بحارالانوار · المجلد السادس
36 - باب حجة الوداع وما جرى فيها إلى الرجوع إلى المدينة
ج ۲۲، ص ۴۶–۷۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۷
الله (صلى الله عليه وآله) ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، وحكى البخلي أنه كانت بين علي (عليه السلام) وعثمان منازعة في أرض اشتراها من علي (عليه السلام) فخرجت فيها أحجار و أراد ردها بالعيب فلم يأخذها، فقال: بيني وبينك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال الحكم ابن أبي العاص: إن حاكمته إلى ابن عمه حكم له فلا تحاكمه إليه، فنزلت الآيات وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) أو قريب منه " وإن يكن لهم الحق " أي وإن علموا أن الحق يقع لهم " يأتوا " إلى النبي (صلى الله عليه وآله) مسرعين طائعين منقادين " مرض " أي شك في نبوتك ونفاق " أن يحيف الله " أي يجور الله ورسوله عليهم في الحكم " وأقسموا بالله " لما بين الله سبحانه كراهتهم لحكمه قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله):
والله لو أمرتنا بالخروج من ديارنا وأموالنا لفعلنا، فقال الله سبحانه: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم " أي حلفوا بالله أغلظ أيمانهم وقدر طاقتهم إنك إن أمرتنا بالخروج في غزواتك لخرجنا " قل " لهم لا تقسموا " أي لا تحلفوا، وتم الكلام " طاعة معروفة " أي طاعة حسنة للنبي (صلى الله عليه وآله) خالصة صادقة أفضل وأحسن من قسمكم، أو ليكن منكم طاعة.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " الذين آتيناهم الكتاب من قبله " نزل في عبد الله بن سلام وتميم الداري والجارود العبدي وسلمان الفارسي فإنهم لما أسلموا نزلت فيهم الآيات، عن قتادة، وقيل: نزلت في أربعين رجلا من أهل الإنجيل كانوا مسلمين بالنبي (صلى الله عليه وآله) قبل مبعثه اثنان وثلاثون من الحبشة أقبلوا مع جعفر ابن أبي طالب وقت قدومه، وثمانية قدموا من الشام، منهم بحيرا وأبرهة والأشرف وعامر وأيمن وإدريس ونافع وتميم " من قبله " أي من قبل محمد (صلى الله عليه وآله)، أو من قبل القرآن " مرتين " مرة بتمسكهم بدينهم حتى أدركوا محمدا (صلى الله عليه وآله) فآمنوا به ومرة بإيمانهم به.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " أحسب الناس " قيل: نزلت في عمار بن ياسر وكان يعذب في الله عن ابن جريج، وقيل: نزلت في أناس مسلمين كانوا بمكة فكتب إليهم من في المدينة أنه لا يقبل منكم الاقرار بالاسلام حتى تهاجروا فخرجوا إلى المدينة فأتبعهم المشركون فآذوهم وقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا عن الشعبي وقيل إن أراد بالناس الذين آمنوا بمكة سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد ابن الوليد وعمار بن ياسر وغيرهم عن ابن عباس.
وفي قوله تعالى: " ومن الناس من يقول ": قال الكلبي: نزلت في عياش ابن أبي ربيعة المخزومي، وذلك أنه أسلم فخاف أهل بيته فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النبي (صلى الله عليه وآله) فحلفت أمه أسماء بنت مخزمة بن أبي جندل التميمي أن لا تأكل ولا تشرب ولا تغسل رأسها ولا تدخل كنا حتى يرجع إليها، فلما رأى ابناها أبو جهل والحارث ابنا هشام وهما أخوا عياش لامه جزعها ركبا في طلبه حتى أتيا المدينة فلقياه وذكرا له القصة، فلم يزالا به حتى أخذ عليهما المواثيق أن لا يصرفاه عن دينه وتبعهما وقد كانت أمه صبرت ثلاثة أيام ثم أكلت وشربت فلما خرجوا من المدينة أخذاه فأوثقاه كتافا وجلده كل واحد منهما مائة جلدة فبرئ من دين محمد (صلى الله عليه وآله) جزعا من الضرب، وقال مالا ينبغي، فنزلت الآية وكان الحارث أشدهما عليه، فحلف عياش لئن قدر عليه خارجا من الحرم ليضربن عنقه، فلما رجعوا إلى مكة مكثوا حينا ثم هاجر النبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنون إلى المدينة وهاجر عياش وحسن إسلامه وأسلم الحارث بن هشام وهاجر إلى المدينة وبايع النبي (صلى الله عليه وآله) على الاسلام، ولم يحضر عياش فلقيه عياش يوما بظهر قبا لم يشعر بإسلامه فضرب عنقه، فقيل له: إن الرجل قد أسلم، فاسترجع عياش وبكى ثم أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبره بذلك فنزل: " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ "
الآية وقيل: نزلت الآية في ناس من المنافقين يقولون: آمنا فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك، عن الضحاك، وقيل: نزلت في قوم ردهم المشركون إلى مكة، عن قتادة.
وفي قوله تعالى: " وإذا غشيهم موج " روي السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس إلا أربعة نفر، قال:
اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، و عبد الله ابن أختل، وقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، فأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم ريح عاصفة فقال أهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا ههنا، فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الاخلاص ما ينجيني في البر غيره اللهم إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه إني آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما، فجاء فأسلم.
وقال في قوله تعالى: " يا أيها النبي اتق الله " نزلت في أبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور السلمي قدموا المدينة، ونزلوا على عبد الله بن أبي بعد غزوة أحد بأمان من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليكلموه فقاموا وقام معهم عبد الله بن أبي وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق فدخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا:
يا محمد ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربك، فشق ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال عمر بن الخطاب: ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم، فقال: إني أعطيتهم الأمان، وأمر (صلى الله عليه وآله) فاخرجوا من المدينة ونزلت الآية " ولا تطع الكافرين " من أهل مكة أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة، و المنافقين ابن أبي وابن سعد وطعمة، وقيل: نزلت في ناس من ثقيف قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فطلبوا منه أن يمتعهم باللات والعزى سنة ، قالوا: ليعلم قريش منزلتنا منك. وقوله: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " نزل في أبي معمر
حميد بن معمر بن حبيب الفهري وكان لبيبا حافظا لما يسمع، وكان يقول: إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، وكانت قريش تسميه ذا القلبين، فلما كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم أبو معمر تلقاه أبو سفيان ابن حرب وهو آخذ بيده إحدى نعليه والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا، قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك، والأخرى في رجلك؟ فقال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعرفوا يومئذ أنه لم يكن له إلا قلب واحد لما نسي نعله في يده، عن مجاهد وقتادة، وإحدى الروايتين عن ابن عباس، وقيل: إن المنافقين كانوا يقولون: إن لمحمد قلبين ينسبونه إلى الدهاء فأكذبهم الله تعالى بذلك، عن ابن عباس.
