پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

11 - باب نزول الآيات في أمر فدك وقصصه وجوامع الاحتجاج به وفيه قصة خالد وعزمه على قتل أمير المؤمنين عليه السلام بأمر المنافقين

ج ۲۹، ص ۲۹۸–۳۵۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۵ از ۷

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

والقنا: جمع قناة وهي الرمح، وقيل كل عصا مستوية أو معوجة قناة، ولعل المراد بخور القنا ضعف النفس عن الصبر على الشدة وكتمان الضر، أو ضعف ما يعتمد عليه في النصر على العدو، والأول أنسب.

والبث: النشر والاظهار، والهم الذي لا يقدر صاحبه على كتمانه فيبثه..

أي يفرقه.

وتقدمة الحجة: إعلام الرجل قبل وقت الحاجة قطعا لاعتذاره بالغفلة.

والحاصل، أن استنصاري منكم، وتظلمي لديكم، وإقامة الحجة عليكم، لم يكن رجاء للعون والمظاهرة بل تسلية للنفس، وتسكينا للغضب، وإتماما للحجة، لئلا تقولوا يوم القيامة: [إنا كنا عن هذا غافلين].

فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب الله وشنار الأبد، موصولة ب‍ [نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة]، فبعين الله ما تفعلون [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون]..

والحقب - بالتحريك - حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير، يقال: أحقبت البعير.. أي شددته به، وكل ما شد في مؤخر رحل أو قتب فقد احتقب، ومنه قيل: احتقب فلان الاثم كأنه جمعه واحتقبه من خلفه، فظهر أن الأنسب في هذا المقام احقبوها - بصيغة الافعال - أي شدوا عليها ذلك وهيئوها للركوب، لكن فيما وصل إلينا من الروايات على بناء الافتعال.

والدبر - بالتحريك - الجرح في ظهر البعير، وقيل: جرح الدابة مطلقا.

والنقب - بالتحريك -: رقة خف البعير.

والعار الباقي: عيب لا يكون في معرض الزوال.

ووسمته وسما وسمة: إذا اثرت فيه بسمة وكي.

والشنار: العيب والعار.

ونار الله الموقدة.. المؤججة على الدوام.

والاطلاع على الأفئدة.. اشرافها على القلوب بحيث يبلغها ألمها كما يبلغ ظواهر البدن، وقيل معناه: ان هذه النار تخرج من الباطن إلى الظاهر بخلاف نيران الدنيا.

وفي الكشف: انها عليهم موصدة - والموصدة: المطبقة -.

وبعين الله ما تفعلون.. أي متلبس بعلم الله أعمالكم، ويطلع عليها كما يعلم أحدكم ما يراه ويبصره، وقيل في قوله تعالى: [تجري بأعيننا] ان المعنى تجري بأعين أوليائنا من الملائكة والحفظة.

والمنقلب: المرجع والمنصرف، وأي منصوب على أنه صفة مصدر محذوف والعامل فيه ينقلبون، لان ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه، وإنما يعمل فيه ما بعده، والتقدير سيعلم الذين ظلموا ينقلبون انقلابا أي انقلاب؟.

وأنا ابنة نذير لكم.. أي أنا ابنة من أنذركم بعذاب الله على ظلمكم، فقد تمت الحجة عليكم، والامر في اعملوا وانتظروا للتهديد.

وأما قول الملعون:

والرائد لا يكذب أهله.. فهو مثل استشهد به في صدق الخبر الذي افتراه على النبي صلى الله عليه وآله، والرائد: من يتقدم القوم يبصر لهم الكلأ ومساقط الغيث، جعل نفسه - لاحتماله الخلافة التي هي الرئاسة العامة - بمنزلة

الرائد للأمة الذي يجب عليه أن ينصحهم ويخبرهم بالصدق.

والمجالدة: المضاربة بالسيوف.

واستبد فلان بالرأي.. اي انفرد به واستقل.

ولا نزول عنك.. أي لا نقبض ولا نصرف.

ولا نوضع من فرعك وأصلك.. أي لا نحط درجتك ولا ننكر فضل أصولك وأجدادك وفروعك وأولادك.

وترين - من الرأي - بمعنى الاعتقاد.

وقولها صلوات الله عليها: سبحان الله! ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله عن كتاب الله صادفا، ولا لاحكامه مخالفا، بل كان يتبع أثره ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالا عليه بالزور..؟!.

الصادف عن الشئ: المعرض عنه.

والأثر - بالتحريك وبالكسر -: اثر القدم.

والقفو: الاتباع.

والسور - بالضم - كل مرتفع عال، ومنه سور المدينة، ويكون جمع سورة، وهي كل منزلة من البناء ومنه سورة القرآن، لأنها منزلة بعد منزلة،

وتجمع على: سور - بفتح الواو -. وفي العبارة يحتملها، والضمائر المجرورة تعود إلى الله تعالى أو إلى كتابه، والثاني أظهر.

والاعتلال: ابداء العلة والاعتذار.

والزور: الكذب.

وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته..

البغي: الطلب.

والغوائل: المهالك والدواهي، أشارت عليها السلام بذلك إلى ما دبروا - لعنهم الله - في إهلاك النبي صلى الله عليه وآله واستئصال أهل بيته عليهم السلام في العقبتين وغيرهما مما أوردناه في هذا الكتاب متفرقا.

هذا كتاب الله حكما عدلا، وناطقا فصلا، يقول: [يرثني ويرث من آل يعقوب] و [ورث سليمان داود] فبين عز وجل فيما وزع عليه من

الأقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظ الذكران والإناث، ما أزاح علة المبطلين، وأزال التظني والشبهات في الغابرين، كلا [بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون].

أقول: سيأتي الكلام في مواريث الأنبياء في باب المطاعن - إن شاء الله تعالى -.

والتوزيع: التقسيم.

والقسط - بالكسر - الحصة والنصيب.

والإزاحة: الا ذهاب والابعاد.

والتظني: إعمال الظن، واصله، التظنن.

والغابر: الباقي.

وقد يطلق على الماضي.

والتسويل: تحسين ما ليس بحسن وتزيينه وتحبيبه إلى الانسان ليفعله أو يقوله، وقيل: هو تقدير معنى في النفس على الطمع في تمامه.

فصبر جميل.. أي فصبري جميل، أو الصبر الجميل أولى من الجزع الذي لا يغني شيئا، وقيل: إنما يكون الصبر جميلا إذا قصد به وجه الله تعالى، وفعل للوجه الذي وجب، ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه، وخطابك - في قول أبي

بكر - من المصدر المضاف إلى الفاعل - ومراده بما تقلدوا ما أخذ فدك أو الخلافة.. أي أخذت الخلافة بقول المسلمين واتفاقهم فلزمني القيام بحدودها التي من جملتها أخذ فدك، للحديث المذكور.

والمكابرة: المغالبة.

والاستبداد: الاستئثار. والانفراد بالشئ.

قولها صلوات الله عليها: معاشر الناس المسرعة إلى قيل الباطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر، [أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها].

[كلا بل ران على قلوبهم]، ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأولتم، وساء به ما أشرتم، وشر ما منه اعتضتم...

القيل: بمعنى القول وكذا القال.

