پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

11 - باب نزول الآيات في أمر فدك وقصصه وجوامع الاحتجاج به وفيه قصة خالد وعزمه على قتل أمير المؤمنين عليه السلام بأمر المنافقين

ج ۲۹، ص ۱۵۹–۲۰۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۷

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

فرجع خالد إلى أبي بكر، واحتال القوم في كسره فلم يتهيأ لهم، فأحضروا جماعة من الحدادين، فقالوا: لا يمكن انتزاعه إلا بعد حله في النار، وفي ذلك هلاكه، ولما علموا بكيفية حاله، قالوا إن عليا عليه السلام هو الذي يخلصه من ذلك كما جعله في جيده، وقد ألان الله له الحديد كما ألانه لداود، فشفع أبو بكر إلى علي عليه السلام، فأخذ العمود وفك بعضه من بعض بإصبعه.

بيان: قال الجوهري: رجل مدجج ومدحج أي: شاك في السلاح، تقول منه تدحج في شكته أي: دخل في سلاحه كأنه تغطي بها.

37 - ارشاد القلوب: عن جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن العباس قالا: كنا جلوسا عند أبي بكر في ولايته وقد أضحى النهار، وإذا بخالد ابن الوليد المخزومي قد وافى في جيش قام غباره وكثر صهيل أهل خيله وإذا بقطب رحى ملوي في عنقه قد فتل فتلا.

فأقبل حتى نزل عن جواده ودخل المسجد، ووقف بين يدي أبي بكر، فرمقه الناس بأعينهم فهالهم منظره.

ثم قال: أعدل يا بن أبي قحافة حيث جعلك الناس في هذا الموضع الذي ليس له أنت بأهل؟! وما ارتفعت إلى هذا المكان إلا كما يرتفع الطافي من السمك على الماء، وإنما يطفو ويعلو حين لا حراك به، ما لك وسياسة الجيوش وتقديم العساكر، وأنت بحيث أنت، من لين الحسب ، ومنقوص النسب، وضعف القوى، وقلة التحصيل، لا تحمي ذمارا، ولا تضرم نارا، فلا جزى الله أخا ثقيف وولد صهاك خيرا.

إني رجعت منكفئا من الطائف إلى جدة في طلب المرتدين، فرأيت علي بن

أبي طالب ومعه عتاة من الدين حماليق، شزرات أعينهم من حسدك بدرت حنقا عليك، وقرحت آماقهم لمكانك.

منهم ابن ياسر، والمقداد، وابن جنادة أخو غفار، وابن العوام، وغلامان أعرف أحدهما بوجهه، وغلام أسمر لعله من ولد عقيل أخيه.

فتبين لي المنكر في وجوههم، والحسد في احمرار أعينهم، وقد توشح علي بدرع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولبس رداءه السحاب، ولقد أسرج له دابته العقاب، وقد نزل علي على عين ماء اسمها روية.

فلما رآني اشمأز وبربر، وأطرق موحشا يقبض على لحيته.

فبادرته بالسلام استكفاء واتقاء ووحشة، فاستغنمت سعة المناخ وسهولة المنزلة، فنزلت ومن معي بحيث نزلوا اتقاء عن مراوغته.

فبدأني ابن ياسر بقبيح لفظه ومحض عداوته، فقرعني هزوا بما تقدمت به إلي بسوء رأيك.

فالتفت إلي الأصلع الرأس، وقد ازدحم الكلام في حلقه كهمهمة الأسد أو كقعقعة الرعد، فقال لي بغضب منه: أو كنت فاعلا يا أبا سليمان؟! فقلت

له: اي والله، لو أقام على رأيه لضربت الذي فيه عيناك.

فأغضبه قولي إذ صدقته، وأخرجه إلي طبعه الذي أعرفه به عند الغضب، فقال: يا بن اللخناء! مثلك من يقدر على مثلي أن يجسر؟! أو يدير اسمي في لهواته التي لا عهد لها بكلمة حكمة؟! ويلك إني لست من قتلاك ولا من قتلى صاحبك، وإني لأعرف بمنيتي منك بنفسك.

ثم ضرب بيده إلى ترقوتي فنكسني عن فرسي، وجعل يسوقني، فدعا إلى رحى للحارث بن كلدة الثقفي، فعمد إلى القطب الغليظ فمد عنقي بكلتا يديه وأداره في عنقي، ينفتل له كالعلك المستخن.

وأصحابي هؤلاء وقوف، ما اغنوا عني سطوته، ولا كفوا عني شرته، فلا جزاهم الله عني خيرا، فإنهم لما نظروا إليه كأنهم نظروا إلى ملك موتهم.

فوالذي رفع السماء بلا أعماد، لقد اجتمع على فك هذا القطب مائة رجل أو يزيدون من أشد العرب فما قدروا على فكه، فدلني عجز الناس عن فتحه أنه سحر منه أو قوة ملك قد ركبت فيه.

ففكه الآن عني إن كنت فاكه، وخذ لي بحقي إن كنت آخذا، وإلا لحقت بدار عزي ومستقر مكرمتي، قد ألبسني ابن أبي طالب من العار ما صرت به ضحكة لأهل الديار.

فالتفت أبو بكر إلى عمر وقال: ما ترى إلى ما يخرج من هذا الرجل؟!

كان ولايتي ثقل على كاهله، وشجا في صدره.

فالتفت إليه عمر فقال: فيه دعابة لا تدعه حتى تورده فلا تصدره، وجهل وحسد قد استحكما في خلده، فجريا منه مجرى الدماء لا يدعانه حتى يهينا منزلته، ويورطاه ورطة الهلكة.

ثم قال أبو بكر لمن بحضرته: ادعوا إلي قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، فليس لفك هذا القطب غيره.

قال: وكان قيس سياف النبي، وكان رجلا طويلا، طوله ثمانية عشر شبرا في عرض خمسة أشبار، وكان أشد الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين عليه السلام.

فحضر قيس فقال له: يا قيس! إنك من شدة البدن بحيث أنت، ففك

هذا القطب من عنق أخيك خالد، فقال قيس: ولم لا يفكه خالد عن عنقه؟!

قال: لا يقدر عليه، قال: فما لا يقدر عيله أبو سليمان - وهو نجم عسكركم، وسيفكم على أعدائكم - كيف أقدر عليه أنا (5)؟.

قال عمر: دعنا من هزئك وهزلك وخذ فيما حضرت، فقال:

أحضرت لمسألة تسألونها طوعا، أو كرها تجبروني عليه؟ فقال له: إن كان طوعا وإلا فكرها، قال قيس: يا بن صهاك! خذل الله من يكرهه مثلك، إن بطنك لعظيمة وإن كرشك لكبيرة، فلو فعلت أنت ذلك ما كان منك [عجب، قال:] فخجل عمر من قيس بن سعد، وجعل ينكث أسنانه بأنامله.

فقال أبو بكر: وما بذلك منه، اقصد لما سألت، فقال قيس: والله لو أقدر على ذلك لما فعلت، فدونكم وحدادي المدينة، فإنهم أقدر على ذلك مني.

فأتوا بجماعة من الحدادين، فقالوا: لا ينفتح حتى نحميه بالنار.

فالتفت أبو بكر إلى قيس مغضبا فقال: والله ما بك من ضعف عن فكه، ولكنك لا تفعل فعلا يعيب عليك فيه إمامك وحبيبك أبو الحسن، وليس هذا بأعجب من أن أباك وأم الخلافة ليبتغي الاسلام عوجا فحصد الله شوكته، وأذهب نخوته، وأعز الاسلام بوليه، وأقام دينه بأهل طاعته، وأنت الآن في حال كيد وشقاق.