وفي قوله تعالى: " لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض " أي فجور وضعف في الايمان " والمرجفون " وهم المنافقون أيضا الذين كانوا يرجفون في المدينة بالاخبار الكاذبة المضعفة لقلوب المسلمين بأن يقولوا: اجتمع المشركون في موضع كذا قاصدين لحرب المسلمين ونحو ذلك ويقولوا لسرايا المسلمين: انهم قتلوا وهزموا، وتقدير الكلام لئن لم ينته هؤلاء عن أذى المسلمين وعن الارجاف بما يشغل قلوبهم " لنغرينك بهم " أي لنسلطنك عليهم، أي أمرناك بقتلهم حتى تقتلهم وتخلي عنهم المدينة، وقد حصل الاغراء بقوله: " جاهد الكفار والمنافقين " وقيل: لم يحصل لأنهم انتهوا " أينما ثقفوا " أي وجدوا وظفر بهم.
وفي قوله تعالى: " وقال الذين كفروا " وهم اليهود، وقيل: هم مشركو - العرب، وهو الأصح " ولا بالذي بين يديه " من أمر الآخرة، وقيل: يعنون به التوراة والإنجيل، وذلك أنه لما قال مؤمنوا أهل الكتاب: إن صفة محمد (صلى الله عليه وآله) في كتابنا وهو نبي مبعوث كفر المشركون بكتابهم.
وفي قوله تعالى: " وشهد شاهد من بني إسرائيل " يعني عبد الله بن سلام " لو كان خيرا " اختلف فيمن قال ذلك فقيل: هم اليهود، قالوا: لو كان دين محمد (صلى الله عليه وآله) خيرا ما سبقنا إليه عبد الله بن سلام، عن أكثر المفسرين، وقيل: إن أسلم وجهينة ومزينة وغفارا لما أسلموا قال بنو عامر بن صعصعة بن غطفان وأسد وأشجع هذا القول، عن الكلبي.
وقال البيضاوي في قوله تعالى: " ومنهم من يستمع إليك " يعني المنافقين كانوا يحضرون مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويسمعون كلامه فإذا خرجوا " قالوا للذين أوتوا العلم " أي لعلماء الصحابة " ماذا قال آنفا " ما الذي قال الساعة؟ استهزاء أو استعلاما، إذ لم يلقوا إليه آذانهم تهاونا به " لولا نزلت سورة " أي هلا نزلت سورة في أمر الجهاد " فإذا أنزلت سورة محكمة " مبينة لا تشابه فيها " وذكر فيها القتال " أي الامر به " رأيت الذين في قلوبهم مرض " ضعف في الدين وقيل: نفاق " نظر المغشي عليه من الموت " جبنا ومخافة " فأولى لهم " فويل لهم، أفعل من الولي وهو القرب، أو فعلى من آل ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه، أو يؤل إليه أمرهم " طاعة وقول معروف " استيناف، أي أمرهم طاعة، أو طاعة وقول معروف خير لهم، أو حكاية قولهم " فإذا عزم الامر " أي: جد، والاسناد مجاز " فلو صدقوا الله " أي فيما زعموا من الحرص على الجهاد أو الايمان " فهل عسيتم " فهل يتوقع منكم " إن توليتم " أمور الناس وتأمرتم عليهم أو أعرضتم وتوليتم عن الاسلام " ان تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم " تناجزا على الولاية، وتجاذبا لها، أو رجوعا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من التغاور والمقاتلة مع الأقارب " أم على قلوب أقفالها " لا يصل إليها ذكر، ولا ينكشف لها أمر، وقيل: أم منقطعة
" وأملى لهم " وأمد لهم في الأماني والآمال " ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله " أي قال اليهود الذين كفروا بالنبي (صلى الله عليه وآله) بعد ما تبين لهم نعته للمنافقين أو المنافقون لهم، أو أحد الفريقين للمشركين: " سنطيعكم في بعض الامر " في بعض أموركم، أو في بعض ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد والموافقة في الخروج معهم أن اخرجوا والتظافر على الرسول " فكيف إذا توفتهم الملائكة " فكيف يعملون ويحتالون حينئذ " يضربون وجوههم وأدبارهم " تصوير لتوفيهم بما يخافون منه.
ويجبنون عن القتال له " ذلك " إشارة إلى التوفي الموصوف " أن لن يخرج الله " أن لن يبرز الله لرسوله والمؤمنين " أضغانهم " أحقادهم " ولو نشاء لأريناكهم " لعرفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم " فلعرفتهم بسيماهم " بعلاماتهم التي نسمهم بها ولحن القول أسلوبه به، وإمالته إلى جهة تعريض وتورية " ونبلوا أخباركم " ما يخبر به عن أعمالكم فيظهر حسنها وقبيحها، أو أخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم المؤمنين في صدقها وكذبها " يستبدل قوما غيركم " يقم مكانكم قوما آخرين " ثم لا يكونوا أمثالكم " في التولي والزهد في الايمان، وهم الفرس، أو الأنصار، أو اليمن أو الملائكة.
وقال الطبرسي رحمه الله: وروى أبو هريرة أن ناسا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه؟ وكان سلمان إلى جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فضرب يده على فخذ سلمان فقال: " هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله رجاله من فارس " وروى أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن تتولوا يا معشر العرب يستبدل قوما غيركم يعني الموالي.
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قد والله أبدل بهم خيرا منهم الموالي.
قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق " قال الطبرسي برد الله مضجعه: نزل في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في صدقات بني المصطلق فخرجوا يتلقونه فرحا به، وكانت بينهم عدواة في الجاهلية فظن أنهم هموا بقتله فرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: إنهم منعوا صدقاتهم، وكان الامر بخلافه، فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) وهم أن يغزوهم فنزلت الآية، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقيل: إنها نزلت فيمن قال للنبي (صلى الله عليه وآله): إن مارية أم إبراهيم يأتيها ابن عم لها قبطي، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) وقال: يا أخي خذ هذا السيف فإن وجدته عندها فاقتله، فقال: يا رسول الله أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة، أمضي لما أمرتني أم الشاهد يرى مالا يرى الغائب؟ فقال (صلى الله عليه وآله): بل الشاهد يرى مالا يرى الغائب، قال علي (عليه السلام): فأقبلت موشحا بالسيف فوجدته عندها فاخترطت السيف، فلما عرف أني أريده أتى نخلة فرقى إليها، ثم رمى بنفسه على قفاه وشغر برجليه فإذا أنه أجب أمسح، ماله مما للرجال قليل ولا كثير فرجعت وأخبرت النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: " الحمد لله الذي يصرف عنا السوء أهل البيت ".
وقال البيضاوي: " فتبينوا " أي فتعرفوا وتفحصوا " أن تصيبوا " كراهة أصابتكم " قوما بجهالة " جاهلين بحالهم " فتصبحوا " فتصيروا " على ما فعلتم نادمين " مغتمين غما لازما متمنين أنه لم يقع " لعنتم " أي لوقعتم في الجهد.
قوله: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " قال الطبرسي رحمه الله: نزل في الأوس والخزرج وقع بينهما قتال بالسعف والنعال، عن ابن جبير، وقيل: نزل في رهط عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج، ورهط عبد الله بن رواحة من الأوس وسببه أن النبي (صلى الله عليه وآله) وقف على عبد الله ابن أبي فراث حمار رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأمسك عبد الله أنفه، وقال: إليك عني، فقال عبد الله بن رواحة: لحمار رسول الله (صلى الله عليه وآله) أطيب ريحا منك ومن أبيك، فغضب قومه وأعان ابن رواحة قومه، وكان بينهما
ضرب بالجريد والأيدي والنعال.
وقوله تعالى: " لا يسخر قوم من قوم " نزل في ثابت بن قيس بن شماس، و كان في اذنه وقر.؟، وكان إذا دخل المسجد تفسحوا له حتى يقعد عند النبي (صلى الله عليه وآله) فيسمع ما يقول، فدخل المسجد يوما والناس قد فرغوا من الصلاة، وأخذوا مكانهم فجعل يتخطا رقاب الناس يقول: تفسحوا تفسحوا حتى انتهى إلى رجل فقال له:
أصبت مجلسا فاجلس، فجلس خلفه مغضبا، فلما انجلت الظلمة قال : من هذا؟ قال الرجل: أنا فلان، قال ثابت: ابن فلانة؟ ذكر اما له كان يعير بها في الجاهلية فنكس الرجل رأسه حياء، فنزلت الآية عن ابن عباس. وقوله " ولا يغتب بعضكم بعضا " نزلت في رجلين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) اغتابا رفيقهما وهو سلمان بعثاه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليأتي لهما بطعام، فبعثه إلى أسامة بن زيد كان خازن رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رحله، فقال: ما عندي شئ، فعاد إليهما فقالا: بخل أسامة، وقالا لسلمان: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله ((صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهما: " مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما "؟ قالا: يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما، قال: " ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة " فنزلت الآية.
وقوله: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " قيل: نزل في ثابت ابن قيس بن شماس وقوله للرجل الذي لم يتفسح له: ابن فلانة: فقال (صلى الله عليه وآله): من الذاكر فلانة؟ فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله، فقال: انظر في وجوه القوم، فنظر إليهم فقال: ما رأيت يا ثابت؟ فقال: رأيت أسود وأبيض وأحمر، قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين، فنزلت هذه الآية وقوله: " يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس " الآية، عن ابن عباس، وقيل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله بلالا حتى علا ظهر الكعبة وأذن فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم، وقال حارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب
الأسود مؤذنا؟ وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئا لغيره وقال أبو سفيان إني لا أقول شيئا أخاف أن يخبره رب السماء، فأتى جبرئيل رسول الله ((صلى الله عليه وآله) فأخبره بما قالوا، فدعاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله ) وسألهم عما قالوا فأقروا به، ونزلت الآية و زجرهم عن التفاخر بالأنساب والازدراء بالفخر، والتكاثر بالأموال.
وقال في قوله تعالى: " أفرأيت الذي تولى ": نزلت الآيات السبع في عثمان ابن عفان، كان يتصدق وينفق ماله، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن سعد ابن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك أن لا يبقى لك شئ، فقال عثمان: إن لي ذنوبا، وإني أطلب بما أصنع رضى الله وأرجو عفوه، فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الصدقة، فنزلت: " أفرأيت الذي تولى " أي يوم أحد حين ترك المركز " وأعطى قليلا " ثم قطع نفقته إلى قوله: " وإن سعيه سوف يرى " فعاد عثمان إلى ما كان عليه، عن ابن عباس والسدي والكلبي وجماعة من المفسرين، وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله (صلى الله عليه وآله) على دينه، فعيره المشركون وقالوا: تركت دين الأشياخ وضللتهم، وزعمت أنهم في النار، قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له، ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له فنزلت: " أفرأيت الذي تولى " عن الايمان " وأعطى " صاحبه الضامن " قليلا وأكدى " أي بخل بالباقي، عن مجاهد وابن زيد، وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه ربما كان يوافق رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض الأمور، عن السدي، وقيل: نزلت في رجل قال لأهله: جهزوني حتى أنطلق إلى هذا الرجل، يريد النبي (صلى الله عليه وآله) فتجهز وخرج فلقيه رجل من الكفار فقال له: أين تريد؟ فقال: محمد، لعلي أصيب من خيره، قال له الرجل: أعطني جهازك وأحمل عنك إثمك، عن عطا، وقيل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال: والله
ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق، فذلك قوله: " أعطى قليلا وأكدى " أي لم يؤمن به، عن محمد بن كعب.