وقيل: القول في الخير، والقيل والقال في الشر.

وقيل: القول مصدر والقيل والقال اسمان له.

والاغضاء: إدناء الجفون، وأغضى على الشئ أي سكت ورضى به، وروي عن الصادق والكاظم عليهما السلام في الآية أن المعنى [أفلا يتدبرون

القرآن] فيقضوا بما عليهم من الحق.

وتنكير القلوب لإرادة قلوب هؤلاء ومن كان مثلهم من غيرهم.

والرين: الطبع، والتغطية واصله: الغلبة.

والتأويل والتأويل: التصيير والارجاع ونقل الشئ عن موضعه، ومنه تأويل الألفاظ.. أي نقل اللفظ عن الظاهر.

والإشارة: الامر بأحسن الوجوه في أمر.

وشر - كفر - بمعنى ساء.

والاعتياض: اخذ العوض والرضا به، والمعنى ساء ما أخذتم منه عوضا عما تركتم.

لتجدن والله محمله ثقيلا، وغبه وبيلا، إذا كشف لكم الغطاء وبان ما وراءه الضراء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون..

المحمل - كمجلس - مصدر.

والغب - بالكسر -: العاقبة.

والوبال - في الأصل -: الثقل والمكروه، ويراد به في عرف الشرع: عذاب

الآخرة، والعذاب الوبيل: الشديد.

والضراء - بالفتح والتخفيف -: الشجر الملتف - كما مر - يقال: توارى الصيد مني في ضراء.

والوراء: يكون بمعنى قدام كما يكون بمعنى خلف وبالأول فسر قوله تعالى: [وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا] ويحتمل أن تكون الهاء زيدت من النساخ أو الهمزة، فيكون على الأخير بتشديد الراء من قولهم: ورى الشئ تورية.. أي أخفاه، وعلى التقادير فالمعنى: وظهر لكم ما ستره عنكم الضراء.

وبذا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون..: أي ظهر لكم من صنوف العذاب ما لم تكونوا تنتظرونه، ولا تظنونه واصلا إليكم، ولم يكن في حسبانكم.

والمبطل: صاحب الباطل من أبطل الرجل إذا اتى بالباطل.

قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم يكبر الخطب إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا

في الكشف: ثم التفتت إلى قبر أبيها متمثلة بقول هند ابنة أثاثة.. ثم ذكر الأبيات.

وقال في النهاية: الهنبثة واحدة الهنابث وهي الأمور الشداد المختلفة، والهنبثة: الاختلاط في القول والنون زائدة، وذكر فيه: أن فاطمة (ع ) قالت بعد موت النبي صلى الله عليه [وآله]: قد كان بعدك أنباء.. إلى آخر البيتين، الا أنه قال: فاشهدهم ولا تغب.

والشهود: الحظور.

والخطب - بالفتح -: الامر الذي تقع فيه المخاطبة، والشأن والحال.

والوبل: المطر الشديد.

ونكب فلان عن الطريق كنصر - وفرح - أي.. عدل ومال.

وكل أهل له قربى ومنزلة * عند الاله على الادنين مقترب القربى - في الأصل - القرابة في الرحم.

والمنزلة: المرتبة والدرجة ولا تجمع.

والأدنين: هم الأقربون، واقترب أي تقارب.

وقال في مجمع البيان: في اقترب زيادة مبالغة على قرب، كما أن في اقتدر زيادة مبالغة على قدر.

ويمكن تصحيح تركيب البيت وتأويل معناه على وجوه:

الأول: وهو الأظهر، أن جملة (له قربى) صفة لأهل، والتنوين في (منزلة) للتعظيم، والظرفان متعلقان بالمنزلة لما فيها من معنى الزيادة والرجحان، و (مقترب) خبر لكل، أي ذو القرب الحقيقي، أو عند ذي الأهل، كل أهل كانت له مزية وزيادة على غيره من الأقربين عند الله تعالى.

والثاني: تعلق الظرفين بقولها: (مقترب)، أي كل أهل له قرب ومنزلة من ذي الأهل، فهو عند الله تعالى مقترب مفضل على سائر الادنين.

والثالث: تعلق الظرف الأول ب‍ (المنزلة) والثاني ب‍ (المقترب)، أي كل أهل اتصف بالقربى بالرجل وبالمنزلة عند الله، فهو مفضل على من هو أبعد منه.

والرابع: أن يكون جملة: (له قربى) خبرا للكل، (ومقترب) خبرا ثانيا، وفي الظرفين يجري الاحتمالات السابقة، والمعنى أن كل أهل نبي من الأنبياء له قرب ومنزلة عند الله، ومفضل على سائر الأقارب عند الأمة.

أبدت رجال لنا نجوى صدورهم * لما مضيت وحالت دونك الترتب بدا الامر بدوا: ظهر، وأبداه أظهره.

والنجوى: الاسم من نجوته إذا ساورته، ونجوى صدورهم: ما أضمروه في نفوسهم من العداوة ولم يتمكنوا من إظهاره في حياته صلى الله عليه

وآله، وفي بعض النسخ: فحوى صدورهم، وفحوى القول: معناه، والمال واحد.

وقال الفيروزآبادي: الترب والتراب والتربة.. معروف، وجمع التراب:

أتربة وتربان، ولم يسمع لسائرها بجمع، انتهى. فيمكن أن يكون بصيغة المفرد، والتأنيث بتأويل الأرض كما قيل، والأظهر أنه - بضم التاء وفتح الراء - جمع تربة، قال في مصباح اللغة: التربة: المقبرة، والجمع ترب مثل غرفة وغرف.

وحال الشئ بيني وبينك.. أي منعني من الوصول إليك.

ودون الشئ: قريب منه، يقال: دون النهر جماعة.. أي قبل أن تصل إليه.

والتهجم: الاستقبال بالوجه الكريه.

والمغتصب - على بناء المفعول - المغصوب.

والمحتجب - على بناء الفاعل -.

وصادفه: وجده ولقيه.

والكثب - بضمتين -: جمع كثيب وهو التل من الرمل .

والرزء - بالضم مهموزا: المصيبة بفقد الأعزة. ورزئنا - على بناء المجهول -.

والشجن - بالتحريك -: الحزن.

وفي القاموس: العجم - بالضم وبالتحريك - خلاف العرب.

قوله: ثم انكفأت..

أقول: وجدت في نسخة قديمة لكشف الغمة منقولة من خط المصنف مكتوبا على هامشها بعد ايراد خطبتها صلوات الله عليها ما هذا لفظه: وجد بخط السيد المرتضى علم الهدى الموسوي قدس الله روحه أنه لما خرجت فاطمة عليها السلام من عند أبي بكر - حين ردها عن فدك - استقبلها أمير المؤمنين عليه السلام فجعلت تعنفه، ثم قالت: اشتملت... إلى آخر كلامها عليها السلام.

والانكفاء: الرجوع.

وتوقعت الشئ واستوقعته.. أي انتظرت وقوعه.

وطلعت على القوم: أتيتهم، وتطلع الطلوع: انتظاره.

فلما استقرت بها الدار.. أي سكنت كأنها اضطربت وتحركت بخروجها، أو على سبيل القلب، وهذا شائع، يقال: استقرت نوى القوم واستقرت بهم النوى.. أي أقاموا.

