پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

11 - باب نزول الآيات في أمر فدك وقصصه وجوامع الاحتجاج به وفيه قصة خالد وعزمه على قتل أمير المؤمنين عليه السلام بأمر المنافقين

ج ۲۹، ص ۲۰۶–۲۵۲ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۷

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۹

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: قال علي (ع) لفاطمة عليها السلام:

انطلقي فاطلبي ميراثك من أبيك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فجاءت إلى أبي بكر فقالت: أعطني ميراثي من أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قال: النبي (ص) لا يورث، فقالت: ألم يرث سليمان داود؟! فغضب وقال:

النبي لا يورث، فقالت عليها السلام: ألم يقل زكريا [فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب] (5)؟. فقال: النبي لا يورث. فقالت عليها السلام: ألم يقل: [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين] (6)؟.

فقال: النبي لا يورث.

وعن أبي سعيد الخدري قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله جاءت فاطمة عليها السلام تطلب فدكا، فقال أبو بكر: إني لاعلم - إن شاء الله - أنك

لن تقولي إلا حقا، ولكن هاتي بينتك، فجاءت بعلي عليه السلام فشهد، ثم جاءت بأم أيمن فشهدت، فقال: امرأة أخرى أو رجلا فكتبت لك بها.

43، 44 مصباح الأنوار، كشف: مثل الأحاديث الثلاثة الأخيرة.

أقول: هذا الحديث عجيب، فإن فاطمة عليها السلام كانت مطالبة بميراث فلا حاجة بها إلى الشهود، فإن المستحق للتركة لا يفتقر إلى الشاهد إلا إذا لم يعرف صحة نسبه واعتزائه إلى الدراج، وما أظنهم شكوا في نسب فاطمة عليها السلام، وكونها ابنة النبي صلى الله عليه وآله، وإن كانت تطلب فدكا وتدعي أن أباها (ص) نحلها إياها احتاجت إلى إقامة البينة، ولم يبق لما رواه أبو بكر من قوله: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) معنى، وهذا واضح جدا، فتدبر.

وروى مرفوعا: أن عمر بن عبد العزيز لما استخلف قال: يا أيها الناس!

إني قد رددت عليكم مظالمكم، وأول ما أرد منها ما كان في يدي، قد رددت فدك على ولد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وولد علي بن أبي طالب (ع) فكان أول من ردها.

وروى أنه ردها بغلاتها منذ ولي، فقيل له: نقمت على أبي بكر وعمر فعلهما، وطعنت عليهما، ونسبتهما إلى الظلم والغصب، وقد اجتمع عنده في ذلك قريش ومشايخ أهل الشام من علماء السوء. فقال عمر بن عبد العزيز: قد صح عندي وعندكم أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ادعت فدك، وكانت في يدها، وما كانت لتكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله مع شهادة علي وأم أيمن وأم سلمة، وفاطمة عندي صادقة فيما تدعي وإن لم تقم البينة، وهي سيدة نساء أهل الجنة، فأنا اليوم أرد على ورثتها أتقرب بذلك إلى رسول الله (ص) وأرجو أن تكون فاطمة والحسن والحسين (ع) يشفعون لي يوم القيامة، ولو كنت بدل أبي بكر وادعت فاطمة كنت أصدقها على دعواها، فسلمها إلى محمد بن علي الباقر عليهما السلام، فلم تزل في أيديهم إلى أن مات عمر بن عبد العزيز.

وروي أنه لما صارت الخلافة إلى عمر بن العزيز رد عليهم سهام الخمس:

سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسهم ذي القربى، وهما من أربعة أسهم، رد على جميع بني هاشم، وسلم ذلك إلى محمد بن علي وعبد الله بن الحسن، وقيل: أنه جعل من بيت ماله سبعين حملا من الورق والعين من مال الخمس، فرد عليهم ذلك، وكذلك كل ما كان لبني فاطمة وبني هاشم مما حازه أبو بكر وعمر وبعدهما عثمان ومعاوية ويزيد وعبد الملك رد عليهم، واستغنى بنو هاشم في تلك السنين وحسنت أحوالهم، ورد عليهم المأمون والمعتصم والواثق، وقالا: كان المأمون أعلم منا به فنحن نمضي على ما مضى هو عليه، فلما ولي

المتوكل قبضها وأقطعها حرملة الحجام، وأقطعها بعده لفلان النازيار من أهل طبرستان، وردها المعتضد، وحازها المكتفي، وقيل: ان المقتدر ردها عليهم.

قال شريك: كان يجب على أبي بكر أن يعمل مع فاطمة بموجب الشرع، وأقل ما يجب عليه أن يستحلفها على دعواها أن رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاها فدك في حياته، فإن عليا وأم أيمن شهدا لها، وبقي ربع الشهادة، فردها بعد الشاهدين لاوجه له، فإما أن يصدقها أو يستحلفها ويمضي الحكم لها، قال شريك: الله المستعان! مثل هذا الامر يجهله أو يتعمده؟!.

وقال الحسن بن علي الوشاء: سألت مولانا أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام: هل خلف رسول الله (ص) غير فدك شيئا؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خلف حيطانا بالمدينة صدقة، وخلف ستة أفراس وثلاث نوق: العضباء والصهباء والديباج، وبغلتين: الشهباء والدلدل، وحماره: اليعفور، وشاتين حلوبتين، وأربعين ناقة حلوبا، وسيفه ذا الفقار، ودرعه ذات الفضول، وعمامته السحاب، وحبرتين يمانيتين، وخاتمه الفاضل، وقضيبه الممشوق، وفراشا من ليف، وعباءتين وقطوانيتين، ومخادا من ادم صار ذلك إلى فاطمة عليها السلام ما خلا درعه وسيفه وعمامته وخاتمه، فإنه جعله لأمير المؤمنين عليه السلام.

إيضاح:

قال في النهاية في حديث أبي بكر..: أن أزيغ.. أي أجور واعدل عن الحق وقال في حديث..: فدك لحقوق رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم

التي تعروه.. أي تغشاه وتنتابه.

وقال: المنافسة: الرغبة في الشئ والانفراد به، وهو من الشئ النفيس الجيد في نوعه،.. ونفست به - بالكسر - أي بخلت ، ونفست عليه الشئ نفاسة إذا لم تره له أهلا.