وقال رحمه الله في قوله: " يؤتكم كفلين من رحمته " أي نصيبين: نصيبا لايمانكم بمن تقدم من الأنبياء، ونصيبا لايمانكم بمحمد (صلى الله عليه آله) عن ابن عباس " ويجعل لكم نورا تمشون به " أي هدى تهتدون به، وقيل: هو القرآن، ثم قال: قال سعيد بن جبير: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلما كان عند انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلا: أئذن لنا فنأتي هذا النبي فنسلم به فقدموا مع جعفر، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا رسول الله ((صلى الله عليه وآله) وقالوا:
يا نبي الله إن لنا أموالا، ونحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة، فان أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله تعالى فيهم: " الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون " إلى قوله: " ومما رزقناهم ينفقون " فكانت النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن به قوله: " أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا " فخروا على المسلمين فقالوا: يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابنا و كتابكم فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا؟ فنزل قوله: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله " الآية، فجعل لهم أجرين، وزادهم النور والمغفرة ثم قال: " لئلا يعلم أهل الكتاب " وقال الكلبي: كان هؤلاء أربعة وعشرين رجلا قدموا من اليمن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو بمكة لم يكونوا يهودا ولا نصارى، و كانوا على دين الأنبياء فأسلموا، فقال لهم أبو جهل، بئس القوم أنتم والوفد لقومكم فردوا عليه: " وما لنا لا نؤمن بالله " الآية، فجعل الله لهم ولمؤمني أهل الكتاب
عبد الله بن سلام وأصحابه أجرين اثنين، فجعلوا يفتخرون على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقولون: نحن أفضل منكم، لنا أجران، ولكم أجر واحد، فنزل: " لئلا يعلم أهل الكتاب " إلى آخر السورة.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " قد سمع الله " نزلت الآيات في امرأة من الأنصار ثم من الخزرج اسمها خولة بنت خويلد، عن ابن عباس، وقيل: خولة بنت ثعلبة، عن قتادة والمقاتلين. وزوجها أوس بن الصامت، وذلك أنها كانت حسنة الجسم، فرآها زوجها ساجدة في صلاتها فلما انصرفت أرادها فأبت عليه فغضب عليها، وكان امرأ فيه سرعة ولمم فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، وكان الظهار من طلاق أهل الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلا وقد حرمت علي، فقالت: لا تقل ذلك وائت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاسأله، فقال: إني أجدني أستحيي منه أن أسأله عن هذا، قالت: فدعني أسأله، فقال: سليه، فأتت النبي (صلى الله عليه وآله) وعايشة تغسل شق رأسه، فقالت: يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غانية ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شئ تجمعني وإياه تنعشني به؟ فقال (صلى الله عليه وآله): ما أراك إلا حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، وإنه أبو ولدي، وأحب الناس إلي، فقال ((صلى الله عليه وآله): ما أراك إلا حرمت عليه، ولم أؤمر في شأنك بشئ، فجعلت تراجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإذا قال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): حرمت عليه، هتفت وقالت: أشكوا إلى الله فاقتي وحاجتي وشدة حالي، اللهم فأنزل على لسان نبيك، وكان هذا أول ظهار في الاسلام، فقامت عايشة تغسل شق رأسها الآخر فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداك يا نبي الله، فقالت عايشة: اقصري حديثك ومجادلتك، أما ترين وجه
رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وكان (صلى الله عليه وآله) إذا نزل عليه الوحي أخذه مثل السبات، فلما قضي الوحي قال: ادعي زوجك، فتلا عليه رسول الله " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله " إلى تمام الآيات، قالت عايشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتحاور رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه إذا أنزل الله " قد سمع الله " فلما تلا عليه الآيات قال له: هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ قال: إذا يذهب مالي كله، والرقبة غالية وأنا قليل المال، فقال (صلى الله عليه وآله): فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ فقال: والله يا رسول الله إني إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرات كل بصري، وخشيت أن يغشى عيني، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا والله إلا أن تعينني على ذلك يا رسول الله، فقال: إني معينك بخمسة عشر صاعا، وأنا داع لك بالبركة فأعانه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بخمسة عشر صاعا ودعا له بالبركة فاجتمع لهما أمرهما.
وقال في قوله: " ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم " المراد بهم قوم من المنافقين كانوا يوالون اليهود، ويفشون إليهم أسرار المؤمنين، ويجتمعون معهم على ذكر مساءة النبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين " ما هم منكم ولا منهم " يعني أنهم ليسوا من المؤمنين في الدين والولاية ولا من اليهود " ويحلفون على الكذب " أي على أنهم لم ينافقوا " وهم يعلمون " أنهم منافقون.
وقال في قوله تعالى: " قوما غضب الله عليهم " أي لا تتولوا اليهود، وذلك أن جماعة من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين يتواصلون إليهم بذلك، فيصيبون من ثمارهم، فنهى الله عن ذلك، وقيل: أراد جميع الكفار " كما يئس الكفار من أصحاب القبور " أي ان اليهود بتكذيبهم محمدا (صلى الله عليه وآله) قد يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة حظ كما يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا في القبور من أن يكون لهم في الآخرة حظ، لأنهم قد أيقنوا بعذاب الله، وقيل: كما يئس
كفار العرب من أن يحيا أهل القبور.
وفي قوله تعالى: " يا أيها الذين هادوا " أي سموا يهودا " إن زعمتم أنكم أولياء لله " كما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه " فتمنوا الموت " الذي يوصلكم إليه وقد مر شرحه مرارا، وقال رحمه الله في قوله تعالى: " وإذا رأوا تجارة " قال جابر بن عبد الله: أقبلت عير ونحن نصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الجمعة فانفض الناس إليها، فما بقي غير اثنى عشر رجلا أنا فيهم، فنزلت الآية وقال الحسن و أبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام، والنبي (صلى الله عليه وآله) يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه، فلم يبق مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلا رهط فنزلت، فقال (صلى الله عليه وآله): " والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد منكم لسال بكم الوادي نارا " وقال المقاتلان:
بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة بن فروة الكلبي ثم أحد بني الخزرج، ثم أحد بني زيد بن مناة من الشام بتجارة، وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إلى من دقيق أو بر أو غيره، فينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه، فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه، فقدم ذات جمعة و كان ذلك قبل أن يسلم ورسول الله (صلى الله عليه وآله) قائم على المنبر يخطب فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة، فقال (صلى الله عليه وآله): " لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء " وأنزل الله هذه الآية، وقيل: لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط، عن الكلبي عن ابن عباس، وقيل: إلا أحد عشر رجلا، عن ابن كيسان وقيل: إنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل يوم مرة لعير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة، عن قتادة ومقاتل.
