بحارالانوار · المجلد الثامن
11 - باب نزول الآيات في أمر فدك وقصصه وجوامع الاحتجاج به وفيه قصة خالد وعزمه على قتل أمير المؤمنين عليه السلام بأمر المنافقين
ج ۲۹، ص ۲۵۳–۲۹۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۷
ولم يتعد عنها.. أي لم يخلقها على وفق صنع غيره.
وتنبيها على طاعته.. لان ذوي العقول يتنبهون بمشاهدة مصنوعاته بأن شكر خالقها والمنعم بها واجب، أو ان خالقها مستحق للعبادة، أو بأن من قدر عليها يقدر على الإعادة والانتقام.
وتعبدا لبريته.. أي خلق البرية ليتعبدهم، أو خلق الأشياء ليتعبد البرايا بمعرفته والاستدلال بها عليه.
وإعزازا لدعوته.. أي خلق الأشياء ليغلب ويظهر دعوة الأنبياء إليه بالاستدلال بها.
ذيادة لعباده عن نقمته، وحياشة لهم إلى جنته..
الذود والذياد - بالذال المعجمة -.. السوق والطرد والدفع والابعاد.
وحشت الصيد الصيد أحوشه إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة.
ولعل التعبير بذلك لنفور الناس بطباعهم عما يوجب دخول الجنة.
قبل أن أجتبله.. الجبل: الخلق، يقال: جبلهم الله.. أي خلقهم، وجبله على الشئ.. أي طبعه عليه، ولعل المعنى أنه تعالى سماه لأنبيائه قبل أن يخلقه، ولعل زيادة البناء للمبالغة تنبيها على أنه خلق عظيم، وفي بعض النسخ - بالحاء المهملة - يقال: احتبل الصيد.. أي اخذه بالحبالة، فيكون المراد به الخلق أو البعث مجازا، وفي بعضها: قبل أن اجتباه.. أي اصطفاه بالبعثة ، وكل منها لا يخلو من تكلف.
وبستر الأهاويل مصونة.. لعل المراد بالستر ستر العدم أو حجب الأصلاب والأرحام، ونسبته إلى الأهاويل لما يلحق الأشياء في تلك الأحوال من موانع الوجود وعوائقه، ويحتمل أن يكون المراد أنها كانت مصونة عن الأهاويل بستر العدم، إذ هي إنما تلحقها بعد الوجود، وقيل: التعبير من قبيل التعبير عن درجات العدم بالظلمات.
بمائل الأمور - على صيغة الجمع -.. أي عواقبها، وفي بعض النسخ بصيغة المفرد.
ومعرفة بمواقع المقدور.. أي لمعرفته تعالى بما يصلح وينبغي من أزمنة الأمور الممكنة المقدورة وأمكنتها، ويحتمل أن يكون المراد بالمقدور: المقدر، بل هو أظهر.
اتماما لامره.. أي للحكمة التي خلق الأشياء لأجلها، والإضافة في مقادير حتمه من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة.. أي مقاديره المحتومة.
وقولها عليها السلام: عكفا على نيرانها.. تفصيل وبيان للفرق بذكر بعضها، يقال: عكف على الشئ - كضرب ونصر - أي اقبل عليه مواظبا ولازمه فهو عاكف، ويجمع على عكف - بضم العين وفتح الكاف المشددة - كما هو الغالب في فاعل الصفة نحو شهد وغيب.
والنيران.. جمع نار، وهو قياس مطرد في جمع الأجوف، نحو: تيجان وجيران.
منكرة لله مع عرفانها.. لكون معرفته تعالى فطرية، أو لقيام الدلائل
الواضحة الدالة على وجوده سبحانه، والضمير (في ظلمها) راجع إلى الأمم، والضميران التاليان له يمكن ارجاعهما إليها والى القلوب والابصار.
والظلم - بضم الظاء وفتح اللام - جمع ظلمة استعيرت هنا للجهالة.
والبهم جمع بهمة - بالضم - وهي مشكلات الأمور.
وجلوت الامر.. أو ضحته وكشفته.
والغمم جمع غمة يقال أمر غمة أي مبهم ملتبس، قال الله تعالى: [ثم لا يكن أمركم عليكم غمة]، قال أبو عبيدة: مجازها ظلمة وضيق، وتقول:
غممت الشئ: إذا غطيته وسترته.
والعماية: الغواية واللجاج، ذكره الفيروزآبادي.
واختيار.. أي من الله له ما هو خير له، أو باختيار منه صلى الله عليه وآله ورضى وكذا الايثار، والأول أظهر فيهما.
بمحمد صلى الله عليه وآله عن تعب هذه الدار.. لعل الظرف متعلق بالايثار بتضمين معنى الضنة أو نحوها، وفي بعض النسخ: محمد - بدون الباء - فتكون الجملة استينافية أو مؤكدة للفقرة السابقة، أو حالية بتقدير الواو، وفي بعض كتب المناقب القديمة: فمحمد صلى الله عليه وآله، وهو أظهر، وفي رواية كشف الغمة: رغبته بمحمد صلى الله عليه وآله عن تعب هذه الدار، وفي رواية
أحمد بن أبي طاهر: بأبي صلى الله عليه وآله عزت هذه الدار.. وهو أظهر، ولعل المراد بالدار: دار القرار، ولو كان المراد الدنيا تكون الجملة معترضة، وعلى التقادير لا يخلو من تكلف.
نصب أمره.. قال الفيروزآبادي: النصب - بالفتح -: العلم المنصوب ويحرك.. وهذا نصب عيني - بالضم والفتح -.. أي نصبكم الله لأوامره ونواهيه، وهو خبر الضمير، وعباد الله منصوب على النداء.
وبلغاؤه إلى الأمم.. أي تؤدون الاحكام إلى ساير الناس لأنكم أدركتم صحبة الرسول صلى الله عليه وآله.
زعمتم حق لكم.. أي زعمتم أن ما ذكر ثابت لكم، وتلك الأسماء صادقة عليكم بالاستحقاق، ويمكن أن يقرأ على الماضي المجهول، وفي ايراد لفظ الزعم اشعار بأنهم ليسوا متصفين بها حقيقة، وإنما يدعون ذلك كذبا، ويمكن أن يكون حق لكم.. جملة أخرى مستأنفة.. أي زعمتم أنكم كذلك وكان يحق لكم وينبغي أن تكونوا كذلك لكن قصرتم. وفي بعض النسخ: وزعمتم حق لكم فيكم وعهد، وفي كتاب المناقب القديم: زعمتم أن لا حق لي فيكم عهدا قدمه إليكم.. فيكون عهدا منصوبا ب (اذكروا ونحوه، وفي الكشف: إلى الأمم خولكم الله فيكم عهد.
قولها عليها السلام: لله فيكم عهد وبقية.. العهد: الوصية، وبقية الرجل ما يخلفه في أهله، والمراد بهما القرآن، أو بالأول ما أوصاهم به في أهل بيته وعترته، وبالثاني القرآن.
وفي رواية أحمد بن أبي طاهر: وبقية استخلفنا عليكم، ومعنا كتاب الله..
فالمراد بالبقية أهل البيت عليهم السلام، وبالعهد ما أوصاهم به فيهم.
والبصائر - جمع بصيرة - وهي الحجة، والمراد بانكشاف السرائر:
وضوحها عند حملة القرآن وأهله.
مغتبط به أشياعه.. الغبطة ان يتمنى ان يتمنى المرء مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها منه، تقول: غبطته فاغتبط، والباء للسببية.. أي أشياعه مغبوطون بسبب اتباعه ، وتلك الفقرة غير موجودة في سائر الروايات.
مؤد إلى النجاة أسماعه.. - على بناء الافعال -.. أي تلاوته، وفي بعض نسخ الاحتجاج وسائر الروايات: استماعه.