قوله: لكأت.. قال الفيروزآبادي: لكأ - كفرح - أقام ولزم، وتلكأ عليه اعتل، وعنه ابطأ.

قوله: يضح لك مغزاه.. أي يتبين لك معناه.

والدارج: الميت.

ويقال: نقمت عليه ومنه - من باب ضرب وعلم - إذا عابه وكرهه أشد الكراهة، وفي التنزيل: [وما تنقم منا].

وقال في النهاية: الحلوب أي ذات اللبن، يقال: ناقة حلوب أي هي مما يحلب، وقيل الحلوب والحلوبة سواء، وقيل الحلوب الاسم، والحلوبة الصفة، وقيل الواحدة والجماعة.

وقال: القطوانية عباءة بيضاء قصيرة الخمل، والنون زائدة.

أقول: روى السيد في الشافي عن محمد بن زكريا الغلابي عن شيوخه عن أبي المقدام هشام بن زياد مولى آل عثمان قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة فرد فدك على ولد فاطمة عليها السلام، وكتب إلى واليه على المدينة: أبي بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك، فكتب إليه: ان فاطمة (ع) قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وآل فلان، فكتب إليه: أما بعد، فإني لو كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لسألتني جماء أو قرناء؟، أو كتبت إليك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها؟ فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها بين ولد فاطمة عليها السلام من علي (ع).

قال أبو المقدام: فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه، وقالوا له: قبحت فعل الشيخين، وخرج إليه عمرو بن عبيس في جماعة من أهل الكوفة، فلما عاتبوه على فعله قال: إنكم جهلتم وعلمت، ونسيتم وذكرت، ان أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فاطمة بضعة مني يسخطني ما يسخطها ويرضيني ما يرضيها، وإن فدك كانت صافية في عهد أبي بكر وعمر، ثم صار أمرها إلى مروان، فوهبها لأبي عبد العزيز فورثتها أنا وإخوتي فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها، ومنهم

من باعني ومنهم من وهب لي حتى استجمعتها، فرأيت أن أردها على ولد فاطمة (ع). فقالوا: إن أبيت إلا هذا فامسك الأصل وأقسم الغلة، ففعل.

أقول: سيأتي في أبواب تاريخ أبي جعفر الباقر عليه السلام رد عمر بن عبد العزيز فدكا إليه عليه السلام.

فصل نورد فيه: خطبة خطبتها سيدة النساء فاطمة الزهراء صلوات الله عليها احتج بها على من غصب فدك منها.

اعلم أن هذه الخطبة من الخطب المشهورة التي روتها الخاصة والعامة بأسانيد متضافرة.

1 - قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح كتابه عليه السلام إلى عثمان ابن حنيف عند ذكر الأخبار الواردة في فدك، حيث قال: الفصل الأول فيما ورد من الاخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم لا من كتب الشيعة ورجالهم. وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة وفدك - وأبو بكر الجوهري هذا عالم محدث كثير الأدب ثقة

ورع أثنى عليه المحدثون ورووا عنه مصنفاته وغير مصنفاته -.

ثم قال: قال أبو بكر: حدثني محمد بن زكريا، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن الحسن بن صالح قال: حدثني ابن خالات من بني هاشم عن زينب بنت علي بن أبي طالب عليه السلام.

قال: وقال جعفر بن محمد بن عمارة: حدثني أبي، عن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين، عن أبيه.

قال أبو بكر: وحدثني عثمان بن عمران العجيفي، عن نائل بن نجيح، عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام.

قال أبو بكر: وحدثني أحمد بن محمد بن زيد، عن عبد الله بن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن عبد الله بن الحسن.

قالوا جميعا: لما بلغ فاطمة عليها السلام إجماع أبي بكر على منعها فدك، لاثت خمارها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله حتى دخلت على أبي بكر - وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار - فضربت بينهم وبينها ريطة بيضاء، وقال بعضهم:

قبطية، وقالوا: قبطية - بالكسر والضم -.. ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء، ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم، ثم قالت:

أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد، الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم.. وذكر خطبة طويلة جدا ثم قالت في آخرها: فاتقوا الله حق تقاته وأطيعوه فيما أمركم به.. إلى آخر الخطبة، انتهى كلام ابن أبي الحديد.

2 - وقد أورد الخطبة علي بن عيسى الأربلي في كتاب كشف الغمة، قال: نقلتها من كتاب السقيفة تأليف أحمد بن عبد العزيز الجوهري من نسخة قديمة مقروءة على مؤلفها المذكور، قرئت عليه في ربيع الآخر سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة، روى عن رجاله من عدة طرق: أن فاطمة عليها السلام لما بلغها إجماع أبي بكر.. إلى آخر الخطبة.

وقد أشار إليها المسعودي في مروج الذهب.

وقال السيد المرتضى رضي الله عنه في الشافي، أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن عمران المرزباني، عن محمد بن أحمد الكاتب، عن أحمد بن عبيد الله

النحوي، عن الزيادي، عن شرفي بن قطامي، عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عروة عن عائشة.

قال المرزباني: وحدثني أحمد بن محمد المكي، عن محمد بن القاسم اليماني، قال: حدثنا ابن عائشة قالوا: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أقبلت فاطمة عليها السلام في لمة من حفدتها إلى أبي بكر..

وفي الرواية الأولى: قالت عائشة: لما سمعت فاطمة (ع) إجماع أبي بكر على منعها فدك لاتت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها - ثم اتفقت الروايتان من هاهنا - ونساء قومها.. وساق الحديث نحو ما مر إلى قوله: افتتحت كلامها بالحمد لله عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قالت: لقد جاءكم رسول من أنفسكم... إلى آخرها.

أقول: وسيأتي أسانيد أخرى سنوردها من كتاب أحمد بن أبي طاهر.

3 - وروى الصدوق رحمه الله بعض فقراتها المتعلقة بالعلل في علل الشرايع عن ابن المتوكل عن السعد آبادي، عن البرقي عن إسماعيل بن مهران عن أحمد بن محمد بن جابر عن زينب بنت علي عليه السلام.

4 - قال: وأخبرنا علي بن حاتم عن محمد بن أسلم عن عبد الجليل

الباقطاني عن الحسن بن موسى الخشاب عن عبد الله بن محمد العلوي عن رجال من أهل بيته عن زينب بنت علي عن فاطمة عليها السلام بمثله.

