بحارالانوار · المجلد السادس
36 - باب حجة الوداع وما جرى فيها إلى الرجوع إلى المدينة
ج ۲۲، ص ۲۰–۴۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۳ از ۷
أبي ربيعة المخزومي أخي أبي جهل لامه، لأنه كان أسلم وقتل بعد إسلامه رجلا مسلما وهو لا يعلم بإسلامه والمقتول الحارث بن يزيد أبو أنيسة العامري عن مجاهد وعكرمة والسدي، قال: قتله بالحرة بعد الهجرة، وكان أحد من رده عن الهجرة، وكان يعذب عياشا مع أبي جهل، وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام)، وقيل: نزلت في رجل قتله أبو الدرداء، كانوا في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة فوجد رجلا من القوم في غنم له فحمل عليه بالسيف فقال: لا إله إلا الله، فبدر فضربه حتى جاء بغنمه إلى القوم ثم وجد في نفسه شيئا، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فذكر له ذلك، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا شققت عن قلبه وقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه؟ قال: كيف بي يا رسول الله؟ قال: فيكف بلا إله إلا الله؟ قال أبو درداء: فتمنيت أن ذلك اليوم مبتدأ إيماني، فنزلت الآية عن ابن زيد.
قوله تعالى: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا " قال رحمه الله: نزلت في مقيس بن صبابة الكناني وجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فأرسل معه قيس بن هلال الفهري وقال له: قل لبني النجار: إن علمتم قاتل هشام فادفعوه إلى أخيه ليقتص منه، وإن لم تعلموا فادفعوا إليه ديته، فبلغ الفهري الرسالة فأعطوه الدية، فلما انصرف ومعه الفهري وسوس إليه الشيطان فقال: ما صنعت شيئا، أخذت دية أخيك فيكون صبة؟؟ عليك، اقتل الذي معك لتكون نفس بنفس، والدية فضل، فرماه بصخرة فقتله، وركب بعيرا ورجع إلى مكة كافرا وأنشد يقول:
قتلت به فهرا وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع فأدركت ثاري واضطجعت موسدا * وكنت إلى الأوثان أول راجع فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لا أؤمنه في حل ولا حرام، فقتل يوم الفتح، رواه الضحاك وجماعة من المفسرين.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ": نزلت في بني أبيرق كانوا ثلاثة إخوة: بشر وبشير ومبشر، وكان بشير يكنى أبا طعمة وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم يقول: قاله فلان، وكانوا أهل حاجة في الجاهلية والاسلام، فنقب أبو طعمة على علية رفاعة بن زيد وأخذ له طعاما وسيفا ودرعا، فشكى ذلك إلى ابن أخيه قتادة بن النعمان، وكان قتادة بدريا فتحسسا في الدار وسألا أهل الدار في ذلك، فقال بنو أبيرق: والله ما صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجل ذو حسب ونسب، فأصلت عليهم لبيد بن سهل سيفه و خرج إليهم، وقال: يا بني أبيرق أترمونني بالسرقة وأنتم أولى به مني وأنتم المنافقون، تهجون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتنسبون ذلك إلى قريش؟ لتبينن ذلك أو لأضعن سيفي فيكم، فداروه، وأتى قتادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل بيت سوء عدوا على عمي فخرقوا عليه له من ظهرها، وأصابوا له طعاما وسلاحا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انظروا في شأنكم، فلما سمع بذلك رجل من بطنهم الذي هم منه يقال له: أسيد بن عروة، جمع رجالا من أهل الدار، ثم انطلق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا لهم حسب ونسب وصلاح وأنبوهم بالقبيح، وقالوا لهم مالا ينبغي وانصرف، فلما أتى قتادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك ليكلمه جبهه رسول الله (صلى الله عليه وآله) جبها شديدا، وقال:
عمدت إلى أهل بيت لهم حسب ونسب تؤنبهم بالقبيح وتقول مالا ينبغي؟ قال: فقام
قتادة من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورجع إلى عمه فقال: ليتني مت ولم أكن كلمت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد قال لي ما كرهت، فقال عمه رفاعة: الله المستعان، فنزلت الآيات: " إنا أنزلنا إليك الكتاب " إلى قوله: " إن الله لا يغفر أن يشرك به " فبلغ بشيرا ما نزل فيه من القرآن فهرب إلى مكة وارتد كافرا، فنزل على سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت امرأة من الأوس من بني عمرو بن عوف نكحت في بني عبد الدار، فهجاها حسان، فقال:
وقد أنزلته بنت سعد وأصحبت * ينازعها جلد استها وتنازعه ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم * وفينا نبي عندنا الوحي واضعه فحملت رحله على رأسها وألقته في الأبطح وقالت: ما كنت تأتيني بخير أهديت إلى شعر حسان، هذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة وابن جريج، إلا أن قتادة وعكرمة قالا: إن بني أبيرق طرحوا ذلك على يهودي يقال له: زيد بن السمين فجاء اليهودي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجاء بنو أبيرق إليه وكلموه أن يجادل عنهم، فهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يفعل وأن يعاقب اليهودي فنزلت الآية، وبه قال ابن عباس، وقال الضحاك: نزلت في رجل من الأنصار استودع درعا فجحد صاحبها فخونه رجال من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فغضب له قومه وقالوا: يا نبي الله خون صاحبنا وهو مسلم أمين، فعذره النبي (صلى الله عليه وآله) وذب عنه وهو يرى أنه برئ مكذوب عليه، فأنزل الله فيه الآيات، واختار الطبري هذا الوجه، قال: لان الخيانة إنما تكون في الوديعة لا في السرقة.
قوله تعالى: " ولا تكن للخائنين " أي لأجلهم والذب عنهم.
قوله: يختانون أنفسهم " أي يخونونها، فإن وبال خيانتهم يعود إليهم، أو جعل المعصية خيانة لهم.
قوله تعالى: " إذ يبيتون " أي يدبرون ويزورون مالا يرضى من القول
من رمي البرئ والحلف الكاذب وشهادة الزور.
أقول: قد مر بعض الكلام في تلك الآيات في باب العصمة.
