پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

12 - باب العلة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين عليه السلام فدك لما ولي الناس

ج ۲۹، ص ۳۹۴–۴۱۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

12 - باب العلة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين عليه السلام فدك لما ولي الناس 1 - علل الشرائع: الدقاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن علي ابن سالم، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له:

لم لم يأخذ أمير المؤمنين عليه السلام فدك لما ولي الناس؟ ولأي علة تركها؟ فقال له:

لان الظالم والمظلومة قد كانا قدما على الله عز وجل وأثاب الله المظلومة وعاقب الظالم، فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب الله عليه غاصبه وأثاب عليه

المغصوبة.

2 - علل الشرائع: ابن هاشم، عن أبيه، عن جده، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم الكرخي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت له: لأي علة ترك أمير المؤمنين عليه السلام فدكا لما ولي الناس؟ فقال: للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله لما فتح مكة وقد باع عقيل بن أبي طالب داره، فقيل له: يا رسول الله! ألا ترجع إلى دارك؟ فقال (ص): وهل ترك عقيل لنا دارا، إنا أهل بيت لا نسترجع شيئا يؤخذ منا ظلما، فلذلك لم يسترجع فدكا لما ولي.

3 - عيون أخبار الرضا (ع)، علل الشرائع: القطان، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن أمير المؤمنين عليه السلام لم لم يسترجع فدك لما ولي الناس؟ فقال: لأنا أهل بيت ولينا الله عز وجل لا يأخذ لنا حقوقنا ممن يظلمنا إلا هو، ونحن أولياء المؤمنين، إنما نحكم لهم ونأخذ حقوقهم ممن يظلمهم، ولا نأخذ لأنفسنا.

تبيين: إعلم أن بعض المخالفين تمسكوا في تصحيح ما زعموه في أمر الميراث وقصة فدك بإمضاء أمير المؤمنين عليه السلام ما فعلته الخلفاء لما صار الامر إليه، وقد استدل قاضي القضاة بذلك على أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن شاهدا في قضية فدك، إذ لو كان هو الشاهد فيها لكان الأقرب أن يحكم بعلمه، وكذلك في ترك الحجر لنساء النبي صلى الله عليه وآله، ثم قال: وليس لهم بعد ذلك إلا التعلق بالتقية التي هي مفزعهم عند لزوم الكلام، ولو علموا ما عليهم في ذلك لاشتد هربهم منه، لأنه إن جاز للأئمة التقية - وحالهم في العصمة ما يقولون - ليجوزن ذلك من رسول الله، وتجويز ذلك فيه يوجب أن لا يوثق بنصه على أمير المؤمنين عليه السلام لتجويز التقية، ومتى قالوا يعلم بالمعجز إمامته فقد أبطلوا كون النص طريقا للإمامة، والكلام مع ذلك لازم لهم، بأن يقال: جوزوا مع ظهور المعجز أن يدعي الإمامة تقية، وأن يفعل سائر ما يفعله تقية (6)؟ وكيف يوثق مع ذلك بما ينقل عن الرسول وعن الأئمة؟! وهلا جاز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام نبيا بعد الرسول وترك ادعاء ذلك تقية وخوفا؟! فإن الشبهة في ذلك أوكد من النص، لان التعصب للنبي في النبوة أعظم من التعصب لأبي بكر وغيره في الإمامة! فإن عولوا في ذلك على علم الاضطرار فعندهم أن الضرورة في

النص على الإمامة قائمة، وإن فزعوا في ذلك إلى الاجماع، فمن قولهم أنه لا يوثق به ويلزمهم في الاجماع أن يجوز أن يقع على طريق التقية لأنه لا يكون أوكد من قول الرسول وقول الإمام عندهم، وبعد، فقد ذكر الخلاف في ذلك كما ذكر الخلاف في أنه إله، فلا يصح على شروطهم أن يتعلقوا بذلك.