5 - وأخبرني علي بن حاتم عن ابن أبي عمير عن محمد بن عمارة عن محمد بن إبراهيم المصري عن هارون بن يحيى عن عبيد الله بن موسى العبسي عن حفص الأحمر عن زيد بن علي عن عمته زينب بن علي عن فاطمة عليها السلام، وزاد بعضهم على بعض في اللفظ.

أقول: قد أوردت ما رواه في المجلد الثالث، وإنما أوردت الأسانيد هنا ليعلم أنه روى هذه الخطبة بأسانيد جمة.

6 - وروى الشيخ المفيد الأبيات المذكورة فيها بالسند المذكور في أوائل الباب.

7 - وروى السيد ابن طاوس رضي الله عنه في كتاب الطرائف موضع الشكوى والاحتجاج من هذه الخطبة عن الشيخ أسعد بن شفروة في كتاب الفائق عن الشيخ المعظم عندهم الحافظ الثقة بينهم أحمد بن موسى بن مردويه

الأصفهاني في كتاب المناقب قال: أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن إبراهيم عن شرفي بن قطامي عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة.

8 - ورواها الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج مرسلا، ونحن نوردها بلفظه، ثم نشير إلى موضع التخالف بين الروايات في أثناء شرحها إن شاء الله تعالى.

قال رحمه الله تعالى: روى عبد الله بن الحسن بإسناده عن آبائه عليهم السلام: أنه لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة عليها السلام فدك، وبلغها ذلك لاتت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخلت على أبي بكر - وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم - فنيطت دونها ملاءة، فجلست ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء، فارتج المجلس، ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله (ص)، فعاد القوم في بكائهم فلما أمسكوا عادت في كلامها.

فقالت عليها السلام: الحمد الله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن والاها،

جم عن الاحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الادراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها، واستحمد إلى الخلائق باجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الاخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في الفكرة معقولها، الممتنع من الابصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيته، ابتدع الأشياء لا من شئ كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كونها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، إلا تثبيتا لحكمته، وتنبيها على طاعته، وإظهارا لقدرته، و تعبدا لبريته، وإعزازا لدعوته، ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، زيادة لعباده عن نقمته وحياشة منه إلى جنته، وأشهد أن أبي محمدا (ص) عبده ورسوله، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله، وسماه قبل أن اجتبله، واصطفاه قبل ان ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علما من الله تعالى بمايل الأمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور، ابتعثه الله تعالى إتماما لامره، وعزيمة على إمضاء حكمه،

وإنفاذا لمقادير حتمه، فرأى الأمم فرقا في أديانها، عكفا على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله بمحمد صلى الله عليه وآله ظلمها، وكشف عن القلوب بهمها، وجلى عن الابصار غممها، وقام في الناس بالهداية، وأنقذهم من الغواية، وبصرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم، ثم قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار، ورغبة وإيثار بمحمد صلى الله عليه وآله عن تعب هذه الدار في راحة، قد حف بالملائكة الأبرار، ورضوان الرب الغفار، ومجاورة الملك الجبار، صلى الله على أبي نبيه وأمينه على الوحي وصفيه وخيرته من الخلق ورضيه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

ثم التفت إلى أهل المجلس، وقالت: أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبلغاؤه إلى الأمم، وزعمتم حق لكم لله فيكم عهد قدمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم، كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بينة بصائره،

منكشفة سرائره، متجلية ظواهره، مغتبطة به أشياعه، قائد إلى الرضوان اتباعه، مؤد إلى النجاة أسماعه، به تنال حجج الله المنورة، وعزائمه المفسرة، ومحارمه المحذرة، وبيناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة، فجعل الله الايمان تطهيرا لكم من الشرك، والصلاة تنزيها لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس، ونماء في الرزق، والصيام تثبيتا للاخلاص، والحج تشييدا للدين، والعدل تنسيقا للقلوب، وطاعتنا نظاما للملة، وإمامتنا أمانا من الفرقة، والجهاد عزا للاسلام، والصبر معونة على استيجاب الاجر، والامر بالمعروف مصلحة للعامة، وبر الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منماة للعدد، والقصاص حقنا للدماء، والوفاء بالنذر تعريضا للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييرا للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، واجتناب القذف حجابا عن اللعنة، وترك السرقة إيجابا للعفة، وحرم الله الشرك إخلاصا له بالربوبية، ف‍ [اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون]، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه فإنه [إنما يخشى الله من عباده العلماء].

ثم قالت: أيها الناس! اعلموا أني فاطمة وأبي محمد صلى الله عليه وآله، أقول عودا وبدءا، ولا أقول ما أقول غلطا، ولا أفعل ما أفعل شططا [لقد

جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم]، فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، ولنعم المعزي إليه صلى الله عليه وآله وسلم، فبلغ الرسالة، صادعا بالنذارة، مائلا عن مدرجة المشركين، ضاربا ثبجهم، آخذا باكظامهم، داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يكسر الأصنام، وينكث الهام، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر، حتى تفرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين، وطاح وشيظ النفاق، وانحلت عقد الكفر والشقاق، وفهتم بكلمة الاخلاص في نفر من البيض الخماص، وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الاقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون الورق، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب [كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله]، أو نجم قرن للشيطان، وفغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدودا في ذات الله، و مجتهدا في أمر الله، قريبا من رسول الله، سيد أولياء الله، مشمرا ناصحا، مجدا كادحا،

وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر، وتتوكفون الاخبار، وتنكصون عند النزال، وتفرون عند القتال، فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، واطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر، ابتدارا زعمتم خوف الفتنة [ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين]، فهيهات منكم! وكيف بكم؟! وأنى تؤفكون؟ وكتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة، قد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون..؟، أم بغيره تحكمون؟! [بئس للظالمين بدلا]، [ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين]، ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها، ويسلس قيادها،

ثم أخذتم تورون وقدتها، وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهماد سنن النبي الصفي، تسرون حصوا في ارتغاء، وتمشون لأهله وولده في الخمر والضراء، ونصبر منكم على مثل حز المدى، ووخز السنان في الحشا، وأنتم تزعمون الا إرث لنا [أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون] أفلا تعلمون؟! بلى، تجلى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته أيها المسلمون، أأغلب على إرثيه (8)؟!.