قوله تعالى: " لا خير " قال الطبرسي قدس الله روحه: قيل: نزلت في بنى أبيرق، وقد مضت قصتهم عن أبي صالح عن ابن عباس، وقيل: نزلت في وفد ثقيف قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالوا: يا محمد جئناك نبايعك على أن لا تكسر أصنامنا بأيدينا، وعلى أن نتمتع باللات والعزى سنة فلم يجبهم إلى ذلك، وعصمه الله منه، عن ابن عباس.
وقال في قوله تعالى: " ومن يشاقق الرسول " قيل: نزلت في شأن ابن أبيرق سارق الدرع، ولما أنزل الله في تقريعه وتقريع قومه الآيات كفر وارتد ولحق بالمشركين من أهل مكة، ثم نقب حائطا للسرقة فوقع عليه الحائط فقتله، عن الحسن. وقيل: إنه خرج من مكة نحو الشام فنزل منزلا وسرق بعض المتاع و هرب فاخذ ورمي بالحجارة حتى قتل، عن الكلبي.
قوله: " نوله ما تولى " أي نجعله واليا لما تولى من الضلالة، ونخلي بينه وبين ما اختاره.
قوله تعالى: " إن الذين آمنوا ثم كفروا " قال الطبرسي رحمه الله: قيل في معناه أقوال: أحدها أنه عنى به أن الذين آمنوا بموسى (عليه السلام) ثم كفروا بعبادة العجل وغير ذلك " ثم آمنوا " يعني النصارى بعيسى (عليه السلام) " ثم كفروا " به " ثم ازدادوا كفرا " بمحمد (صلى الله عليه وآله) عن قتادة.
وثانيها: أن المراد آمنوا بموسى (عليه السلام) ثم كفروا بعده، ثم آمنوا بعزير ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد (صلى الله عليه وآله) عن الزجاج والفراء.
وثالثها: أنه عنى به طائفة من أهل الكتاب أرادوا تشكيك نفر من أصحاب
رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكانوا يظهرون الايمان بحضرتهم، ثم يقولون: قد عرضت لنا شبهة في أمره ونبوته، فيظهرون الكفر، ثم يظهرون الايمان، ثم يقولون: عرضت لنا شبهة أخرى فيكفرون، ثم ازدادوا الكفر عليه إلى الموت، عن الحسن، وذلك معنى قوله تعالى: " وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ".
ورابعها: أن المراد به المنافقون آمنوا، ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا ثم ماتوا على كفرهم ، عن مجاهد وابن زيد، وقال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل منافق كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) في البحر والبر.
قوله: " الذين يتربصون بكم " قال البيضاوي: أي ينتظرون وقوع أمر بكم " ألم نكن معكم " مظاهرين لكم فأسهموا لنا فيما غنمتم، أي نصيب من الحرب " قالوا " أي للكفرة: " ألم نستحوذ عليكم " ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم " ونمنعكم من المؤمنين " بأن أخذلناهم بتخييل ما ضعفت به قلوبهم و توانينا في مظاهرتهم فأشركونا فيما أصبتم.
قوله تعالى: " يا أيها الرسول لا يحزنك " قال الطبرسي رحمه الله: قال الباقر (عليه السلام) وجماعة من المفسرين: إن امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم وهما محصنان، فكرهوا رجمهما فأرسلوا إلى يهود المدينة وكتبوا لهم أن يسألوا النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك طمعا في أن يأتي لهم برخصة، فانطلق قوم منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسيد وشعبة بن عمرو ومالك بن الضيف وكنانة ابن أبي الحقيق وغيرهم فقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزانية والزاني إذا أحصنا ما حدهما؟ فقال: وهل ترضون بقضائي في ذلك؟ قالوا: نعم، فنزل جبرئيل (عليه السلام) بالرجم فأخبرهم بذلك، فأبوا أن يأخذوا به، فقال جبرئيل: اجعل بينك وبينهم
ابن صوريا، وصفه له فقال النبي (صلى الله عليه وآله): هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور سكن فدك يقال له: ابن صوريا؟ قالوا: نعم، قال: فأي رجل هو فيكم؟ قالوا:
أعلم يهودي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى، قال: فأرسلوا إليه ففعلوا فأتاهم عبد الله بن صوريا فقال له النبي: إني أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، وفلق لكم البحر فأنجاكم، وأغرق آل فرعون وظلل عليكم الغمام، وأنزل عليكم المن والسلوى، هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن؟ قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني به، لولا خشية أن يحرقني رب التوراة أن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك، ولكن أخبرني كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال: إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم، فقال ابن صوريا: هكذا أنزل الله في التوراة على موسى، فقال له النبي: فماذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله؟ قال: كنا إذا زنى الشريف تركناه، وإذا زنى الضعيف أقمنا عليه الحد، فكثر الزنى في أشرافنا حتى زنى ابن عم ملك لنا فلم نرجمه، ثم زنى رجل آخر فأراد رجمه فقال له قومه: لا حتى ترجم فلانا، يعنون ابن عمه، فقلنا: تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الشريف والوضيع، فوضعنا الجلد والتحميم، وهو أن يجلدا أربعين جلدة ثم يسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين ويجعل وجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما، فجعلوا هذا مكان الرجم، فقالت اليهود لابن صوريا:
ما أسرع ما أخبرته به، وما كنت لما أثنينا عليك بأهل، ولكنك كنت غائبا فكر هنا أن نغتابك، فقال: إن أنشدني بالتوراة، ولولا ذلك لما أخبرته به، فأمر بهما النبي (صلى الله عليه وآله) فرجما عند باب مسجده، وقال: أنا أول من أحيي أمرك إذا أماتوه فأنزل الله سبحانه فيه " يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير " فقام ابن صوريا فوضع يديه على ركبتي رسول
الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: هذا مقام العائذ بالله وبك أن تذكر لنا الكثير الذي أمرت أن تعفو عنه، فأعرض النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك ثم سأله ابن صوريا عن نومه، فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي، فقال: صدقت، فأخبرني عن شبه الولد بأبيه ليس فيه من شبه أمه شئ، أو بأمه ليس فيه من شبه أبيه شئ، فقال: أيهما علا وسبق ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له، قال: صدقت، فأخبرني ما للرجل من الولد وما للمرأة منه؟ قال: فأغمي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) طويلا ثم خلى عنه محمرا وجهه يفيض عرقا، فقال: اللحم و الدم والظفر والشعر للمرأة، والعظم والعصب والعروق للرجل، قال له:
صدقت أمرك أمر نبي، فأسلم ابن صوريا عند ذلك، وقال: يا محمد من يأتيك من الملائكة؟ قال: جبرئيل، قال: صفة لي فوصفه له النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أشهد أنه في التوراة كما قلت، وأنك رسول الله حقا، فلما أسلم ابن صوريا وقعت فيه اليهود وشتموه، فلما أرادوا أن ينهضوا تعلقت بنو قريظة ببني النضير فقالوا: يا محمد إخواننا بنو النضير أبونا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، إذا قتلوا منا قتيلا لم يفدونا وأعطونا ديته: سبعين وسقا من تمر، إذا قتلنا منهم قتيلا قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف: مائة وأربعين وسقا من تمر، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منا، وبالرجل منهم الرجلين منا، وبالعبد الحر منا، وجراحاتنا على النصف من جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، فأنزل الله في الرجم والقصاص الآيات.