وأجاب عنه السيد الاجل رضي الله عنه في الشافي بما هذا لفظه: أما قوله: إن جازت التقية للأئمة - وحالهم في العصمة ما يدعون - جازت على الرسول صلى الله عليه وآله، فالفرق بين الامرين واضح، لان الرسول صلى الله عليه وآله مبتدئ بالشرع، ومفتتح لتعريف الاحكام التي لا تعرف إلا من جهته وبيانه، فلو جازت عليه التقية لأخل ذلك بإزاحة علة المكلفين، ولفقدوا الطريق إلى معرفة مصالحهم الشرعية، وقد بينا أنها لا تعرف إلا من جهته، والامام بخلاف هذا الحكم، لأنه مفيد للشرائع التي قد علمت من غير جهته، وليس يقف العلم بها والحق فيها على قوله دون غيره، فمن اتقى في بعض الأحكام بسبب يوجب ذلك لم يخل تقيته بمعرفة الحق وإمكان الوصول إليه، والامام والرسول - وان استويا في العصمة - فليس يجب أن يستويا في جواز التقية للفرق الذي ذكرناه، لا أن الامام لم يجز التقية عليه لأجل العصمة، وليس للعصمة تأثير في جواز التقية ولا نفي جوازها.

فإن قيل: أليس من قولكم ان الامام حجة في الشرائع وقد يجوز عندكم أن ينتهي الامر إلى أن يكون الحق لا يعرف إلا من جهته ويقوله، بأن يعرض الناقلون عن النقل فلا يرد إلا من جهة من يقوم الحجة بقوله وهذا يوجب مساواة الامام للرسول فيما فرقتم بينهما فيه؟.

قلنا: إذا كانت الحال في الامام ما صورتموه وتعينت الحجة في قوله، فإن التقية لا تجوز عليه كما لا تجوز على النبي صلى الله عليه وآله.

فإن قيل: فلو قدرنا أن النبي صلى الله عليه وآله قد بين جميع الشرائع والاحكام التي يلزمه بيانها حتى لم يبق شبهة في ذلك ولا ريب، لكان يجوز عليه - والحال هذه - التقية في بعض الأحكام.

قلنا: ليس يمنع عند قوة أسباب الخوف الموجبة للتقية أن يتقي إذا لم يكن التقية مخلة بالوصول إلى الحق ولا منفرة عنه.

ثم يقال له: أليست التقية عندك جائزة على جميع المؤمنين عند حصول أسبابها وعلى الامام والأمير؟!.

فإن قال: هي جائزة على المؤمنين وليست جائزة على الامام والأمير.

قلنا: وأي فرق بين ذلك؟ والامام والأمير عندك ليسا بحجة في شئ كما أن النبي (ص) حجة فيمنع من ذلك لمكان الحجة بقولهما، فإن اعترف بجوازها عليهما قيل له فألا جاز على النبي (ص) قياسا على الأمير والامام.

فإن قال: لان قول النبي (ص) حجة، وليس الامام والأمير كذلك.

قيل له: وأي تأثير في الحجة في ذلك إذا لم تكن التقية مانعة من إصابة الحق، ولا بمخلة بالطريق إليه. وخبرنا عن الجماعة التي نقلها في باب الاخبار حجة لو ظفر بهم جبار ظالم متفرقين أو مجتمعين فسألهم عن مذاهبهم - وهم يعلمون أو يغلب في ظنونهم أنهم متى ذكروها على وجهها قتلهم وأباح حريمهم - أليست التقية جائزة على هؤلاء مع الحجة في أقوالهم؟ فإن منع من جواز التقية على ما ذكرناه دفع ما هو معلوم.

وقيل له: وأي فرق بين هذه الجماعة وبين من نقص عن عدتها في جواز التقية؟ فلا يجد فرقا.

فإن قال: إنما جوزنا التقية على من ذكرتم لظهور الاكراه والأسباب الملجئة إلى التقية ومنعناكم من مثل ذلك، لأنكم تدعون تقية لم تظهر أسبابها ولا الأمور الحاملة عليها من إكراه وغيره.