يا بن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟! [لقد جئت شيئا فريا] أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول:

[وورث سليمان داود] (10)؟! وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا (ع) إذ قال:

رب [هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب]، وقال: [وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله]، وقال: [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين]، وقال: [إن ترك خيرا الوصية للوالدين

والأقربين بالمعروف حقا على المتقين]، وزعمتم الا حظوة لي ولا أرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي (ص)؟! أم هل تقولون أهل ملتين لا يتوارثان؟!، أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟! فدونكما مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة ما تخسرون، ولا ينفعكم إذ تندمون، و [لكل نبأ مستقر] و [سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم].

.. ثم رمت بطرفها نحو الأنصار فقالت: يا معاشر الفتية وأعضاد الملة، وأنصار الاسلام، ما هذه الغميزة في حقي، والسنة عن ظلامتي، أما كان رسول الله صلى الله عليه وآله أبي يقول: المرء يحفظ في ولده، سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة، ولكم طاقة بما أحاول، وقوة على ما أطلب وأزاول، أتقولون

مات محمد صلى الله عليه وآله، فخطب جليل استوسع وهنه، واستنهر فتقه، وانفتق رتقه، واظلمت الأرض لغيبته، وكسفت النجوم لمصيبته، واكدت الآمال، وخشعت الجبال، وأضيع الحريم، وأزيلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النازلة الكبرى، والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة، ولا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب الله جل ثناؤه في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم، هتافا وصراخا، وتلاوة وألحانا، ولقبله ما حل بأنبياء الله ورسله، حكم فصل وقضاء حتم: [وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين].

إيها بني قيلة! أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى مني ومسمع، ومبتد ومجمع؟، تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذا العدد والعدة، والأداة والقوة، وعندكم السلاح والجنة، توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنجبة التي

انتجبت، والخيرة التي اختيرت، قاتلتم العرب، وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم، فلا نبرح أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الاسلام، ودر حلب الأيام، وخضعت ثغرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأنى حرتم بعد البيان، وأسر رتم بعد الاعلان، ونكصتم بعد الاقدام، وأشركتم بعد الايمان [ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين] ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض، وخلوتم بالدعة، ونجوتم من الضيق بالسعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم الذي تسوغتم، ف‍ [إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد] ألا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس، ونفثة الغيظ،

وخور القنا، وبثة الصدر، وتقدمة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخف، باقية العار، موسومة بغضب الله وشنار الأبد، موصولة ب‍: [نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة] فبعين الله ما تفعلون [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون].

وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ف‍: [اعملوا... إنا عاملون] [وانتظروا إنا منتظرون].

فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان فقال: يا بنة رسول الله (ص)! لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفا كريما، رؤوفا رحيما، وعلى الكافرين عذابا أليما، وعقابا عظيما، فإن عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخا لبعلك دون الأخلاء، آثره على كل حميم، وساعده في كل أمر جسيم، لا يحبكم إلا كل سعيد، ولا يبغضكم إلا كل شقي، فأنتم عترة رسول الله (ص) الطيبون، والخيرة المنتجبون، على الخير أدلتنا، والى الجنة مسالكنا، وأنت يا خيرة النساء وابنة خير الأنبياء صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقك، ولا

مصدودة عن صدقك، و والله ما عدوت رأي رسول الله صلى الله عليه وآله ولا عملت إلا بإذنه، وإن الرايد لا يكذب أهله، وإني اشهد الله وكفى به شهيدا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا دارا ولا عقارا وإنما نورث الكتب والحكمة والعلم والنبوة، وما كان لنا من طعمة فلولي الامر بعدنا ان يحكم فيه بحكمه، وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقاتل به المسلمون ويجاهدون الكفار، ويجالدون المردة، ثم الفجار، وذلك بإجماع من المسلمين، لم أتفرد به وحدي، ولم أستبد بما كان الرأي فيه عندي، وهذه حالي ومالي هي لك وبين يديك لا نزوي عنك ولا ندخر دونك، وأنت سيدة أمة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لا يدفع مالك من فضلك، ولا يوضع من فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي، فهل ترين أن أخالف في ذلك أباك صلى الله عليه وآله وسلم؟!.

فقالت عليها السلام: سبحان الله! ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله عن كتاب الله صارفا، ولا لاحكامه مخالفا، بل كان يتبع أثره، ويقفو

سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالا عليه بالزور، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته، هذا كتاب الله حكما عدلا، وناطقا فصلا، يقول:

[يرثني ويرث من آل يعقوب] [وورث سليمان داود] فبين عز وجل فيما وزع عليه من الأقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظ الذكران والإناث ما أزاح علة المبطلين، وأزال التظني والشبهات في الغابرين، كلا! [بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون].

فقال أبو بكر: صدق الله وصدق رسوله وصدقت ابنته، أنت معدن الحكمة، وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجة، لا أبعد صوابك، ولا أنكر خطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك قلدوني ما تقلدت، وباتفاق منهم أخذت ما أخذت، غير مكابر ولا مستبد ولا مستأثر، وهم بذلك شهود.

فالتفتت فاطمة عليها السلام الناس وقالت: معاشر الناس! المسرعة إلى قيل الباطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر [أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها]، كلا بل ران على قلوبكم، ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ

بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأولتم، وساء ما به أشرتم، وشر ما منه اعتضتم، لتجدن والله محمله ثقيلا، وغبه وبيلا، إذا كشف لكم الغطاء، وبان ما وراءه الضراء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون [وخسر هنالك المبطلون].