قوله تعالى: " سماعون للكذب " قال البيضاوي: خبر محذوف، أي هم سماعون، والضمير للفريقين، أو للذين يسارعون، ويجوز أن يكون مبتدأ، و " من الذين " خبره. واللام في " للكذب " إما مزيدة، أو لتضمين معنى القبول أي قابلون لما تفتريه الأحبار، أو للعلة، والمفعول محذوف، أي سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيه " سماعون لقوم آخرين لم يأتوك " أي لجمع آخر من اليهود لم -
يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبرا أو إفراطا في البغضاء، والمعنى على الوجهين أي مصغون لهم قابلون كلامهم، أو سماعون منك لأجلهم وللانهاء إليهم، ويجوز أن يتعلق اللام بالكذب، لان سماعون الثاني مكرر للتأكيد، أي سماعون ليكذبوا لقوم آخرين " يحرفون الكلم من بعد مواضعه " أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها، إما لفظا بإهماله أو تغيير وصفه وإما معنى بحمله على غير المراد، و إجرائه في غير مورده " يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه " اي ان أوتيتم هذا المحرف فاقبلوه واعملوا به " وإن لم تؤتوه " بل أفتاكم محمد بخلافه " فاحذروا " أي فاحذروا قبول ما أفتاكم به " وكيف يحكمونك " تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق، وإنما طلبوا به ما يكون أهون عليهم " ثم يتولون من بعد ذلك " ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد التحكيم " الذين أسلموا " صفة أجريت على النبيين مد حالهم، وتنويها بشأن المؤمنين وتعريضا باليهود " للذين هادوا " متعلق بأنزل أو بيحكم " بما استحفظوا " بسبب أمر الله إياهم بأن يحفظوا كتابه من التضييع والتحريف " وكانوا عليه شهداء " رقباء لا يتركون أن يغيروا أو يبينون ما يخفى منه كما فعل ابن صوريا " عما جاءك " أي منحرفا عما جاءك " شرعة " شريعة، وهي الطريقة إلى الماء، شبه بها الدين " ومنهاجا " وطريقا واضحا " أمة واحدة " جماعة متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير نسخ.
قوله تعالى: " وأن احكم بينهم بما أنزل الله " قال الطبرسي: إنما كرر سبحانه الامر بالحكم بينهم لامرين: أحدهما أنهما حكمان أمر بهما جميعا لأنهم احتكموا إليه في زنى المحصن، ثم احتكموا إليه في قتيل كان بينهم، عن جماعة من المفسرين وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام).
والثاني: أن الأمر الأول مطلق، والثاني يدل على أنه منزل " واحذرهم
أن يفتنوك " فيه قولان: أحدهما: احذرهم أن يضلوك عن ذلك إلى ما يهوون من الاحكام بأن يطمعوك منهم في الإجابة إلى الاسلام عن ابن عباس.
والثاني: احذرهم أن يضلوك بالكذب على التوراة أنه ليس كذلك الحكم فيها فإني قد بينت لك حكمها.
وقال البيضاوي: روي أن أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد (صلى الله عليه وآله) لعلنا نفتنه عن دينه، فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود، وإن اتبعناك اتبعك اليهود كلهم، وإن بيننا وبين قومنا خصومة فتحكم لنا عليهم، ونحن نؤمن بك و نصدقك، فأبى ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فنزلت.
" أفحكم الجاهلية يبغون " قيل: نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى.
قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا " قال الطبرسي رحمه الله: قيل: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهر الاسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهم فنزلت الآية، عن ابن عباس.
وقال في قوله: " اتخذوها هزوا ولعبا ": قيل في معناه قولان: أحدهما أنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم، وتغامزوا على طريق السخف والمجون تجهيلا لأهلها، وتنفيرا للناس عنها وعن الداعي إليها، والآخر أنهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب الهاذئ بفعلها، جهلا منهم بمنزلتها، قال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة فسمع المؤذن ينادي أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال حرق الكاذب، فدخلت خادمة له ليله بنار وهو
نائم وأهله، فسقطت شررة فاحترق هو وأهله، واحترق البيت.
قوله تعالى: " هل تنقمون منا " أي تنكرون منا وتعيبون " بشر من ذلك مثوبة " أي بشر مما نقمتم من إيماننا جزاء أي إن كان ذلك عندكم شرا فأنا أخبركم بشر منه عاقبة، أو بشر من الذين طعنتم عليهم من المسلمين على الانصاف في المخاصمة والمظاهرة في الحجاج " وعبد الطاغوت " عطف على قوله: " لعنه الله " وقال الفراء: تأويله ومن جعل منهم القردة ومن عبد الطاغوت.
" وإذا جاؤكم قالوا آمنا " قال البيضاوي: نزلت في يهود نافقوا رسول الله أو في عامة المنافقين " وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به " أي يخرجون من عندك كما دخلوا لا يؤثر فيهم ما سمعوا منك.