اشتملت شملة الجنين وقعدت حجرة الظنين..

اشتمل بالثوب.. أي أداره على جسده كله، والشملة - بالفتح - كساء يشتمل به، والشملة - بالكسر - هيئة الاشتمال، فالشملة اما مفعول مطلق من غير الباب كقوله تعالى: [نباتا] أو في الكلام حذف وايصال.

وفي رواية السيد: مشيمة الجنين.. وهي محل الولد في الرحم، ولعله أظهر.

والجنين: الولد ما دام في البطن.

والحجرة - بالضم - حظيرة الإبل، ومنه حجرة الدار.

والظنين: المتهم، والمعنى اختفيت عن الناس كالجنين، وقعدت عن طلب الحق، ونزلت منزلة الخائف المتهم.

وفي رواية السيد: الحجزة - بالزاء المعجمة -، وفي بعض النسخ: قعدت

حجزة الظنين، وقال في النهاية: الحجزة: موضع شد الإزار، ثم قيل للازار:

حجزة للمجاورة، وفي القاموس: الحجزة - بالضم - معقد الإزار.. ومن الفرس مركب مؤخر الصفاق بالحقو، وقال: شدة الحجزة: كناية عن الصبر.

نقضت قادمة الأجدل فخانك ريش الأعزل.

قوادم الطير: مقاديم ريشه وهي عشر في كل جناح، واحدتها قادمة.

والأجدل: الصقر.

والأعزل: الذي لا سلاح معه.

قيل: لعلها صلوات الله عليها شبهت الصقر الذي نقضت قوادمه بمن لا سلاح له، والمعنى تركت طلب الخلافة في أول الأمر قبل أن يتمكنوا منها ويشيدوا أركانها، وظننت أن الناس لا يرون غيرك أهلا للخلافة، ولا يقدمون عليك أحدا، فكنت كمن يتوقع الطيران من صقر منقوضة القوادم.

أقول: ويحتمل أن يكون المراد أنك نازلت الابطال، وخضت الأهوال، ولم تبال بكثرة الرجل حتى نقضت شوكتهم، واليوم غلبت من هؤلاء الضعفاء والأرذال، وسلمت لهم الامر ولا تنازعهم، وعلى هذا، الأظهر أنه كان في الأصل: خاتك - بالتاء المثناة الفوقانية - فصحف، قال الجوهري: خات البازي واختات أي انقض.. ليأخذه، وقال الشاعر:

يخوتون أخرى القوم خوت الا جادل.....

والخائتة: العقاب إذا انقضت فسمعت صوت انقضاضها، والخوات..

دوي جناح العقاب.. والخوات - بالتشديد - الرجل الجري، وفي رواية السيد: نفضت - بالفاء - وهو يؤيد المعنى الأول.

هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحيلة أبي، وبلغة ابني، لقد أجهر في خصامي، وألفيته ألد في كلامي...

قحافة - بضم القاف وتخفيف المهملة -.

والابتزاز: الاستلاب، واخذ الشئ بقهر وغلبة من البز بمعنى السلب.

والنحيلة - فعيلة بمعنى مفعول - من النحلة - بالكسر - بمعنى الهبة والعطية عن طيبة نفس من غير مطالبة أو من غير عوض.

والبلغة - بالضم - ما يتبلغ به من العيش ويكتفى به، وفي أكثر النسخ: بليغة - بالتصغير - فالتصغير في النحيلة أيضا أنسب.

وابني إما بتخفيف الياء فالمراد به الجنس، أو تشديدها على التثنية.

وإظهار الشئ: اعلانه.

والخصام - مصدر - كالمخاصمة، ويحتمل أن يكون جمع خصم أي أجهر العداوة أو الكلام لي بين الخصام، والأول أظهر.

وألفيته.. أي وجدته.

والألد: شديد الخصومة، وليس فعلا ماضيا، فان فعله على بناء المجرد، والإضافة في (كلامي) إما من قبيل الإضافة إلى المخاطب أو إلى المتكلم، وفي:

للظرفية أو السببية.

وفي رواية السيد: هذا بني أبي قحافة.. إلى قوله: لقد أجهد في ظلامتي وألد في خصامتي.

قال الجزري: يقال جهد الرجل في الامر: إذا جد وبالغ فيه، واجهد دابته: إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها.

حتى حبستني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع..

قيلة - بالفتح - اسم أم قديمة لقبيلتي الأنصار، والمراد: بنو قيلة.

وفي رواية السيد: حين منعتني الأنصار نصرها.. وموصوف المهاجرة:

الطائفة أو نحوها، والمراد بوصلها: عونها.

والطرف - بالفتح - العين.

وغضه: خفظه.

وفي رواية السيد - بعد قولها: ولا مانع -: ولا ناصر ولا شافع.

خرجت كاظمة وعدت راغمة..

كظم الغيظ: تجرعه والصبر عليه.

ورغم فلان - بالفتح - إذا ذل، وعجز عن الانتصاف ممن ظلمه، والظاهر من الخروج: الخروج من البيت وهو لا يناسب كاظمة، إلا أن يراد بها الامتلاء من الغيظ فإنه من لوازم الكظم، ويحتمل أن يكون المراد الخروج من المسجد المعبر عنه ثانيا بالعود، كما قيل.

و في رواية السيد مكان عدت: رجعت.

أضرعت خدك يوم أضعت حدك، افترست الذئاب، وافترشت التراب.. ك ضرع الرجل - مثلثة - خضع وذل واضرعه غيره، واسناد الضراعة إلى الخذلان أظهر أفرادها وضع الخد على التراب، أو لان الذل يظهر في الوجه.

وإضاعة الشئ وتضييعه: اهماله واهلاكه.

وحد الرجل - بالحاء المهملة -: بأسه وبطشه، وفي بعض النسخ

بالجيم.. أي تركت اهتمامك وسعيك.

وفي رواية السيد: فقد أضعت جدك يوم أصرعت خدك.

وفرس الأسد فريسته - كضرب - وافترسها: دق عنقها، ويستعمل في كل قتل، ويمكن أن يقرأ بصيغة الغائب، فالذئاب مرفوع، والمعنى: قعدت عن طلب الخلافة ولزمت الأرض مع أنك أسد الله، والخلافة كانت فريستك حتى افترسها وأخذها الذئب الغاصب لها، ويحتمل أن يكون بصيغة الخطاب.. أي كنت تفترس الذئاب واليوم افترشت التراب، وفي بعض النسخ: الذباب - بالباءين الموحدتين - جمع ذبابة، فيتعين الأول، وفي بعضها: افترست الذئاب وافترستك الذئاب.

وفي رواية السيد مكانهما: وتوسدت الوراء كالوزغ ومستك الهناة والنزغ..

والوراء بمعنى خلف.

والهناء: الشدة والفتنة.

والنزغ: الطعن والفساد.

ما كففت قائلا، ولا أغنيت باطلا ولا خيار لي ، ليتني مت قبل هينتي ودون

زلتي.

الكف: المنع.

والاغناء: الصرف والكف، يقال: اغن عني شرك.. أي اصرفه وكفه، وبه فسر قوله سبحانه: [إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا].