قوله تعالى: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا " اللهو هو الطبل، وقيل : المزامير
" انقضوا إليها " أي تفرقوا عنك خارجين إليها، وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: انصرفوا إليها " وتركوك قائما " تخطب على المنبر، وقيل: أراد قائما في الصلاة " قل ما عند الله " من الثواب على سماع الخطبة وحضور الموعظة والصلاة و الثبات مع النبي (صلى الله عليه وآله) " خير " وأحمد عاقبة " من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين " يرزقكم وإن تتركوا الخطبة والجمعة.
قوله تعالى: " وإن يكاد الذين كفروا " قال البيضاوي: " إن " هي المخففة واللام دليلها، والمعنى أنهم لشدة عداوتهم ينظرون إليك شزرا بحيث يكادوا يزلون قدمك ويرمونك، أو إنهم يكادون يصيبونك بالعين، إذ روي أنه كان في بنى أسد عيانون، فأراد بعضهم أن يعين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنزلت.
أقول: سيأتي أنها نزلت عند نصب الرسول (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) للخلافة وما قاله المنافقون عند ذلك.
قوله تعالى: فأما من أعطى " قال الطبرسي رحمه الله: روى الواحدي بالاسناد المتصل عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، وكان الرجل إذا جاء فدخل الدار وصعد النخلة ليأخذ منها التمر فربما سقطت التمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرجل من النخلة حتى يأخذ التمر من أيديهم، فإن وجدها في في أحدهم أدخل إصبعه حتى يخرج التمر من فيه، فشكا ذلك الرجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبره بما يلقى من صاحب النخلة، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): اذهب، ولقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) صاحب النخلة فقال: تعطني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة؟ فقال له الرجل: إن لي نخلا كثيرا، وما فيه نخلة أعجب إلي ثمرة منها، قال: ثم ذهب الرجل فقال رجل كان يسمع الكلام من رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله أتعطيني بما أعطيت الرجل نخلة في الجنة إن أنا أخذتها؟ قال: نعم فذهب الرجل ولقي صاحب النخلة فساومها منه ، فقال له: أشعرت أن محمدا أعطاني بها نخلة في الجنة فقلت له: يعجبني تمرها
وإن لي نخلا كثير فما فيه نخلة أعجب إلي تمرة منها؟ فقال له الآخر: أتريد بيعها؟ فقال: لا إلا أن اعطى بها مالا أظنه اعطى، قال: فما مناك؟ قال: أربعون نخلة، فقال الرجل: جئت بعظيم تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة، ثم سكت عنه فقال له: أنا أعطيك أربعين نخلة، فقال له: أشهد إن كنت صادقا، فمر إلى ناس فدعاهم فأشهد له بأربعين نخلة، ثم ذهب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن النخلة قد صارت في ملكي، فهي لك، فذهب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى صاحب الدار فقال له: النخلة لك ولعيالك، فأنزل الله تعالى: " والليل إذا يغشى " السورة، وعن عطا قال: اسم الرجل أبو الدحداح " فأما من أعطى واتقى " هو أبو الدحداح " و أما من بخل واستغنى " هو صاحب النخلة.
وقوله: " لا يصلاها إلا الأشقى " هو صاحب النخلة " وسيجنبها الأتقى " أبو الدحداح " ولسوف يرض " إذا أدخله الجنة، قال: فكان النبي (صلى الله عليه وآله) يمر بذلك الحش وعذوقه دانية فيقول: عذوق وعذوق لأبي الدحداح في الجنة، والأولى أن تكون الآيات محمولة على عمومها في كل من يعطي حق الله من ماله، وكل من يمنع حقه سبحانه، وروى العياشي ذلك بإسناده عن سعد الإسكاف عن أبي جعفر (عليه السلام).
أقول: سيأتي الاخبار في ذلك في أبواب الصدقات.
قوله تعالى: " ألهيكم التكاثر " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: نزلت السورة في اليهود قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا، عن قتادة، وقيل: نزلت في فخذ من الأنصار تفاخروا عن أبي بريدة، وقيل: نزلت في حيين من قريش: بني عبد مناف بن قصي، وبني سهم بن عمرو، تكاثروا وعدوا أشرافهم فكثرهم بنو عبد مناف، ثم قالوا: نعد موتانا حتى زاروا القبور فعدوهم فقالوا: هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم، لأنهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية، عن مقاتل والكلبي.
بيان: البضعة: القطعة من اللحم، وفي النهاية: في حديث ذي الثدية له يديه مثل البضعة تدردر، أي ترجرج تجئ وتذهب، والأصل تتدردر، فحذفت إحدى التائين تخفيفا، وقال: الأدلم: الأسود الطويل، وقال: فيه: أنا وسعفاء الخدين الحانية على ولدها يوم القيامة كهاتين، وضم أصبعيه، السعفة: نوع من السواد ليس بالكثير، وقيل: هو السواد مع لون آخر، أراد أنها بذلت نفسها وتركت الزنية والترفه حتى شحب لونها واسود إقامة على ولدها بعد وفاة زوجها وقال: اللكع عند العرب: العبد، ثم استعمل في الحمق والذم، يقال للرجل:
لكع، وللمرأة: لكاع، ومنه حديث سعد بن عبادة: أرأيت إن دخل رجل بيته فرأى لكاعا قذ تفخذ امرأته " هكذا روي في الحديث، جعل صفة للرجل، ولعله أراد لكعا فحرف.
وفي القاموس سميحة كجهينة: بئر بالمدينة غزيرة.
وفي النهاية: اللمم: طرف من الجنون يلم بالانسان، أي يقرب منه ويعتريه وفي حديث جميلة إنها كانت تحت الأوس بن الصامت، وكان رجلا به لمم، فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته. اللمم هنا: الالمام بالنساء وشدة الحرص عليهن، و ليس من الجنون، فإنه لو ظاهر في تلك الحال لم يلزمه شئ.