والمراد بالعزائم: الفرائض، وبالفضائل: السنن، وبالرخص: المباحات، بل ما يشمل المكروهات، وبالشرائع: ما سوى ذلك من الاحكام كالحدود والديات أو الأعم، وأما الحجج والبينات والبراهين فالظاهر أن بعضها مؤكدة لبعض، ويمكن تخصيص كل منها ببعض ما يتعلق بأصول الدين لبعض المناسبات، وفي رواية ابن أبي طاهر: وبيناته الجالية، وجمله الكافية.. فالمراد بالبينات: المحكمات، وبالجمل: المتشابهات، ووصفها بالكافية لدفع توهم نقص فيها لاجمالها، فإنها كافية فيما أريد منها، ويكفي معرفة الراسخين في العلم بالمقصود منها، فإنهم المفسرون لغيرهم، ويحتمل أن يكون المراد بالجمل العمومات التي يستنبط منها الاحكام الكثيرة.
تزكية للنفس.. أي من دنس الذنوب، أو من رذيلة البخل، إشارة إلى قوله تعالى: [تطهرهم وتزكيهم بها].
ونماء في الرزق.. ايماء إلى قوله تعالى: [وماء اتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون] على بعض التفاسير.
تثبيتا للاخلاص.. أي لتشييد الاخلاص وإبقائه، أو لاثباته وبيانه، ويؤيد الأخير أن في بعض الروايات: تبيينا، وتخصيص الصوم بذلك لكونه أمرا عدميا لا يظهر لغيره تعالى، فهو أبعد من الرياء، وأقرب إلى الاخلاص، وهذا أحد الوجوه في تفسير الحديث المشهور: الصوم لي وأنا أجزي به، وقد شرحناه في حواشي الكافي، وسيأتي في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى.
تشييدا للدين.. إنما خص التشييد به لظهوره ووضوحه وتحمل المشاق فيه، وبذل النفس والمال له، فالاتيان به أدل دليل على ثبوت الدين، أو يوجب استقرار الدين في النفس لتلك العلل وغيرهما مما لا نعرفه، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في الأخبار الكثيرة من أن علة الحج التشرف بخدمة الامام وعرض النصرة عليه، وتعلم شرائع الدين منه، فالتشييد لا يحتاج إلى تكلف.
وفي العلل ورواية ابن أبي طاهر: تسلية للدين، فلعل المعنى تسلية للنفس، بتحمل المشاق وبذل الأموال بسبب التقيد بالدين، أو المراد بالتسلية:
الكشف والايضاح، فإنها كشف الهم، أو المراد بالدين: أهل الدين، أو
أسند إليه مجازا، والظاهر أنه تصحيف: تسنية، وكذا في الكشف. وفي بعض نسخ العلل أي يصير سببا لرفعة الدين وعلوه.
والتنسيق: التنظيم.
وفي العلل: مسكا للقلوب أي ما يمسكها، وفي القاموس: المسكة - بالضم -: ما يتمسك به وما يمسك الأبدان من الغذاء والشراب،.. والجمع كصرد.. والمسك - محركة - الموضع يمسك الماء. وفي رواية ابن أبي طاهر والكشف: تنسكا للقلوب.. أي عبادة لها، لان العدل أمر نفساني يظهر آثاره على الجوارح.
والصبر معونة على استيجاب الاجر.. إذ به يتم فعل الطاعات وترك السيئات.
وقاية من السخط.. أي سخطهما، أو سخط الله تعالى، والأول أظهر.
منماة للعدد.. المنماة: اسم مكان أو مصدر ميمي.. أي يصير سببا لكثرة عدد الأولاد والعشائر كما أن قطعها يذر الديار بلاقع من أهلها.
تغييرا للبخس.. وفي سائر الروايات: للبخسة.. أي لئلا ينقص مال من ينقص المكيال والميزان، إذ التوفية موجبة للبركة وكثرة المال، أو لئلا ينقصوا أموال الناس فيكون المقصود أن هذا أمر يحكم العقل بقبحه.
عن الرجس.. أي النجس، أو ما يجب التنزه عنه عقلا، والأول أوضح
في التعليل، فيمكن الاستدلال على نجاستها.
حجابا عن اللعنة.. أي لعنة الله، أو لعنة المقذوف أو القاذف، فيرجع إلى الوجه الأخير في السابقة، والأول أظهر، إشارة إلى قوله تعالى: [لعنوا في الدنيا والآخرة].
ايجابا للعفة.. أي للعفة عن التصرف في أموال الناس مطلقا، أو يرجع إلى ما مر، وكذا الفقرة التالية. وفي الكشف - بعد قوله - للعفة: والتنزه عن أموال الأيتام، والاستئثار بفيئهم إجارة من الظلم، والعدل في الاحكام إيناسا للرعية، والتبري من الشرك اخلاصا للربوبية.
عودا وبدءا.. أي أولا واخرا، وفي رواية ابن أبي الحديد وغيره: أقول عودا على بدء.. والمعنى واحد.
والشطط - بالتحريك - البعد عن الحق، ومجاوزة الحد في كل شئ.
وفي الكشف: ما أقول ذلك سرفا ولا شططا من أنفسكم.. أي لم يصبه شئ من ولادة الجاهلية بل عن نكاح طيب، كما روي عن الصادق عليه السلام، وقيل:
أي من جنسكم من البشر ثم من العرب ثم من بني إسماعيل.
عزيز عليه ما عنتم.. أي شديد شاق عليه عنتكم، وما يلحقكم من الضرر بترك الايمان أو مطلقا.
حريص عليكم.. أي على ايمانكم وصلاح شأنكم.
بالمؤمنين رؤوف رحيم.. أي رحيم بالمؤمنين منكم ومن غيركم، والرأفة:
شدة الرحمة، والتقديم لرعاية الفواصل.
وقيل: رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين.
وقيل: رؤوف بأقربائه رحيم بأوليائه.
وقيل: رؤوف بمن رآه رحيم بمن لم يره، فالتقديم للاهتمام بالمتعلق.
فإن تعزوه.. يقال: عزوته إلى أبيه.. أي نسبته إليه، أي إن ذكرتم نسبه وعرفتموه تجدوه أبي وأخا ابن عمي، فالاخوة ذكرت استطرادا، ويمكن أن يكون الانتساب أعم من النسب، ومما طرأ أخيرا، ويمكن أن يقرأ: وآخى - بصيغة الماضي -، وفي بعض الروايات: فان تعزروه وتوقروه.
صادعا بالنذارة.. الصدع: الاظهار، تقول: صدعت الشئ، أي أظهرته، وصدعت بالحق: إذا تكلمت به جهارا، قال الله تعالى: [فاصدع بما تؤمر]. والنذارة - بالكسر - الانذار وهو الاعلام على وجه التخويف.
والمدرجة: المذهب والمسلك، وفي الكشف: ناكبا عن سنن مدرجة المشركين، وفي رواية ابن أبي ظاهر: ماثلا على مدرجة.. أي قائما للرد عليهم، وهو تصحيف.
ضاربا ثبجهم آخذا بأكظامهم.. الثبج - بالتحريك - وسط الشئ ومعظمه، والكظم - بالتحريك - مخرج النفس من الحلق.. أي كان صلى الله عليه وآله لا يبالي بكثرة المشركين واجتماعهم ولا يداريهم في الدعوة.
داعيا إلى سبيل ربه.. كما أمره سبحانه: [ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن].
وقيل: المراد بالحكمة: البراهين القاطعة وهي للخواص، وبالموعظة الحسنة: الخطابات المقنعة والعبر النافعة، وهي للعوام، وبالمجادلة بالتي هي أحسن.. الزام المعاندين والجاحدين بالمقدمات المشهورة والمسلمة، وأما المغالطات والشعريات فلا يناسب درجة أصحاب النبوات.
يكسر الأصنام وينكث الهام.. النكث: إلقاء الرجل على رأسه،
يقال: طعنه فنكثه، والهام جمع الهامة - بالتخفيف فيهما - وهي الرأس، والمراد قتل رؤساء المشركين وقمعهم وإذ لالهم، أو المشركين مطلقا، وقيل: أريد به القاء الأصنام على رؤوسها، ولا يخفى بعده لا سيما بالنظر إلى ما بعده، وفي بعض النسخ: ينكس الهام، وفي الكشف وغيره: يجذ الأصنام، من قولهم: جذذت الشئ .. أي كسرته، ومنه قوله تعالى: [فجعلهم جذاذا].