وفي رواية السيد: ولا أغنيت طائلا.. وهو أظهر، قال الجوهري: يقال:

هذا أمر لا طائل فيه، إذا لم يكن فيه غناء ومزية. فالمراد بالغناء: النفع، ويقال: ما يغني عنك هذا.. أي ما يجديك وما ينفعك.

والهينة - بالفتح -: العادة في الرفق والسكون، ويقال: امش على هينتك.. أي على رسلك، أي ليتني مت قبل هذا اليوم الذي لا بد لي من الصبر على ظلمهم، ولا محيص لي عن الرفق.

والزلة - بفتح الزاي - كما في النسخ: الاسم من قولك: زللت في طين أو منطق: إذا زلقت، ويكون بمعنى السقطة، والمراد بها عدم القدرة على دفع الظلم، ولو كانت الكلمة بالذال المعجمة كان أظهر وأوضح، كما في رواية السيد،

فإن فيها:

وا لهفتاه! ليتني مت قبل ذلتي، ودون هينتي، عذيري الله منك عاديا، ومنك حاميا..

العذير: بمعنى العاذر كالسميع، أو بمعنى العذر كالأليم.

وقولها: منك.. أي من أجل الإساءة إليك وإيذائك.

وعذيري الله.. مرفوعان بالابتدائية والخبرية.

وعاديا.. إما من قوله: عدوت فلانا عن الامر.. أي صرفته عنه، أو من العدوان بمعنى تجاوز الحد، وهو حال من ضمير المخاطب.. أي الله يقيم العذر من قبل في إساءتي إليك حال صرفك المكاره ودفعك الظلم عني، أو حال تجاوزك الحد في القعود عن نصري.. أي عذري في سوء الأدب أنك قصرت في إعانتي والذب عني، والحماية عن الرجل: الدفع عنه، ويحتمل أن يكون عذيري منصوبا - كما هو الشايع في هذه الكلمة -، و (الله) مجرورا بالقسم، يقال: عذيرك من فلان.. أي هات من يعذرك فيه، ومنه قول أمير المؤمنين عليه السلام حين نظر إلى ابن ملجم لعنة الله: عذيرك من خليلك من مراد...،

والأول أظهر.

ويلاي في كل شارق، مات العمد، ووهت العضد، شكواي إلى أبي وعدواي إلى ربي، اللهم أنت أشد قوة وحولا، وأحد بأسا وتنكيلا..

قال الجوهري : ويل: كلمة مثل: ويح، الا أنها كلمة عذاب يقال: ويله وويلك وويلي، وفي الندبة ويلاه. ولعله جمع فيها بين الف الندبة وياء المتكلم، ويحتمل أن يكون بصيغة التثنية فيكون مبتدأ والظرف خبره، والمراد به تكرر الويل.

وفي رواية السيد: ويلاه في كل شارق، ويلاه في كل غارب، ويلاه! مات العمد وذل العضد.. إلى قولها عليها السلام: اللهم أنت أشد قوة وبطشا.

والشارق: الشمس.. أي عند كل شروق وطلوع صباح كل يوم. قال الجوهري: الشرق: المشرق، والشرق: الشمس، يقال طلع الشرق ولا آتيك ما ذر شاق.. وشرقت الشمس تشرق شروقا وشرقا - أيضا - أي طلعت، وأشرقت أي.. أضاءت.

والعمد - بالتحريك وبضمتين -: جمع العمود، ولعل المراد هنا ما يعتمد

عليه في الأمور.

والشكوى: الاسم من قولك: شكوت فلانا شكاية.

والعدوي: طلبك إلى وال لينتقم لك ممن ظلمك.

والحول: القوة والحيلة والدفع والمنع، والكل هنا محتمل.

والبأس: العذاب.

والتنكيل: العقوبة، وجعل الرجل نكالا وعبرة لغيرة.

الويل لشانئك.. أي العذاب، ولشر لمبغضك، والشناءة:

البغض.

وفي رواية السيد: لمن أحزنك.

ونهنهت الرجل عن الشئ فتنهنه.. أي كففته وزجرته فكف.

والوجد: الغضب: أي امنع نفسك عن غضبك.

وفي بعض النسخ: تنهنهي، وهو أظهر.

والصفوة - مثلثة - خلاصة الشئ وخياره.

والونى - كفتى - الضعف والفتور والكلال، والفعل - كوقى يقي.. أي ما عجزت عن القيام بما أمرني به ربي وما تركت ما دخل تحت قدرتي.

والبلغة - بالضم - ما يتبلغ به من العيش.

والضامن والكفيل للرزق هو الله تعالى، وما أعد لها هو ثواب الآخرة.

والاحتساب: الاعتداد، ويقال لمن ينوي بعمله وجه الله تعالى:

احتسبه.. أي اصبري وادخري ثوابه عند الله تعالى.

وفي رواية السيد: فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام: لا ويل لك بل الويل لمن أحزنك، نهنهي عن وجدك يا بنية الصفوة، وبقية النبوة، فما ونيت عن حظك، ولا أخطأت فقد ترين مقدرتي، فان ترزئي حقك فرزقك فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما عند الله خير لك مما قطع عنك.

فرفعت يدها الكريمة فقالت: رضيت وسلمت.

قال في القاموس: رزأه ماله كجعله وعمله رزأ - بالضم -: أصاب منه شيئا.

أقول: روى الشيخ كلامها الأخير مع جوابه قريبا مما رواه السيد،

ولنذكره بسنده:

9 - قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن شاذان، عن محمد بن علي بن المفضل، عن محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن الحسين الزيات، عن أحمد بن محمد، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال:

لما انصرفت فاطمة عليها السلام من عند أبي بكر أقبلت على أمير المؤمنين عليه السلام.

فقالت له: يا بن أبي طالب! اشتملت مشيمة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي قحافة قد ابتزني نحيلة أبي وبليغة ابني، والله لقد أجد في ظلامتي، وألد في خصامي، حتى منعتني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا مانع ولا دافع، خرجت - والله - كاظمة، وعدت راغمة، وليتني لاخيار لي، ليتني مت قبل ذلك مت قبل ذلتي! وتوفيت قبل منيتي! عذيري فيك الله حاميا، ومنك عاديا، ويلاه في كل شارق! ويلاه! مات المعتمد ووهن العضد!

شكواي إلى ربي، وعدواي إلى أبي، اللهم أنت أشد قوة.

فأجابها أمير المؤمنين عليه السلام: لا ويل لك، بل الويل لشانئك، نهنهي من غربك يا بنت الصفوة وبقية النبوة، فوالله ما ونيت في ديني، ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت ترزئين البلغة فرزقك مضمون، ولعيلتك مأمون، وما أعد لك خير مما قطع عنك، فاحتسبي.

فقالت: حسبي الله نعم الوكيل.

ولندفع الاشكال الذي قلما لا يخطر بالبال عند سماع هذا الجواب والسؤال، وهو:

أن اعتراض فاطمة عليها السلام على أمير المؤمنين عليه السلام في ترك التعرض للخلافة، وعدم نصرتها، وتخطئة فيهما - مع علمها بإمامته، ووجوب اتباعه وعصمته، وأنه لم يفعل شيئا إلا بأمره تعالى ووصية الرسول صلى الله عليه وآله - مما ينافي عصمتها وجلالتها.