وفي القاموس: الغانية: المرأة تطلب ولا تطلب، أو الغنية بحسنها عن الزينة أو التي غنيت ببيت أبويها ولم يقع عليها سباء، أو الشابة العفيفة ذات زوج أم لا وقال: العاتق: الجارية أول ما أدركت، والتي لم تتزوج.
لسومت أي أرسلت، أو أعلمت بأسمائهم وأرسلت لهم كما أرسلت لقوم لوط.
1 - مناقب ابن شهرآشوب: الزجاج في المعاني، والثعلبي في الكشف، والزمخشري في الفائق والواحدي في أسباب نزول القرآن، والثمالي في تفسيره واللفظ له أنه قال عثمان لابن سلام: نزل على محمد (صلى الله عليه وآله): " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون
أبناءهم " فكيف هذا؟ قال: نعرف نبي الله بالنعت الذي نعته الله إذا رأيناه فيكم كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه بين الغلمان، وأيم الله أنا بمحمد أشد معرفة مني بابني، لأني عرفته بما نعته الله في كتابنا، وأما ابني فإني لا أدري ما أحدثت أمه.
ابن عباس: قال: كانت اليهود يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل مبعثه، فلما بعثه الله تعالى من العرب دون بني إسرائيل كفروا به فقال لهم بشر بن معرور ومعاذ بن جبل: اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك، وتذكرون أنه مبعوث فقال سلام بن مسلم أخو بني النضير: ما جاءنا بشئ نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكركم فنزل: " ولما جاءهم كتاب من عند الله " قالوا في قوله : " وكانوا من قبل يستفتحون " الآية، وكانت اليهود إذا أصابتهم شدة من الكفار يقولون: " اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة " فلما قرب خروجه (صلى الله عليه وآله) قالوا: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنته الله على الكافرين " وهو المروي عن الصادق (عليه السلام)، وكان لأحبار من اليهود طعمة فحرفوا صفة النبي (صلى الله عليه وآله) في التوراة من الممادح إلى المقابح فلما قالت عامة اليهود: كان محمدا هو المبعوث في آخر الزمان، قالت الأحبار: كلا وحاشا، وهذه صفته في التوراة، وأسلم عبد الله بن سلام وقال: يا رسول الله سل اليهود عني فإنهم يقولون: هو أعلمنا، فإذا قالوا ذلك قلت لهم: إن التوراة دالة على نبوتك، وإن صفاتك فيها واضحة، فلما سألهم قالوا كذلك، فحينئذ أظهر ابن سلام إيمانه فكذبوه، فنزل: " قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد " الآية.
الكلبي: قال كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهود أو
فنحاص بن عازورا: يا محمد إن الله عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن زعمت أن الله بعثك إلينا فجئنا به نصدقك، فنزلت: " و لما جاءهم كتاب من عند الله " الآية. وقوله: " قل جاءكم " أراد زكريا ويحيى وجميع من قتلهم اليهود.
الكلبي: كان النضر بن الحارث يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم ويحدث بها قريشا، ويقول لهم: إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فنزل: " ومن الناس من يشتري لهو الحديث ".
2 - تفسير علي بن إبراهيم: " وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله وما انزل إليكم " الآية فهم قوم من اليهود والنصارى دخلوا في الاسلام منهم النجاشي وأصحابه.
3 - تفسير علي بن إبراهيم: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت " الآية، قال: نزلت في اليهود حين سألهم مشركو العرب فقالوا:
أديننا أفضل أم دين محمد؟ قالوا: بل دينكم أفضل.
4 - تفسير علي بن إبراهيم: " ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم " الآية نزلت في عيينة بن حصن الفزاري أجدبت بلادهم، فجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووادعه على أن يقيم بطن نخل ولا يتعرض له، وكان منافقا ملعونا، وهو الذي سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأحمق المطاع في قومه.
5 - تفسير علي بن إبراهيم: " الذين يتربصون بكم " الآية فإنها نزلت في عبد الله ابن أبي وأصحابه الذين قعدوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله يوم أحد، فكان إذا ظفر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالكفار قالوا: " ألم نكن معكم " وإذا ظفر الكفار قالوا: " ألم نستحوذ عليكم " أن نعينكم، ولم نعن عليكم. قوله: " وهو خادعهم " قال: الخديعة من الله العذاب
" يراؤن الناس " أنهم يؤمنون " لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء " أي لم يكونوا من المؤمنين ولا من اليهود، ثم قال: " إن المنافقين في الدرك الأسفل " نزلت في عبد الله ابن أبي وجرت في كل منافق مشرك.
6 - تفسير علي بن إبراهيم: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " قال: لكل نبي شريعة و طريق " ولكن ليبلوكم فيما آتاكم " أي يختبركم.
7 - تفسير علي بن إبراهيم: " وإذا جاؤكم قالوا آمنا " قال: نزلت في عبد الله بن أبي لما أظهر الاسلام " وقد دخلوا بالكفر " قال: " وهم قد خرجوا به " من الايمان.
8 - تفسير علي بن إبراهيم: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما انزل إليهم من ربهم " يعني اليهود والنصارى " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم " قال: من فوقهم المطر ومن تحت أرجلهم النبات.