حتى تفرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه.. والواو مكان حتى - كما في رواية ابن أبي طاهر - أظهر، وتفرى الليل.. أي انشق حتى ظهر ضوء الصباح، وأسفر الحق عن محضه وخالصه، ويقال: أسفر الصبح.. أي أضاء.
ونطق زعيم الدين.. زعيم القوم سيدهم والمتكلم عنهم، والزعيم - أيضا - الكفيل والإضافة لامية، ويحتمل البيانية..
وخرست شقاشق الشياطين.. خرس - بالكسر الراء - والشقاشق جمع شقشقة - بالكسر - وهي شئ كالرية يخرجها البعير من فيه إذا هاج، وإذا قالوا للخطيب ذو شقشقة، فإنما يشبه بالفحل، واسناد الخرس إلى الشقاشق مجازي.
وطاح وشيظ النفاق.. يقال: طاح فلان يطوح إذا هلك أو أشرف على الهلاك وتاه في الأرض وسقط، والوشيظ - بالمعجمتين -: الرذل والسفلة من الناس، ومنه قولهم: إياكم والوشائظ، وقال الجوهري: الوشيظ: لفيف من الناس ليس أصلهم واحدا، وبنو فلان وشيظة في قومهم.. أي هم حشو فيهم.
والوسيط - بالمهملتين -: أشرف القوم نسبا وارفعهم محلا، وكذا في بعض النسخ، وهو أيضا مناسب.
وفهتم بكلمة الاخلاص في نفر من البيض الخماص.. يقال: فاه فلان بالكلام كقال.. أي لفظ به كتفوه.
وكلمة الاخلاص: كلمة التوحيد، وفيه تعريض بأنه لم يكن ايمانهم عن قلوبهم، والبيض جمع ابيض وهو من الناس خلاف الأسود، والخماص - بالكسر - جمع خميص، والخماصة تطلق على دقة البطن خلقة وعلى خلوه من الطعام، يقال: فلان خميص البطن من أموال الناس أي عفيف عنها، وفي الحديث: كالطير تغدو خماصا وتروح بطانا.
والمراد بالبيض الخماص: إما أهل البيت عليهم السلام - ويؤيده ما في كشف الغمة: في نفر من البيض الخماص، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا - ووصفهم بالبيض لبياض وجوههم، أو هو من قبيل وصف
الرجل بالأغر، وبالخماص لكونهم ضامري البطون بالصوم وقلة الاكل، أو لعفتهم عن أكل أموال الناس بالباطل، أو المراد بهم من آمن من العجم كسلمان رضي الله عنه وغيره، ويقال لأهل فارس: بيض، لغلبة البياض على ألوانهم وأموالهم، إذ الغالب في أموالهم الفضة، كما يقال لأهل الشام: حمر، لحمرة ألوانهم وغلبة الذهب في أموالهم، والأول أظهر. ويمكن اعتبار نوع تخصيص في المخاطبين، فيكون المراد بهم غير الراسخين الكاملين في الايمان، وبالبيض الخماص: الكمل منهم.
[وكنتم على شفا حفرة من النار..] شفا كل شئ طرفه وشفيره..
أي كنتم على شفير جهنم مشرفين على دخولها لشرككم وكفركم.
مذقة الشارب ونهزة الطامع.. مذقة الشارب: شربته، والنهزة - بالضم - الفرصة.. أي محل نهزته.. أي كنتم قليلين أذلاء يتخطفكم الناس بسهولة، وكذا قولها عليها السلام:
وقبسة العجلان وموطئ الاقدام.. والقبسة - بالضم - شعلة من نار يقتبس من معظمها، والإضافة إلى العجلان لبيان القلة والحفارة، ووطئ الاقدام مثل مشهور في المغلوبية والمذلة.
تشربون الطرق وتفتانون الورق.. الطرق - بالفتح -: ماء السماء
الذي تبول فيه الإبل وتبعر، والورق - بالتحريك - ورق الشجر، وفي بعض النسخ: وتفتاتون القد، وهو - بكسر القاف وتشديد الدال - سير يقد من جلد غير مدبوغ، والمقصود وصفهم بخبائة المشرب وجشوبة المأكل، لعدم اهتدائهم إلى ما يصلحهم في دنياهم، ولفقرهم وقلة ذات يدهم، وخوفهم من الأعادي.
أذلة خاسئين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم.. الخاسئ: المبعد المطرود، والتخطف: استلاب الشئ وأخذه بسرعة، اقتبس من قوله تعالى:
[واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون].
وفي نهج البلاغة: عن أمير المؤمنين عليه السلام: أن الخطاب في تلك الآية لقريش خاصة، والمراد بالناس سائر العرب أو الأعم.
واللتيا.. بفتح اللام وتشديد الياء تصغير التي، وجوز بعضهم فيه ضم اللام، وهما كنايتان عن الداهية الصغيرة والكبيرة.
وبعد أن مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب.. يقال:
مني بكذا - على صيغة المجهول - أي ابتلي، وبهم الرجال - كصرد - الشجعان منهم لأنهم لشدة بأسهم لا يدرى من أين يؤتون، وذوبان العرب: لصوصهم وصعاليكهم الذين لا مال لهم ولا اعتماد عليهم، والمردة: العتاة المتكبرون المجاوزون للحد.
أو نجم قرن للشيطان، وفغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها.. نجم الشئ - كنصر - نجوما: ظهر وطلع، والمراد ب: القرن: القوة، وفسر قرن الشيطان ب: أمته ومتابعيه، وفغر فاه.. أي فتحه، وفغر فوه.. أي انفتح - يتعدى ولا يتعدى -، والفاغرة من المشركين: الطائفة العادية منهم تشبيها بالحية أو السبع، ويمكن تقدير الموصوف مذكرا على أن يكون التاء للمبالغة.
والقذف: الرمي، ويستعمل في الحجارة كما أن الحذف يستعمل في الحصا، يقال هم بين حاذف وقاذف. واللهوات - بالتحريك - جمع لهاة، وهي اللحمة في أقصى سقف الفم، وفي بعض الروايات: في مهواتها - بالضم - وهي
بالتسكين: الحفرة وما بين الجبلين ونحو ذلك. وعلى أي حال، المراد أنه صلى الله عليه وآله كلما أراده طائفة من المشركين أو عرضت له داهية عظيمة بعث عليا عليه السلام لدفعها وعرضه للمهالك.
وفي رواية الكشف وابن أبي طاهر: كلما حشوا نارا للحرب، ونجم قرن للضلال.
قال الجوهري: حششت النار.. أو قدتها.
فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه.. انكفأ - بالهمزة - أي رجع، من قوله: كفأت القوم كفأ: إذا أرادوا وجها فصرفتهم عنه إلى غيره فانكفؤوا.. أي رجعوا.
والصماخ - بالكسرة - ثقب الاذن، والاذن نفسها، وبالسين - كما في بعض الروايات - لغة فيه.
والأخمص: ما لا يصيب الأرض من باطن القدم عند المشئ، ووطئ الصماخ بالأخمص عبارة عن القهر والغلبة على أبلغ وجه، وكذا إخماد اللهب بماء السيف استعارة بليغة شائعة.
مكدودا في ذات الله.. المكدود: من بلغه التعب والأذى، وذات الله:
أمره ودينه، وكلما يتعلق به سبحانه، وفي الكشف: مكدودا دؤوبا في ذات الله.
سيد أولياء الله.. - بالجر - صفة الرسول (ص) أو بالنصب عطفا على
الأحوال السابقة، ويؤيد الأخير ما في رواية ابن أبي طاهر: سيدا في أولياء الله.
والتشمير في الامر: الجد والاهتمام فيه.