فأقول: يمكن أن يجاب عنه: بأن هذه الكلمات صدرت منها عليها السلام لبعض المصالح، ولم تكن واقعا منكرة لما فعله، بل كانت راضية، وإنما كان غرضها أن يتبين للناس قبح أعمالهم وشناعة أفعالهم، وأن سكوته عليه السلام ليس لرضاه بما أتوا به.

ومثل هذا كثيرا ما يقع في العادات والمحاورات، كما أن ملكا يعاتب بعض خواصه في أمر بعض الرعايا، مع علمه ببراءته من جنايتهم، ليظهر لهم عظم جرمهم، وأنه مما استوجب به أخص الناس بالملك منه المعاتبة.

ونظير ذلك ما فعله موسى عليه السلام - لما رجع إلى قومه غضبان أسفا - من إلقائه الألواح، وأخذه برأس أخيه يجره إليه - ولم يكن غرضه الانكار على هارون، بل أراد بذلك أن يعرف القوم عظم جنايتهم، وشدة جرمهم، كما مر الكلام فيه.

وأما حمله على أن شدة الغضب والأسف حملتها على ذلك - مع علمها بحقية ما ارتكبه عليه السلام - فلا ينفع في دفع الفساد، وينافي عصمتها وجلالتها التي عجزت عن ارتكابها أحلام العباد.

بقي هاهنا إشكال آخر، وهو:

أن طلب الحق والمبالغة فيه وإن لم يكن منافيا للعصمة، لكن زهدها صلوات الله عليها، وتركها للدنيا، وعدم اعتدادها بنعيمها ولذاتها، وكمال عرفانها ويقينها بفناء الدنيا، وتوجه نفسها القدسية، وانصراف همتها العالية دائما إلى اللذات المعنوية والدرجات الأخروية، لا تناسب مثل هذا الاهتمام في أمر فدك، والخروج إلى مجمع الناس، والمنازعة مع المنافقين في تحصيله.

والجواب عنه من وجهين:

الأول: أن ذلك لم يكن حقا مخصوصا لها، بل كان أولادها البررة الكرام مشاركين لها فيه، فلم يكن يجوز لها المداهنة والمساهلة والمحاباة وعدم المبالاة في ذلك، ليصير سببا لتضييع حقوق جماعة من الأئمة الاعلام والاشراف الكرام.

نعم لو كان مختصا بها كان لها تركه والزهد فيه وعدم التأثر من فوته.

الثاني: أن تلك الأمور لم تكن لمحبة فدك وحب الدنيا، بل كان الغرض إظهر ظلمهم وجورهم وكفرهم ونفاقهم، وهذا كان من أهم أمور الدين وأعظم الحقوق على المسلمين.

ويؤيده أنها صلوات الله عليها صرحت في آخر الكلام حيث قالت: قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة..

وكفى بهذه الخطبة بينة على كفرهم ونفاقهم.

ونشيد ذلك بإيراد رواية بعض المخالفين في ذلك:

10 - روى ابن أبي الحديد - في سياق أخبار فدك - عن أحمد بن

عبد العزيز الجوهري:

أن أبا بكر لما سمع خطبة فاطمة عليها السلام في فدك شق عليه مقالتها، فصعد المنبر فقال: أيها الناس! ما هذه الرعة إلى كل قالة! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلم، إنما هو ثعالة شهيده ذنبه، مرب بكل فتنة، هو الذي يقول: كروها جذعة بعد ما هرمت، تستعينون بالضعفة وتستنصرون بالنساء، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي. ألا إني لو أشاء أن أقول لقلت، ولو قلت لبحت، إني ساكت ما تركت.

ثم التفت إلى الأنصار فقال: قد بلغني يا معاشر الأنصار مقالة سفهائكم، وأحق من لزم عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أنتم، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم، ألا وإني لست باسطا يدا ولسانا على من لم يستحق ذلك منا.. ثم نزل.

فانصرفت فاطمة عليها السلام إلى منزلها.

ثم قال ابن أبي الحديد: قرأت هذا الكلام على النقيب يحيى بن أبي زيد البصري.

فقلت له: بمن يعرض؟.

فقال: بل يصرح.

قلت: لو صرح لم أسألك؟.

فضحك وقال: بعلي بن أبي طالب عليه السلام.

قلت: أهذا الكلام كله لعلي عليه السلام؟!.

قال: نعم إنه الملك يا بني!.

قلت: فما مقالة الأنصار؟.

قال: هتفوا بذكر علي فخاف من اضطراب الامر عليه فنهاهم.

فسألته عن غريبه.

فقال: ما هذه الرعة - بالتخفيف - أي: الاستماع والاصغاء.

والقالة: القول.

وثعالة: اسم للثعلب علم غير مصروف، مثل ذؤالة للذئب.

وشهيده ذنبه.. أي: لا شاهد على ما يدعي إلا بعضه وجزء منه، وأصله مثل، قالوا: إن الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب، فقال: إنه أكل الشاة التي أعددتها لنفسك، قال: فمن يشهد لك بذلك؟ فرفع ذنبه وعليه دم، وكان

الأسد قد الشاة، فقبل شهادته وقتل الذئب.

ومرب: ملازم، أرب: لازم بالمكان.

وكروها جذعة: أعيدوها إلى الحال الأولى، يعني: الفتنة والهرج.

وأم طحال: امرأة بغي في الجاهلية، فضرب بها المثل، يقال: أزنى من أم طحال، انتهى.

أقول: الرعة - بالراء - كما في نسخ الشرح، بمعنى: الاستماع، لم نجده في كلام اللغويين، ويمكن أن يكون بالدال المهملة بمعنى السكون، ويكون الغلط من النساخ، ويكون تفسير النقيب بيانا لحاصل المعنى.

11 - وروى أيضا عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن هشام بن محمد، عن أبيه قال:

قالت فاطمة عليها السلام لأبي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني فدك.

فقال لها: يا بنة رسول الله، والله ما خلق الله خلقا أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه أبيك، ولوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك، والله لان تفتقر عائشة أحب إلي من أن تفتقري، أتراني أعطي الأسود والأحمر حقه وأظلمك حقك وأنت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إن هذا المال لم يكن

للنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليته كما كان يليه.

قالت: والله لا كلمتك أبدا.

قال: والله لا هجرتك أبدا.

قالت: والله لأدعون الله عليك.

قال: والله لأدعون الله لك.

فلما حضرتها الوفاة أوصت أن لا يصلي عليها، فدفنت ليلا، وصلى عليها العباس بن عبد المطلب، وكان بين وفاتها ووفاة أبيها اثنتان وسبعون ليلة.

ومن رواياتهم الصحيحة الصريحة في أنها صلوات الله عليها استمرت على الغضب حتى ماتت: ما رواه مسلم وأبو داود في صحاحهما، وأورده في جامع الأصول في الفصل الثالث من كتاب المواريث في حرف الفاء، عن عائشة قالت:

إن فاطمة (ع) بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله (ص) أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله (ص) مما أفاء الله عليه.

فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث، ما تركناه صدقة.

فغضبت فاطمة فهجرته، فلم تزل بذلك حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر إلا ليالي.