قوله تعالى: " منهم أمة مقتصدة " قال الطبرسي: أي من هؤلاء قوم معتدلون في العمل من غير غلو ولا تقصير، قال الجبائي: وهم الذين أسلموا منهم وتابعوا النبي (صلى الله عليه وآله) وهو المروي في تفسير أهل البيت، وقيل: يريد به النجاشي وأصحابه وقيل: إنهم قوم لم يناصبوا النبي (صلى الله عليه وآله) مناصبة هؤلاء، حكاه الزجاج، ويحتمل أن يكون أراد به من يقر منهم بأن المسيح عبد الله، ولا يدعي فيه الإلهية.
وقال في قوله: " لستم على شئ " قال ابن عباس: جاء جماعة من اليهود إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا له: ألست تقر أن التوراة من عند الله؟ قال: بلى، قالوا:
فإنا نؤمن بها، ولا نؤمن بما عداها، فنزلت الآية.
وفي قوله تعالى: " لا تسألوا عن أشياء " اختلف في نزولها فقيل: سأل الناس رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى أحفوه بالمسألة، فقام مغضبا خطيبا فقال: " سلوني فوالله لا تسألوني عن شئ إلا بينته لكم، فقام رجل من بنى سهم يقال له: عبد الله بن حذافة وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟ فقال: أبوك حذافة بن قيس، فقام إليه رجل آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟ فقال: في النار، فقام عمر وقبل رجل
رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: إنا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) حديثو عهد بجاهلية وشرك، فاعف عنا عفا الله عنك فسكن غضبه، فقال: أما والذي نفسي بيده لقد صورت لي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر عن الزهري وقتادة عن أنس، وقيل: كان قوم يسألون رسول الله (صلى الله عليه وآله) استهزاء مرة، وامتحانا مرة، فيقول له بعضهم: من أبي؟ ويقول الآخر: أين أبي؟ ويقول الآخر إذا ضلت ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية عن ابن عباس، وقيل:
خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: " إن الله كتب عليكم الحج " فقام عكاشة بن محصن ويروى سراقة بن مالك فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ويحك وما يؤمنك أن أقول: نعم؟ والله ولو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم كفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه " عن علي ابن أبي طالب (عليه السلام) وأبي أمامة الباهلي، وقيل: نزلت حين سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي عن مجاهد.
وفي قوله: " قد سألها قوم من قبلكم " فيه أقوال: أحدها أنهم قوم عيسى (عليه السلام) سألوه إنزال المائدة ثم كفروا بها عن ابن عباس.
وثانيها: أنهم قوم صالح، وثالثها: قريش حين سألوا النبي (صلى الله عليه وآله) أن يحول الصفا ذهبا، ورابعا: أنهم كانوا سألوا النبي (صلى الله عليه وآله) عن مثل هذه الأشياء، يعني من أبي؟ ونحوه، فلما أخبرهم بذلك قالوا: ليس الامر كذلك فكفروا به فيكون على هذا نهيا عن سؤال النبي (صلى الله عليه وآله) عن أنساب الجاهلية، لأنهم لو سألوا عنها ربما ظهر الامر فيها على خلاف حكمهم، فيحملهم ذلك على تكذيبه، عن الجبائي.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " شهادة بينكم " سبب نزول هذه الآية أن ثلاثة نفر خرجوا من المدينة تجارا إلى الشام: تميم بن أوس الداري، وأخوه
عدي وهما نصرانيان، وابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص السهمي وكان مسلما حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية فكتب وصية بيده ودسها في متاعه وأوصى إليهما ودفع المال إليهما، وقال: أبلغا هذا أهلي، فلما مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما منه ثم رجعا بالمال إلى الورثة، فلما فتش القوم المال فقدوا بعض ما كان خرج به صاحبهم، فنظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيها تاما فكلموا تميما وصاحبه فقالا: لا علم لنا به، وما دفعه إلينا أبلغناه كما هو، فرفعوا أمرهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فنزلت الآية عن الواقدي عن أسامة بن زيد عن أبيه و عن جماعة المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام)، قالوا: فلما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) العصر ودعا بتميم وعدي فاستحلفهما عند المنبر بالله ما قبضنا له غير هذا، ولا كتمناه، وخلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبيلهما ثم اطلع على إناء من فضة منقوش بذهب معهما، فقالوا: هذا من متاعه، فقالا: اشتريناه منه، ونسينا أن نخبركم به، فرفعوا أمرهما إلى رسول ا لله (صلى الله عليه وآله) فنزل قوله:
" فإن عثر على أنهما استحقا " إلى آخره، فقام رجلان من أولياء الميت أحدهما عمرو بن العاص والآخر المطلب بن أبي وداعة السهمي فحلفا بالله أنهما خانا وكذبا فدفع الاناء إليهما وإلى أولياء الميت، وكان ميت الداري بعد ما أسلم يقول: صدق الله وصدق رسوله، أنا أخذت الاناء، فأتوب إلى الله وأستغفره.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم " روى الثعلبي بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: مر الملا من قريش على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعا لهم؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم؟ اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فأنزل الله تعالى: " ولا تطرد " إلى آخره، و قال سلمان وخباب: فينا نزلت هذه الآية، جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة
ابن حصن الفزاري وذووهم من المؤلفة قلوبهم، فوجدوا النبي (صلى الله عليه وآله) قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين فحقروهم، فقالوا: يا رسول الله لو نحيت هؤلاء عنك حتى نخلو بك، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن يرونا مع هؤلاء الأعبد، ثم إذا انصرفنا فإن شئت فأعدهم إلى مجلسك، فأجابهم النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ذلك، فقالا له: اكتب لنا بهذا على نفسك كتابا، فدعا بصحيفة وأحضر عليا (عليه السلام) ليكتب، قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (عليه السلام) بقوله: " ولا تطرد الذين يدعون " إلى قوله: " أليس الله بأعلم بالشاكرين " فنحى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصحيفة، وأقبل علينا ودنونا منه وهو يقول: كتب ربكم على نفسه الرحمة، فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: " واصبر نفسك مع الذين " الآية، قال: فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقعد معنا ويدنوا حتى كادت ركبتنا تمس ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم وقال لنا: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا، ومعكم الممات.