ثم عطفت على قبر النبي صلى الله عليه وآله وقالت:

قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكبر الخطب إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم وقد نكبوا وكل أهل له قربى ومنزلة * عند الاله على الادنين مقترب أبدت رجال لنا نجوى صدورهم * لما مضيت وحالت دونك الترب تجهمتنا رجال واستخف بنا * لما فقدت وكل الأرض مغتصب وكنت بدرا ونسورا يستضاء به * عليك تنزل من ذي العزة الكتب وكان جبريل بالآيات يؤنسنا * فقد فقدت فكل الخير محتجب فليت قبلك كان الموت صادفنا * لما مضيت وحالت دونك الكثب إنا رزينا بما لم يرز ذو شجن * من البرية لا عجم ولا عرب

ثم انكفأت عليها السلام - وأمير المؤمنين عليه السلام يتوقع رجوعها إليه ويتطلع طلوعها عليه - فلما استقرت بها الدار، قالت لأمير المؤمنين عليه السلام:

يا بن أبي طالب عليك السلام: اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحيلة أبي وبلغة ابني، لقد أجهر في خصامي، وألفيته ألد في كلامي، حتى حبستني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة، أضرعت خدك يوم أضعت حدك، افترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلا، ولا أغنيت باطلا، ولا خيار لي، ليتني مت قبل هنيئتي، ودون زلتي، عذيري الله منك عاديا، ومنك حاميا، ويلاي! في كل شارق، مات العمد، ووهت العضد، شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربي، اللهم أنت أشد قوة وحولا، واحد بأسا وتنكيلا.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا ويل عليك، الويل لشانئك، نهنهي عن وجدك يا بنة الصفوة، وبقية النبوة، فما ونيت عن ديني، ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما أعد لك أفضل مما قطع عنك، فاحتسبي الله.

فقالت: حسبي الله.. وأمسكت.

أقول: وجدت هذه الخطبة في كتاب بلاغات النساء لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر، فأحببت إيرادها لما فيه من الاختلاف، مع ما أوردنا سابقا.

9 - قال أبو الفضل: ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم كلام فاطمة عليها السلام عند منع أبي بكر إياها فدك، وقلت له: إن هؤلاء يزعمون أنه مصنوع، وأنه من كلام أبي العيناء - الخبر منسوق على البلاغة على الكلام - فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم، ويعلمونه أبناءهم، وقد حدثنيه أبي عن جدي يبلغ به فاطمة (ع) على هذه الحكاية، ورواه مشايخ الشيعة وتدارسوه بينهم قبل أن يولد جد أبي العيناء، وقد حدث به الحسن بن علوان عن عطية العوفي أنه سمع عبد الله ابن الحسن يذكر عن أبيه، ثم قال أبو الحسين: وكيف يذكر هذا من كلام فاطمة فينكر، وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة، فيحققونه لولا عداوتهم لنا أهل البيت.. ثم ذكر الحديث، قال:

لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وعليها فدك، وبلغ ذلك فاطمة (ع) لاثت خمارها على رأسها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم من مشية رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم شيئا حتى دخلت على أبي بكر - وهو في حشد من المهاجرين والأنصار - فنيطت دونها ملاءة، ثم أنت أنة أجهش القوم لها بالبكاء، وارتج المجلس، وأمهلت حتى سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، فافتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها فقالت: [لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم] فإن تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، فبلغ النذارة، صادعا بالرسالة، ماثلا على مدرجة المشركين، ضاربا لثبجهم، آخذا بكظمهم، يجذ الأصنام، وينكث الهام، حتى هزم الجمع وولوا الدبر، وتفرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين: [وكنتم على شفا حفرة من النار] مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الاقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون الورق، أذلة

خاشعين [تخافون أن يتخطفكم الناس] من حولكم، فأنقذكم الله برسوله صلى الله عليه [وآله] وسلم بعد اللتيا والتي، وبعد ما مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، كلما حشوا نارا للحرب ونجم قرن للضلال، وفغرت فاغرة من المشركين، قذف بأخيه في لهواتها، ولا ينكفي حتى يطأ سماخها بأخمصه، ويحمد لهبها بحده، مكدودا في ذات الله، قريبا من رسول الله، سيدا في أولياء الله، وأنتم في بلهنية وادعون آمنون، حتى إذا اختار الله لنبيه صلى الله عليه [وآله] دار أنبيائه، ظهرت حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبع خامل الأقلين، وهدر فنيق المبطلين، يخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخا بكم، فوجدكم لدعائه مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، فاستنهضكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتموها غير شربكم، هذا والعهد قريب،

والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، بدارا زعمتم خوف الفتنة، [ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين] فهيهات منكم وأنى بكم وأنى تؤفكون، وهذا كتاب الله بين أظهركم، زواجر بينة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة، أرغبة عنه تدبرون ، أم بغيره تحكمون [بئس للظالمين بدلا] [ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين]، ثم لم تريثوا أختها إلا ريث أن تسكن نفرتها، تسرون حسوا في ارتقاء، ونصبر منكم على مثل حز المدى، وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا، [أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون]، ويها! يا معشر المهاجرة ابتز إرث أبيه؟!.

أفي الكتاب أن ترث أباك ولا أرث أبي؟! [لقد جئت شيئا فريا] فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة [يخسر المبطلون] و [لكل نبا مستقر وسوف

تعلمون].

ثم انحرفت إلى قبر النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وهي تقول:

قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب قال: فما رأينا يوما كان أكثر باكيا ولا باكية من ذلك اليوم.

ثم قال أحمد بن أبي طاهر: حدثني جعفر بن محمد - رجل من أهل ديار مصر لقيته بالرافقة - قال: حدثني أبي قال: أخبرنا موسى بن عيسى قال: أخبرنا عبد الله بن يونس قال: أخبرنا جعفر الأحمر عن زيد بن علي رحمة الله عليه عن عمته زينب بنت الحسين عليهما السلام، قالت: لما بلغ فاطمة عليها السلام إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها وخرجت في حشدة نسائها ولمة من قومها، تجر أدراعها، ما تخرم من مشية رسول الله صلى الله عليه [وآله] شيئا، حتى وقفت على أبي بكر - وهو في حشد من المهاجرين والأنصار - فأنت أنه أجهش لها القوم بالبكاء، فلما سكنت فورتهم قالت:

أبدأ بحمد الله - ثم أسبلت بينها وبينهم سجفا - ثم قالت: الحمد لله

على ما أنعم، ولها الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وإحسان منن والاها، جم عن الاحصاء عددها، ونأى عن المجازاة أمدها، وتفاوت عن الادراك آمالها، واستثنى الشكر بفضائلها، واستحمد إلى الخلائق باجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها، وأشهد أن لا إله إلا الله، كلمة جعل الاخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في الفكرة معقولها، الممتنع من الابصار رؤيته، ومن الأوهام الإحاطة به، ابتدع الأشياء لا من شئ قبله، واحتذاها بلا مثال لغير فايدة زادته، إلا إظهارا لقدرته، وتعبدا لبريته، وإعزازا لدعوته، ثم جعل الثواب على طاعته، والعقاب على معصيته، زيادة لعباده عن نقمته، وحياشا لهم إلى جنته، وأشهد أن أبي محمدا عبده ورسوله، اختاره قبل أن يجتبله، واصطفاه قبل أن ابتعثه، وسماه قبل أن استنجبه، إذ الخلائق بالغيوب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علما من الله عز وجل بمايل الأمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواضع المقدور، ابتعثه الله عز وجل إتماما لامره وعزيمة على إمضاء حكمه، فرأى الأمم صلى الله عليه [وآله] فرقا في أديانها، عكفا على نيرانها، عابدة لأوثانها،

منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه [وآله] ظلمها، وفرج عن القلوب بهمها، وجلا عن الابصار غممها، ثم قبض الله نبيه صلى الله عليه [وآله] قبض رأفة واختيار، رغبة بأبي صلى الله عليه [وآله] عن هذه الدار، موضوع عنه العب ء والأوزار، محتف بالملائكة الأبرار، ومجاورة الملك الجبار، ورضوان الرب الغفار، صلى الله على محمد نبي الرحمة وأمينه على وحيه، وصفيه من الخلائق، ورضيه صلى الله عليه [وآله] وسلم ورحمة الله وبركاته.

ثم أنتم عباد الله - تريد أهل المجلس - نصب أمر الله ونهيه، وحملة دينه و وحيه، وامناء الله على أنفسكم، وبلغاؤه إلى الأمم، زعمتم حق لكم لله فيكم عهد قدمه إليكم، ونحن بقية استخلفنا عليكم، ومعنا كتاب الله، بينة بصائره، وآي فينا منكشفة سرائره، وبرهان منجلية ظواهره، مديم للبرية اسماعه، قائد إلى الرضوان اتباعه، مؤد إلى النجاة استماعه، فيه بيان حجج الله المنورة، وعزائمه المفسرة، ومحارمه المحذرة، وبيناته الجالية، وجمله الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة، ففرض الله الايمان تطهيرا لكم من الشرك، والصلاة تنزيها عن الكبر، والصيام تثبيتا للاخلاص، والزكاة تزييدا في الرزق، والحج تسلية للدين، والعدل تنسكا للقلوب، وطاعتنا

نظاما للملة، وإمامتنا لما من الفرقة، وحبنا عزا للاسلام، والصبر منجاة، والقصاص حقنا للدماء، والوفاء بالنذر تعرضا للمغفرة، وتوفية المكائيل والموازين تغييرا للبخسة، والنهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، وقذف المحصنات اجتنابا للعنة، وترك السرق ايجابا للعفة، وحرم الله عز وجل الشرك اخلاصا له بالربوبية ف‍: [اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون] وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنه [إنما يخشى الله من عباده العلماء].

ثم قالت: أيها الناس! أنا فاطمة، وأبي محمد صلى الله عليه [وآله] أقولها بدأ على عودي [لقد جاءكم رسول من أنفسكم..].. ثم ساق الكلام على ما رواه زيد بن علي عليه السلام في رواية أبيه.

ثم قالت - في متصل كلامها -: أفعلى محمد تركتم كتاب الله، ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول الله تبارك وتعالى: [وورث سليمان داود]، وقال الله عز وجل - فيما قص من خبر يحيى بن زكريا: [رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب]، وقال عز ذكره: [وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله]، وقال: [يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ

الأنثيين]، وقال: [إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين] وزعمتم ألا حظوة لي ولا إرث من أبي، ولا رحم بيننا، أفخصكم الله بآية أخرج نبيه صلى الله عليه [وآله] منها؟! أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثون؟! أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ أم لعلكم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من النبي صلى الله عليه [وآله]؟! [أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون] أأغلب على إرثي ظلما وجورا (6)؟!

[وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون].

وذكر أنها لما فرغت من كلام أبي بكر والمهاجرين عدلت إلى مجلس الأنصار، فقالت: معشر البقية، وأعضاد الملة، وحصون الاسلام: ما هذه الغميرة في حقي والسنة عن ظلامتي؟ أما كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] يقول: المرء يحفظ في ولده؟! سرعان ما أجدبتم فأكديتم، وعجلان ذا اهالة، أتقولون مات رسول الله صلى الله عليه [وآله] فخطب جليل استوسع وهيه، واستنهر فتقه، وبعد وقته، واظلمت الأرض لغيبته، واكتابت خيرة الله لمصيبته، وخشعت الجبال، وأكدت الآمال، وأضيع الحريم، وأزيلت الحرمة عند مماته صلى الله عليه [وآله]؟

وتلك نازلة علن بها كتاب الله في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم، يهتف بها في أسماعكم، ولقلبه ما حلت بأنبياء الله عز وجل ورسله [وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين] إيها بني قيله! أأهضم تراث أبيه وأنتم بمرأى منه ومسمع؟! تلبسكم الدعوة، وتشملكم الحيرة، وفيكم العدد والعدة، ولكم الدار، وعندكم الجنن، وأنتم الأولى يحبه الله التي انتجب لدينه وأنصار رسوله، وأهل الاسلام، والخيرة التي اختار لنا أهل البيت، فباديتم العرب، وناهضتم الأمم، وكافحتم البهم، لا نبرح نأمركم وتأتمرون، حتى دارت لكم بنا رحى الاسلام، ودر حلب الأنام، وخضعت نعرة الشرك، وبأخت نيران الحرب، وهدأت دعوة الهرج، واستوثق نظام الدين، فأنى جرتم بعد البيان، ونكصتم بعد الاقدام، وأسر رتم بعد الاعلان، لقوم نكثوا ايمانهم: [أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين]. ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وركنتم إلى الدعة، فعجتم

عن الدين، ومججتم الذي وعيتم، ووسعتم الذي سوغتم ف‍: [إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد]. ألا وقد قلت الذي قلته على معرفة مني بالخذلان الذي خاصر صدوركم، واستشعرته قلوبكم، ولكن قلته فيضة النفس، ونفثة الغيظ، وبثة الصدر، ومعذرة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظهر، ناقبة الخف، باقية العار، موسومة بشنار الأبد، موصولة ب‍: [نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة]. فبعين الله ما تفعلون: [وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون] (6)! وأنا ابنة نذير [لكم بين يدي عذاب شديد]، ف‍ [اعملوا... إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون].