قيل له: هذا اعتراف بما أردناه من جواز التقية عند وجود أسبابها، وصار الكلام الآن في تفصيل هذه الجملة، ولسنا نذهب في موضع من المواضع إلى أن الامام اتقى بغير سبب موجب لتقية، وحامل على فعله، والكلام في التفصيل غير الكلام في الجملة، وليس كل الأسباب التي توجب التقية تظهر لكل أحد، ويعملها جميع الخلق، بل ربما اختلفت الحال فيها، وعلى كل حال فلا بد أن تكون معلومة لمن وجب تقيته، ومعلومة أو مجوزة لغيره، ولهذا قد نجد بعض الملوك يسأل رعيته عن أمر فيصدقه بعضهم في ذلك ولا يصدقه آخرون، ويستعملون ضربا من التورية، وليس ذلك إلا لان من صدق لم يخف على نفسه ومن جرى مجرى نفسه، ومن ورى فلانه خاف على نفسه وغلب في ظنه وقوع الضرر به متى صدق فيما سئل عنه، وليس يجب أن يستوي حال الجميع، وأن يظهر لكل أحد

السبب في تقية من اتقى ممن ذكرناه بعينه حتى يقع الإشارة إليه على سبيل التفصيل، وحتى يجري مجرى العرض على السيف في الملا من الناس، بل ربما كان ظاهرا كذلك، وربما كان خافيا.

فإن قيل: مع تجويز التقية على الامام كيف السبيل إلى العلم بمذاهبه واعتقاده؟ وكيف يتخلص لنا ما يفتي به على سبيل التقية من غيره؟.

قلنا: أول ما نقوله في ذلك أن الامام لا يجوز أن يتقي فيما لا يعلم إلا من جهته، والطريق إليه إلا من ناحيته، وقوله وإنما يجوز التقية عليه فيما قد بأن بالحجج والبينات ونصبت عليه الدلالات حتى لا يكون تقيته فيه مزيلة لطريق إصابة الحق وموقعة للشبهة، ثم لا تبقى في شئ إلا ويدل على خروجه منه خرج التقية، إما لما يصاحب كلامه أو يتقدمه أو يتأخر عنه، ومن اعتبر جميع ما روي عن أئمتنا عليهم السلام على سبيل التقية وجده لا يعرى مما ذكرناه.

ثم إن التقية إنما تكون من العدو دون الولي، ومن المتهم دون الموثوق به، فيما يصدر منهم إلى أوليائهم وشيعتهم ونصحائهم في غير مجالس الخوف يرتفع الشك في أنه على غير جهة التقية، وما يفتون به العدو أو يمتحنون به في مجالس الجور يجوز أن يكون على سبيل التقية كما يجوز أن يكون على غيرها، ثم يقلب هذا السؤال على المخالف فيقال له: إذا أجزت على جميع الناس التقية عند الخوف الشديد وما يجري مجراه، فمن أين تعرف مذاهبهم واعتقادهم؟! وكيف تفصل

بين ما يفتي به المفتي منهم على سبيل التقية وبين ما يفتي به وهو مذهب له يعتقد بصحته؟! فلا بد من الرجوع إلى ما ذكرناه.

فإن قال: اعرف مذهب غيري وإن أجزت عليه التقية بأن يضطرني إلى اعتقاده، وعند التقية لا يكون ذلك.

قلنا: وما المانع لنا من أن نقول هذا بعينه فيما سألت عند، فأما ما تلا كلامه الذي حكيناه عنه من الكلام في التقية، وقوله: إن ذلك يوجب أن لا يوثق بنصه على أمير المؤمنين عليه السلام، فإنما بناه على أن النبي صلى الله عليه وآله يجوز عليه التقية في كل حال، وقد بينا ما في ذلك واستقصيناه.

وقوله: ألا جاز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام نبيا، وعدل عن ادعاء ذلك تقية.. فيبطله ما ذكرنا من أن التقية لا يجوز على النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام فيما لا يعلم إلا من جهته، ويبطله زائدا على ذلك ما نعلمه نحن وكل عاقل ضرورة من نفي النبوة بعده على كل حال من دين الرسول صلى الله عليه وآله.

