پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

4 باب

ج ۲۸، ص ۳۷۰–۴۰۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۶ از ۷

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۸

فأما الكلام في الوجه الأول فبأن الخلاف ظهر في أول الأمر ظهورا لا يمكن دفعه من أمير المؤمنين (عليه السلام) والعباس رضي الله عنه وجماعة بني هاشم ثم من الزبير حتى روى عنه أنه خرج شاهرا سيفه، واستلب من يده فضرب به الصفا ثم من سلمان وخالد بن سعيد وأبى سفيان صخر بن حرب، فكل هؤلاء قد ظهر من خلافهم ما شهرته تغنى عن ذكره، وخلاف سعد وولده وأهله أيضا معروف، وكل هذا كان ظاهرا في ابتداء الامر.

ثم إن الخلاف من بعض من ذكرنا بقي واستمر وإن لم يكن ظاهرا منه في المستقبل على حد ظهوره في الماضي إلا أنه منقول معروف فمن أين للمخالف أن الخلاف انقطع وأن الاجماع وقع في حال من الأحوال، فما نراه عول في ذلك إلا على الدعوى.

فان قال: أما الخلاف في الابتداء، فقد عرفته وأقررت به، وما تدعونه من استمراره باطل لأنه غير منقول ولا معروف، فعلى من ادعى استمرار الخلاف أن يبين ذلك فانى أنكره.

قيل له: لا معتبر بانكارك ما نذكره في هذا الباب لأنك بين أمرين إما أن تكون منكرا لكونه مرويا في الجملة، وتدعى أن أحدا لم يرو استمرار الخلاف على وجه من الوجوه، أو تعترف بأن قوما رووه غير ثقات عندك، ولم يظهر ظهور الخلاف، ولم ينقله كل من نقل ذلك.

فان أردت ما ذكرناه ثانيا فقد سبقناك إلى الاعتراف به، لأنا لم ندع في الاستمرار ما حصل في الابتداء من الظهور، ولا ندفع أنك لا توثق أيضا كل من

روى ذلك إلا أن أقل ما في هذا الباب أن يمنعك هذا من القطع على أن النكير زال وارتفع، والرضا حصل وثبت، وإن أردت ما ذكرناه أولا فهو يجري مجرى المشاهدات لان وجودها في الرواية أظهر من أن يدفع، ولم يزل أمير المؤمنين (عليه السلام) متظلما متألما منذ قبض الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى أن توفاه الله إلى جنته، ولم يزل أهله وشيعته يتظلمون له من دفعه عن حقه، وكان ذلك منه (عليه السلام) ومنهم يخفى ويظهر ويترتب في الخفاء والظهور ترتب الأوقات في شدتها وسهولتها، فكان (عليه السلام) يظهر من كلامه في هذا الباب في أيام أبي بكر ما لم يكن ظاهرا في أيام عمر، ثم قوى كلامه وصرح بكثير مما في نفسه في أيام عثمان ثم أزداد قوة في أيام تسليم الامر إليه ومن عنى بقراءة الآثار علم أن الامر جرى على ما ذكرناه.

روى أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفي عن عثمان بن أبي شيبة العبسي عن خالد المدايني، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: سمعت عليا (عليه السلام) على المنبر يقول: قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما من الناس أحد أولى بهذا الامر مني.

وروي إبراهيم الثقفي قال أخبرنا عثمان بن أبي شيبة وأبو نعيم الفضل بن دكين عن فطر بن خليفة عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول:

ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) إلى يوم الناس هذا وروى إبراهيم عن يحيى بن عبد الحميد الحماني وعباد بن يعقوب الأسدي عن عمرو بن ثابت عن سلمة بن كهيل عن مسيب بن نجبة قال: بينما علي (عليه السلام) يخطب وأعرابي يقول: وا مظلمتاه فقال علي (عليه السلام): ادن فدنا، فقال: لقد ظلمت عدد المدر والوبر. وفي حديث عبادة قال جاء أعرابي يتخطا فنادى يا أمير المؤمنين مظلوم قال علي (عليه السلام ): ويحك وأنا مظلوم ظلمت عدد المدر والوبر وروى أبو نعيم الفضل بن دكين عن عمر بن أبي مسلم قال: كنا جلوسا عند جعفر بن عمرو بن حريث قال: حدثني والدي أن عليا (عليه السلام) لم يقم مرة على المنبر إلا قال في آخر كلامه قبل أن ينزل: " ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ".

وروى إبراهيم عن القناد عن علي بن هاشم عن أبي الجحاف عن معاوية بن ثعلبة قال: جاء رجل إلى أبي ذر رحمة الله عليه وهو جالس في المسجد وعلي (عليه السلام) يصلى أمامه فقال: يا أبا ذر ألا تحدثني بأحب الناس إليك؟ فوالله لقد علمت أن

أحبهم إليك أحبهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: أجل والذي نفسي بيده إن أحبهم إلى لأحبهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو هذا الشيخ المظلوم المضطهد حقه.