قوله تعالى: " ما عليك من حسابهم من شئ " قال البيضاوي: أي ليس عليك حساب إيمانهم، فلعل إيمانهم عند الله كان أعظم من إيمان من تطردهم بسؤالهم طمعا في إيمانهم لو آمنوا، وليس عليك اعتبار بواطنهم، وقيل: ما عليك من حساب رزقهم، أي من فقرهم، وقيل: الضمير للمشركين، أي لا تؤاخذ بحسابهم ولاهم بحسابك حتى يهمك إيمانهم بحيث تطرد المؤمنين طمعا فيه " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " أي ومثل ذلك الفتن، وهو اختلاف أحوال الناس في أمر الدنيا " فتنا " أي ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين فقدمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش بالسبق إلى الايمان.
وقال الطبرسي في قوله تعالى: " وإذا جاءك الذين يؤمنون " اختلف فيمن
نزلت هذه الآية، فقيل: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه عن طردهم، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام " عن عكرمة، وقيل: نزلت في جماعة من الصحابة، منهم حمزة وجعفر ومصعب بن عمير وعمار وغيرهم، عن عطاء، وقيل: نزلت في التائبين وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام).
وقال في قوله تعالى: " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ": اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية فقيل: نزلت في مسيلمة حيث ادعى النبوة إلى قوله: " ولم يوح إليه شئ " وقوله: " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فإنه كان يكتب الوحي النبي (صلى الله عليه وآله)، فكان إذا قال له: اكتب عليما حكيما، كتب غفورا رحيما، وإذا قال له: اكتب غفورا رحيما كتب عليما حكيما، وارتد ولحق بمكة، وقال: إني انزل مثل ما أنزل الله عن عكرمة وابن عباس ومجاهد والسدي، وإليه ذهب الفراء، والزجاج و الجبائي، وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام)، وقال قوم: نزلت في ابن أبي سرح خاصة، وقال قوم: نزلت في مسيلمة خاصة " ومن قال سأنزل " قيل: المراد به عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أملى عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " إلى قوله: " ثم أنشأناه خلقا آخر " فجرى على لسان ابن أبي سرح: " فتبارك الله أحسن الخالقين " فأملاه عليه، وقال: هكذا انزل فارتد عدو الله، وقال: إن كان محمد صادقا فلقد أوحي إلي كما أوحي إليه، و لئن كان كاذبا فلقد قلت كما قال، وارتد عن الاسلام، وهدر رسول الله (صلى الله عليه وآله) دمه فلما كان يوم الفتح جاء به عثمان وقد أخذ بيده ورسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسجد، فقال:
يا رسول الله صلى الله اعف عنه، فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم أعاد فسكت، ثم أعاد فقال:
هو لك، فلما مر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأصحابه، ألم أقل من رآه فليقتله؟ فقال
عبد الله بن بشر: كانت عيني إليك يا رسول الله أن تشير إلي فأقتله، فقال (صلى الله عليه وآله):
الأنبياء لا يقتلون بالإشارة.
قوله تعالى " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا " قال الطبرسي نور الله ضريحه: اختلف في المعني به، فقيل: هو بلعام بن باعور عن ابن عباس وابن مسعود وأبي حمزة الثمالي، قال أبو حمزة: وبلغنا أيضا والله أعلم أنه أمية بن أبي الصلت الثقفي الشاعر، وروي ذلك عن جماعة، وكان قصته أنه قد قرأ الكتب و علم أنه سبحانه مرسل رسولا في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو ذلك الرسول فلما ارسل محمد (صلى الله عليه وآله) حسده ومر على قتلى بدر فسأل عنهم فقيل: قتلهم محمد، فقال:
لو كان نبيا ما قتل أقرباءه، واستنشد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخته شعره بعد موته فأنشدته:
لك الحمد والنعماء والفضل ربنا * ولا شئ أعلى منك جدا وأمجد مليك على عرش السماء مهيمن * لعزته تعنو الوجوه وتسجد وهي قصيد طويلة - حتى أتت على آخرها، ثم أنشدته قصيدته التي فيها:
وقف الناس للحساب جميعا * فشقي معذب وسعيد والتي فيها:
عند ذي العرش يعرضون عليه * يعلم الجهر والسرار الخفيا يوم يأتي الرحمن وهو رحيم * إنه كان وعده مأتيا رب إن تعف فالمعافاة ظني * أو تعاقب فلم تعاقب بريا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " آمن شعره وكفر قلبه " وأنزل الله فيه قوله:
" واتل عليهم " الآية.
وقيل: إنه أبو عامر النعمان بن صيفي الراهب الذي سماه النبي (صلى الله عليه وآله) الفاسق، كان قد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، فقدم المدينة فقال للنبي (صلى الله عليه وآله): ما هذا الذي جئت به؟ قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال: فأنا عليها فقال (صلى الله عليه وآله): " لست عليها لكنك أدخلت فيها ما ليس منها " فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا، فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا السلاح، ثم أتى قيصر وأتى بجند ليخرج النبي (صلى الله عليه وآله) من المدينة، فمات بالشام طريدا وحيدا، عن سعيد بن المسيب، وقيل: المعني به منافقو أهل الكتاب الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي (صلى الله عليه وآله) كما يعرفون أبناءهم، وقال أبو جعفر (عليه السلام): الأصل في ذلك بلعم، ثم ضربه الله مثلا لكل مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " لا تخونوا الله " قال عطا: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا، قال: فكتب إليه رجل من المنافقين: إن محمد يريدكم، فخذوا حذركم، فأنزل الله هذه الآية، وقال السدي: كانوا يسمعون الشئ من النبي (صلى الله عليه وآله) فيفشونه حتى يبلغ المشركين، و قال الكلبي والزهري: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الصلح على ما صالح إخوانهم من بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام، فأبى أن يعطيهم ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة، وكان مناصحا لهم، لان عياله وولده وماله كانت عندهم فبعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتاهم فقالوا: ما ترى يا أبا لبابة؟
أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه: إنه الذبح فلا تفعلوا، فأتاه جبرئيل فأخبره بذلك، قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، فنزلت الآية فيه، فلما نزلت شد
نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك، فقال: لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي يحلني، فجاءه فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يجزيك الثلث أن التصدق به، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام).