9 - تفسير علي بن إبراهيم: " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " فإنها نزلت في ابن بندي وابن أبي مارية نصرانيين، وكان رجل يقال له: تميم الداري مسلم خرج معهما في سفر، وكان مع تميم خرج ومتاع وآنية منقوشة بالذهب وقلادة، أخرجها إلى بعض أسواق العرب ليبيعها، فلما مروا بالمدينة اعتل تميم، فلما حضره الموت دفع ما كان معه إلى ابن بندي وابن أبي مارية، وأمرها أن يوصلاه إلى ورثته، فقدما المدينة فأوصلا ما كان دفعه إليهما تميم، وحبسا الآنية المنقوشة و القلادة، فقال ورثة الميت: هل مرض صاحبنا مرضا طويلا أنفق فيه نفقة كثيرة؟
فقالوا: ما مرض إلا أياما قليلة، قالوا: فهل سرق منه شئ في سفره هذا؟
قالوا: لا، قالوا: فهل أتجر تجارة خسر فيها؟ قالوا: لا، قالوا فقد افتقدنا
أنبل شئ كان معه: آنية منقوشة بالذهب مكللة وقلادة، فقالوا: ما دفعه إلينا قد أديناه إليكم، فقدموهما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأوجب عليهما اليمين فحلفا و أطلقهما، ثم ظهرت القلادة والآنية عليهما فأخبروا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك فانتظر الحكم من الله، فأنزل الآية إلى قوله: " أو آخران من غيركم " يعني من أهل الكتاب فأطلق الله شهادة أهل الكتاب على الوصية فقط إذا كان في سفر ولم يجد المسلم " من بعد الصلاة " يعني بعد صلاة العصر " فيقسمان بالله " إلى قوله: " إنا إذا لمن الآثمين " فهذه الشهادة الأولى التي حلفها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال عز وجل:
" فإن عثر على أنهما استحقا إثما " أي حلفا على كذب " فآخران يقومان مقامهما " يعني من أولياء المدعي " فيقسمان بالله " أي يحلفان بالله " لشهادتنا أحق من شهادتهما " وإنهما قد كذبا فيما حلفا بالله، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أولياء تميم الداري أن يحلفوا بالله على ما أمرهم به، فأخذ الآنية والقلادة من ابن بندي وابن أبي مارية وردهما على أولياء تميم.
10 - تفسير علي بن إبراهيم: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم " الآية، فإنه كان سبب نزولها أنه كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمون أصحاب الصفة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرهم أن يكونوا في صفة يأوون إليها، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتعاهدهم بنفسه، و ربما حمل إليهم ما يأكلون، وكانوا يختلفون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقربهم ويقعد معهم ويؤنسهم، وكان إذا جاء الأغنياء والمترفون من أصحابه ينكرون ذلك عليه ويقولون له: اطردهم عنك، فجاء يوما رجل من الأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده رجل من أصحاب الصفة قد لزق برسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يحدثه فقعد الأنصاري بالبعد منهما، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): تقدم، فلم يفعل، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): لعلك خفت أن يلزق فقره بك؟ فقال الأنصاري: اطرد هؤلاء
عنك، فأنزل الله: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " الآية، ثم قال: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " أي اختبرنا الأغنياء بالغنى لننظر كيف مواساتهم للفقراء، وكيف يخرجون ما فرض الله عليهم في أموالهم لهم، واختبرنا الفقراء لننظر كيف صبرهم على الفقر وعما في أيدي الأغنياء " ليقولوا " أي الفقراء " أهؤلاء " الأغنياء " من الله عليهم " الآية، ثم فرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يسلم على التوابين الذين عملوا السيئات ثم تابوا فقال: " وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة " يعني أوجب الرحمة لمن تاب والدليل على ذلك قوله: " أنه من عمل منكم سواء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ".
11 - تفسير علي بن إبراهيم: " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله " الآية، نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، فلفظ الآية عام، ومعناها خاص، ونزلت في غزوة بني قريظة في سنة خمس من الهجرة، وقد كتبت في هذه السورة مع أخبار بدر، وكانت بدر على رأس ستة عشر شهرا من مقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة، ونزلت مع الآية التي في سورة التوبة قوله: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا " الآية نزلت في أبي لبابة، فهذا الدليل على أن التأليف على خلاف ما أنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله)، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خيانة الله ورسوله معصيتهما وأما خيانة الأمانة فكل إنسان مأمون على ما افترض الله عليه.
12 - تفسير علي بن إبراهيم: " إنما النسئ زيادة في الكفر " كان سبب نزولها أن رجلا من كنانة كان يقف في الموسم فيقول: قد أحللت دماء المحلين طئ وخثعم في شهر المحرم وأنسأته وحرمت بدله صفر، فإذا كان العام المقبل يقول: قد أحللت صفر وأنسأته
وحرمت بدله شهر المحرم. فنزلت الآية.
13 - تفسير علي بن إبراهيم: " ومنهم من يلمزك في الصدقات " فإنها نزلت لما جاءت الصدقات وجاء الأغنياء وظنوا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسمها بينهم، فلما وضعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الفقراء تغامزوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) ولمزوه، وقالوا: نحن الذين نقوم في الحرب ونغزو معه ونقوي أمره، ثم يدفع الصدقات إلى هؤلاء الذين لا يعينونه ولا يغنون عنه شيئا، فأنزل الله: " ولو أنهم رضوا " إلى قوله: إنا إلى الله راغبون.
14 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله: " ولو كانوا اولي قربى " أي ولو كانوا قراباتهم قوله:
" رجسا إلى رجسهم " أي شكا إلى شكهم، قوله: " أنهم يفتنون " أي يمرضون قوله: " ثم انصرفوا " أي تفرقوا " صرف الله قلوبهم " عن الحق إلى الباطل باختيارهم الباطل على الحق.
15 - تفسير علي بن إبراهيم: " ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه " يقول: يكتمون ما في صدورهم من بغض علي (عليه السلام) فقال: " ألا حين يستغشون ثيابهم " فإنه كان إذا حدث بشئ من فضل علي (عليه السلام) أو تلا عليهم ما أنزل الله فيه نفضوا ثيابهم ثم قاموا، يقول الله : " يعلم ما يسرون وما يعلنون " حين قاموا " إنه عليم بذات الصدور ".