وقد روى من طرق كثيرة أنه (عليه السلام) كان يقول أنا أول من يحشر للخصومة بين يدي الله يوم القيمة وقوله (عليه السلام) " يا عجبا بينما يستقيلها في حياته، إذ عقدها لاخر بعد وفاته مشهور " وروى إبراهيم عن إسماعيل عن عثمان بن سعيد بن علي بن عايش عن أبي الجحاف عن معاوية بن ثعلبة أنه قال ألا أحدثك حديثا لا يختلط؟ قلت: بلى قال:

مرض أبو ذر مرضا شديدا فأوصى إلى علي (عليه السلام) فقال له بعض من يدخل عليه:

لو أوصيت إلى أمير المؤمنين كان أجمل من وصيتك إلي على (عليه السلام) قال: والله قد أوصيت إلى أمير المؤمنين حقا.

وروى عبد الله بن جبلة الكناني عن ذريح المحاربي عن أبي حمزة الثمالي عن جعفر بن محمد عليها السلام أن بريدة كان غائبا بالشام، فقدم وقد بايع الناس أبا بكر، فأتاه في مجلسه فقال: يا أبا بكر هل نسيت تسليمنا على علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين واجبة من الله ورسوله؟ قال: يا بريدة إنك غبت وشهدنا وإن الله تعالى يحدث الامر بعد الامر ولم يكن الله ليجمع لأهل هذا البيت النبوة والملك.

وقد روي خطاب بريدة لأبي بكر بهذا المعنى في ألفاظ مختلفة من طرق كثيرة.

وقد روى أيضا من طرق مختلفة وبألفاظ متقاربة المعاني خطاب سلمان الفارسي رضي الله عنه للقوم وانكاره ما فعلوه، وقوله " أصبتم وأخطأتم أصبتم سنة الأولين وأخطأتم أهل بيت نبيكم " (صلى الله عليه وآله) وقوله ما أدرى " أنسيتم أم تناسيتم أو جهلتم أم تجاهلتم " وقوله " والله لو أعلم أنى أعز لله دينا أو أمنع لله ضيما لضرب بسيفي قدما قدما ".

ولم نذكر أسانيد هذه الأخبار وطرقها بألفاظها لئلا يطول به الكتاب ومن أراده أخذه من مظانه، وهذا الخلاف من سلمان وبريدة لا ينفع فيه أن يقال: رضى سلمان بعده وتولى الولايات وأمسك بريدة وسلم وبايع لان تصريحهم بسبب الخلاف يقتضى أن الرضا لا يقع منهما أبدا، وأنهما وإن كفا في المستقبل عن الانكار، لفقد النصار والخوف عن النفس، فان قلوبهم منكرة، ولكن ليس لمضطر اختيار.

وروى إبراهيم الثقفي، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن عمرو بن حريث عن حبيب بن أبي ثابت، وعن ثعلبة بن يزيد الحماني، عن علي (عليه السلام) قال: سمعته يقول: كان فيما عهد إلى النبي الأمي أن الأمة ستغدر بك.

وروى إبراهيم، عن إسماعيل بن عمرو البجلي قال: حدثنا هشيم بن بشير الواسطي عن إسماعيل بن سالم الأسدي، عن أبي إدريس الأودي عن علي (عليه السلام) قال:

لان أخر من السماء إلى الأرض فتخطفني الطير أحب إلى من أن أقول سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم أسمعه قال لي يا علي ستغدر بك الأمة بعدى.

وروى زيد بن علي بن الحسين قال: كان علي (عليه السلام) يقول: بايع الناس والله أبا بكر وأنا أولى بهم منى بقميصي هذا فكظمت غيظي، وانتظرت أمري وألزقت كلكلي بالأرض ثم إن أبا بكر هلك واستخلف عمر، وقد والله [أ] علم أنى أولى بالناس منى بقميصي هذا، فكظمت غيظي، وانتظرت أمري، ثم إن عمر هلك وجعلها شورى

وجعلني فيهم سادس ستة كسهم الجدة، فقال اقتلوا الأقل فكظمت غيظي وانتظرت امرى; وألزقت كلكلي بالأرض حتى ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله.

وقوله (عليه السلام) " ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله " منبها بذلك على سبب قتاله لطلحة والزبير ومعاوية، وكفه عمن تقدم، لأنه لما وجد الأعوان والنصار لزمه الامر، وتعين عليه فرض القتال والدفاع، حتى لم يجد إلا القتال أو الخلاف لله، وفي الحال الأولى كان معذورا لفقد النصار والأعوان.