وقال في قوله تعالى: " ما كان للمشركين أن يعمروا " أي بالدخول واللزوم أو باستصلاحها ورم ما استرم منها، أو بأن يكونوا من أهلها " مساجد الله " قيل:
المراد به المسجد الحرام خاصة، وقيل: عامة في كل المساجد.
أقول: سيأتي في كتاب أحوال أمير المؤمنين (عليه السلام) أن قوله تعالى: " أجعلتم سقاية الحاج " إلى آخر الآية نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) وعباس وطلحة بن شيبة حين افتخروا فقال طلحة: أنا صاحب البيت وبيدي مفتاحه، وقال عباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي (عليه السلام): ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فنزلت.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " يريدون " أي اليهود والنصارى " أن يطفئوا نور الله " وهو القرآن والاسلام أو الدلالة والبرهان.
وفي قوله " بالباطل " أي يأخذون الرشا على الحكم " ويصدون عن سبيل الله " أي يمنعون غيرهم عن اتباع الاسلام.
أقول: قد مر تفسير النسئ في باب ولادته (صلى الله عليه وآله).
قوله تعالى: " ومنهم من يلمزك " قال الطبرسي: عن أبي سعيد الخدري قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم قسما، وقال ابن عباس: كانت غنائم هوازن يوم
حنين إذ جاءه ابن أبي الخويصرة التميمي وهو حر قرص بن زهير أصل الخوارج فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " دعه فإن له أصحابا يحتقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر في رصافة فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود في إحدى ثدييه - أو قال: إحدى ثديه - مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر يخرجون على فترة من الناس.
وفي حديث آخر: فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم.
فنزلت الآية، قال أبو سعيد الخدري: أشهد أني سمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأشهد أن عليا (عليه السلام) حين قتلهم وأنا معه جئ بالرجل على النعت الذي نعته رسول الله (صلى الله عليه وآله)، رواه الثعلبي بالاسناد في تفسير، وقال الكلبي: نزلت في المؤلفة قلوبهم وهم المنافقون، قال رجل منهم يقال له: ابن الحواظ لم تقسم بالسوية، فأنزل الله الآية، وقال الحسن: أتاه رجل وهو يقسم فقال: ألست تزعم أن الله أمرك أن تضع الصدقات في الفقراء والمساكين؟ قال: بلى، قال: فما بالك تضعها في رعاة الغنم؟ قال: إن نبي الله موسى كان راعي غنم، فلما ولى الرجل قال: احذروا هذا، وقال ابن زيد: قال المنافقون: ما يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثر بها إلا هواه، فنزلت الآية، وقال أبو عبد الله (عليه السلام): أهل هذه الآية أكثر من ثلثي الناس.
" يلمزك " أي يعيبك ويطعن عليك.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ومنهم الذين يؤذون " قيل: نزلت في جماعة
من المنافقين، منهم الخلاس بن سويد، وشاس بن قيس، ومخشي بن حمير، و رفاعة بن عبد المنذر وغيرهم، قالوا مالا ينبغي، فقال رجل منهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغ محمدا ما تقولون فيقع بنا قال الخلاس: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول، فإن محمدا (عليه السلام) اذن سامعة، فأنزل الله الآية.
وقيل: نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نبتل بن الحارث وكان رجلا أدلم أحمر العينين، أسفع الخدين مشوه الخلقة، وكان ينم حديث النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد اذن، من حدثه شيئا صدقه، نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له فيصدقنا، وهو الذي قال فيه النبي (صلى الله عليه وآله): " من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث " عن محمد إسحاق وغيره وقيل: إنها نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزاة تبوك، فلما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تبوك أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلفهم ويعتلون ويحلفون فنزلت، عن مقاتل، وقيل: نزلت في حلاس بن سويد وغيره من المنافقين قالوا:
لئن كان يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له: عامر بن قيس، فقال: والله إن ما يقول محمد حق وأنتم شر من الحمير ثم أتى النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا أن عامرا كذاب، فنزلت الآية عن قتادة والسدي " هو اذن " معناه أنه يستمع إلى ما يقال له ويصغي إليه و يقبله.
قوله تعالى: " ويقبضون أيديهم " أي عن الانفاق أو عن الجهاد " نسوا الله فنسيهم " أي تركوا طاعته فتركهم في النار، أو ترك رحمتهم وإثابتهم " بخلاقهم " أي بنصيبهم وحظهم من الدنيا " وخضتم " أي في الكفر والاستهزاء.
أقول: قد مر سبب نزول قوله تعالى: " يحلفون بالله ما قالوا " في باب إعجاز القرآن.
قوله تعالى: " وهموا بما لم ينالوا " أي بقتل النبي (صلى الله عليه وآله) ليلة العقبة، و التنفير بناقته، أو بإخراجه من المدينة، أو بالافساد بين أصحابه.
قوله تعالى: " ومنهم من عاهد الله " قال الطبرسي رحمه الله: قيل نزلت في ثعلبة بن حاطب وكان من الأنصار، قال للنبي (صلى الله عليه وآله): ادع الله أن يرزقني مالا، فقال: يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، أمالك في رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسوة؟ والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فقال (صلى الله عليه وآله): اللهم ارزق ثعلبة مالا قال: فاتخذ غنما فنمت كما ينمي الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من أوديتها، ثم كثرت نموا حتى تباعد من المدينة، فاشتغل بذلك عن الجمعة والجماعة، وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) المصدق ليأخذ الصدقة فأبى وبخل، وقال: ما هذه إلا أخت الجزية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، فأنزل الله الآيات، عن أبي أمامة الباهلي، وروي ذلك مرفوعا، وقيل: إن ثعلبة أتى مجلسا من الأنصار فأشهدهم، فقال: لئن آتاني الله من فضله تصدقت منه، وآتيت كل ذي حق حقه، ووصلت منه القرابة، فابتلاه الله فمات ابن عم له فورثه مالا ولم يف بما قال، فنزلت الآيات، عن ابن عباس وابن جبير وقتادة وقيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف، قالا: لئن رزقنا الله مالا لنصدقن، فلما رزقهما المال بخلا به، عن الحسن ومجاهد، وقيل: نزلت في رجال من المنافقين نبتل بن الحارث وجد بن قيس وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير، عن الضحاك، وقيل: نزلت في حاصب بن أبي بلتعة كان له بالشام مال فأبطأ عليه، وجهد لذلك جهدا شديدا، فحلف لئن آتاه الله ذلك المال ليصدقن، فآتاه
الله تعالى فلم يفعل، عن الكلبي.