والكدح: العمل والسعي، وقال الجوهري: الدعة: الخفض..، تقول: منه ودع الرجل.. فهو وديع أي ساكن ووداع أيضا،.. يقال: نال فلان المكارم وادعا من غير كلفة.
وقال: الفكاهة - بالضم - المزاح،.. وبالفتح - مصدر - فكه الرجل - بالكسر - فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا، والفكه - أيضا - الأشر و البطر، وقرئ: [ونعمة كانوا فيها فكهين] أي أشرين، وفاكهين.. أي ناعمين، والمفاكهة: الممازحة.
وفي رواية ابن أبي طاهر: وأنتم في بلهنية وادعون آمنون.. قال الجوهري: هو في بلهنية من العيش أي سعة ورفاهية، وهو ملحق بالخماسي بألف في آخره، وإنما صارت ياء لكسرة ما قبلها، وفي الكشف: وأنتم في رفهنية.. وهي مثلها لفظا ومعنى.
تتربصون بنا الدوائر.. الدوائر: صروف الزمان وحوادث الأيام
والعواقب المذمومة، وأكثر ما تستعمل الدائرة في تحول النعمة إلى الشدة، أي كنتم تنتظرون نزول البلايا علينا وزوال النعمة والغلبة عنا.
تتوكفون الاخبار.. التوكف: التوقع، والمراد أخبار المصائب والفتن، وفي بعض النسخ: تتواكفون الأخيار، يقال: واكفه في الحرب أي واجهه.
وتنكصون عند النزال.. النكوص: الاحجام والرجوع عن الشئ، والنزال - بالكسر - ان ينزل القرنان عن إبلهما إلى خيلهما فيتضاربا، والمقصود من تلك الفقرات أنهم لم يزالوا منافقين لم يؤمنوا قط.
ظهر فيكم حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين، وهدر فنيق المبطلين.. الحسيكة: العداوة، قال الجوهري: الحسك: حسك السعدان، الواحدة حسكة،.. وقولهم في صدره علي حسيكة وحساكة.. أي ضغن وعداوة. وفي بعض الروايات: حسكة النفاق.. فهو على الاستعارة.
وسمل الثوب - كنصر - صار خلقا.
والجلباب - بالكسر - الملحفة، وقيل: ثوب واسع للمرأة غير الملحفة.
وقيل: هو إزار ورداء.
وقيل: هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها.
والكظوم: السكوت.
ونبغ الشئ - كمنع ونصر - أي ظهر ونبغ الرجل: إذا لم يكن في إرث الشعر، ثم قال وأجاد.
والخامل: من خفي ذكره وصوته وكان ساقطا لا نباهة له.
والمراد ب: الأقلين: الأذلون، وفي بعض الروايات: الأولين.
وفي الكشف: فنطق كاظم ونبغ خامل، وهدر فنيق الكفر، يخطر في عرصاتكم.. والهدر: ترديد البعير صوته في حنجرته.
والفنيق: الفحل المكرم من الإبل الذي لا يركب ولا يهان لكرامته على أهله.
فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزها هاتفا بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعزة فيه ملاحظين.. يقال: خطر البعير بذنبه يخطر - بالكسر - خطرا وخطرانا إذا رفعه مرة بعد مرة وضرب به فخذيه، ومنه قول الحجاج - لما نصب المنجنيق على الكعبة -.. خطارة كالجمل الفنيق....،
شبه رميها بخطران الفنيق.
ومغرز الرأس - بالكسر -: ما يختفي فيه، وقيل: لعل في الكلام تشبيها للشيطان بالقنفذ، فإنه إنما يطلع رأسه عند زوال الخوف، أو بالرجل الحريص المقدم على أمر فإنه يمد عنقه إليه.
والهتاف: الصياح.
والفاكم.. أي وجدكم.
والغرة - بالكسر - الاغترار والانخداع، والضمير المجرور راجع إلى الشيطان.
وملاحظة الشئ: مراعاته، وأصله من اللحظ وهو النظر بمؤخر العين، وهو إنما يكون عند تعلق القلب بشئ، أي وجدكم الشيطان لشدة قبولكم للانخداع كالذي كان مطمح نظره أن يغتر بأباطيله.
ويحتمل أن يكون للعزة - بتقديم المهملة على المعجمة -. وفي الكشف:
وللعزة ملاحظين.. أي وجدكم طالبين للعزة.
ثم استنهضكم فوجدكم خفاقا، وأحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير
إبلكم، وأوردتم غير شربكم.. النهوض: القيام، واستنهضه لأمر.. أي أمره بالقيام إليه. فوجدكم خفافا.. أي مسرعين إليه.
واحمشت الرجل: أغضبته، واحمشت النار ألهبتها، أي حملكم الشيطان على الغضب فوجدكم مغضبين لغضبه أو من عند أنفسكم، وفي المناقب القديم:
عطافا - بالعين المهملة والفاء - من العطف بمعنى الميل والشفقة، ولعله أظهر لفظا ومعنى.
والوسم: اثر الكي، يقال وسمته - كوعدته - وسما.
والورود: حضور الماء للشرب، والايراد: الاحضار.
والشرب - بالكسر -: الحظ من الماء، وهما كنايتان عن أخذ ما ليس لهم بحق من الخلافة والإمامة وميراث النبوة. وفي كشف: وأوردتموها شربا ليس لكم.
هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر..
الكلم: الجرح.
والرحب - بالضم - السعة.
والجرح - بالضم - الاسم، وبالفتح: المصدر، ولما يندمل.. أي لم يصلح بعد.
وقبرته: دفنته.
ابتدارا زعمتم خوف الفتنة [الا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين].. ابتدارا مفعول له للأفعال السابقة، ويحتمل المصدر بتقدير الفعل، وفي بعض الروايات: بدارا زعمتم خوف الفتنة.. أي ادعيتم وأظهرتم للناس كذبا وخديعة انا إنما اجتمعنا في السقيفة دفعا للفتنة مع أن الغرض كان غصب الخلافة عن أهلها، وهو عين الفتنة.
والالتفات في - سقطوا - لموافقة الآية الكريمة.
فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنى تؤفكون، وكتاب الله بين أظهركم..:
هيهات للتبعيد وفيه معنى التعجب كما صرح به الشيخ الرضي، وكذلك كيف وأنى تستعملان في التعجب.
وافكه - كضربه -: صرفه عن الشئ وقلبه، أي إلى أين يصرفكم الشيطان وأنفسكم والحال إن كتاب الله بينكم، وفلان بين أظهر قوم وبين ظهرانيهم.. أي مقيم بينهم محفوف من جانبيه أو من جوانبه بهم.
والزاهر: المتلألئ المشرق.
وفي الكشف: بين أظهركم قائمة فرائضه، واضحة دلائله، نيرة شرائعه، زواجره واضحة، وأوامره لائحة.
أرغبة عنه، بئس للظالمين بدلا.. أي من الكتاب ما اختاروه من الحكم الباطل.
ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها، ويسلس قيادها، ثم أخذتم تورون وقدتها، وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهماد سنن النبي الصفي..
ريث - بالفتح - بمعنى قدر وهي كلمة يستعملها أهل الحجاز كثيرا، وقد يستعمل مع ما يقال: لم يلبث إلا ريثما فعل كذا، وفي الكشف هكذا: ثم لم تبرحوا ريثا، وقال بعضهم: هذا ولم تريثوا إلا ريث. وفي رواية ابن أبي طاهر:
ثم لم تريثوا.. أختها، وعلى التقديرين ضمير المؤنث راجع إلى فتنة وفاة الرسول صلى الله عليه وآله.
وحت الورق من الغصن: نثرها.. أي لم تصبروا إلى ذهاب أثر تلك المصيبة.
ونفرت الدابة - بالفتح -: ذهابها وعدم انقيادها.
والسلس - بكسر اللام -: السهل اللين المنقاد، ذكره الفيروزآبادي. وفي مصباح اللغة: سلس سلسا من باب تعب: سهل ولان.
والقياد - بالكسر -: ما يقاد به الدابة من حبل وغيره.