وروى جميع أهل السير أن أمير المؤمنين (عليه السلام) والعباس لما تنازعا في الميراث وتخاصما إلى عمر، قال عمر: من يعذرني من هذين: ولي أبو بكر فقالا:

عق وظلم، والله يعلم أنه كان برا تقيا، ثم وليت فقالا: عق وظلم [وهذا الكلام من أصح دليل على أن تظلمه (عليه السلام) عن القوم كان ظاهرا] وغير خاف عليهم، وإنما كانوا يجاملونه ويجاملهم.

وروى الواقدي في كتاب الجمل باسناده أن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين بويع خطب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: حق وباطل ولكل أهل ولئن أمير الباطل لقديما فعل، ولئن قال الحق لربما ولعل، ولقل ما أدبر شئ فأقبل، وإني لأخشى أن

تكونوا في فترة، وما على إلا الاجتهاد، وقد كانت أمور مضت فملتم فيها ميلة كانت عليكم، ما كنتم فيها عندي بمحمودين، أما إني لو أشاء لقلت " عفا الله عما سلف " سبق الرجلان، وقام الثالث كالغراب همته بطنه، يا ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له، في كلام طويل بعدها.

وقد رويت هذه الخطبة عن الواقدي من طرق مختلفة.

ثم روى الخطبة الشقشقية ثم قال: والذي ذكرناه قليل من كثير، ولو تقصينا جميع ما روى في هذا الباب عنه (عليه السلام) وعن أهله وولده وشيعته، لم يتسع جميع حجم كتابنا له، وفي بعض ما ذكرناه أوضح دلالة على أن الخلاف ما زال وأنه كان مستمرا وأن الرضا لم يحصل في حال من الأحوال.

فان قيل: جميع ما رويتموه أخبار آحاد لا توجب علما ولا يرجع بمثلها عن المعلوم، والمعلوم أن الخلاف لم يظهر على حد ظهوره في الأول، ولم يروها أيضا إلا متعصب غير موثوق بأمانته.

قلنا أما هذه الأخبار وإن كانت على التفصيل أخبار آحاد فمعناها متواتر لأنه قد رواه عدد كثير وجم غفير، وإن كان اللفظ في التفصيل آحادا، ثم لو سلمنا على اقتراحكم أنها آحاد ليس يجب أن يكون مانعة من القطع على ارتفاع النكير و ادعاء العلم بأن الخلاف قد زال وارتفع، لأنه لا يمكن مع هذه الأخبار - وهي توجب الظن إن لم توجب العلم - أن يدعى العلم بزوال الخلاف فأما قول السائل إنا لا نرجع بها عن المعلوم، فأي معلوم هيهنا رجعنا بهذه .

الاخبار عنه، فان أراد الاجماع وزوال الخلاف، فكل ذلك لا يثبت إلا مع فقد ما هو أضعف من هذه الأخبار، وزوال الخلاف لا يكون معلوما مع وجداننا رواية واردة به، وإنما يتوصل إلى الرضا والاجماع بالكف عن النكير، وزوال الخلاف وإذا كان الخلاف والنكير مرويين من جهة ضعيفة أو قوية، كيف يقطع على ارتفاعهما أو زوالهما، وأما القدح في الرواة، فأول ما فيه أن أكثر ما رويناه هيهنا وارد من طرق العامة، ومسند إلى من لا يتهمونه ولا يجرحونه، ومن تأمل ذلك علمه، ثم ليس يقنع في جرح الرواة بمحض الدعوى دون أن يشار إلى أمور معروفة، وأسباب ظاهرة، و إذا روى الخبر من ظاهره العدالة والتدين لم يقدح فيه ما جرى هذا المجرى من القدح.

فان قيل: هذا يؤدي إلى الشك في ارتفاع كل خلاف.

قلنا إن كان الطريق فيما تشيرون إليه يجري مجرى ما نتكلم عليه في هذا الباب فلا سبيل إلى القطع على انتفائه، فكيف يقطع على انتفاء أمر وهو مروي منقول، وإنما نقطع على ذلك في الموضع الذي لا يوجد فيه نقل بخلاف ولا رواية لنكير.

فان قيل: الشئ إذا كان مما يجب ظهوره إذا كان فانا نستدل بانتفاء ظهوره على انتفائه ولا نحتاج إلى أكثر من ذلك، ولهذا نقول: لو كان القرآن عورض لوجب أن تظهر معارضته على حد ظهور القرآن، فإذا لم نجدها ظاهرة قطعنا على انتفائها ولو روى لنا راو من طريق الآحاد أن معارضته وقعت لم نلتفت إلى روايته، وهذه سبيل ما تدعونه من النكير الذي لم يثبت، ولم يظهر.

