكته، وأما الآخر فأقرضته ربي، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ينثره في الصدقات، فسخر منه المنافقون فقالوا: والله أن كان الله يغني عن هذا الصاع ما يصنع الله بصاعه شيئا، ولكن أبا عقيل أراد أن يذكر نفسه ليعطى من الصدقات، فقال: " سخر الله منهم ولهم عذاب أليم " قوله:
" استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم " قال علي ابن إبراهيم: إنها نزلت لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة ومرض عبد الله بن أبي، وكان ابنه عبد الله بن عبد الله مؤمنا، فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبوه يجود بنفسه فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إنك إن لم تأت أبي كان ذلك عارا علينا، فدخل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)
والمنافقون عنده فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله استغفر الله له، فاستغفر له فقال عمر: ألم ينهك الله يا رسول الله أن تصلي عليهم (1)؟ أو تستغفر لهم؟ فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأعاد عليه، فقال له " ويلك إني خيرت فاخترت إن الله يقول: " استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم " فلما مات عبد الله جاء ابنه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إن رأيت أن تحضر جنازته، فحضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقام على قبره، فقال له عمر يا رسول الله: ألم ينهك الله أن تصلي على أحد منهم مات أبدا، وأن تقوم على قبره؟
فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويلك وهل تدري ما قلت؟ إنما قلت: اللهم احش قبره نارا، وجوفه نارا، وأصله النار، فبدا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لم يكن يحب.
قال: ولما قدم النبي (صلى الله عليه وآله) من تبوك كان أصحابه المؤمنون يتعرضون للمنافقين ويؤذونهم، فكانوا يحلفون لهم أنهم على الحق، وليس هم بمنافقين لكي يعرضوا عنهم ويرضوا عنهم، فأنزل الله: " سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين " ثم وصف الاعراب فقال: " الاعراب أشد كفرا ونفاقا " إلى قوله: " إن الله غفور رحيم ".
50 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي عن يحيى بن عمران عن يونس عن أبي الطيار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): المرجون لأمر الله، قوم كانوا مشركين، قتلوا حمزة وجعفرا وأشباههما من المؤمنين، ثم دخلوا بعد ذلك في الاسلام فوحدوا الله وتركوا الشرك
ولم يعرفوا الايمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنة، ولم يكونوا على جحودهم فيجب لهم النار، فهم على تلك الحال مرجون لأمر الله إما يعذبهم و إما يتوب عليهم.
51 - تفسير علي بن إبراهيم: " ولكن من شرح بالكفر صدرا " فهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث من بني لوي، يقول الله: " فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم * ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الظالمين * ذلك بأن الله ختم على سمعهم وأبصارهم وقلوبهم وأولئك هم الغافلون * لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون " هكذا في قراءة بن مسعود، هذا كله في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان عاملا لعثمان بن عفان على مصر، ونزل فيه أيضا:
ومن قال: " سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ".
52 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا " إلى قوله:
" وما أولئك بالمؤمنين " فإنه حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين (عليه السلام) وعثمان، وذلك أنه كان بينهما منازعة في حديقة، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ترضى برسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
فقال عبد الرحمن بن عوف لعثمان: لا تحاكمه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنه يحكم له عليك، ولكن حاكمه إلى ابن شيبة اليهودي، فقال عثمان لأمير المؤمنين (عليه السلام):
لا أرضى إلا بابن شيبة اليهودي فقال ابن شيبة لعثمان: تأتمنون محمدا على وحي السماء وتتهمونه في الاحكام؟ فأنزل الله على رسوله: " وإذا دعوا إلى الله ورسوله
ليحكم بينهم " إلى قوله: " بل أولئك هم الظالمون ".
53 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي عن حماد، عن حريز، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن جابر فقال: رحم الله جابرا بلغ من فقهه أن كان يعرف تأويل هذه الآية: " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " يعني الرجعة.
54 - تفسير علي بن إبراهيم: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما مر بعمرو بن العاص وعقبة بن أبي معيط وهما في حائط يشربان ويغنيان بهذا البيت في حمزة بن عبد المطلب حين قتل:
كم من حواري تلوح عظامه * وراء الحرب عنه أن يجر فيقبرا فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اللهم العنهما واركسهما في الفتنة ركسا ودعهما إلى النار دعا.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.