قال: فاستشاط قيس بن سعد غضبا وامتلأ غيظا، فقال: يا بن أبي قحافة! ان لك عندي جوابا حميا، بلسان طلق، وقلب جري، ولولا البيعة التي لك في عنقي لسمعته مني، والله لئن بايعتك يدي لم يبايعك قلبي ولا لساني، ولا حجة لي في علي بعد يوم الغدير، ولا كانت بيعتي لك إلا [كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا]، أقول قولي هذا غير هائب منك ولا خائف

من معرتك، ولو سمعت هذا القول منك بداة لما فتح لك مني صلحا.

إن كان أبي رام الخلافة فحقيق من يرومها بعد من ذكرته، لأنه رجل لا يقعقع بالشنان، ولا يغمز جانبه كغمز التينة، ضخم صنديد، وسمك منيف، وعز بازخ أشوس، بخلافك والله أيتها النعجة العرجاء، والديك النافش، لأعز صميم، ولا حسب كريم، وأيم الله لئن عاودتني في أبي لألجمنك بلجام من القول يمج فوك منه دما، دعنا نخوض في عمايتك، ونتردى في غوايتك، على معرفة منا بترك الحق واتباع الباطل.

وأما قولك ان عليا إمامي، ما أنكر إمامته ولا أعدل عن ولايته، وكيف أنقض وقد أعطيت الله عهدا بإمامته وولايته، يسألني عنه؟! فأنا إن ألقى الله بنقض بيعتك أحب إلى أن انقض عهده وعهد رسوله وعهد وصيه وخليله، وما أنت إلا أمير قومك، إن شاؤوا تركوك وإن شاؤوا عزلوك.

فتب إلى الله مما اجترمته، وتنصل إليه مما ارتكبته، وسلم الامر إلى من هو أولى منك بنفسك، فقد ركبت عظيما بولايتك دونه، وجلوسك في موضعه، وتسميتك باسمه، وكأنك بالقليل من دنياك وقد انقشع عنك كما ينقشع السحاب، وتعلم أي الفريقين شر مكانا وأضعف جندا.

وأما تعييرك إياي فإنه مولاي، هو والله مولاي ومولاك ومولى المؤمنين أجمعين، آه.. آه.. أنى لي بثبات قدم، أو تمكن وطئ حتى ألفظك لفظ المنجنيق الحجرة، ولعل ذلك يكون قريبا، ونكتفي بالعيان عن الخبر.

ثم قام ونفض ثوبه ومضى، وندم أبو بكر عما أسرع إليه من القول إلى قيس، وجعل خالد يدور في المدينة والقطب في عنقه أياما.

ثم أتى آت إلى أبي بكر فقال له: قد وافى علي بن أبي طالب الساعة من سفره، وقد عرق جبينه، واحمر وجهه، فأنفذ إليه أبو بكر الأقرع بن سراقة الباهلي والأشوس بن الأشجع الثقفي يسألانه المضي إلى أبي بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله.

فأتياه فقالا: يا أبا الحسن! إن أبا بكر يدعوك لأمر قد أحزنه، وهو يسألك أن تصير إليه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يجبهما، فقالا: يا أبا الحسن! ما ترد علينا فيما جئناك له؟ فقال: بئس والله الأدب أدبكم، أليس يجب على القادم أن لا يصير إلى الناس في أجلبتهم إلا بعد دخوله في منزله، فإن لكم حاجة فاطلعوني عليها في منزلي حتى أقضيها إن كانت ممكنة إن شاء الله تعالى.

فصار إلى أبي بكر فأعلماه بذلك، فقال أبو بكر: قوموا بنا إليه، ومضى الجمع بأسرهم إلى منزله، فوجدوا الحسين عليه السلام على الباب يقلب سيفا ليبتاعه، قال له أبو بكر: يا أبا عبد الله! إن رأيت أن تستأذن لنا على أبيك، فقال: نعم.

ثم استأذن للجماعة فدخلوا ومعهم خالد بن الوليد، فبدأ به الجمع بالسلام، فرد عليهم السلام مثل ذلك، فلما نظر إلى خالد قال: نعمت

صباحا يا أبا سليمان! نعم القلادة قلادتك.

فقال: والله يا علي لا نجوت مني إن ساعدني الاجل.

فقال له علي عليه السلام: أف لك يا بن دميمة، إنك - والذي فلق الحبة وبرأ النسمة - عندي لاهون، وما روحك في يدي لو أشاء إلا كذبابة وقعت على إدام حار فطفقت منه، فاغن عن نفسك غنائها، ودعنا بحالنا حكماء، وإلا لألحقنك بمن أنت أحق بالقتل منه ، ودع عنك يا أبا سليمان ما مضى، وخذ فيما بقي، والله لا تجرعت من الجرار المختمة إلا علقمها، والله لقد رأيت منيتي ومنيتك وروحي وروحك، فروحي في الجنة وروحك في النار.

قال: وحجز الجميع بينهما وسألوه قطع الكلام.

فقال أبو بكر لعلي عليه السلام: إنا ما جئناك لما تناقض منه أبا سليمان، وإنما حضرنا لغيره، وأنت لم تزل يا أبا الحسن مقيما على خلافي

والاجتراء على أصحابي، وقد تركناك فاتركنا، ولا تردنا فيرد عليك منا ما يوحشك ويزيدك تنويما إلى تنويمك .

فقال علي عليه السلام: لقد أوحشني الله منك ومن جمعك، وآنس بي كل مستوحش، واما ابن الوليد الخاسر، فإني أقص عليك نبأه، انه لما رأى تكاثف جنوده وكثرة جمعه زها في نفسه، فأراد الوضع مني في موضع رفع ومحل ذي جمع، ليصول بذلك عند أهل الجمع، فوضعت عنه عندما خطر بباله، وهم بي وهو عارف بي حق معرفته، وما كان الله ليرضى بفعله.

فقال له أبو بكر: فنضيف هذا إلى تقاعدك عن نصرة الاسلام، وقلة رغبتك في الجهاد، فبهذا أمرك الله ورسوله، أم عن نفسك تفعل هذا؟!.

فقال علي عليه السلام: يا أبا بكر! وعلى مثلي يتفقه الجاهلون؟ إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمركم ببيعتي، وفرض عليكم طاعتي، وجعلني فيكم كبيت الله الحرام يؤتى ولا يأتي، فقال: يا علي! ستغدر بك أمتي من بعدي كما غدرت الأمم بعد مضي الأنبياء بأوصيائها إلا قليل، وسيكون لك ولهم

بعدي هناة وهناة، فاصبر، أنت كبيت الله: من دخله كان آمنا ومن رغب عنه كان كافرا، قال الله عز وجل: [وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا]، واني وأنت سواء إلا النبوة، فإني خاتم النبيين وأنت خاتم الوصيين، وأعلمني عن ربي سبحانه بأني لست أسل سيفا إلا في ثلاثة مواطن بعد وفاته، فقال: تقاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين، ولم يقرب أوان ذلك بعد، فقلت: فما أفعل يا رسول الله بمن ينكث بيعتي منهم ويجحد حقي؟ قال: فاصبر حتى تلقاني، وتستسلم لمحنتك حتى تلقى ناصرا عليهم. فقلت: أفتخاف علي منهم أن يقتلونني (5)؟! فقال: تالله لا أخاف عليك منهم قتلا ولا جراحا، وإني عارف بمنيتك وسببها، وقد اعلمني ربي، ولكني خشيت ان تفنيهم بسيفك فيبطل الدين، وهو حديث، فيرتد القوم عن التوحيد.