وكانت تسأله أن يقسم لها نصيبها مما أفاء الله على رسوله من خيبر وفدك، ومن صدقته بالمدينة.

فقال أبو بكر: لست بالذي أقسم من ذلك، ولست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به فيها إلا عملته، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.

ثم فعل ذلك عمر، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي والعباس، وأمسك خيبر وفدك، وقال: هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتا لحقوقه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر.

قال: فهما على ذلك إلى اليوم.

وقال في جامع الأصول: أخرجه مسلم، ولم يخرج منه البخاري إلا قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا نورث، ما تركناه صدقة. ولقلة ما أخرج منه لم تعلم له علامة، وأخرج أبو داود نحو مسلم، انتهى.

تبيين: إعلم أن المخالفين في صحاحهم رووا أخبارا كثيرة: في أن من خالف الامام، وخرج من طاعته، وفارق الجماعة، ولم يعرف امام زمانه مات

ميتة جاهلية.

روى في جامع الأصول من صحيح مسلم والنسائي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية.

وروى البخاري ومسلم في صحيحهما، وروى في جامع الأصول أيضا عنهما، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من طاعة السلطان شبرا مات ميتة جاهلية.

وفي رواية أخرى: فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية.

وروى مسلم في صحيحه وذكره في جمع الأصول أيضا، عن نافع قال: لما خلعوا يزيد واجتمعوا على ابن مطيع أتاه ابن عمر، فقال عبد الله:

اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال له عبد الله بن عمر: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لاحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه [وآله]، يقول: من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.

وأما من طرق أصحابنا فالاخبار فيه أكثر من أن تحصى، وستأتي في مضانها.

فنقول: لا أظنك ترتاب بعد ما أسلفناه من الروايات المنقولة من طريق المخالف والمؤالف في أن فاطمة صلوات الله عليها كانت ساخطة عليهم، حاكمة بكفرهم وضلالهم، غير مذعنة بإمامتهم ولا مطيعة لهم، وأنها قد استمرت على تلك الحالة حتى سبقت إلى كرامة الله ورضوانه.

فمن قال بإمامة أبي بكر لا محيص له عن القول بأن سيدة نساء العالمين ومن طهرها الله في كتابه من كل رجس، وقال النبي صلى الله عليه وآله في فضلها ما قال، قد ماتت ميتة جاهلية! وميتة كفر وضلال ونفاق!.

ولا أظن ملحدا وزنديقا رضي بهذا القول الشنيع.

ومن الغرائب أن المخالفين لما اضطروا وانسدت عليهم الطرق، لجأوا إلى

منع دوام سخطها عليها السلام على أبي بكر، مع روايتهم تلك الأخبار في كتبهم المعتبرة.

وروايتهم: أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يبايع أبا بكر في حياة فاطمة عليها السلام، ولا بايعه أحد من بني هاشم إلا بعد موتها، وأنه كان لعلي عليه السلام وجه في الناس حياة فاطمة عليها السلام، فلما توفيت انصرفت وجوه الناس عن علي عليه السلام، فلما رأى ذلك ضرع إلى مصالحة أبي بكر، روى ذلك مسلم في صحيحه، وذكره في جامع الأصول في الباب الثاني من كتاب الخلافة في حرف الخاء.

ولا يخفى وهن هذا القول بعد ملاحظة ما تقدم على ذي مسكة.

فصل في الكلام على ما يستفاد من أخبار الباب والتنبيه على ما ينتفع به طالب الحق والصواب وهو مشتمل على فوائد:

الأولى:

نقول: لا شك في عصمة فاطمة عليها السلام، أما عندنا فللاجماع القطعي المتواتر، والأخبار المتواترة الآتية في أبواب مناقبها عليها السلام، وأما الحجة على المخالفين فبآية التطهير الدالة على عصمتها، وسيأتي إثبات نزول الآية في جماعة كانت داخلة فيهم، ودلالة الآية على العصمة في المجلد التاسع، وبالاخبار المتواترة الدالة على أن إيذاء الرسول صلوات الله عليهما، وأن

الله تعالى يغضب لغضبها ويرضى لرضاها، وسيأتي في أبواب فضائلها صلوات الله عليها، ولنذكر هنا بعض ما رواه المخالفون في ذلك، فمنها:

1 - ما رواه البخاري في صحيحه في باب مناقبها عليها السلام عن المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني.

- وروى أيضا في أبواب النكاح عن المسور بن مخرمة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - وهو على المنبر -: إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم إلا أن يريد علي بن أبي طالب (ع) أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني، يريبني ما رابها ويؤذيني من آذاها.

3 - وقد روى الخبرين مسلم في صحيحه، وروى مسلم والبخاري

أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قال: إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها.

4 - وروى الترمذي في صحيحه عن ابن الزبير، قال: إن عليا (ع) ذكر بنت أبي جهل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها.

وقد ذكر الروايات المذكورة ابن الأثير في جامع الأصول، مع روايات أخرى تؤيدها.

5 - وروى في المشكاة عن المسور أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني. قال: وفي رواية: يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها. ثم قال: متفق عليه.

وروى ابن شهرآشوب في المناقب، والسيد في الطرائف، وابن بطريق في العمدة والمستدرك، وعلي بن عيسى في كشف الغمة وغيرهم أخبارا كثيرة في هذا المعنى من أصول المخالفين أوردتها في أبواب فضائلها.

ووجه الاستدلال بها على عصمتها صلوات الله عليها أنه إذا كانت فاطمة عليها السلام ممن تقارف الذنوب وترتكبها لجاز إيذاؤها، بل إقامة الحد عليها لو

فعلت معصية أو ارتكبت ما يوجب حدا، ولم يكن رضاها رضى الله سبحانه إذا رضيت بالمعصية، ولا من سرها في معصية سار لله سبحانه ومن أغضبها بمنعها عن ارتكابها مغضبا له جل شأنه.

فإن قيل: لعل المراد من آذاها ظلما فقد آذاني، ومن سرها في طاعة الله فقد سرني.. وأمثال ذلك، لشيوع التخصيص في العمومات.

قلنا: أولا: التخصيص خلاف الأصل، ولا يصار إليه إلا بدليل، فمن أراد التخصيص فعليه إقامة الدليل.

وثانيا: ان فاطمة صلوات الله عليها تكون حينئذ كسائر المسلمين لم تثبت لها خصوصية ومزية في تلك الأخبار، ولا كان فيها لها تشريف ومدحة، وذلك باطل بوجوه:

الأول: أنه لا معنى حينئذ لتفريع كون إيذائها إيذاء الرسول على كونها بضعة منه، كما مر فيما صححه البخاري ومسلم من الروايات وغيرها.

الثاني: ان كثيرا من الاخبار السالفة المتضمنة لانكاره صلى الله عليه وآله على بني هاشم في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب عليه السلام أو إنكاح بنت أبي جهل ليس من المشتركات بين المسلمين، فإن ذلك النكاح كان مما أباحه الله سبحانه، بل مما رغب فيه وحث عليه لولا كونه إيذاء لسيدة النساء، وقد علل رسول الله صلى الله عليه وآله عدم الإذن كونها بضعة منه يؤذيه ما آذاها ويريبه ما يريبها، فظهر بطلان القول بعموم الحكم لكافة المسلمين.