16 - تفسير علي بن إبراهيم: " والذين يرمون أزواجهم " كان سبب ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما رجع من غزوة تبوك جاء إليه عويمر بن ساعدة العجلاني وكان من الأنصار فقال: يا رسول الله إن امرأتي زنى بها شريك بن سمحاء وهي منها حامل، فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأعاد عليه القول، فأعرض عنه حتى فعل ذلك أربع مرات فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) منزله فنزل عليه آية اللعان، وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلى
بالناس العصر وقال لعويمر: إيتني بأهلك فقد أنزل الله فيكما قرآنا، فجاء إليها فقال لها: رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعوك وكانت في شرف من قومها، فجاء معها جماعة فلما دخلت المسجد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعويمر: تقدم إلى المنبر والتعنا، فقال:
كيف أصنع؟ فقال: تقدم وقل: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به فتقدم وقالها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أعدها فأعادها، ثم قال: أعدها حتى فعل ذلك أربع مرات، وقال في الخامسة: عليك لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به، فقال في الخامسة: إن عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين فيما رماها به، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللعنة موجبة إن كنت كاذبا، ثم قال له:
تنح، فتنحى، ثم قال لزوجته: تشهدين كما شهد، وإلا أقمت عليك حد الله فنظرت في وجوه قومها فقالت: لا اسود هذه الوجوه في هذه العشية، فتقدمت إلى المنبر وقالت: أشهد بالله إن عويمر بن الساعدة من الكاذبين فيما رماني به، فقال لها رسول الله: أعيديها فأعادتها أربع مرات فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): العني نفسك في الخامسة إن كان من الصادقين فيما رماك به فقالت في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويلك إنها موجبة ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لزوجها: اذهب فلا تحل لك أبدا، قال:
يا رسول الله فمالي الذي أعطيتها؟ قال: إن كنت كاذبا فهو أبعد لك منه، وإن
كنت صادقا فهو لها بما استحللت من فرجها، ثم قال رسول الله: إن جاءت بالولد أحمش الساقين، أنفس العينين جعدا قططا فهو للامر السئ، وإن جاءت به أشهل أصهب فهو لأبيه، فيقال: إنها جاءت به على الامر السئ .
بيان: أحمش الساقين أي دقيقهما، والنفس بالتحريك: السعة، والقطط:
الشديد الجعودة، وقيل: الحسن الجعودة، والشهلة: حمرة في سواد العين. والصهب محركة: حمرة أو شقرة في الشعر.
17 - تفسير علي بن إبراهيم: " فإذا أوذي في الله " اي إذا أذاه إنسان أو أصابه ضر أو فاقة أو خوف من الظالمين دخل معهم في دينهم فرأى أن ما يفعلونه هو مثل عذاب الله الذي لا ينقطع.
18 - تفسير علي بن إبراهيم: " وإذا غشيهم موج كالظلل " يعني في البحر " فمنهم مقتصد " أي صالح والختار: الخداع.
19 - تفسير علي بن إبراهيم: " لئن لم ينته المنافقون " إلى قوله تعالى: " إلا قليلا " فإنها نزلت في قوم منافقين كانوا في المدينة يرجفون برسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا خرج في بعض غزواته يقولون: قتل واسر، فيغتم المسلمون لذلك، ويشكون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأنزل الله في ذلك " لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض " أي شك " ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا " أي نأمرك بإخراجهم من المدينة إلا قليلا، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " ملعونين " فوجبت عليهم اللعنة يقول الله بعد اللعنة: " أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا ".
20 - تفسير علي بن إبراهيم: " ومنهم من يستمع إليك " فإنها نزلت في المنافقين من أصحاب
رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن كان إذا سمع شيئا منه لم يؤمن به ولم يعه، فإذا خرج قال للمؤمنين: " ماذا قال " محمد " آنفا " فقال الله: " أولئك الذين طبع الله عليه قلوبهم واتبعوا أهواءهم " حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يدعو أصحابه فمن أراد الله به خيرا سمع وعرف ما يدعوا إليه و من أراد الله به شرا طبع على قلبه فلا يسمع ولا يعقل، وهو قول الله تبارك وتعالى " حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا " فإنها نزلت في المنافقين من أصحاب رسول الله ومن كان إذا سمع شيئا منه لم يؤمن به ولم يعه فإذا خرج قال للمؤمنين: ماذا قال رسول الله آنفا؟ فقال: " أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم.
21 - تفسير علي بن إبراهيم: " ولكن قولوا أسلمنا " أي استسلمتم بالسيف " لا يلتكم " أي لا ينقصكم.
22 - تفسير علي بن إبراهيم: " قد سمع الله " الآية، قال: كان سبب نزول هذه السورة أنه أول من ظاهر في الاسلام كان رجلا يقال له: أوس بن الصامت من الأنصار، و كان شيخا كبيرا، فغضب على أهله يوما فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ذلك، قال: وكان الرجل في الجاهلية إذا قال لأهله: أنت علي كظهر أمي حرمت عليه آخر الأبد فقال أوس لأهله: يا خولة إنا كنا نحرم هذا في الجاهلية وقد أتانا الله بالاسلام فاذهبي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاسأليه عن ذلك، فأتت خولة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إن أوس بن الصامت هو زوجي وأبو ولدي وابن عمي فقال لي: أنت علي كظهر أمي، وكنا نحرم ذلك في
الجاهلية وقد أتانا الله الاسلام بك.
حدثنا علي بن الحسين، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن الحسن بن محبوب عن أبي ولاد، عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن امرأة من المسلمات أتت النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله إن فلانا زوجي قد نثرت له بطني، وأعنته على دنياه وآخرته، لم يرمني مكروها، أشكو منه إليك، فقال: فيم تشكينه؟ قالت: إنه قال: أنت علي حرام كظهر أمي وقد أخرجني من منزلي، فانظر في أمري، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أنزل الله تبارك وتعالى علي كتابا أقضي فيه بينك وبين زوجك، وأنا أكره أن أكون من المتكلفين: فجعلت تبكي وتشتكي ما بها إلى الله عز وجل، وإلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانصرفت قال:
فسمع الله تبارك وتعالى مجادلتها لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في زوجها وما شكت إليه فأنزل الله في ذلك قرآنا: " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها " الآيات، قال: فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المرأة فأتته فقال لها: جيئيني بزوجك، فأتته به، فقال له:
أقلت لامرأتك هذه: أنت علي حرام كظهر أمي؟ فقال: قد قلت لها ذلك، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): قد أنزل الله فيك وفي امرأتك قرآنا، وقرأ الآيات، فضم إليك امرأتك فإنك قد قلت منكرا من القول وزورا، وقد عفى الله عنك وغفر لك ولا تعد، قال: فانصرف الرجل وهو نادم على ما قال لامرأته، وكره الله عزو جل ذلك للمؤمنين بعد.
بيان: قولها: نثرت له بطني، أرادت أنها كانت شابة تلد الأولاد عنده، و امرأة نثورة: كثيرة الولد ذكره الجزري.
24 - تفسير علي بن إبراهيم: قوله تعالى: " فتمنوا الموت إن كنتم صادقي " قال: في التوراة
مكتوب: أولياء الله تمنون الموت. قوله تعالى: " وإذا رأوا تجارة " الآية قال:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.