ولولا أن ذلك كذلك، وقد سبق ما هو كائن، لكان لي فيما أنت فيه شأن من الشأن، ولرويت أسيافا، وقد ظمئت إلى شرب الدماء، وعند قراءتك صحيفتك تعرف نبأ ما احتملت من وزري، ونعم الخصم محمد والحكم الله.

فقال أبو بكر: يا أبا الحسن! إنا لم نرد هذا كله، ونحن نأمرك أن تفتح لنا الآن عن عنق خالد هذه الحديدة، فقد آلمه بثقله وأثر في حلقه بحمله، وقد

شفيت غليل صدرك منه.

فقال علي عليه السلام: لو أردت أن أشفي غليل صدري لكان السيف أشفى للداء وأقرب للفناء، ولو قتلته والله ما قدته برجل ممن قتلهم يوم فتح مكة وفي كرته هذه، وما يخالجني الشك في أن خالدا ما احتوى قلبه من الايمان على قدر جناح بعوضة، وأما الحديد الذي في عنقه فلعلي لا أقدر على فكه، فيفكه خالد عن نفسه أو فكوه أنتم عنه، فأنتم أولى به إن كان ما تدعونه صحيحا.

فقام إليه بريدة الأسلمي وعامر بن الأشجع فقالا: يا أبا الحسن! والله لا يفكه عن عنقه إلا من حمل باب خيبر بفرد يد، ودحا به وراء ظهره، وحمله وجعله جسرا تعبر الناس عليه وهو فوق زنده، وقام إليه عمار بن ياسر فخاطبه أيضا فيمن خاطبه، فلم يجب أحدا، إلى أن قال له أبو بكر: سألتك بالله وبحق أخيك المصطفى رسول الله إلا ما رحمت خالدا وفككته من عنقه.

فلما سأله بذلك استحيى، وكان عليه السلام كثير الحياء، فجذب خالدا

إليه، وجعل يخذف من الطوق قطعة قطعة ويفتلها في يده، فانفتل كالشمع.

ثم ضرب بالأولى رأس خالد، ثم الثانية، فقال: آه يا أمير المؤمنين، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: قلتها على كره منك، ولو لم تقلها لأخرجت الثالثة من أسفلك، ولم يزل يقطع الحديد جميعه إلى أن أزاله عن عنقه.

وجعل الجماعة يكبرون ويهللون ويتعجبون من القوة التي أعطاها الله سبحانه أمير المؤمنين عليه السلام، وانصرفت شاكرين.

ايضاح: رأيت هذا الخبر في بعض الكتب القديمة بأدنى تغيير.

والطافي: الحوت الميت الذي يعلو الماء ولا يرسب فيه، يقال: طفي الشئ فوق الماء: أي: علاه.

ويقال: ما به حراك - بفتح الحاء - أي: حركة.

وقال الجوهري: فلان حامي الذمار أي: إذا ذمر وغضب حمي، وفلان أمنع ذمارا من فلان، ويقال: الذمار ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه وسمي ذمار لأنه يجب على أهله التذمر له.

والضرام - بالكسر - اشتعال النار، يقال: ما بها نافخ ضرمة أي أحد، وأضرمت النار: ألهبتها.

والمراد بأخي ثقيف: المغيرة بن شعبة، وقيل: أريد به عمر أيضا، كناية عن الخلل في نسبه، ويؤيده أن في الرواية الأخرى: فلا جزاك الله من ابن صهاك وأخي ثقيف، أجلسك مجلسا لست له بأهل.

والانكفاء الرجوع.

والحماليق: جمع الحملاق - بالكسر، وحملاق العين: باطن أجفانها الذي يسوده الكحل، أو ما غطته الأجفان من بياض المقلة.

ويقال: نظر إليه شزرا، وهو: نظر الغضبان بمؤخر العين، وفي لحظه شزر بالتحريك، وتشازر القوم.. أي: نظر بعضهم إلى بعض شزرا وفي بعض النسخ: معه رهط عتاة من الذين شزرت حماليق أعينهم من حسدك وبدرت حنقا عليك.

وقرح جلده كعلم: خرجت به القروح.

وفي الرواية الأخرى مكان وغلام أسمر: وأخوه عقيل، وهو أظهر.

وقال الفيروزآبادي: الروية كسمية: ماء.

والبربرة: الصوت وكلام في غضب، تقول: بربر فهو بربار.

وفي الرواية الأخرى: وأطرق موشحا وقبض على لحيته، فبدأته بالسلام لاستكفي شره وأنفي وحشته.

وراغ إلى كذا: أي مال إليه سرا وحاد، وقوله تعالى: [فراغ عليهم ضربا باليمين] أي: أقبل، وقيل: مال، والمراوغة - أيضا - المصارعة، قالها الجوهري.

وبعد قوله: عند الغضب في الرواية الأخرى: ونفرت عيناه في أم رأسه وقام عرق الهاشمي بين عينيه ككراع البعير فعلمت أنه قد غرب عقله.

ثم قال: ويقال لخن السقاء - بالكسر - أي: أنتن، ومنه قولهم - أمة لخناء، ويقال اللخناء التي لم تختن.

وقال: دععته أدعه دعا أي: دفعته.

وفي الرواية الأخرى: فمد عنقي بيد وأخذ القطب بيد أخرى.. إلى قوله:

ما كفوني شره، فلا جزاهم الله خيرا، فإنهم لما نظروا إلى بريق عينيه استخذلوا فرقا، وسالت وجوههم عرقا، وخدمت أرواحهم فكأنهم نظروا إلى ملك موتهم.

وفتلت الحبل: لويته.

ويقال: ما أغنى فلان شيئا - بالعين والغين - أي: لم ينفع في معهم، ولم يكف مؤونة.

وشرة الشباب - بكسر الشين وتشديد الراء -: حرصه ونشاطه، والشرة أيضا مصدر الشر.

قوله: أو قوة ملك - بالتحريك أو بالضم - والثاني أنسب بكفره.

والشجا: ما ينشب في الحق من عظم وغيره والهم والحزن.

والدعابة - بالضم -: المزاح، وفي بعض النسخ: زعامة، وهي بالفتح:

السيادة.

والخلد - بالخاء المعجمة محركة -: القلب، وفي أكثر النسخ بالجيم، ولعله تصحيف.

وفي الرواية الأخرى: فقال عمر: فيه دعابة لا يدعها حتى تهتك منزلته، وتورطه ورطة الهلكة، وتبعده عن الدنيا، فقال له أبو بكر: دعني من تمردك وحديثك هذا، فوالله لم هم بقتلي وقتلك لقتلنا بشماله دون يمينه، ثم قال أبو بكر.. إلى قوله: وكان قيس سياف النبي وكان طوله سبعة أشبار في عرض ثلاثة أشبار.

قوله: لمسألة تسألونها.. أي أحضرتموني لتلتمسوا مني ذلك لأفعله طوعا

أو تجبروني عليه كرها.

قوله: ما كان منك.. أي: لا تقدر عليه، أو المعنى: لو جبرتني عليه كان من أعوانك وليس منك.

وفي الرواية الأخرى: فقال له عمر: اقصد لما أمرت به يا قيس وإلا أكرهت، فقال قيس: يا بن صهاك! خذل الله من يكره شرواك، إن بطنك لكبير، وإن كيدك لعظيم، فلو فعلت أنت ذلك ما كان بعجيب.

وشروى الشئ: مثله.

قوله: فاستشاط: أي احتدم والتهب في غضبه.

قوله: حميا - على فعيل - أي: حاميا للحق.

والمعرة: الاثم والأذى.

قوله: لا يقعقع بالشنان.. القعقعة: حكاية صوت السلاح، والشنان - بالكسر - جمع الشن، وهو: القربة الخلق.