وقال في قوله تعالى: " الذين يلمزون " أي يعيبون " المطوعين " أي المتطوعين بالصدقة " والذين لا يجدون إلا جهدهم " أي ويعيبون الذين لا يجدون إلا طاقتهم فيتصدقون بالقليل " سخر الله منهم " أي جازاهم جزاء سخريتهم " سبعين مرة " هو على المبالغة وليس المراد العدد المخصوص فان العرب تبالغ بالسبعة والسبعين.
" الاعراب " أي سكان البوادي " أشد كفرا ونفاقا " يريد الاعراب الذين كانوا حول المدينة، ومعناه أن سكان البوادي إذا كانوا كفارا أو منافقين فهم أشد كفرا من أهل الحضر لبعدهم عن مواضع العلم، وعن استماع الحجج، وبركات الوحي " وأجدر " أي أحرى وأولى " ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما " أي ومن منافقي الاعراب من يعد ما ينفق في الجهاد وفي سبيل الخير غرما لحقه لأنه لا يرجو به ثوابا " ويتربص بكم الدوائر " أي وينتظر بكم صروف الزمان وحوادث الأيام، والعواقب المذمومة، كانوا ينتظرون موت النبي (صلى الله عليه وآله) ليرجعوا إلى دين المشركين " عليهم دائرة السوء " أي على هؤلاء المنافقين دائرة البلاء، يعني أن ما ينتظرون بكم هو لاحق بهم وهم المغلوبون أبدا " وصلوات الرسول " أي يرغب بذلك في داء الرسول واستغفاره " ألا إنها " أي صلوات الرسول (صلى الله عليه وآله) أو نفقتهم قربة لهم تقربهم إلى ثواب الله.
وقال في قوله تعالى: " وممن حولكم " أي من جملة من حول مدينتكم قيل:
إنهم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار، وكانت منازلهم حول المدينة " ومن أهل المدينة أي منهم منافقون " مردوا على النفاق " أي مرنوا وتجرؤا عليه أو أقاموا عليه ولجوا فيه " سنعذبهم مرتين " أي في الدنيا بالفضيحة، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر رجالا منهم، وأخرجهم من المسجد يوم الجمعة في خطبته، وقال:
" اخرجوا إنكم منافقون " ويعذبهم في القبر، وقيل: مرة في الدنيا بالقتل و السبي، ومرة بعذاب القبر، وقيل: إنهم عذبوا بالجوع مرتين، وقيل: إحداهما أخذ الزكاة منهم، والأخرى عذاب القبر، وقيل: إحداهما غيظهم من الاسلام، والأخير عذاب القبر، وقيل: إن الأولى إقامة الحدود عليهم، والأخرى عذاب القبر " وآخرون اعترفوا " قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنهم ثلاثة نفر من الأنصار: أبو لبابة بن عبد المنذر، وثعلبة بن وديعة، وأوس بن حذام، تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند مخرجه إلى تبوك، فلما بلغهم ما انزل فيمن تخلف عن نبيه (صلى الله عليه وآله) أيقنوا بالهلاك، وأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، فلم يزالوا كذلك حتى قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فسأل عنهم فذكر أنهم أقسموا لا يحلون أنفسهم حتى يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحلهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " وأنا أقسم لا أكون أول من حلهم إلا أن أؤمر فيهم بأمر " فلما نزل " عيسى الله أن يتوب عليهم " عمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليهم فحلهم، فانطلقوا فجاؤوا بأموالهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فخذها وتصدق بها عنا، فقال (صلى الله عليه وآله): ما أمرت فيها بأمر فنزل: " خذ من أموالهم صدقة " الآيات، وقيل: إنهم كانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وقيل: كانوا ثمانية منهم أبو لبابة وهلال وكردم وأبو قيس، عن ابن جبير وزيد بن أسلم، وقيل: كانوا سبعة عن قتادة، وقيل: كانوا خمسة، وروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنها نزلت في أبي لبابة، ولم يذكر معه غيره، وسبب نزولها فيه ما جرى منه في بني قريظة حين قال: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح، وبه قال مجاهد، وقيل: نزلت فيه خاصة حين تأخير عن النبي (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية على ما تقدم ذكره عن الزهري، قال: ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار
قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله، قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث، وفي جميع الأقوال أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلث أموالهم، وترك الثلثين، لان الله تعالى قال: " خذ من أموالهم " ولم يقل: خذ أموالهم.
وقال في قوله تعالى: " ما كان للنبي " في تفسير الحسن أن المسلمين قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله): ألا تستغفر لآبائنا الذين ماتوا في الجاهلية، فأنزل الله هذه الآية وبين أنه لا ينبغي لنبي ولا مؤمن أن يدعو الكافر ويستغفر له.
وفي قوله تعالى: " وما كان الله ليضل قوما ": قيل: مات قوم من المسلمين على الاسلام قبل أن تنزل الفرائض، فقال المسلمون: يا رسول الله إخواننا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم؟ فنزل: " وما كان الله ليضل قوما " الآية، وقيل:
لما نسخ بعض الشرايع وقد غاب أناس وهم يعملون بالامر الأول إذ لم يعلموا بالامر الثاني مثل تحويل القبلة وغير ذلك، وقد مات الأولون على الحكم الأول سئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك فأنزل الله الآية، وبين أنه لا يعذب هؤلاء على التوجه إلى القبلة حتى يسمعوا بالنسخ ولا يعملوا بالناسخ فحينئذ يعذبهم " وإذا مات أنزلت سورة فمنهم " أي من المنافقين " من يقول " على وجه الانكار بعضهم لبعض " أيكم زادته هذه " السورة " إيمانا " وقيل: معناه يقول المنافقون للمؤمنين الذين في إيمانهم ضعف: أيكم زادته هذه إيمانا، أي يقينا وبصيرة " وأما الذين في قلوبهم مرض " أي شك ونفاق " فزادتهم رجسا إلى رجسهم " أي نفاقا وكفر إلى نفاقهم وكفرهم، لأنهم يشكون فيها كما شكوا فيما تقدمها " إنهم يفتنون " أي يمتحنون " في كل عام مرة أو مرتين " أي دفعة أو دفعتين بالأمراض والأوجاع أو بالجهاد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما يرون من نصرة الله رسوله، وما ينال أعداءه من القتل والسبي أو بالقحط والجوع أو بهتك أستارهم، وما يظهر من خبث سرائرهم أو بالبلاء والجلاء ومنع القطر وذهاب الثمار " نظر بعضهم إلى بعض " يؤمنون به " هل يراكم من أحد " وإنما يفعلون ذلك لأنهم منافقون يحذرون أن
يعلم بهم " ثم انصرفوا " عن المجلس أو عن الايمان " صرف الله قلوبهم " عن الفوائد التي يستفيدها المؤمنون أو عن رحمته وثوابه.