وقوله: إن عولوا على علم الاضطرار فعندهم أن الضرورة في النص على الامام قائمة، فمعاذ الله أن ندعي الضرورة في العلم بالنص على من غاب عنه فلم يسمعه، والذي نذهب إليه ان كل من لم يشهده لا يعلمه إلا باستدلال وليس كذلك نفي النبوة، لأنه معلوم من دينه صلى الله عليه وآله ضرورة، ولو لم يشهد بالفرق بين الامرين إلا اختلاف العقلاء في النص مع تصديقهم بالرسول

صلى الله عليه وآله وأنهم لم يختلفوا في نفي النبوة لكفى، ولا اعتبار بقوله في ذلك خلاف ما قد ذكر كما ذكر في أنه عليه السلام إله، لأنه هذا الخلاف لا يعتد به، والمخالف فيه خارج عن الاسلام فلا يعتبر في إجماع المسلمين بقوله، كما لا يعتبر في إجماع المسلمين بقول من خالف في أنه إله، على أن من خالف وادعى نبوته لا يكون مصدقا للرسول صلى الله عليه وآله ولا عالما بنبوته، ولا يدعي على الاضطرار في أنه لا نبي بعده وإنما يعلم ضرورة من دينه صلى الله عليه وآله نفي النبوة بعده من أقر بنبوته.

فأما قوله: إن الاجماع لا يوثق به عندهم، فمعاذ الله أن نطعن في الاجماع وكونه حجة، فإن أراد أن الاجماع الذي لا يكون فيه قول إمام ليس بحجة فذلك ليس بإجماع عندنا وعندهم، وما ليس بإجماع فلا حجة فيه، وقد تقدم عند كلامنا في الاجماع من هذا الكتاب ما فيه كفاية.

وقوله: يجوز أن يقع الاجماع على طريق التقية لا يكون أوكد من قول الرسول صلى الله عليه وآله أو قول الإمام عليه السلام عندهم، باطل، لأنا قد بينا أن التقية لا تجوز على الرسول صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام على كل حال، وإنما تجوز على حال دون أخرى، على أن القول بأن الأمة بأسرها مجتمع

على طريق التقية طريف، لان التقية سببها الخوف من الضرر العظيم، وإنما يتقى بعض الأمة من بعض لغلبته عليه وقهره له، وجميع الأمة لا تقية عليها من أحد.

فإن قيل: يتقي من مخالفيها في الشرائع.

قلنا: الامر بالضد من ذلك، لان من خالطهم وصاحبهم من مخالفيهم في الحال أقل عددا وأضعف بطشا منهم، فالتقية لمخالفيهم منهم أولى، وهذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى الإطالة والاستقصاء. انتهى كلامه رفع الله مقامه.

ولنذكر بعض ما يدل على جواز التقية لكثرة تشنيع المخالفين في ذلك علينا مع كثرة الدلائل القاطعة عليها:

فمنها: قوله تعالى: [من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان].

ومنها: قوله تعالى: [لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقية].

ومنها: ما رواه الفخر الرازي وغيره من المفسرين عن الحسن قال:

أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتشهد أني رسول الله؟

قال: نعم، وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة، ومحمد صلى الله عليه وآله رسول قريش، فتركه، ودعا الآخر فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم نعم نعم! قال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم.. ثلاثا. فقدمه وقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أما هذا المقتول فمضى على صدقه ويقينه فهنيئا له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه.

ومنها: ما رواه الخاصة والعامة أن أناسا من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الاسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه مع أنه كان بقلبه مصرا على الايمان منهم عمار وأبواه: ياسر وسمية، وصهيب وبلال وخباب وسالم عذبوا ، وأما سمية فقد ربطت بين بعيرين ووجئت في قبلها بحربة، وقالوا: إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت، وقتل ياسر، وهما أول قتيلين في الاسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها، فقيل يا رسول الله! إن عمارا كفر. فقال: كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الايمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح عينيه يقول: ما لك! إن عادوا لك فعد لهم بما قلت.

ومنهم: خبر مولى الحضرمي أكرهه سيده فكفر ثم أسلم مولاه فأسلم وحسن إسلامهما وهاجرا.

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة عمار: إن نزول الآية فيهم مما أجمع أهل التفسير عليه.