قال الزمخشري والميداني: إذا أرادوا حث الإبل على السير يحركون القربة اليابسة لتفزع فتسرع.

قال النابغة:

كأنك من جمال بني أقيس * يقعقع خلف رجليه بشن يضرب للرجل الشرس الصعب الذي لا يتفزع لما ينزل به من حوادث

الدهر، ولا يروعه ما لا حقيقة له.

قال الحجاج على منبر الكوفة: إني والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز التين. انتهى.

وغمز التين: كناية عن سرعة الانقياد، ولين الجانب، فإنه إذا غمز في ظرف أو غيره انغمز سريعا.

والضخم: الغليظ من كل شئ، والمراد هنا شدته في الأمور وفخامته عند الناس.

والصنديد - بالكسر -: السيد الشجاع.

وسمك البيت: سقفه.

والمنيف: المشرف المرتفع.

والباذخ: العالي.

والشوس - بالتحريك -: النظر بمؤخر العين تكبرا وتغيظا، والرجل أشوس.

قوله: والديك النافش.. في بعض النسخ بالقاف والشين المعجمة، والنقش: استخراج الشوك واستقصاؤك الكشف عن الشئ والجماع، وفي

بعض النسخ بالفاء، وقال الفيروزآبادي: النفوش: الاقبال على الشئ تأكله..

وتنفش الطائر: نفض ريشه كأنه يخاف أو يرعد، وفي بعض النسخ: النافر - بالفاء والراء المهملة، أو بالقاف والراء -.

وصميم الشئ: خالصه، يقال هو في صميم قومه. ويقال: مج الرجل الشراب من فيه إذا رمى به.

وتنصل فلان من ذنبه أي تبرا واعتذر.

قوله عليه السلام: يا بن دميمة.. الدميم: الحقير، والدمامة الإساءة.

قوله عليه السلام: فطفقت.. يقال: طفق الموضع كفرح لزمه، وهو هنا كناية عن الموت. وفي بعض النسخ فطفئت - بالهمزة - وهو أيضا كناية عن الموت.

ويقال: أغنيت عنك مغنى فلان.. أي: أجزأت عنك مجزأة، ويقال: ما يغني عنك هذا أي: ما يجدي عنك وما ينفعك.

وفي الرواية الأخرى: فأعز نفسك عنا هباء ودعنا عنك حلماء. ولعله من قولهم هبا: إذا فر أو مات.

قوله عليه السلام: بمن أنت أحق.. أي بمن قتلهم من الكفار وأنت أحق بالقتل منهم.

قوله عليه السلام: لا تجرعت.. أي لم أشرب من الكيزان التي ختمت رؤسها ولم يعلم ما فيها إلا علقمها.. أي مرها، وأكل شئ مر علقم، ولعله مثل، والغرض اني لا أبالي بالشدائد والفتن، ولم يقدر لي في الدنيا من الأمور إلا شدائدها.

والزهو: التكبر والفخر.

قوله عليه السلام: في موضع رفع.. أي من جهة الترفع علي، وفي الرواية الأخرى: أراد الوضع مني ليسمو بذلك عند أهل الجهل، وهم بي وهو عارف بي. وقال الجوهري: يقال في فلان هنات أي خصلات شر. وقال الجزري: قيل واحدها هنة،.. وهو كناية عن كل اسم جنس، ومنه حديث سطيح " ثم تكون هنات وهنات " أي شدائد وأمور عظام.

وفي الرواية الأخرى زيادة، وهي هذه: فانصرفت الجماعة شاكرين له وهم متعجبون من ذلك، فقال أبو بكر: لا تعجبوا من أبي الحسن، والله لقد كنت بجنب رسول الله صلى الله عليه [وآله] يوم قلع علي باب خيبر، فرأيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] قد ضحك حتى بدت ثناياه، ثم بكى حتى اخضلت لحيته،

فقلت: يا رسول الله! أضحك وبكاء في ساعة واحدة؟!.

قال: نعم، أما ضحكي ففرحت بقلع علي باب خيبر، وأما بكائي فلعلي عليه السلام، فإنه ما قلعه إلا وهو صائم مذ ثلاثة أيام على الماء القراح، ولو كان فاطرا على طعام لدحا به من وراء السور.

38 - أمالي الطوسي: هذا حديث وجدته بخط بعض المشايخ رحمهم الله، ذكر أنه وجده في كتاب لأبي غانم الأعرج - وكان مسكنه بباب الشعير - وجد بخطه على ظهر كتاب له حين مات، وهو:

أن عائشة بنت طلحة دخلت على فاطمة عليها السلام فرأتها باكية، فقالت لها: بأبي أنت وأمي ما الذي يبكيك؟ فقالت لها: أسائلتي عن هنة حلق بها الطائر وحفي بها السائر، ورفعت إلى السماء أثرا ورزئت في الأرض خبرا: إن قحيف تيم وأحيول عدي جاريا أبا الحسن في السباق، حتى إذا تفريا بالخناق أسرا له الشنان، وطوياه الاعلان، فلما خبا نور الدين وقبض النبي الأمين نطقا بفورهما، ونفثا بسور هما، وأدلا بفدك، فيالها كم من ملك ملك، إنها عطية الرب الاعلى للنجي الأوفى، ولقد نحلنيها للصبية السواغب من نجله ونسلي، وإنها لبعلم الله وشهادة أمينه، فان انتزعا مني البلغة ومنعاني اللمظة

فاحتسبها يوم الحشر زلفة، وليجدنها آكلوها ساعرة حميم في لظى جحيم.

توضيح: عن هنة، أي: شئ يسير قليل، أو قصته منكرة قبيحة.

حلق بها الطائر.. تحليق الطائر: ارتفاعه في الهواء، أي: انتشر خبرها، إذ كان الغالب في تلك الأزمنة إرسال الاخبار مع الطيور.

وحفي بها السائر.. أي: أسرع السائر في ايصال هذا الخبر حتى حفي وسقط خفه ونعله، أورق رجله أو رجل دابته، يقال: حفي - كعلم - إذا مشى بلا خف ولا نعل، أو رقت قدمه أو حافره، أو هو من الحفاوة وهي المبالغة في السؤال، وفي بعض النسخ: وخفي بها السائر.. أي لم يبق ساتر لها ولم يقدر الساترون على اخفائها.

ورفعت إلى السماء اثرا.. أي ظهرت آثارها في السماء عاجلا وآجلا من منع الخيرات وتقدير شدايد العقوبات لمن ارتكبها.

ورزئت في الأرض خبرا.. يقال: رزاه كجعله وعمله أصاب منه شيئا، ورزأه رزءا أو مرزئة أصاب منه خيرا، والشئ نقصه، والرزيئة المصيبة، فيمكن أن يقرأ على بناء المعلوم.. أي أحدثت من جهة خبرها في الأرض مصائب، أو

المجهول بالاسناد المجازي، والأول أنسب معنى، والثاني لفظا، ويمكن أن يكون بتقديم المعجمة على المهملة، يقال: زرى عليه زريا: عابه وعاتبه فلا يكون مهموزا.

وفي بعض النسخ ربت - بالراء المهملة والباء الموحدة -: أي نمت وكثرت. وفي بعضها: رنت.. من الرنين، وفي نسخة قديمة: ورويت - من الرواية -.

ان قحيف تيم.. لعلها صلوات الله عليها أطلقت على أبي بكر قحيفا، لان أباه أبو قحافة، والقحف - بالكسر - العظم فوق الدماغ، والقحف - بالفتح - قطع القحف أو كسره، والقاحف: المطر يجئ فجأة فيقتحف كل شئ.. أي يذهب به، وسيل قحاف - كغراب - جزاف.