قوله تعالى: " ألا إنهم يثنون صدورهم ".
أقول: قد مر تفسيره في كتاب الاحتجاج.
وقال في قوله: " والذين آتيناهم الكتاب " يريد أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) الذين آمنوا به وصدقوه: أعطوا القرآن وفرحوا بإنزاله " ومن الأحزاب " يعني اليهود والنصارى والمجوس أنكروا بعض معانيه وما يخالف أحكامه، وقيل:
الذين آتيناهم الكتاب هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه فرحوا بالقرآن لأنهم يصدقون به، والأحزاب بقية أهل الكتاب وسائر المشركين عن ابن عباس.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " واصبر نفسك ": نزلت في سلمان وأبي ذر وصهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، وذلك أن المؤلفة قلوبهم جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وذووهم فقالوا: يا رسول الله إن جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وروائح صنانهم وكانت عليهم جبات الصوف جلسنا نحن إليك وأخذنا عنك، فما يمنعنا من الدخول عليك إلا هؤلاء، فلما نزلت الآية قام النبي (صلى الله عليه وآله) يلتمسهم فأصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات " واصبر نفسك " أي احبس نفسك " مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " أي يداومون على الصلوات والدعاء عند الصباح والمساء " يريدون وجهه " أي رضوانه والقربة إليه " ولا تعد " أي ولا تتجاوز " عيناك عنهم " بالنظر إلى غيرهم من أبناء الدنيا " تريد
زينة الحياة الدنيا " في موضع الحال، أي مريدا مجالسة أهل الشرف والغنى، و كان (صلى الله عليه وآله) حريصا على إيمان العظماء من المشركين طمعا في إيمان أتباعهم، ولم يمل إلى الدنيا وزينتها قط " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا " أي جعلنا قلبه غافلا بتعريضه للغفلة، أو نسبنا قلبه إلى الغفلة، أو صادفناه غافلا، أو جعلناه غفلا لم نسمه بسمة المؤمنين، من قولهم: أغفل فلان ماشيته: إذا لم يسمها بسمة يعرف، أو تركنا قلبه وخذلناه وخلينا بينه وبين الشيطان بتركه أمرنا " واتبع هواه " في شهواته وأفعاله " وكان أمره فرطا " أي سرفا وإفراطا، أو ضياعا وهلاكا " وقل الحق من ربكم " أي هذا القرآن أو ما آتيتكم به الحق " من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " هذا وعيد من الله سبحانه وإنذار.
قوله تعالى: " والذين يرمون أزواجهم " قال الطبرسي رحمه الله: روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما نزلت الآية: " والذين يرمون المحصنات " قال عاصم بن عدي: يا رسول الله إن رأى رجل منا مع امرأته رجلا فإن أخبر بما رأى جلد ثمانين، وإن التمس أربعة شهداء كان الرجل قد قضى حاجته ثم مضى، قال:
كذلك أنزلت الآية يا عاصم، فخرج سامعا مطيعا فلم يصل إلى منزله حتى استقبله هلال بن أمية يسترجع، فقال: ما وراءك؟ قال: وجدت شريك بن سمحا على بطن امرأتي خولة، فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فأخبره هلال بالذي كان فبعث إليها فقال: ما يقول زوجك؟ فقالت: يا رسول الله إن ابن سمحا كان يأتينا فينزل بنا فيتعلم الشئ من القرآن، فربما تركه عندي وخرج زوجي فلا أدري أدركته الغير أم بخل علي بالطعام، فأنزل الله تعالى آية اللعان، وعن الحسن قال: لما نزلت " والذين يرمون المحصنات " الآية قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين، أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله: كفى بالسيف الإرشاد، أراد أن يقول:
شاهدا، ثم أمسك وقال: لولا أن يتتابع فيه السكران والغيران. وفي رواية عكرمة عن ابن عباس قال سعد بن عبادة: لو أتيت لكاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة فقال (صلى الله عليه وآله): يا معشر الأنصار أما تسمعون إلى ما قال سيدكم؟ فقالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأ قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة له فاجترئ امرء منا أن يتزوجها، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأمي والله لأعترف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال (صلى الله عليه وآله): فإن الله يأبى إلا ذاك، فقال: صدق الله ورسوله فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له: هلال بن أمية من حديقة له قد رأى رجلا مع امرأته، فلما أصبح غدا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إني جئت أهلي عشاء فوجدت معها رجلا رأيته بعيني و سمعته باذني، فكره رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى رأى الكراهة في وجهه، فقال هلال:
إني لأرى الكراهة في وجهك، والله يعلم أني لصادق، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا، فهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يضربه، قال: واجتمعت الأنصار وقالوا:
ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟ فنزل الوحي وأمسكوا عن الكلام حين عرفوا أن الوحي قد نزل فأنزل الله تعالى: " والذين يرمون أزواجهم " الآيات، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أبشر يا هلال فإن الله قد جعل فرجا، فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله تعالى، فقال (صلى الله عليه وآله): أرسلوا إليها فجاءت فلاعن بينهما، فلما انقضى اللعان فرق بينهما، وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: " ويقولون آمنا " قيل: نزلت الآيات في رجل من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود حكومة فدعاه اليهودي إلى رسول
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.