وفي الصحاح: ورى الزند يري وريا: إذا خرجت ناره، وفيه لغة أخرى: وري الزند يري - بالكسر - فيهما وأوريته انا وكذلك وريته تورية وفلان يستوري زناد الضلالة.
ووقدة النار - بالفتح - وقودها، ووقدها: لهبها، الجمرة: المتوقد من الحطب، فإذا برد فهو فحم، والجمر - بدون التاء - جمعها [كذا].
والهتاف - بالكسر - الصياح، وهتف به.. أي دعاه، واهماد النار اطفاؤها بالكلية.
والحاصل، انكم إنما صبرتم حتى استقرت الخلافة المغصوبة عليكم، ثم شرعتم في تهييج الشرور والفتن واتباع الشيطان، وإبداع البدع، وتغيير السنن.
تسرون حسوا في ارتغاء، وتمشون لأهله وولده في الخمر والضراء، ونصبر
منكم على مثل حظ المدى، ووخز السنان في الحشا.. الاسرار ضد الاعلان.
والحسو - بفتح الحاء وسكون السين المهملتين -: شرب المرق وغيره شيئا بعد شئ.
والارتغاء: شرب الرغوة، وهو زبد اللبن، قال الجوهري: الرغوة - مثلثة - ... زبد اللبن.. وارتغيت شربت الرغوة. وفي المثل - يسر حسوا في ارتغاء - يضرب لمن يظهر أمرا ويريد غيره، قال الشعبي - لمن سأله عن رجل قبل أم امرأته - قال: يسرحسوا في ارتغاء، وقد حرمت عليه امرأته. وقال الميداني: قال أبو زيد والأصمعي: أصله الرجل يؤتى باللبن فيظهر أنه يريد الرغوة خاصة ولا يريد غيرها فيشربها وهو في ذلك ينال من اللبن، يضرب لمن يريك أنه يعينك وإنما يجر النفع إلى نفسه.
والخمر - بالتحريك -: ما واراك من شجر وغيره، يقال توارى الصيد عني في خمر الوادي، ومنه قولهم دخل فلان في خمار الناس - بالضم - أي ما يواريه ويستره منهم.
والضراء - بالضاد المعجمة المفتوحة والراء المخففة -: الشجر الملتف في الوادي، ويقال لمن ختل صاحبه وخادعه: يدب له الضراء ويمشي له الخمر، وقال الميداني: قال ابن الاعرابي: الضراء ما انخفض من الأرض.
والحز - بفتح الحاء المهملة -: القطع، أو قطع الشئ من غير إبانة.
والمدى - بالضم -: جمع مدية وهي السكين والشفرة والوخز: الطعن بالرمح ونحوه لا يكون نافذا، يقال وخزه بالخنجر.
وفي رواية ابن أبي طاهر: ويها معشر المهاجرة! ابتز ارث أبيه؟.. قال الجوهري: إذا أغريته بالشئ قلت ويها يا فلان وهو تحريض، انتهى.
ولعل الأنسب هنا التعجب. والهاء في (أبيه) في الموضعين. وإرثيه - بكسر الهمزة - بمعنى الميراث للسكت، كما في سورة الحاقة: " كتابيه " و " حسابيه " و " ماليه " و " سلطانيه "، تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، وقرئ بإثباتها في الوصل أيضا.
وفي الكشف: ثم أنتم أولا تزعمون أن لا إرث ليه... فهو أيضا كذلك.
كالشمس الضاحية.. أي الظاهرة البينة، يقال: فعلت ذلك الامر ضاحية.. أي علانية.
شيئا فريا.. أي أمرا عظيما بديعا، وقيل: أي أمرا منكرا قبيحا، وهو مأخوذ من الافتراء بمعنى الكذب.
واعلم: أنه قد وردت الروايات المتضافرة - كما ستعرف - في أنها عليها السلام ادعت أن فدكا كانت نحلة لها من رسول الله صلى الله عليه وآله، فلعل عدم تعرضها صلوات الله عليها في هذه الخطبة لتلك الدعوى ليأسها عن قبولهم إياها، إذ كانت الخطبة بعد ما رد أبو بكر شهادة أمير المؤمنين عليه السلام ومن شهد معه، وقد كانت المنافقون الحاضرون معتقدين لصدقه، فتمسكت بحديث الميراث لكونه من ضروريات الدين.
وزعمتم أن لا حظوة لي.. الحظوة - بكسر الحاء وضمها وسكون الضاء المعجمة -: المكانة والمنزلة، ويقال: حظيت المرأة عند زوجها إذا دنت من قلبه.
وفي الكشف: فزعمتم أن لاحظ لي ولا إرث لي من أبيه، أفحكم الله بآية أخر أبي منها؟! أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان؟! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي؟! [أفحكم الجاهلية..] الآية.
أيها معاشر المسلمة، أأبتز إرثيه؟ الله ان ترث أباك ولا أرث أبيه [لقد جئت شيئا فريا].
فدونكها مخطومة مرحولة.. الضمير راجع إلى فدك المدلول عليها بالمقام،
والامر بأخذها للتهديد.
والخطام - بالكسر - كل ما يوضع في أنف البعير ليقاد به.
والرحل - بالفتح - للناقة كالسرج للفرس، ورحل البعير - كمنع - شد على ظهره الرحل. شبهتها عليها السلام في كونها مسلمة لا يعارضه في أخذها أحد بالناقة المنقادة المهيأة للركوب.
والزعيم محمد - في بعض الروايات - والغريم.. أي طالب الحق.
وعند الساعة ما تخسرون.. كلمة (ما) مصدرية.. أي في القيامة يظهر خسرانكم.
و: [لكل نبأ مستقر..]، أي لكل خبر، يريد نبأ العذاب أو الايعاد به - وقت استقرار ووقوع.
وسوف تعلمون - عند وقوعه - من يأتيه عذاب يخزيه.. الاقتباس من موضعين:
أحدهما: سورة الأنعام، والآخر: في سورة هود في قصة نوح عليه السلام حيث قال: [إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم]، فالعذاب الذي يخزيهم الغرق،
والعذاب المقيم عذاب النار.
ثم رمت بطرفها.. الطرف - بالفتح - مصدر طرفت عين فلان: إذا نظرت وهو ان ينظر ثم يغمض، والطرف - أيضا - العين.
والمعشر: الجماعة.
والفتية - بالكسر -: جمع فتى وهو الشاب والكريم السخي.
وفي المناقب: يا معشر البقية، وأعضاد الملة، وحصنة الاسلام..
وفي الكشف: يا معشر البقية، ويا عماد الملة، وحصنة الاسلام..
والاعضاد: جمع عضد - بالفتح - الأعوان، يقال: عضدته كنصرته لفظا ومعنى.
ما هذه الغميزة في حقي والسنة عن ظلامتي.. قال الجوهري: ليس في فلان غميزة أي مطعن، ونحوه ذكر الفيروزآبادي، وهو لا يناسب المقام إلا بتكلف.
وقال الجوهري: رجل غمز أي ضعيف.
وقال الخليل في كتاب العين: الغميزة - بفتح الغين المعجمة والزاي - ضعفة في العمل وجهلة في العقل ويقال: سمعت كلمة فاغتمزتها في عقله أي علمت أنه أحمق. وهذا المعنى أنسب.
وفي الكشف: ما هذه الفترة - بالفاء المفتوحة وسكون التاء - وهو السكون، وهو أيضا مناسب.
وفي رواية ابن أبي طاهر بالراء المهملة، ولعله من قولهم غمر على أخيه..
أي حقد وضغن، أو من قولهم: غمر عليه.. أي أغمي عليه، أو من الغمر بمعنى الستر، ولعله كان بالضاد المعجمة فصحف، فان استعمال إغماض العين - في مثل هذا المقام - شايع.
والسنة - بالكسر - مصدر وسن يوسن - كعلم يعلم - وسنا وسنة، والسنة:
أول النوم أو النوم الخفيف، والهاء عوض عن الواو.