والأحيول - تصغير - الأحول، وهو لو لم يكن أحول ظاهرا فكان أحول باطنا لشركه، بل أعمى، ويقال: - أيضا - ما أحوله.. أي ما أحيله.

جاريا أبا الحسن عليه السلام في السباق.. يقال: جاراه أي جرى معه.

والسباق: المسابقة، أي كانا يريدان أن يسبقاه في المكارم والفضائل في حياة النبي صلى الله عليه وآله.

حتى إذا تفريا بالخناق أسرا له الشنان.. يقال: تفرى أي انشق، والخناق - ككتاب - الحبل يخنق به، وكغراب داء يمتنع معه نفوذ النفس إلى الرية والقلب. وفي بعض النسخ بالحاء المهملة وهو بالكسر جمع الحنق - بالتحريك - وهو الغيظ أو شدته.

والشنان: العداوة.. أي لما انشقا بما خنقهما من ظهور مناقبه وفضائله وعجزهما عن أن يدانياه في شئ منها، أو من شدة غيظه أكمنا له العداوة في قلبهما منتهضين للفرصة، وفي بعض النسخ: تعريا - بالعين والراء المهملتين - فلعل المعنى بقيا مسبوقين في العراء وهو الفضاء والصحراء متلبسين بالخناق والغيظ.

وفي بعض النسخ: ثغرا.. أي توقرا وثقلا. وفي بعضها: تغرغرا.. من الغرغرة وهي تردد الروح في الحلق، ويقال: يتغرغر صوته في حلقه.. أي

يتردد، وهو مناسب للخناق. وفي بعضها: تقررا.. أي ثبتا ولم يمكنهما الحركة، وفي بعضها: تعزبا - بالمهملة ثم المعجمة - أي بعدا ولم يمكنهما الوصول إليه، وكان يحتمل تقديم المعجمة أيضا، والمعنى قريب من الأول.

وفي بعضها تقربا - بالقاف والباء الموحدة - ويمكن توجيهه بوجه، وكان يحتمل النون، وهو أوجه فالخناق - بالخاء المكسورة - أي اشتركا فيما يوجب عجزهما كأنهما اقترنا بحبل واحد في عنقهما، وفي بعضها تفردا - بالفاء والراء المهملة والدال - وهو أيضا لا يخلو من مناسبة.

وطوياه الاعلان.. أي أضمرا أن يعلنا له العداوة عند الفرصة، وفي الكلام حذف وايصال.. أي طويا له أو عنه، يقال: طوى الحديث أي كتمه، ويقال خبت النار أي سكنت وطفئت.

نطقا بفورهما.. أي تكلما فورا، أي بسبب فورانهما، وفي بعض النسخ:

نطفا - بالفاء - أي صبا ما في صدورهما فورا، أو بسبب غليان حقدهما وفوران حسدهما، ويحتمل أن تكون الباء زائدة، يقال نطف الماء أي صبه، وفلانا قذفه بفجور، أو لطخه بعيب. وفي الحديث: رأيت سقفا تنطف سمنا وعسلا.. أي

تقطر، وفي قصة المسيح عليه السلام: ينطف رأسه ماء، وفار القدر فورا وفورانا غلا وجاش، وأتوا من فورهم.. أي من وجههم، أو قبل أن يسكنوا.

ونفثا بسورهما.. نفثه - كضرب -: رمى به، والنفث: النفخ والبزق.

وسورة الشئ: حدته وشدته، ومن السلطان: سطوته واعتداؤه. وسار الشراب في رأسه سورا: دار و ارتفع، والرجل إليك: وثب وثار.

وأدلا بفدك.. قال الجوهري: الدل : الغنج والشكل،.. وفلان يدل على اقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده، وهو يدل بفلان: أي يثق به، والحاصل أنهما أخذا فدك بالجرأة من غير خوف، وفي بعض النسخ: وا ذلا بفدك - بالذال المعجمة - على الندبة، ولعله تصحيف.

فيا لها كم من ملك ملك.. من قبيل يا للماء.. للتعجب، أي يا قوم تعجبوا لفدك. وقولها: كم من ملك بيان لوجه التعجب، وفي بعض النسخ:

فيا لها لمن ملك تيك.. وفي بعضها: فيالها لمزة لك تيك. واللمزة - بضم اللام وفتح الميم -: العياب. وتيك: اسم إشارة، والظاهر أن الجميع تصحيف.

والنجي.. هو المناجي المخاطب للانسان أي لمن خصه الله بنجواه

وسره وكان أو في الخلق بعهده وأمره.

والصبية - بالكسر -: جمع الصبي.

والسغب: الجوع.

والنجل: الولد.

والبلغة - بالضم -: ما يتبلغ به من العيش.

واللماظة - بالضم -: ما يبقى في الفم من الطعام. وقال الشاعر في وصف الدنيا:

لماظة أيام كأحلام نائم....

ويقال: ما ذقت لماظا - بالفتح - أي شيئا،.. واللمظة - بالضم - كالنكتة من البياض، واللماظة هنا انسب.

والزلفة - بالضم - كالزلفى: القرب والمنزلة.. أي اعلم أنها سبب لقربي يوم الحشر، أو اصبر عليها ليكون سببا لقربي.

قال في النهاية: فية من صام ايمانا واحتسابا.. أي طلبا لوجه الله وثوابه، والاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه، لان لا حينئذ ان يعتد عمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به.. والاحتساب في الأعمال الصالحات وعند المكروهات هو البدار إلى

طلب الاجر وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها..، ومنه الحديث: من مات له ولد فاحتسبه.. أي احتسب الاجر بصبره على مصيبته.

وسعر النار.. كمنع: أوقدها.

والحميم: الماء الحار.

واللظى - كفتى - النار أو لهبها، ولظى - معرفة - جهنم، أو طبقة منها، أعاذنا الله تعالى منها ومن طبقاتها ودركاتها.

39 - الاختصاص: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وجلس أبو بكر مجلس، بعث إلى وكيل فاطمة صلوات الله عليها فأخرجه من فداك.

فأتته فاطمة عليها السلام فقالت: يا أبا بكر! ادعيت أنك خليفة أبي وجلست مجلسه، وأنت بعثت إلى وكيلي فأخرجته من فدك، وقد تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله صدق بها علي، وان لي بذلك شهودا. فقال: إن النبي (س) لا يورث.

فرجعت إلى علي عليه السلام فأخبرته، فقال: ارجعي إليه وقولي له:

زعمت أن النبي صلى الله عليه وآله لا يورث [وورث سليمان داود]، وورث يحيى زكريا، وكيف لا أرث أنا أبي؟! فقال عمر: أنت معلمة، قالت: وإن كنت معلمة فإنما علمني ابن عمي وبعلي.

فقال أبو بكر: فان عائشة تشهد وعمر أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: النبي لا يورث.

فقالت: هذا أول شهادة زور شهدا بها، وان لي بذلك شهودا بها في الاسلام، ثم قالت: فان فدك إنما هي صدق بها علي رسول الله صلى الله عليه وآله، ولي بذلك بينة.

فقال لها: هلمي ببينتك. قال: فجاءت بأم أيمن وعلي عليه السلام، فقال أبو بكر: يا أم أيمن! إنك سمعت من رسول الله (ص) يقول في فاطمة؟ فقالت:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ثم قالت أم أيمن: فمن كانت سيدة نساء أهل الجنة تدعي ما ليس لها؟! وأنا امرأة من أهل الجنة ما كنت لأشهد بما لم أكن سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال عمر: دعينا يا أم أيمن من هذه القصص، بأي شئ تشهدين؟.