ويدل عليها أيضا ما يدل على نفي الحرج نحو قوله تعالى: [ما جعل عليكم في الدين من حرج] ولزوم الحرج في مواضع التقية - سيما إذا انتهت الحال إلى القتل وهتك العرض - واضح.

ويدل عليها عموم قوله تعالى: [فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه].

وقد فسر مجاهد الاضطرار في آية الانعام باضطرار الاكراه خاصة.

ويدل عليه قوله تعالى: [ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة] على بعض

التفاسير. ولا خلاف في شرعيتها مع الخوف على النفس من الكفار الغالبين.

وقال الشافعي - من العامة - بأن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحال بين المسلمين والمشركين حلت التقية، ذكر ذلك الفخر الرازي في تفسير الآية الثانية، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال، يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، لقوله صلى الله عليه وسلم: حرمة مال المسلم كحرمة دمه، ولقوله صلى الله عليه وسلم: من قتل دون ماله فهو شهيد، ولان الحاجة إلى المال شديدة، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء وجاز الاقتصار على التيمم دفعا لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز هاهنا (3)؟.

وقال في تفسير الآية الأولى: اعلم أن للاكراه مراتب:

أحدها: أن يجب فعل المكره عليه، مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة، فإذا أكرهه عليه بالسيف فهاهنا يجب الاكل، وذلك لان صون الروح عن الفوات واجب ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بهذا الاكل، وليس في هذا الاكل ضرر على حيوان ولا إهانة بحق الله، فوجب أن يجب، لقوله تعالى: [ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة].

المرتبة الثانية: أن يكون ذلك الفعل مباحا ولا يصير واجبا، ومثاله ما إذا

أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر مباح له ذلك ولكنه لا يجب.

قال: وأجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر، ويدل عليه وجوه:

أحدها: إنا روينا أن بلالا صبر على ذلك العذاب وكان يقول: أحد..

أحد، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم بئسما صنعت، بل عظموه عليه، فدل ذلك على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر.

وثانيها: ما روي من قصة المسيلمة، التي سبق ذكرها، قال:

المرتبة الثالثة: أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم، وهذا مثل ما أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه، فهاهنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية انتهى.

ولا خلاف ظاهرا في أنه متى أمكن التخلص من الكذب في صورة التقية بالتورية لم يجز ارتكاب الكذب، واختلفوا فيما لو ضيق المكره الامر عليه وشرح له كل أقسام التعريضات وطلب منه أن يصرح بأنه ما أراد شيئا منها ولا أراد إلا ذلك المعين، ولم يتفطن في تلك الحال بتورية يتخلص منه فالخاصة وأكثر

العامة ذهبوا إلى جواز الكذب حينئذ.

وحكى الفخر الرازي عن القاضي أنه قال: يجب حينئذ تعريض النفس للقتل، لان الكذب إنما يقبح لكونه كذبا، فوجب أن يقبح على كل حال، ولو جاز أن يخرج من القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لرعاية بعض المصالح، وحينئذ لا يبقى وثوق بعهد الله ولا بوعيده، لاحتمال أنه فعل ذلك الكذب لرعاية المصالح التي لا يعرفها إلا الله تعالى.

ويرد عليه: أن الكذب وإن كان قبيحا إلا أن جواز ارتكابه في محل النزاع لأنه أقل القبيحين، والتعريض للقتل - لو سلمنا عدم قبحه لذاته جاز أن يغلب المفسدة العرضية فيه على الذاتية في الكذب، ويلزمه تجويز تعريض نبي من الأنبياء للقتل للتحرز عن الكذب في درهم، وبطلانه لا يخفى على أحد.

وأما ما تمسك به من طرق الكذب إلى وعده الله سبحانه ووعيده، فيتوجه عليه:

أولا: أن العقل يجزم ببطلان الاحتمال المذكور، لان سبحانه هو الذي بيده أزمة الأمور، وهو القادر الذي لا يضاده في ملكه أحد، والعالم بالعواقب، فلا يجوز عليه نظم الأمور على وجه لا يمكن فيه رعاية المصلحة إلا بالكذب.