والظلامة - بالضم - كالمظلمة - بالكسر - ما اخذه الظالم منك فتطلبه عنده، والغرض تهييج الأنصار لنصرتها أو توبيخهم على عدمها.
وفي الكشف - بعد ذلك -: أما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله أن يحفظ..؟!.
سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا إهالة.. سرعان - مثلثة السين - وعجلان - بفتح العين - كلاهما من أسماء الافعال بمعنى سرع وعجل، وفيهما معنى التعجب أي ما أسرع واعجل.
وفي رواية ابن أبي طاهر: سرعان ما أجدبتم فأكديتم، يقال: أجدب القوم
أي أصابهم الجدب، وأكدى الرجل إذا قل خيره والإهالة - بكسر الهمزة - الودك وهو دسم اللحم، وقال الفيروزآبادي: قولهم سرعان ذا إهالة أصله أن رجلا كانت له نعجة عجفاء وكانت رعامها يسيل من منخريها لهزالها، فقيل له: ما هذا الذي يسيل (9)؟ فقال: ودكها، فقال السائل: سرعان ذا إهالة، ونصب إهالة على الحال، وذا إشارة إلى الرعام، أو تمييز على تقدير نقل الفعل، كقولهم تصبب زيد عرقا، والتقدير سرعان اهالة هذه، وهو مثل يضرب لمن يخبر بكينونة الشئ قبل وقته، انتهى.
والرعام - بالضم -: ما يسيل من انف الشاة والخيل، ولعل المثل كان بلفظ عجلان فاشتبه على الفيروزآبادي أو غيره، أو كان كل منهما مستعملا في هذا المثل، وغرضها صلوات الله عليها التعجب من تعجيل الأنصار ومبادرتهم إلى إحداث البدع وترك السنن والاحكام، والتخاذل عن نصرة عترة سيد الأنام مع قرب عهدهم به، وعدم نسيانهم ما أوصاهم به فيهم، وقدرتهم على نصرتها وأخذ حقها ممن ظلمها، ولا يبعد أن يكون المثل إخبارا مجملا بما يترتب على هذه البدعة
من المفاسد الدينية وذهاب الآثار النبوية.
فخطب جليل استوسع وهيه، واستنهر فتقه، وانفتق رتقه، واظلمت الأرض لغيبته، وكسفت النجوم لمصيبته..: الخطب - بالفتح -: الشأن والامر عظم أو صغر.
والوهي - كالرمي -: الشق والخرق، يقال: وهي الثوب إذا بلي وتخرق.
واستوسع واستنهر - استفعل - من النهر - بالتحريك - بمعنى السعة أي اتسع.
والفتق: الشق والرتق ضده، وانفتق.. أي انشق، والضمائر المجرورات الثلاثة راجعة إلى الخطب بخلاف المجرورين بعدها فإنهما راجعان إلى النبي صلى الله عليه وآله.
وكسف النجوم: ذهاب نورها، والفعل منه يكون متعديا ولازما، والفعل كضرب.
وفي رواية ابن أبي طاهر مكان الفقرة الأخيرة: واكتأبت خيرة الله لمصيبته..
والاكتئاب - افتعال - من الكآبة بمعنى الحزن.
وفي الكشف: واستنهر فتقه، وفقد راتقه، وأظلمت الأرض واكتابت لخيرة الله.. إلى قولها:
وأديلت الحرمة - من الإدالة بمعنى الغلبة - وأكدت الآمال، وخشعت الجبال، وأضيع الحريم، وأزيلت الحرمة عند مماته..: يقال: أكدى فلان أي بخل أو قل خيرة، وحريم الرجل ما يحميه ويقاتل عنه، والحرمة ما لا يحل انتهاكه، وفي بعض النسخ: الرحمة مكان الحرمة.
فتلك - والله - النازلة الكبرى والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة ولا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب الله جل ثناؤه في أفنيتكم وفي ممساكم ومصبحكم هتافا وصراخا وتلاوة وألحانا..: النازلة: الشديدة.
والبائقة: الداهية.
وفناء الدار - ككساء -: العرصة المتسعة امامها.
والممسي والمصبح - بضم الميم فيهما - مصدران وموضعان من الاصباح والامساء.
والهتاف - بالكسر -: الصياح.
والصراخ كغراب: الصوت أو الشديد منه.
والتلاوة - بالكسر - القراءة.
والألحان: الافهام، يقال: ألحنه القول.. أي افهمه إياه، ويحتمل أن
يكون من اللحن بمعنى الغناء والطرب، قال الجوهري: اللحن واحد الألحان واللحون، ومنه الحديث: (إقرؤا القرآن بلحون العرب). وقد لحن في قراءته إذا طرب بها وغرد، وهو الحن الناس إذا كان أحسنهم قراءة أو غناء، انتهى. ويمكن أن يقرأ على هذا بصيغة الجمع أيضا، والأول أظهر.
وفي الكشف: فتلك نازلة أعلن بها كتاب الله في قبلتكم، ممساكم ومصبحكم، هتافا هتافا، ولقبله ما حل بأنبياء الله ورسله..
حكم فصل وقضاء حتم [وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين]... الحكم الفصل: هو المقطوع به الذي لا ريب فيه ولا مرد له، وقد يكون بمعنى القاطع الفارق بين الحق والباطن.
والحتم - في الأصل -: إحكام الأمور. والقضاء الحتم: هو الذي لا يتطرق إليه التغيير.
وخلت.. أي مضت.
والانقلاب على العقب: الرجوع القهقرى، أريد به الارتداد بعد الايمان، والشاكرون المطيعون المعترفون بالنعم الحامدون عليها.
قال بعض الأماثل: واعلم أن الشبهة العارضة للمخاطبين بموت النبي صلى الله عليه وآله اما عدم تحتم العمل بأوامره وحفظ حرمته في أهله لغيبته، فإن العقول الضعيفة مجبولة على رعاية الحاضر أكثر من الغائب، وانه إذا غاب عن أبصارهم ذهب كلامه عن أسماعهم، ووصاياه عن قلوبهم، فدفعها ما أشارت
إليه صلوات الله عليها من إعلان الله جل ثناؤه وإخباره بوقوع تلك الواقعة الهايلة قبل وقوعها، وإن الموت مما قد نزل بالماضين من أنبياء الله ورسله عليهم السلام تثبيتا للأمة على الايمان، وإزالة لتلك الخصلة الذميمة عن نفوسهم.
ويمكن أن يكون معنى الكلام أتقولون مات محمد صلى الله عليه وآله وبعد موته ليس لنا زاجر ولا مانع عما نريد، ولا نخاف أحدا في ترك الانقياد للأوامر وعدم الانزجار عن النواهي، ويكون الجواب ما يستفاد من حكاية قوله سبحانه:
[أفإن مات أو قتل..] الآية، لكن لا يكون حينئذ لحديث إعلان الله سبحانه وإخباره بموت الرسول مدخل في الجواب إلا بتكلف.
ويحتمل أن يكون شبهتهم عدم تجويزهم الموت على النبي صلى الله عليه وآله كما أفصح عنه عمر بن الخطاب - وسيأتي في مطاعنه - فبعد تحقق موته عرض لهم شك في الايمان ووهن في الأعمال، فلذلك خذلوها وقعدوا عن نصرتها، وحينئذ مدخلية حديث الاعلان وما بعده في الجواب واضح.