الثالث: ان القول بذلك يوجب إلقاء كلامه صلى الله عليه وآله وخلوه عن

الفائدة، إذ مدلوله حينئذ أن بضعته كسائر المسلمين، ولا يقول ذلك من أوتي حظا من الفهم والفطانة، أو اتصف بشئ من الانصاف والأمانة، وقد أطبق محدثوهم على إيراد تلك الروايات في باب مناقبها صلوات الله عليها.

فإن قيل: أقصى ما يدل عليه الاخبار هو أن إيذاءها إيذاء للرسول صلى الله عليه وآله، ومن جوز صدور الذنب عنه صلى الله عليه وآله لا يأبى عن إيذائه إذا فعل ما يستحق به الايذاء.

قلنا: بعد ما مر من الدلائل على عصمة الأنبياء عليهم السلام، قال الله تعالى: [والذين يؤذن رسول الله لهم عذاب أليم]، وقال سبحانه: [وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله]، وقال تعالى: [إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدلهم عذابا مهينا]، فالقول بجواز إيذائه صلى الله عليه وآله رد لصريح القرآن، ولا يرضى به أحد من أهل الايمان.

فإن قيل: إنما دلت الاخبار على عدم جواز إيذائها، وهو إنما ينافي صدور ذنب عنها يمكن للناس الاطلاع عليه حتى يؤذيها نهيا عن المنكر، ولا ينافي صدور معصية عنها خفية فلا يدل على عصمتها مطلقا.

قلنا: نتمسك في دفع هذا الاحتمال بالاجماع المركب على أن ما جرى في قصة فدك وصدر عنها من الانكار على أبي بكر، ومجاهرتها بالحكم بكفره وكفر طائفة من الصحابة وفسقهم تصريحا وتلويحا، وتظلمها وغضبها على أبي بكر وهجرتها وترك كلامها حتى ماتت لو كانت معصية لكانت من المعاصي الظاهرة التي قد أعلنت بها على رؤوس الاشهاد، وأي ذنب أظهر وأفحش من مثل هذا الرد والانكار على الخليفة المفترض الطاعة على العالمين بزعمهم، فلا محيص لهم عن

القول ببطلان خلافة خليفتهم العظمى تحرزا عن إسناد هذه المعصية الكبرى إلى سيدة النساء.

ونحتج أيضا في عصمتها صلوات الله عليها بالاخبار الدالة على وجوب التمسك بأهل البيت عليهم السلام، وعدم جواز التخلف عنهم، وما يقرب من هذا المعنى، ولا ريب في أن ذلك لا يكون ثابتا لاحد إلا إذا كان معصوما، إذ لو كان ممن يصدر عنه الذنوب لما جاز اتباعه عند ارتكابها، بل يجب ردعه ومنعه وإيذاؤه، وإقامة الحد عليه، وإنكاره بالقلب واللسان، وكل ذلك ينافي ما حث عليه الرسول صلى الله عليه وآله وأوصى به الأمة في شأنهم، وسيأتي من الاخبار في ذلك ما يتجاوز حد التواتر، ولنذكر فيها قليلا مما أورده المخالفون في صحاحهم:

6 - روى في جامع الأصول عن الترمذي مما رواه في صحيحه عن جابر ابن عبد الله الأنصاري قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة - وهو على ناقته القصوا - يخطب فسمعته يقول: إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي.

7 - وروى - أيضا -، عن الترمذي، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا، أحدهما أعظم من الآخر، وهو كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض،

وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما!.

8 - وروى في المشكاة عن أبي ذر أنه قال - وهو آخذ بباب الكعبة -:

سمعت النبي صلى الله عليه [وآله] يقول: ألا ان مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك.

9 - وروى في جامع الأصول والمشكاة من صحيح الترمذي، عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم.

10 - وروى البخاري ومسلم في صحيحهما، وأحمد في مسنده عن ابن عباس قال: لما نزل: [قل لا أسئلكم عليه اجرا إلا المودة في القربى] قالوا: يا رسول الله! من قرابتك الذين وجب علينا مودتهم؟، قال: علي وفاطمة وابناهما....

وسيأتي من الاخبار في ذلك ما يشبعك ويغنيك، وفيما ذكرنا كفاية للمنصف إن لم يكن يكفيك.

الثانية:

في بيان ما يدل على كونها صلوات الله عليها محقة في دعوى فدك، مع قطع النظر عن عصمتها، فنقول:

لا ريب على من له أدنى تتبع في الآثار، وتنزل قليلا عن درجة التعصب والانكار في أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يرى فدكا حقا لفاطمة عليها السلام، وقد اعترف بذلك جل أهل الخلاف، ورووا أنه عليه السلام شهد لها، ولذلك تراهم يجيبون تارة بعدم قبول شهادة الزوج، وتارة بأن أبا بكر لم يمض شهادة علي عليه السلام وشهادة أم أيمن لقصورها عن نصاب الشهادة، وقد ثبت بالاخبار المتظافرة عند الفريقين أن عليا عليه السلام لا يفارق الحق والحق لا يفارقه، بل يدور معه حيث ما دار، وقد اعترف ابن أبي الحديد بصحة هذا الخبر.

11 - وروى ابن بطريق عن السمعاني في كتاب فضائل الصحابة بإسناده عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] يقول: علي مع الحق والحق مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.

12 - وروى ابن شيرويه الديلمي في الفردوس، بالاسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]: رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار.

وقد روى علي بن عيسى في كشف الغمة، وابن شهرآشوب في المناقب، وابن بطريق في المستدرك والعمدة، والعلامة رحمه الله في كشف الحق.. وغيرهم في غيرها أخبارا كثيرة من كتب المخالفين في ذلك، وسنوردها بأسانيدها في المجلد التاسع.

فهل يشك عاقل في حقية دعوى كان المدعي فيها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين باتفاق المخالفين والمؤالفين، والشاهد لها أمير المؤمنين الذي قال النبي صلى الله عليه وآله فيه: ان الحق لا يفارقه، وانه الفاروق بين الحق والباطل، وان من اتبعه اتبع ومن تركه ترك الحق و.. غير ذلك مما سيأتي

في أبواب فضائله ومناقبه عليه السلام.

وأما فضائل فاطمة عليها السلام فتأتي الأخبار المتواترة من الجانبين في المجلد التاسع والمجلد العاشر.

13 - وروى في جامع الأصول من صحيح الترمذي، عن أنس قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون.

14 - وروى البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود في صحاحهم على ما رواه في جامع الأصول - في حديث طويل - قال في آخره: قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة عليها السلام: يا فاطمة! أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء الأمة (11)؟!.

وفي رواية أخرى رواها البخاري ومسلم: أما ترضين أن تكوني

سيدة نساء أهل الجنة؟ وأنك أول أهلي لحوقا بي.

15 - وروى ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة خديجة عليها السلام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير نساء العالمين أربع:

مريم بنت عمران، وابنة مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم.

16 - وعن ابن عباس: إنهن أفضل نساء أهل الجنة.

17 - وعن أنس: إنهن خير نساء العالمين.

18 - وعن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعة خطوط ثم قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (ص)، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.