فقالت: كنت جالسة في بيت فاطمة عليها السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله جالس حتى نزل عليه جبرئيل، فقال: يا محمد! قم فان الله تبارك وتعالى أمرني أن أخط لك فدكا بجناحي، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله مع جبرئيل

عليه السلام، فما لبث أن رجع، فقالت فاطمة عليها السلام: يا أبة! أين ذهبت؟

فقال: خط جبرئيل عليه السلام لي فدكا بجناحه وحد لي حدودها، فقالت: يا أبة! إني أخاف العيلة والحاجة من بعدك، فصدق بها علي، فقال: هي صدقة عليك، فقبضتها، قالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أم أيمن!

اشهدي، ويا علي! اشهد.

فقال عمر: أنت امرأة ولا نجيز شهادة امرأة وحدها، وأما علي فيجر إلى نفسه.

قال: فقامت مغضبة وقالت: اللهم إنهما ظلما ابنة نبيك حقها، فاشدد وطأتك عليهما، ثم خرجت وحملها علي على أتان عليه كساء له خمل، فدار بها أربعين صباحا في بيوت المهاجرين والأنصار والحسن والحسين عليهما السلام معها، وهي تقول: يا معشر المهاجرين والأنصار! انصروا الله وابنة نبيكم، وقد بايعتم رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بايعتموه أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم، ففوا لرسول الله صلى الله عليه وآله ببيعتكم، قال: فما أعانها أحد ولا أجابها ولا نصرها.

قال: فانتهت إلى معاذ بن جبل فقالت: يا معاذ بن جبل! إني قد جئتك مستنصرة، وقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله على أن تنصره وذريته وتمنع مما تمنع منه نفسك وذريتك، وإن أبا بكر قد غصبني على فدك وأخرج وكيلي منها، قال: فمعي غيري؟ قالت: لا، ما أجابني أحد، قال: فأين أبلغ أنا من نصرك؟ قال: فخرجت من عنده. ودخل ابنه، فقال: ما جاء بابنة محمد إليك؟ قال: جاءت تطلب نصرتي على أبي بكر فإنه أخذ منها فدكا، قال: فما أجبتها به؟ قال: قلت: وما يبلغ من نصرتي أنا وحدي، قال: فأبيت أن تنصرها؟

قال: نعم، قال: فأي شئ قالت لك؟ قال: قالت لي: والله لا نازعتك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فقال: أنا والله لا نازعتك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ لم تجب ابنة محمد.

قال: وخرجت فاطمة صلوات الله عليها من عنده وهي تقول: والله لا أكلمك كلمة حتى أجتمع أنا وأنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثم انصرفت.

فقال علي عليه السلام لها: ائتي أبا بكر وحده فإنه أرق من الآخر، وقولي له: ادعيت مجلس أبي وانك خليفته وجلست مجلسه، ولو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردها علي، فلما أتته وقالت له ذلك، قال: صدقت، قال:

فدعا بكتاب فكتبه لها برد فدك.

فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر فقال: يا بنت محمد! ما هذا الكتاب الذي معك؟ فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر برد فدك، فقال: هلميه إلي، فأبت أن تدفعه إليه، فرفسها برجله - وكانت عليها السلام حاملة بابن اسمه: المحسن - فأسقطت المحسن من بطنها، ثم لطمها، فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نقف، ثم أخذ الكتاب فخرقه.

فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوما مريضة مما ضربها عمر، ثم قبضت.

فلما حضرتها الوفاة دعت عليا صلوات الله عليه فقالت: إما تضمن وإلا

أوصيت إلى ابن الزبير، فقال علي عليه السلام: أنا أضمن وصيتك يا بنت محمد، قالت: سألتك بحق رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أنا مت أن لا يشهد اني ولا يصليا علي، قال: فلك ذلك.

فلما قبضت صلوات الله عليها، دفنها ليلا في بيتها، وأصبح أهل المدينة يريدون حضور جنازتها، وأبو بكر وعمر كذلك، فخرج إليهما علي عليه السلام، فقالا له: ما فعلت بابنة محمد؟! أخذت في جهازها يا أبا الحسن؟ فقال علي عليه السلام: قد والله دفنتها، قالا: فما حملك على أن دفنتها ولم تعلمنا بموتها؟ قال:

هي أمرتني.

فقال عمر: والله لقد هممت بنبشها والصلاة عليها، فقال علي صلوات الله عليه: أما والله ما دام قلبي بين جوانحي وذو الفقار في يدي فإنك لا تصل إلى نبشها، فأنت أعلم، فقال أبو بكر: اذهب، فإنه أحق بها منا، وانصرف الناس.

بيان: قال في النهاية: الوطئ في الأصل: الدوس بالقدم، فسمي به الغزو والقتل، لان من يطأ على الشئ برجله فقد استقصى في إهلاكه وإهانته، ومنه الحديث: اللهم اشدد وطأتك على مضر، أي: خذهم اخذا شديدا، انتهى.

والخمل - بالتحريك -: هدب القطيفة ونحوها.

قولها عليها السلام: لا نازعتك الفصيح.. أي: لا أنازعك بما يفصح عن المراد، أي بكلمة من رأسه، فان محل الكلام في الرأس، أو المراد بالفصيح:

اللسان.

قوله: حين نقف - على بناء المجهول أي -.. كسر من لطم اللعين.

والجوانح: الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر، واحدتها جانحة.

40 - وروى العلامة في كشكوله - المنسوب إليه - عن المفضل بن عمر قال: قال مولاي جعفر الصادق عليه السلام: لما ولي أبو بكر بن أبي قحافة قال له عمر: إن الناس عبيد هذه الدنيا لا يريدون غيرها، فامنع عن علي وأهل بيته الخمس، والفئ، وفدكا، فان شيعته إذا علموا ذلك تركوا عليا وأقبلوا إليك رغبة في الدنيا وإيثارا ومحاباة عليها، ففعل أبو بكر ذلك وصرف عنهم جميع ذلك. فلما قام - أبو بكر بن أبي قحافة - مناديه: من كان له عند رسول الله (س) دين أو عدة فليأتني حتى أقضيه، وأنجز لجابر بن عبد الله ولجرير بن عبد الله البجلي.

قال: [قال] علي عليه السلام لفاطمة عليها السلام: صيري إلى أبي بكر وذكريه فدكا، فصارت فاطمة إليه وذكرت له فدكا مع الخمس والفئ، فقال: هاتي بينة يا بنت رسول الله. فقالت: أما فدك، فإن الله عز وجل أنزل على نبيه قرآنا يأمر فيه بأن يؤتيني وولدي حقي، قال الله تعالى: [فلت ذا القربى حقه] فكنت أنا وولدي أقرب الخلائق إلى رسول الله (ص) فنحلني وولدي فدكا، فلما تلا عليه جبرئيل عليه السلام: [و المسكين وأبن السبيل]، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما حق المسكين وابن السبيل؟

فأنزل الله تعالى: [واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل]، فقسم الخمس على خمسة أقسام، فقال: [ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء] فما لله فهو لرسوله، وما لرسول الله فهو لذي القربى، ونحن ذو القربى. قال الله تعالى:

[قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى]. فنظر أبو بكر بن أبي قحافة إلى عمر بن الخطاب وقال: ما تقول؟ فقال عمر: ومن اليتامى والمساكين وأبناء السبيل؟ فقالت فاطمة (ع): اليتامى الذين يأتمون بالله وبرسوله وبذي القربى، والمساكين الذين أسكنوا معهم في الدنيا والآخرة، وابن السبيل الذي يسلك مسلكهم. قال عمر: فإذا الخمس والفئ كله لكم ولمواليكم وأشياعكم؟! فقالت فاطمة عليها السلام: أما فدك فأوجبها الله لي ولولدي دون موالينا وشيعتنا، وأما الخمس فقسمه الله لنا ولموالينا وأشياعنا كما يقرأ في كتاب الله. قال عمر: فما لسائر المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (7)؟ قالت فاطمة:

إن كانوا موالينا ومن أشياعنا فلهم الصدقات التي قسمها الله وأوجبها في كتابه، فقال الله عز وجل: [إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب].. إلى آخر القصة، قال عمر: فدك لك خاصة والفئ لكم ولأوليائكم؟ ما أحسب أصحاب محمد يرضون بهذا!! قالت فاطمة: فإن الله عز وجل رضي بذلك، ورسوله رضي به، وقسم على الموالاة والمتابعة لا على المعاداة والمخالفة، ومن عادانا فقد عادى الله، ومن خالفنا فقد خالف الله، ومن

خالف الله فقد استوجب من الله العذاب الأليم والعقاب الشديد في الدنيا والآخرة. فقال عمر: هاتي بينة يا بنت محمد على ما تدعين؟! فقالت فاطمة (ع):

قد صدقتم جابر بن عبد الله وجرير بن عبد الله ولم تسألوهما البينة! وبينتي في كتاب الله، فقال عمر: إن جابرا وجريرا ذكرا أمرا هينا، وأنت تدعين أمرا عظيما يقع به الردة من المهاجرين والأنصار!. فقالت عليها السلام: إن المهاجرين برسول الله وأهل بيت رسول الله هاجروا إلى دينه، والأنصار بالايمان بالله ورسوله وبذي القربى أحسنوا، فلا هجرة إلا إلينا، ولا نصرة إلا لنا، ولا اتباع بإحسان إلا بنا، ومن ارتد عنا فإلى الجاهلية. فقال لها عمر: دعينا من أباطيلك، وأحضرينا من يشهد لك بما تقولين!!. فبعثت إلى علي والحسن والحسين وأم أيمن وأسماء بنت عميس - وكانت تحت أبي بكر بن أبي قحافة - فأقبلوا إلى أبي بكر وشهدوا لها بجميع ما قالت وادعته. فقال: أما علي فزوجها، وأما الحسن والحسين ابناها، وأما أم أيمن فمولاتها، وأما أسماء بنت عميس فقد كانت تحت جعفر ابن أبي طالب فهي تشهد لبني هاشم، وقد كانت تخدم فاطمة، وكل هؤلاء يجرون إلى أنفسهم!. فقال علي (ع): أما فاطمة فبضعة من رسول الله (ص)، ومن آذاها فقد آذى رسول الله (ص)، ومن كذبها فقد كذب رسول الله، وأما الحسن

والحسين فابنا رسول الله (س) وسيدا شباب أهل الجنة، من كذبهما فقد كذب رسول الله (ص) إذ كان أهل الجنة صادقين، وأما أنا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت مني وأنا منك، وأنت أخي في الدنيا والآخرة، والراد عليك هو الراد علي، ومن أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني، وأما أم أيمن فقد شهد لها رسول الله صلى الله عليه وآله بالجنة، ودعا لأسماء بنت عميس وذريتها. قال عمر: أنتم كما وصفتم أنفسكم، ولكن شهادة الجار إلى نفسه لا تقبل. فقال علي عليه السلام: إذا كنا كما نحن كما تعرفون ولا

تنكرون، وشهادتنا لأنفسنا لا تقبل، وشهادة رسول الله لا تقبل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إذا ادعينا لأنفسنا تسألنا البينة؟! فما من معين يعين، وقد وثبتم على سلطان الله وسلطان رسوله، فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بينة ولا حجة، [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون]. ثم قال لفاطمة:

انصرفي حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.

قال المفضل: قال مولاي جعفر عليه السلام: كل ظلامة حدثت في الاسلام أو تحدث، وكل دم مسفوك حرام، ومنكر مشهور، وأمر غير محمود، فوزره في أعناقهما وأعناق من شايعهما أو تابعهما ورضى بولايتهما إلى يوم القيامة.

بيان:

يظهر من هذا الخبر أن لذي القربى حقين: حقا مختصا وحقا مشتركا، وأشار سبحانه مع الآية الأولى إليهما جميعا، فلما سألوا عن حق المسكين وابن السبيل أنزل آية الخمس لبيان أن اشتراكهما إنما هو في الخمس لا في سائر الفئ، فلا ينافي اختصاص فدك بهم عليهم السلام ، وأما تفسيرها عليها السلام اليتامى بالذين يأتمون، فلعل المعنى أن المراد بهم يتامى الشيعة لا مطلق الأيتام، فلا يكون الغرض بيان أن اليتيم مشتق من الائتمام، لاختلاف بناء الكلمتين، مع أنه يحتمل أن يكون مبنيا على الاشتقاق الكبير، ويحتمل أن يكون تأويلا لبطن الآية بأن المراد باليتيم من انقطع عن والديه الروحانيين - أي النبي والامام عليهما

السلام - من الشيعة موافقا للاخبار الكثيرة الواردة في ذلك، وأما ما فسرت به المسكين فلا ينافي البناء، لان المسكين والمسكن والسكنى متساوقة في الاشتقاق، وهو على وزن مفعيل، يقال تمسكن كما يقال تمدرع وتمندل.

وابن السبيل: أظهر، فإنه فسرته بسبيل الحق والصراط المستقيم، ثم إنه يدل ظاهرا على عدم اختصاص الخمس ببني هاشم - كما هو مذهب أكثر العامة - فيمكن أن يكون هذا على سبيل التنزل، أو يكون المراد أنه غير شامل لجميع بني هاشم بل مختص بمن كان منهم تابعا للحق.

41 - مناقب ابن شهرآشوب: في كتاب اخبار الخلفاء: أن هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر: خذ فدكا حتى أردها إليك، فيأبى حتى ألح عليه، فقال عليه السلام: لا آخذها إلا بحدودها، قال: وما حدودها؟ قال: إن حددتها لم تردها.

قال: بحق جدك إلا فعلت. قال: أما الحد الأول فعدن، فتغير وجه الرشيد وقال: إيها (5)!. قال: والحد الثاني سمرقند، فأربد وجهه. قال: والحد الثالث إفريقية، فاسود وجهه وقال: هنيه (7)!. قال: والرابع سيف البحر ما يلي

الخزر وأرمينية. قال الرشيد: فلم يبق لنا شئ، فتحول إلى مجلسي. قال موسى: قد أعلمتك انني إن حددتها لم تردها، فعند ذلك عزم على قتله.

وفي رواية ابن أسباط أنه قال: أما الحد الأول فعريش مصر، والثاني: دومة الجندل، والثالث: أحد، والرابع: سيف البحر، فقال: هذا كله هذه الدنيا!.

فقال (ع): هذا كان في أيدي اليهود بعد موت أبي هالة فأفاءه الله ورسوله بلا خيل ولا ركاب، فأمره الله أن يدفعه إلى فاطمة (ع).

بيان:

هذان التحديدان خلاف المشهور بين اللغويين، قال الفيروزآبادي:

فدك - محركة - موضع بخيبر. وقال في مصباح اللغة: بلدة بينها وبين مدينة النبي (ص) يومان وبينهما وبين خيبر دون مرحلة، وهي مما أفاء الله على رسوله وتنازعها علي والعباس في خلافة عمر، فقال علي (ع): جعلها النبي (ص) لفاطمة وولدها، وانكره العباس فسلمها عمر لهما. انتهى.