قال أبو الفضل: وقد ذكر قوم أن أبا العيناء ادعى هذا الكلام، وقد رواه قوم وصححوه وكتبناه على ما فيه.

وحدثني عبد الله بن أحمد العبدي عن الحسين بن علوان عن عطية العوفي أنه سمع أبا بكر يومئذ يقول لفاطمة عليها السلام: يا بنت رسول الله! لقد كان صلى الله عليه [وآله] وسلم بالمؤمنين رحيما، وعلى الكافرين عذابا أليما، وإذا عزوناه كان أباك دون النساء، وأخا ابن عمك دون الرجال، آثره على كل حميم، وساعده على الامر العظيم، لا يحبكم إلا العظيم السعادة، ولا يبغضكم إلا

الردي الولادة، وأنتم عترة الله الطيبون، وخيرة الله المنتجبون، على الآخرة أدلتنا، وباب الجنة لسالكنا، وأما منعك ما سألت فلا ذلك لي، وأما فدك وما جعل أبوك لك، فإن منعتك فأنا ظالم، وأما الميراث فقد تعلمين أنه صلى الله عليه [وآله] قال: لا نورث ما أبقيناه صدقة.

قالت: إن الله يقول عن نبي من أنبيائه: [يرثني ويرث من آل يعقوب]، وقال: [وورث سليمان داود]، فهذان نبيان، وقد علمت أن النبوة لا تورث وإنما يورث ما دونها، فما لي أمنع إرث أبي؟! أأنزل الله في الكتاب إلا فاطمة (ع) بنت محمد صلى الله عليه [وآله] فتدلني عليه فأقنع به؟.

فقال: يا بنت رسول الله صلى الله عليه [وآله]! أنت عين الحجة، ومنطق الرسالة، لا يد لي بجوابك، ولا أدفعك عن صوابك، ولكن هذا أبو الحسن بيني وبينك هو الذي أخبرني بما تفقدت، وأنبأني بما أخذت وتركت.

قالت: فإن يكن ذلك كذلك فصبر لمر الحق، والحمد لله إله الحق.

وما وجدت هذا الحديث على التمام إلا عند أبي هفان.

أقول: لا يخفى على ذي عينين أن ما ألحقوه في آخر الخبر لا يوافق شيئا من الروايات، ولا يلائم ما مر من الفقرات والتظلمات والشكايات، وسنوضح القول في ذلك إن شاء الله تعالى.

ولنوضح تلك الخطبة الغراء الساطعة عن سيدة النساء صلوات الله عليها

التي تحير من العجب منها والاعجاب بها أحلام الفصحاء والبلغاء، ونبني الشرح على رواية الاحتجاج ونشير أحيانا إلى الروايات الأخر.

قوله: أجمع أبو بكر.. أي احكم النية والعزيمة عليه.

لاثت خمارها على رأسها.. أي عصبته وجمعته، يقال: لاث العمامة على رأسه يلوثها لوثا أي شدها وربطها..

والجلباب - بالكسر - يطلق على الملحفة والرداء والإزار والثوب الواسع للمرأة دون الملحفة، والثوب كالمقنعة تغطي بها المرأة رأسها وصدرها وظهرها، والأول هنا أظهر.

أقبلت في لمة من حفدتها.. اللمة - بضم اللام وتخفيف الميم - الجماعة، قال في النهاية: في حديث فاطمة (ع) أنها خرجت في لمة من نسائها تتوطأ ذيلها إلى أبي بكر فعاتبته.. أي في جماعة من نسائها، قيل: هي ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: اللمة: المثل في السن والترب.

و قال الجوهري: الهاء عوض من الهمزة لذاهبة من وسطة، وهو مما

اخذت عينه كسر ومذ واصلها فعلة من الملاءمة، وهي الموافقة. انتهى.

أقول: ويحتمل أن يكون بتشديد الميم. قال الفيروزآبادي: اللمة - بالضم - الصاحب والأصحاب في السفر والمؤنس للواحد والجمع.

والحفدة - بالتحريك -: الأعوان والخدم.

تطأ ذيولها.. أي كانت أثوابها طويلة تستر قدميها، وتضع عليها قدمها عند المشي، وجمع الذيل باعتبار الاجزاء أو تعدد الثياب.

ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وآله.. وفي بعض النسخ:

من مشي رسول الله صلى الله عليه وآله، والخرم: الترك، والنقص والعدول، والمشية - بالكسر - الاسم من مشى يمشي مشيا، أي لم تنقص مشيها من مشيه صلى الله عليه وآله شيئا كأنه هو بعينه، قال في النهاية: فيه ما خرمت من صلاة رسول الله.. شيئا: أي ما تركت، ومنه الحديث: " لم أخرم منه حرفا " أي لم أدع.

والحشد - بالفتح وقد يحرك -: الجماعة.

وفي الكشف: إن فاطمة عليها السلام لما بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدكا لاثت خمارها وأقبلت في لميمة من حفدتها ونساء قومها، تجر أدراعها، وتطأ في

ذيولها، ما تخرم من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله... حتى دخلت على أبي بكر - وقد حشد المهاجرين والأنصار - فضرب بينهم بريطة بيضاء، وقيل قبطية... فأنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء، ثم أمهلت طويلا حتى سكنوا من فورتهم...، ثم قالت (ع): أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد والطول والمجد، الحمد لله على ما أنعم..

فنيطت دونها ملاءة.. الملاءة - بالضم والمد - الريطة والإزار، ونيطت بمعنى علقت أي ضربوا بينها عليها السلام وبين القوم سترا وحجابا، والريطة - بالفتح - الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن لفقين، أو هي كل ثوب لين رقيق.

والقبطية - بالكسر -: ثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر، وقد يضم لأنهم يغيرون في النسبة.

والجهش: ان يفزع الانسان إلى غيره وهو مع ذلك يريد البكاء كالصبي يفزع إلى أمه وقد تهيأ للبكاء، يقال: جهش إليه كمنع واجهش.

والارتجاج: الاضطراب.