وثانيا: إن ذلك باطل بالضرورة من الدين وإجماع المليين - لا من حيث عدم جواز الكذب - لرعاية المصالح، وهو واضح.

ثم إن الشهيد رحمه الله عرف التقية في قواعده بأنها: مجاملة الناس بما يعرفون وترك ما ينكرون حذرا من غوائلهم، قال: وأشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام وموردها الطاعة والمعصية غالبا، فمجاملة الظالم فيما يعتقده ظلما والفاسق المتظاهر بفسقه اتقاء شرهما من باب المداهنة الجائزة ولا تكاد تسمى تقية.

وقسمها بانقسام الأحكام الخمسة، وعد من الحرام التقية في قتل الغير، وقال: التقية تبيح كل شئ حتى إظهار كلمة الكفر ولو تركها حينئذ أثم، أما في هذا المقام ومقام التبري من أهل البيت عليهم السلام فإنه لا يأثم بتركها، بل صبره إما مباح أو مستحب، وخصوصا إذا كان ممن يقتدى به، انتهى.

وحكى الشيخ الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان عن الشيخ المفيد رضي

الله عنه أنه قال: التقية قد تجب أحيانا وتكون فرضا، وتجوز أحيانا من غير وجوب ويكون في وقت أفضل من تركها، وقد يكون تركها أفضل وإن كان فاعلها معذورا ومعفوا عنه، متفضلا عليه بترك اللوم عليها.

وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله: ظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس، وقد روى رخصة في جواز الافصاح بالحق عنده.

وأنت إذا وقفت على ما حكيناه ظهر لك أن القول بالتقية ليس من خصائص الخاصة حتى يعيروا به - كما يوهمه كلام قاضي القضاة والفخر الرازي وغيرهما - وأكثر أحكامها مما قال به جل العامة أو طائفة منهم.

ثم إن ما جعله قاضي القضاة من مفاسد القول بجواز التقية على الامام - أعني لزوم جوازها على الرسول صلى الله عليه وآله - مما رووه في أخبارهم واتفقوا على صحته.

روى البخاري في صحيحه في باب فضل مكة وبنيانها بأربعة أسانيد، ومسلم في صحيحه، ومالك في الموطأ، والترمذي والنسائي في صحيحهما، وذكرهما في جامع الأصول في فضل الأمكنة من حرف الفاء بألفاظ مختلفة.

منها: وهو لفظ البخاري ومسلم والموطأ والنسائي - أن عبد الله بن محمد ابن أبي بكر أخبر عن عبد الله بن عمر عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لها: ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله! ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت. قال عبد الله: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ما أرى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم.

ومن لفظ البخاري ومسلم عن الأسود بن يزيد عن عائشة قالت: سألت النبي صلى الله عليه [وآله] عن الجدار، أمن البيت هو؟ قال: نعم. قلت:

فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة. قلت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت وأن ألصق بابه بالأرض.

ومن لفظ البخاري، عن جرير، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة - أن النبي صلى الله عليه [وآله] قال لها: يا عائشة! لولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما اخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابا شرقيا وبابا غريبا، فبلغت به أساس إبراهيم فذلك الذي

حمل ابن الزبير على هدمه. قال يزيد: وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم عليه السلام حجارة كأسنمة الإبل، قال جرير: فقلت له أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان فقال: هاهنا. فخررت من الحجر ستة أذرع أو نحوها.. وباقي ألفاظ الروايات مذكورة في جامع الأصول.

ولا ريب في أن الظاهر أن تعليق الامضاء بحدثان عهد القوم وقربه من الكفر والجاهلية يستلزم خوفه صلى الله عليه وآله في ارتدادهم وخروجهم عن الاسلام أن يعود بذلك ضرر على نفسه صلى الله عليه وآله أو إلى غيره، ويتطرق بذلك الوهن في الاسلام، وذلك هو الذي جعله قاضي القضاة مفزعا للشيعة عند لزوم الكلام.