ولعل مراده عليه السلام أن تلك كلها في حكم فدك، وكأن الدعوى على جميعها، وإنما ذكروا فدك على المثال أو تغليبا.

42 - كشف الغمة: روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين السادس:

عن عمر عن أبي بكر المسند منه فقط، وهو: لا نورث ما تركنا صدقة لمسلم من

رواية جويرية بن أسماء عن مالك وعن عائشة بطوله: أن فاطمة (ع) سألت أبا بكر أن يقسم لها ميراثها. وفي رواية أخرى: أن فاطمة (ع) والعباس أتيا أبا بكر.. يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] قال: لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] يصنعه فيه إلا صنعته.

زاد في رواية صالح به كيسان: إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ، قال: فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي والعباس فغلبه عليها علي، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر، وقال: هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك اليوم.

قال غير صالح في روايته في حديث أبي بكر: فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها علي عليه السلام ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر، قال: وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي عليه السلام، ومكثت فاطمة عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه [وآله] ستة أشهر ثم توفيت، فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ستة أشهر؟

قال: لا والله، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي.

في حديث عروة: فلما رأى علي عليه السلام انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر: ائتينا ولا تأتنا معك بأحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر. فقال عمر: لا تأتهم وحدك. فقال أبو بكر: والله لاتينهم وحدي، ما عسى أن يصنعوا بي؟!. فانطلق أبو بكر فدخل على علي عليه السلام وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فلم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الامر حقا، فاستبددتم علينا.. ثم ذكر قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وحقهم..

فلم يزل علي عليه السلام يذكر حتى بكى أبو بكر وصمت علي، وتشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فوالله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله أحب إلي أن أصل من قرابتي، وإني والله ما لكأت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم عن الخير، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد (ص) في هذا المال، وإني والله لا أدع أمرا صنعه رسول الله صلى الله عليه وآله إلا صنعته إن شاء الله، وقال علي: موعدك للبيعة العشية، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس يعذر عليا ببعض ما اعتذر به، ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر وذكر فضيلته وسابقته، ثم قام إلى أبي بكر فبايعه، فأقبل الناس على علي فقالوا: أصبت وأحسنت، وكان المسلمون إلى علي رضي الله عنه قريبا حين راجع الامر بالمعروف.. هذا آخر ما ذكره الحميدي.

وقد خطر لي عند نقلي لهذا الحديث كلام أذكره على مواضع منه، ثم بعد ذلك أورد ما نقله أصحابنا في المعنى، ملتزما بما اشترطه من العدل في القول والفعل، وعلى الله قصد السبيل.

قول أبي بكر - في أول الحديث وآخره -: وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] يصنعه فيه إلا صنعته.. وهو لم ير النبي صلى الله عليه وآله صنع فيها إلا أنه اصطفاها، وإنما سمع سماعا أنه بعد وفاته لا يورث، كما روى، فكان حق الحديث أن يحكى ويقول وإني والله لا أدع أمرا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقوله إلا عملت بمقتضى قوله، أو ما هذا معناه.

وفيه: فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس فغلبه عليها علي.

أقول: حكم هذه الصدقة التي بالمدينة حكم فدك وخيبر، فهلا منعهم الجميع كما فعل صاحبه إن كان العمل على ما رواه، أو صرفهم في الجميع إن كان الامر بضد ذلك، فأما تسليم البعض ومنع البعض فإنه ترجيح من غير مرجح، اللهم إلا أن يكونوا فعلوا شيئا لم يصل إلينا في إمضاء ذلك.

وفي قوله: فغلبه عليها علي.. دليل واضح على ما ذهب إليه أصحابنا من توريث البنات دون الأعمام، فإن عليا عليه السلام لم يغلب العباس على الصدقة من جهة العمومة، إذ كان العباس أقرب من علي (ع) في ذلك، وغلبه إياه على سبيل الغلب والعنف مستحيل أن يقع من علي في حق العباس، ولم يبق إلا أنه غلبه عليها بطريق فاطمة وبنيها عليهم السلام.

وقول علي عليه السلام: كنا نرى ان لنا في هذا الامر حقا فاستبددتم

علينا.. فتأمل معناه يضح لك مغزاه، ولا حاجة إلى كشف مغطاه.

وروى أحمد بن حنبل.. في مسنده ما يقارب ألفاظ ما رواه الحميدي، ولم يذكر حيث علي (ع) وأبي بكر ومجيئه إليه في هذا الحديث.

روى ابن بابويه مرفوعا إلى أبي سعيد الخدري، قال: لما نزلت: [فلت ذا القربى حقه]، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فاطمة! لك فدك، وفي رواية أخرى عن أبي سعيد مثله.

وعن عطية قال: لما نزلت: [فأت ذا القربى حقه]، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فأعطاها فدك.

وعن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) قال: اقطع رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة عليها السلام فدك.

وعن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى فاطمة (ع) فدك؟ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وقفها، فأنزل الله تبارك وتعالى: [فأت ذا القربى حقه]، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله حقها. قلت: رسول الله (ص) أعطاها؟

قال: بل الله تبارك وتعالى أعطاها.

وقد تظاهرت الرواية من طرق أصحابنا بذلك، وثبت أن ذا القربى: علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وعلى هذا فقد كان أبو بكر وعمر لما وليا

هذا الامر يرتبان في الأعمال والبلاد القريبة والنائية من الصحابة والمهاجرين والأنصار من لا يكاد يبلغ مرتبة علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ولا يقاربها، فلو اعتقداهم مثل بعض الولاة وسلما إليهم هذه الصدقة التي قامت النائرة في أخذها، وعرفاهم ما روياه وقالا لهم: أنتم أهل البيت وقد شهد الله لكم بالطهارة، وأذهب عنكم الرجس، وقد عرفناكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا نورث، وقد سلمناها إليكم، وشغلنا ذمكم بها، والله من وراء أفعالكم فيها، والله سبحانه بمرأى منكم ومسمع، فاعملوا فيها بما يقربكم منه ويزلفكم عنده، فعلى هذا سلمناها إليكم وصرفناكم فيها، فإن فعلتم الواجب الذي أمرتم به وفعلتم فيها فعل رسول الله (ص) فقد أصبتم وأصبنا، وإن تعديتم الواجب وخالفتم ما حده رسول الله صلى الله عليه وآله فقد أخطأتم وأصبنا فإن الذي علينا الاجتهاد ولم نأل في اختياركم جهدا، وما علينا بعد بذل الجهد لائمة، وهذا الحديث من الانصاف كما يروى، والله الموفق والمسدد.

وروي أن فاطمة عليها السلام جاءت إلى أبي بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا أبا برك! من يرثك إذا مت؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فمالي لا أرث رسول الله (ص)؟. قال: يا بنت رسول الله! إن النبي لا يورث، ولكن أنفق على من كان ينفق عليه رسول الله، وأعطي ما كان يعطيه.

قالت: والله لا أكلمك بكلمة ما حييت، فما كلمته حتى ماتت.

وقيل: جاءت فاطمة عليها السلام إلى أبي بكر فقالت: أعطني ميراثي من رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: إن الأنبياء لا تورث ما تركوه فهو صدقة، فرجعت إلى علي عليه السلام فقال: ارجعي فقولي: ما شأن سليمان عليه السلام وورث داود عليه السلام، وقال زكريا: [فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب] (2)؟!. فأبوا وأبي.

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري عن أبي جعفر عليه السلام: أن أبا بكر قال لفاطمة عليها السلام: النبي (ص) لا يورث، قالت: قد [ورث سليمان داود]، وقال زكريا: [فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب]، فنحن أقرب إلى النبي من زكريا إلى يعقوب.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.