وعلى التقادير لا يكون قولها صلوات الله عليها: فخطب جليل.. داخلا في الجواب، ولا مقولا لقول المخاطبين على الاستفهام التوبيخي، بل هو كلام مستأنف لبث الحزن والشكوى، بل يكون الجواب بما بعد قولها: فتلك والله النازلة الكبرى.. ويحتمل أن يكون مقولا لقولهم، فيكون حاصل شبهتهم أن موته صلى الله عليه وآله الذي هو أعظم الدواهي قد وقع، فلا يبالي بما وقع بعده من المحظورات، فلذلك لم ينهضوا بنصرها والانصاف ممن ظلمها، ولما تضمن ما زعموه كون مماته (ص) أعظم المصائب سلمت عليها السلام أولا في مقام جواب تلك المقدمة، لكونها محض الحق، ثم نبهت على خطئهم في أنها مستلزمة لقلة المبالاة بما وقع، والقعود عن نصرة الحق، وعدم اتباع أوامره صلى
الله عليه وآله بقولها: أعلن بها كتاب الله.. إلى آخر الكلام، فيكون حاصل الجواب أن الله قد أعلمكم بها قبل الوقوع، وأخبركم بأنها سنة ماضية في السلف من أنبيائه، وحذركم الانقلاب على أعقابكم كي لا تتركوا العمل بلوازم الايمان بعد وقوعها، ولا تهنوا عن نصرة الحق وقمع الباطل، وفي تسليمها ما سلمته أولا دلالة على أن كونها أعظم المصائب مما يؤيد وجوب نصرتي، فإني أنا المصاب بها حقيقة، وإن شاركني فيها غيري، فمن نزلت به تلك النازلة الكبرى فهو بالرعاية أحق وأحرى.
ويحتمل أن يكون قولها عليها السلام: فخطب جليل.. من أجزاء الجواب، فتكون شبهتهم بعض الوجوه المذكورة، أو المركب من بعضها مع بعض، وحاصل الجواب حينئذ أنه إذا نزل بي مثل تلك النازلة الكبرى - وقد كان الله عز وجل أخبركم بها وأمركم أن لا ترتدوا بعدها على أعقابكم - فكان الواجب عليكم دفع الضيم عني والقيام بنصرتي، ولعل الأنسب بهذا الوجه ما في رواية ابن أبي طاهر من قولها: وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله.. بالواو دون الفاء، ويحتمل أن لا تكون الشبهة العارضة للمخاطبين مقصورة على أحد الوجوه المذكورة، بل تكون الشبهة لبعضهم بعضها وللآخر أخرى، ويكون كل مقدمة من مقدمات الجواب إشارة إلى دفع واحدة منها.
أقول: ويحتمل أن لا تكون هناك شبهة حقيقة، بل يكون الغرض أنه ليس لهم في ارتكاب تلك الأمور الشنيعة حجة ومتمسك، إلا أن يتمسك أحد بأمثال تلك الأمور الباطلة الواهية التي لا يخفى على أحد بطلانها، وهذا شائع في الاحتجاج.
أيها بني قيلة! أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى مني ومسمع، ومبتدأ ومجمع، تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة.. أيها - بفتح الهمزة والتنوين - بمعنى
هيهات.
وبنو قيلة: الأوس والخزرج - قبيلتا الأنصار، - وقيلة - بالفتح - اسم أم لهم قديمة: وهي قيلة بنت كاهل.
والهضم: الكسر، يقال: هضمت الشئ.. أي كسرته، وهضمه حقه واهتضمه إذا ظلمه وكسر عليه حقه.
والتراث - بالضم - الميراث، واصل التاء فيه واو.
وأنتم بمرأى مني ومسمع.. أي بحيث أراكم وأسمعكم كلامكم [كذا].
وفي رواية ابن أبي طاهر: منه - أي من الرسول صلى الله عليه وآله -، والمبتدأ في أكثر النسخ بالباء الموحدة مهموزا، فلعل المعنى أنكم في مكان يبتدأ منه الأمور والاحكام، والأظهر أنه تصحيف المنتدى - بالنون غير مهموزة - بمعنى المجلس، وكذا في المناقب القديم، فيكون المجمع كالتفسير له، والغرض الاحتجاج عليهم بالاجتماع الذي هو من أسباب القدرة على دفع الظلم، واللفظان غير موجودين في رواية ابن أبي طاهر.
وتلبسكم - على بناء المجرد - أي تغطيكم وتحيط بكم.
والدعوة: المرة من الدعاء أي النداء كالخبرة - بالفتح - من الخبر - بالضم -
بمعنى العلم، أو الخبرة - بالكسر - بمعناه، والمراد بالدعوة: نداء المظلوم للنصرة، وبالخبرة علمهم بمظلوميتها صلوات الله عليها، والتعبير بالإحاطة والشمول للمبالغة، أو للتصريح بأن ذلك قد عمهم جميعا، وليس من قبيل الحكم على الجماعة بحكم البعض أو الأكثر.
وفي رواية ابن أبي طاهر: الحيرة - بالحاء المهملة - ولعله تصحيف، ولا يخفى توجيهه.
وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح والنجبة التي انتجبت، والخيرة التي اختيرت.. الكفاح: استقبال العدو في الحرب بلا ترس ولا جنة، ويقال: فلان يكافح الأمور.. أي يباشرها بنفسه.
والنجبة - كهمزة - النجيب الكريم، وقيل: يحتمل أن يكون بفتح الخاء المعجمة أو سكونها بمعنى المنتخب المختار، ويظهر من ابن الأثير أنها بالسكون تكون جمعا.
والخيرة - كعنبة: المفضل من القوم المختار منهم.
قاتلهم العرب - في المناقب: لنا أهل البيت قاتلتم - وناطحتم الأمم، وكافحتم إليهم، فلا نبرح أو تبرحون نأمركم فتأتمرون..
ناطحتم الأمم.. أي حاربتم الخصوم ودافعتموهم بجد واهتمام كما يدافع الكبش قرنه بقرنه.
والبهم: الشجعان - كما مر -.
ومكافحتها: التعرض لدفعها من غير توان وضعف.
وقولها عليها السلام: أو تبرحون.. معطوف على مدخول النفي، فالمنفي أحد الامرين، ولا ينتفي إلا بانتفائهما معا، فالمعنى لا نبرح ولا تبرحون نأمركم فتأتمرون.. أي كنا لم نزل آمرين وكنتم مطيعين لنا في أوامرنا.
وفي كشف الغمة: وتبرحون - بالواو - فالعطف على مدخول النفي أيضا ويرجع إلى ما مر، وعطفه على النفي - إشعارا بأنه قد كان يقع منهم براح عن الإطاعة كما في غزوة أحد وغيرها، بخلاف أهل البيت عليهم السلام إذ لم يعرض لهم كلال عن الدعوة والهداية - بعيد عن المقام، والأظهر ما في رواية ابن أبي طاهر من ترك المعطوف رأسا.
لا نبرح نأمركم.. أي لم يزل عادتنا الامر وعادتكم الائتمار.
وفي المناقب: لا نبرح ولا تبرحون نأمركم.. فيحتمل أن يكون أو في تلك النسخة أيضا بمعنى الواو.. أي لا نزال نأمركم ولا تزالون تأتمرون، ولعل ما في المناقب أظهر النسخ وأصوبها.
حتى إذا دارت بنا رحى الاسلام، ودر حلب الأيام، وخضعت نهرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوثق نظام الدين.. دوران الرحى كناية عن انتظام أمرها، والباء للسببية.
ودر اللبن: جريانه وكثرته.
والحلب - بالفتح - استخراج ما في الضرع من اللبن، وبالتحريك اللبن المحلوب، والثاني أظهر للزوم ارتكاب تجوز في الاسناد وفي المسند إليه على الأول.
والنعرة - بالنون والعين والراء المهملتين - مثال همزة: الخيشوم والخيلاء والكبر أو بفتح النون من قولهم: نعر العرق بالدم.. أي فار، فيكون الخضوع بمعنى السكون، أو بالغين المعجمة من نغرت القدر.. أي فارت.
وقال الجوهري: نغر الرجل - بالكسر - أي اغتاض، قال الأصمعي: هو الذي يغلي جوفه من الغيظ. وقال ابن السكيت: يقال: ظل فلان يتنغر على فلان.. أي يتذمر على، وفي أكثر النسخ بالثاء المثلثة المضمومة والغين المعجمة، وهي نقرة النحر بين الترقوتين، فخضوع ثغرة الشرك كناية عن محقه وسقوطه كالحيوان الساقط على الأرض، نظيره قول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وآله: أنا وضعت كلكل العرب - أي صدورهم.