ثم إن هذه الروايات تدل دلالة ظاهرة على أن إيمان القوم لم يكن ثابتا مستقرا، وإلا لما كان الرسول صلى الله عليه وآله خائفا وجلا من تغيير ما أسسه أئمة القوم في الجاهلية والكفر، وإنهم ممن قال الله تعالى: [ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين]. بل الظاهر من الكلام لمن أنصف وراجع الوجدان الصحيح أن القوم لم يكونوا مذعنين لرسالته صلى الله عليه وآله إلا بألسنتهم، وإلا لما خاف ارتدادهم لأمر لا يعود بإبقائه إليهم نفع في آخرتهم ودنياهم، وكانوا يحبون بقاءه لكونه من قواعد الجاهلية وأساس الكفر، ولا ريب في أن توجيه الكلام إلى عائشة والتعبير عن القوم بلفظ يفيد نوعا من الاختصاص

بها يقتضي كون الحكم أخص وأقرب إلى من كان أقرب إليها وأخص بها، لكونه متبعا في القوم أو أشد عصبية منهم.. أو نحو ذلك، وليس في القوم أقرب إلى عائشة من أبيها.

فإن قيل: تركه صلى الله عليه وآله لهدم ما أسسه القوم لم يكن لخوفه على نفسه أو غيره حتى يدخل في التقية، بل هو من قبيل رعاية المصالح في تأليف قلوب القوم وميلهم إلى الاسلام، وذلك من قبيل أمره سبحانه بمشاورة القوم والرفق بهم في قوله: [فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر].

قلنا: أولا: هذا بعيد من الظاهر، إذ الخوف من إنكار قلوب عامة القوم - كما يظهر من إضافة ما يفيد مفاد الجمع لحدثان عهدهم بالجاهلية والكفر مع الامن من لحوق الضرر ولو إلى أحد من المسلمين - مما لا معنى له عند الرجوع إلى فطرة سليمة.

وثانيا: انه يجوز أن يكون المانع لأمير المؤمنين عليه السلام من نقض أحكامهم مثل ذلك، ولم يكن أئمة الكفر والجاهلية في صدور قوم عائشة أمكن من أبي بكر وعمر في قلوب القوم الذين كانوا يبايعون أمير المؤمنين (ع) على سيرتهما واقتفاء أثرهما، وإذا لم يكن ذلك من التقية بطل قول قاضي القضاة، وليس لهم بعد ذلك إلا التعلق بالتقية التي هي مفزعهم عند لزوم الكلام.

وثالثا: إذا جاز على الرسول صلى الله عليه وآله ترك الانكار على تغيير ما حرم الله خوفا من هذا النوع من الضعف في الاسلام الذي يؤول إلى خروج قوم منافقين أو متزلزلين في الاسلام عن الاسلام عن الاسلام من غير أن يعود به ضرر إلى المسلمين ولا إلى نفسه صلى الله عليه وآله، فبالأولى أن يجوز لأمير المؤمنين إمضاء الباطل من أحكام القوم للخوف على نفسه أو غيره من المسلمين، لكون ذلك أضر في

الاسلام، وكما لم تمنع العصمة في النبي صلى الله عليه وآله عن تركه إنكار المنكر لم تمنع في أمير المؤمنين عليه السلام، ويتوجه على قول قاضي القضاة: جوزوا مع ظهور المعجز أن يدعي الإمامة تقية.. أنه إن كان المراد تجويز ظهور المعجز بعد ادعاء الإمامة مع كونه غير نبي ولا إمام فبطلانه واضح.

وإن كان المراد تجويز ادعاء الإمامة مع كونه نبيا حتى يكون ما بعده كالإعادة لهذا الكلام فيرد عليه: أنه إن كان ذلك الادعاء على وجه الكذب فامتناع ظهور المعجز على طبقه واضح.

وإن كان على وجه التورية حتى يكون المراد من الإمامة النبوة لكن لم يعرف ذلك أحد من الناس، وكانوا معتقدين لإمامته متدينين بها لا بنبوته فهو أيضا باطل، إذ في ظهور المعجز - مع تلك الدعوى - إغراء للمكلفين بالباطل، وهو قبيح.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.