قوله: هنيئة.. أي صبرت زمانا قليلا.

والنشيج: صوت معه توجع وبكاء كما يردد الصبي بكاءه في صدره.

وهدأت - كمنعت -: أي سكنت.

وفورة الشئ شدته، وفار القدر أي جاشت.

قولها صلوات الله عليها: بما قدم.. أي بنعم أعطاها العباد قبل أن يستحقوها، ويحتمل أن يكون المراد بالتقديم الايجاد والفعل من غير ملاحظة معنى الابتداء، فيكون تأسيسا.

والسبوغ: الكمال.

والآلاء: النعماء جمع إلى - بالفتح والقصر وقد يكسر الهمزة -.

وأسدى وأولى وأعطى بمعنى واحد.

قولها: والاها.. أي تابعها، باعطاء نعمة بعد أخرى بلا فصل.

وجم الشئ أي كثر، والجم: الكثير، والتعدية بعن لتضمين معنى التعدي والتجاوز.

قولها عليها السلام: ونأى عن الجزاء أمدها.. الأمد - بالتحريك -:

الغاية المنتهى، أي بعد عن الجزاء بالشكر غايتها، فالمراد بالأمد اما الأمد المفروض، إذ لا أمد لها على الحقيقة، أو الأمد الحقيقي لكل حد من حدودها

المفروضة، ويحتمل أن يكون المراد بأمدها ابتداؤها، وقد مر في كثير من الخطب بهذا المعنى.

وقال في النهاية في حديث الحجاج: " قال للحسن: ما أمدك؟ قال:

سنتان من خلافة عمر "، أراد أنه ولد لسنتين من خلافته، وللانسان أمدان، مولده وموته. انتهى. وإذا حمل عليه يكون أبلغ، ويحتمل - على بعد - أن يقرأ بكسر الميم، قال الفيروزآبادي: الأمد: المملو من خير وشر، والسفينة المشحونة.

وتفاوت عن الادراك أبدها.. التفاوت: البعد، والابد: الدهر والدايم والقديم الأزلي، وبعده عن الادراك لعدم الانتهاء.

وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها.. يقال: ندبه للامر وإليه فانتدب..

أي دعاه فأجاب، واللام في قولها: لاتصالها .. لتعليل الندب.. أي رغبهم في استزادة النعمة بسبب الشكر لتكون نعمة متصلة لهم غير منقطعة عنهم، وجعل اللام الأولى للتعليل والثانية للصلة بعيد، وفي بعض النسخ: لافضالها، فيحتمل تعلقه بالشكر.

واستحمد إلى الخلائق باجزالها.. أي طلب منهم الحمد بسبب اجزال النعم واكمالها عليهم، يقال: أجزلت له من العطاء.. أي أكثرت، وأجزاك

النعم كأنه طلب الحمد أو طلب منهم الحمد حقيقة لاجزال النعم، وعلى التقديرين: التعدية بالى لتضمين معنى الانتهاء أو التوجه، وهذه التعدية في الحمد شايع بوجه آخر، يقال: احمد إليك الله، قيل: أي احمده معك، وقيل:

أي احمد إليك نعمة الله بتحديثك إياها، ويحتمل أن يكون استحمد بمعنى تحمد، يقال: فلان يتحمد علي.. أي يمتن، فيكون إلى بمعنى على، وفيه بعد.

وثنى بالندب إلى أمثالها.. أي بعد أن أكمل لهم النعم الدنيوية ندبهم إلى تحصيل أمثالها من النعم الأخروية أو الأعم منها ومن مزيد النعم الدنيوية، ويحتمل أن يكون المراد بالندب إلى أمثالها أمر العباد بالاحسان والمعروف، وهو انعام على المحسن إليه وعلى المحسن أيضا، لأنه به يصير مستوجبا للأعواض والمثوبات الدنيوية والأخروية.

كلمة جعل الاخلاص تأويلها.. المراد بالاخلاص جعل الأعمال كلها خالصة لله تعالى، وعدم شوب الرياء والاغراض الفاسدة، وعدم التوسل بغيره تعالى في شئ من الأمور، فهذا تأويل كلمة التوحيد، لان من أيقن بأنه الخالق والمدبر، وبأنه لا شريك له في الإلهية فحق له أن لا يشرك في العبادة غيره، ولا يتوجه في شئ من الأمور إلى غيره.

وضمن القلوب موصولها.. هذه الفقرة تحتمل وجوها:

الأول: ان الله تعالى ألزم وأوجب على القلوب ما تستلزمه هذه الكلمة من عدم تركبه تعالى، وعدم زيادة صفاته الكمالية الموجودة وأشباه ذلك مما يؤول إلى التوحيد.

الثاني: أن يكون المعنى جعل ما يصل إليه العقل من تلك الكلمة مدرجا

في القلوب مما أراهم من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم، أو بما فطرهم عليه من التوحيد.

الثالث: أن يكون المعنى لم يكلف العقول الوصول إلى منتهى دقايق كلمة التوحيد وتأويلها، بل إنما كلف عامة القلوب بالاذعان بظاهر معناها، وصريح مغزاها، وهو المراد بالموصول.

الرابع: أن يكون الضمير في موصولها راجعات إلى القلوب، أي لم يلزم القلوب إلا ما يمكنها الوصول إليها من تأويل تلك الكلمة الطيبة، والدقايق المستنبطة منها أو مطلقها، ولولا التفكيك لكان أحسن الوجوه بعد الوجه الأول، بل مطلقا.

وأنار في الفكر معقولها.. أي أوضح في الأذهان ما يتعلق من تلك الكلمة بالتفكر في الدلائل والبراهين، ويحتمل إرجاع الضمير إلى القلوب أو الفكر - بصيغة الجمع - أي أوضح بالتفكر ما يعقلها العقول، وهذا يؤيد الوجه الرابع من وجوه الفقرة السابقة.

الممتنع من الابصار رؤيته.. يمكن أن يقرأ الابصار - بصيغة الجمع والمصدر -، والمراد بالرؤية العلم الكامل والظهور التام.

ومن الألسن صفته.. الظاهر أن الصفة هنا مصدر، ويحتمل المعنى المشهور بتقدير أي بيان صفته.

لا من شئ.. أي مادة.

بلا احتذاء أمثلة امتثلها.. احتدى مثاله اقتدى به وامتثلها.. أي تبعها.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.