19 - وروى في ترجمة فاطمة عليها السلام - بالاسناد - عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم: عاد فاطمة رضي الله عنها - وهي مريضة - فقال لها: كيف تجدينك يا بنية؟ قالت: إني لوجعة، وإني ليزيدني أني ما لي طعام آكله، قال: يا بنية! ألا ترضين أنك سيدة نساء العالمين؟ فقالت: يا أبه!

فأين مريم بنت عمران؟ قال: تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك،

أما والله لقد زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة.

20 - وقال البخاري في عنوان باب مناقب قرابة الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلم أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: فاطمة سيدة نساء أهل الجنة.

21 - وروى من طريق أصحابنا الكراجكي في كنز الفوائد، عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن شاذان، عن أبيه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن زياد، عن المفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال جدي رسول الله صلى الله عليه وآله: ملعون ملعون من يظلم بعدي فاطمة ابنتي ويغصبها حقها ويقتلها، ثم قال: يا فاطمة!

أبشري فلك عند الله مقام محمود تشفعين فيه لمحبيك وشيعتك فتشفعين، يا فاطمة! لو أن كل نبي بعثه الله وكل ملك قربة شفعوا في كل مبغض لك غاصب لك ما أخرجه الله من النار أبدا.

الثالثة:

في أن فدكا كانت نحلة لفاطمة عليها السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن أبا بكر ظلمها بمنعها.

قال أصحابنا رضوان الله عليهم: كانت فدك مما أفاء الله على رسوله بعد فتح خيبر، فكانت خاصة له صلى الله عليه وآله إذ لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وقد وهبها لفاطمة صلوات الله عليها وتصرف فيها وكلاؤها ونوابها، فلما

غصب أبو بكر الخلافة انتزعها، فجاءته فاطمة عليها السلام مستعدية فطالبها بالبينة فجاءت بعلي والحسنين صلوات الله عليهم وأم أيمن المشهود لها بالجنة، فرد شهادة أهل البيت عليهم السلام بجر النفع، وشهادة أم أيمن بقصورها عن نصاب الشهادة، ثم ادعتها على وجه الميراث فرد عليها بما مر وسيأتي، فغضبت عليه وعلى عمر فهجرتهما، وأوصت بدفنها ليلا لئلا يصليا عليها، فأسخطا بذلك ربهما ورسوله واستحقا أليم النكال وشديد الوبال، ثم لما انتهت الامارة إلى عمر ابن عبد العزيز ردها على بني فاطمة عليها السلام، ثم انتزعها منهم يزيد بن عبد الملك، ثم دفعها السفاح إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، ثم أخذها المنصور، ثم أعادها المهدي، ثم قبضها الهادي، ثم ردها المأمون لما جاءه رسول بني فاطمة فنصب وكيلا من قبلهم وجلس محاكما فردها عليهم، وفي ذلك يقول دعبل الخزاعي:

أصبح وجه الزمان قد ضحكا * برد مأمون هاشما فدكا

ولنبين خطأ أبي بكر في تلك القضية مع وضوحها بوجوه:

أما أن فدكا كان لرسول الله صلى الله عليه وآله فمما لا نزاع فيه، وقد أوردنا من رواياتنا وأخبارنا لمخالفين ما فيه كفاية، ونزيده وضوحا بما رواه في:

22 - جامع الأصول مما أخرجه من صحيح أبي داود عن عمر قال:

ان أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجد المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه [وآله] خاصة قرى عرينة وفدك وكذا وكذا.. ينفق على أهله منها نفقة سنتهم، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله، وتلا: [ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول... الآية].

23 - وروى أيضا عن مالك بن أوس قال: كان فيما احتج عمر أن قال:

كانت لرسول الله صلى الله عليه [وآله] ثلاث صفايا: بنو النضير وخيبر وفدك..

إلى آخر الخبر.

24 - وروى ابن أبي الحديد في شرح كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى عثمان بن حنيف، عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثني أبو إسحاق عن الزهري قال: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يحقن دماءهم ويسيرهم، ففعل ذلك، فسمع أهل فدك

فنزلوا على مثل ذلك، فكانت للنبي صلى الله عليه وآله خاصة، لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.

قال: وقال أبو بكر: وروى محمد بن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يصالحونه على النصف من فدك، فقدمت عليه رسلهم بخيبر أو بالطريق أو بعدما قدم المدينة فقبل ذلك منهم، فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.

قال: وقد روي أنه صالحهم عليها كلها، والله أعلم أي الامرين كان، انتهى.

وسيأتي اعتراف عمر بذلك في تنازع علي عليه السلام والعباس.

وأما أنه وهبها لفاطمة عليها السلام، فلانه لا خلاف في أنها صلوات الله عليها ادعت النحلة مع عصمتها الثابتة بالأدلة المتقدمة، وشهد له من ثبتت عصمته بالأدلة الماضية والآتية، والمعصوم لا يدعي إلا الحق، ولا يشهد إلا بالحق، ويدور الحق معه حيثما دار.

وأما أنها كانت في يدها صلوات الله عليها فلأنها ادعتها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله على وجه الاستحقاق، وشهد المعصوم بذلك لها، فإن كانت الهبة قبل الموت تبطل بموت الواهب - كما هو المشهور - ثبت القبض، وإلا فلا حاجة إليه في إثبات المدعى، وقد مر من الأخبار الدالة على نحلتها، وأنها كانت في يدها عليها السلام ما يزيد على كفاية المنصف، بل يسد طريق إنكار

المتعسف.

ويدل على أنها كانت في يدها صلوات الله عليها ما ذكر أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه إلى عثمان بن حنيف حيث قال: بلى كانت في أيدينا فدك، من كل ما أظلته السماء ، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين، ونعم الحكم الله..

وأما أن أبا بكر وعمر أغضبا فاطمة عليها السلام، فقد اتضح بالاخبار المتقدمة.

ثم اعلم أنا لم نجد أحدا من المخالفين أنكر كون فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله في حياته، ولا أحدا من الأصحاب طعن على أبي بكر بإنكاره ذلك، إلا ما تفطن به بعض الأفاضل من الأشارف، مع أنه يظهر من كثير من أخبار المؤالف والمخالف ذلك، وقد تقدم ما رواه ابن أبي الحديد في ذلك عن أحمد ابن عبد العزيز الجوهري وغيرها من الاخبار، ولا يخفى أن ذلك يتضمن إنكار الآية وإجماع المسلمين، إذ القائل بأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصرف شيئا من غلة فدك وغيرها من الصفايا في بعض مصالح المسلمين لم يقل بأنها لم تكن لرسول الله صلى الله عليه وآله، بل قال: بأنه فعل ذلك على وجه التفضل وابتغاء مرضاة الله تعالى، وظاهر الحال أنه أنكر ذلك دفعا لصحة النحلة، فكيف كان يسمع الشهود على النحلة مع ادعائه أنها كانت من أموال المسلمين.

واعتذر المخالفون من قبل أبي بكر بوجوه سخيفة...

الأول: منع عصمتها صلوات الله عليها، وقد تقدمت الدلائل المثبتة لها.

الثاني: أنه لو سلم عصمتها فليس للحاكم أن يحكم بمجرد دعواها وإن

تيقن صدقها.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.