والإفك - بالكسر - الكذب، وفورة الإفك غليانه وهيجانه.
وخمدت النار.. أي سكن لهبها ولم يطفأ جمرها، ويقال: همدت - بالهاء - إذا طفئ جمرها، وفيه اشعار بنفاق بعضهم وبقاء مادة الكفر في قلوبهم.
وفي رواية ابن أبي طاهر: وبأخت نيران الحرب.. قال الجوهري: بأخ الحر والنار والغضب والحمى.. أي سكن وفتر، وهدأت أي سكنت.
والهرج: الفتنة والاختلاط، وفي الحديث: الهرج: القتل.
واستوسق.. أي اجتمع وانضم من الوسق - بالفتح - وهو ضم الشئ إلى الشئ، واتساق الشئ: انتظامه.
وفي الكشف: فناويتم العرب وبادهتم الأمور.. إلى قولها عليها السلام:
حتى دارت لكم بنا رحى الاسلام، ودر حلب البلاد، وخبت نيران الحرب..
يقال: بدهه بأمر.. أي استقبله به، وبادهه: فاجأه.
فأنى حرتم بعد البيان، وأسررتم بعد الاعلان، ونكصتم بعد الاقدام وأشركتم بعد الايمان.. كلمة: أنى، ظرف مكان بمعنى أين، وقد يكون بمعنى كيف أي من أين حرتم، وما كان منشأه.
وجرتم: اما - بالجيم - من الجور وهو الميل عن القصد والعدول عن الطريق، أي لما ذا تركتم سبيل الحق بعد ما تبين لكم؟، أو بالحاء المهملة المضمومة من الحور بمعنى الرجوع أو النقصان، يقال: نعوذ بالله من الحور بعد الكور.. أي من النقصان بعد الزيادة، وأما بكسرها من الحيرة.
والنكوص: الرجوع إلى خلف.
[ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين]. نكث العهد - بالفتح - نقصه.
والايمان - جمع اليمين - وهو القسم.
والمشهور بين المفسرين أن الآية نزلت في اليهود الذين نقضوا عهودهم وخرجوا مع الأحزاب وهموا بإخراج الرسول من المدينة، وبدأوا بنقض العهد والقتال.
وقيل: نزلت في مشركي قريش وأهل مكة حيث نقضوا أيمانهم التي عقدوها مع الرسول والمؤمنين على أن لا يعاونوا عليهم أعداءهم، فعاونوا بني بكر على خزاعة، وقصدوا إخراج الرسول صلى الله عليه وآله من مكة حين تشاوروا بدار الندوة، وأتاهم إبليس بصورة شيخ نجدي.. إلى آخر ما مر من القصة،
فهم بدؤوا بالمعاداة والمقاتلة في هذا الوقت، أو يوم بدر، أو بنقض العهد، والمراد بالقوم الذين نكثوا ايمانهم في كلامها صلوات الله عليها، أما الذين نزلت فيهم الآية فالغرض بيان وجوب قتال الغاصبين للإمامة ولحقها، الناكثين لما عهد إليهم الرسول صلى الله عليه وآله في وصيه عليه السلام وذوي قرباه وأهل بيته، كما وجب بأمره سبحانه قتال من نزلت الآية فيهم، أو المراد بهم الغاصبون لحق أهل البيت عليهم السلام، فالمراد بنكثهم ايمانهم: نقض ما عهدوا إلى الرسول صلى الله عليه وآله حين بايعوه من الانقياد له في أوامره والانتهاء عند نواهيه وأن لا يضمروا له العداوة، فنقضوه وناقضوا ما أمرهم به، والمراد بقصدهم إخراج الرسول صلى الله عليه وآله عزمهم على إخراج من هو كنفس الرسول صلى الله عليه وآله وقائم مقامه بأمر الله وأمره عن مقام الخلافة وعلى إبطال أوامره ووصاياه في أهل بيته النازل منزلة إخراجه من مستقره، وحينئذ يكون من قبيل الاقتباس.
وفي بعض الروايات: لقوم نكثوا ايمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم.. فقوله: لقوم متعلق بقوله: تخشونهم.
الا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض وخلوتم بالدعة، ونجوتم من الضيق بالسعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم الذي تسوغتم ف [إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد].. الرؤية هنا بمعنى العلم أو النظر بالعين.
واخلد إليه: ركن ومال.
والخفض - بالفتح -: سعة العيش.
والمراد بمن هو أحق بالبسط والقبض أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وصيغة التفضيل مثلها في قوله تعالى: [قل أذلك خير أم جنة الخلد].
وخلوت بالشئ: انفردت به واجتمعت معه في خلوة.
والدعة: الراحة والسكون.
ومج الشراب من فيه: رمى به.
ووعيتم.. أي حفظتم.
والدسع - كالمنع - الدفع والقئ، وإخراج البعير جرته إلى فيه.
وساغ الشراب يسوغ سوغا.. إذا سهل مدخله في الحلق، وتسوغه:
شربه بسهولة.
وصيغة تكفروا في كلامهم عليها السلام اما من الكفران وترك الشكر - كما هو الظاهر من سياق الكلام المجيد حيث قال تعالى: [إذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد * وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد] -، أو من الكفر بالمعنى الأخص، والتغيير في المعنى لا ينافي الاقتباس، مع أن في الآية أيضا يحتمل هذا المعنى، والمراد إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا من الثقلين فلا يضر ذلك إلا أنفسكم فإنه
سبحانه غني عن شكركم وطاعتكم، مستحق للحمد في ذاته، أو محمود تحمده الملائكة بل جميع الموجودات بلسان الحال، وضرر الكفران عائد إليكم حيث حرمتم من فضله تعالى ومزيد إنعامه وإكرامه.
والحاصل، انكم إنما تركتم الامام بالحق وخلعتم بيعته من رقابكم ورضيتم ببيعة أبي بكر لعلمكم بأن أمير المؤمنين عليه السلام لا يتهاون ولا يداهن في دين الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ويأمركم بارتكاب الشدائد في الجهاد وغيره، وترك ما تشتهون من زخارف الدنيا، ويقسم الفئ بينكم بالسوية، ولا يفضل الرؤساء والامراء، وإن أبا بكر رجل سلس القياد، مداهن في الدين لارضاء العباد، فلذا رفضتم الايمان، وخرجتم عن طاعته سبحانه إلى طاعة الشيطان، ولا يعود وباله إلا إليكم.
وفي الكشف: ألا وقد أرى والله أن قد أخلدتم إلى الخفض، وركنتم إلى الدعة، فمججتم الذي أوعيتم، ولفظتم الذي سوغتم.
وفي رواية ابن أبي طاهر: فعجتم عن الدين.. يقال: ركن إليه - بفتح الكاف وقد يكسر - أي مال إليه وسكن. وقال الجوهري: عجت بالمكان أعوج.. أي أقمت به وعجت غيري.. يتعدى ولا يتعدى، وعجت البعير..
عطفت رأسه بالزمام.. والعائج: الواقف.. وذكر ابن الاعرابي: فلان ما يعوج من شئ : أي ما يرجع عنه.
ألا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس، ونفثة الغيظ، وخور القنا، وبئة الصدر، وتقدمة الحجة.. الخذلة: ترك النصر.
وخامرتكم.. أي خالطتكم.
والغدر: ضد الوفاء.
واستشعره: أي لبسه، والشعار: الثوب الملاصق للبدن.
والفيض - في الأصل - كثرة الماء وسيلانه، يقال: فاض الخبر.. أي شاع، وفاض صدره بالسر.. أي باح به واظهره، ويقال: فاضت نفسه.. أي خرجت روحه، والمراد به هنا اظهار المضمر في النفس لاستيلاء الهم وغلبة الحزن.
والنفث بالفم شبيه بالنفخ، وقد يكون للمغتاظ تنفس عال تسكينا لحر القلب وإطفاء لنائرة الغضب.
والخور - بالفتح والتحريك -: الضعف.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.