قلنا: قد شرطت شرطا كان ينبغي أن تراعيه وتوجدناه فيما اختلفنا فيه، لأنك قلت إن كل أمر لو كان وجب ظهوره ومتى لم يظهر يجب القطع على انتفائه، وهذا صحيح وبه تبطل معارضة القرآن على ما ذكرت لان الامر في أنها لو كانت لوجب ظهورها واضح، وعليه بني الكلام، وليس هذا موجودا في النكير على أصحاب الاختيار لأنك لا نقدر على أن تدل على أن نكيرهم يجب ظهوره لو كان، وأن الداعي إليه داع إلى إظهاره، بل الامر بخلاف ذلك لان الانكار على مالك الحل والعقد، و

الأمر والنهي والنفع والضر، الذي قد مال إليه أكثر المسلمين، ورضى بإمامته أكثر الأنصار والمهاجرين، يجب طيه وستره، ولا يجوز إذاعته ونشره، والدواعي كلها متوفرة إلى إخفائه، وترك إعلانه، فأين هذا من المعارضة؟

ولو جوزنا في المعارضة أو غيرها من الأمور أن يكون ولا تدعو الدواعي إلى اظهاره، بل إلى طيه ونشره، لم يجب القطع على انتفائه من حيث لم يظهر للكل ولم ينقله الجميع، ولكنا متى وجدنا أيسر رواية في ذلك نمنع لأجلها من القطع على انتفاء ذلك الامر وعلى انه لم يكن وسنشبع الكلام في السبب المانع من اظهار الخلاف واعلان النكير فيما يأتي بمشية الله.

فأما قولهم إن كل من يدعى عليه الخلاف فإنه ثبت عنه قولا وفعلا الرضا بالبيعة، وقد بينا وسنبين أن الامر بخلافه، وأن الذي اعتمدوه من الكف عن النزاع، ليس بدلالة على الرضا لأنه وقع عن أسباب ملجئة، وكذلك سائر ما يدعى من ولاية من تولى من قبل القوم ممن كان مقيما على خلافهم، ومنكرا لأمرهم.

وأما بناؤهم العقد الأول على الثاني، وأنه لما ظهر في الثاني من الرضا والانقياد لطول الأيام وتماديها ما لم يظهر في الأول، جاز أن يجعل أصلا له، فالكلام على العقد الأول الذي ذكرناه مستمر في الثاني بعينه لان خلاف من حكينا خلافه وروينا عنه ما روينا، هو خلاف في العقدين جميعا.

ثم لو سلمنا ارتفاع الخلاف على ما يقترحونه، لكان ذلك لا يدل على الرضا إذا بينا ما أحوج إليه وألجأ إلى استعماله.

فأما قولهم: إن سعدا لا يعتد بخلافه من حيث طلب الإمامة لنفسه وكان مبطلا في ذلك، واستمر على هذه الطريقة، فلا اعتبار بخلافه، فليس بشئ يعول عليه، لان أول ما في ذلك أن الذي ادعوه من " ان الأئمة من قريش " ليس بمقطوع به ولا رواه أحد من أهل السير، وخلاف سعد في الإمامة والأنصار خلاف واحد ونحن نبين ما ذكره أهل السير من خبر السقيفة ليعلم أن ما ادعوه

لا أصل له ثم روى ما روينا منه سابقا من أخبار السقيفة فقال: وقد روى الطبري وغيره خبر السقيفة من طرق مختلفة خالية كلها من ذكر الاحتجاج بالخبر المروى ان الأئمة من قريش، ويدل على ضعفه ما روى عن أبي بكر من قوله عن موته:

ليتني كنت سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ثلاثة أشياء ذكر من جملتها " ليتني كنت

سألته هل للأنصار في هذا الامر حق " فكيف يقول هذا القول من يروى عنه (عليه السلام) " ان الأئمة من قريش " و " ان هذا الامر لا يصلح إلا لهذا الحي من قريش " ويدل على ضعفه أيضا ما روى أن عمر قال عند موته لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه الشكوك بعد أن ذكر أهل الشورى وطعن على واحد واحد، وسالم لم يكن من قريش فكيف يجوز أن يقول هذا وقد سمع أبا بكر روى هذا الخبر.

وروى الطبري في تاريخه عن شيوخه من طرق مختلفة أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له يا أمير المؤمنين لو استخلفت، قال: من أستخلف؟ لو كان أبو عبيدة ابن الجراح حيا لاستخلفته ، فان سألني ربي قلت: سمعت نبيك (صلى الله عليه وآله) يقول إنه أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته فان سئلني ربي قلت: سمعت نبيك يقول إن سالما شديد الحب لله، فقال له رجل: أدلك عليه عبد الله بن عمر؟ فقال: قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا، ويحك كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته.

وروى البلاذري في كتابه المعروف بتاريخ الاشراف عن عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب كان مستندا إلى ابن عباس وعنده ابن عمر وسعيد بن زيد فقال اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئا ولم أستخلف بعدي أحدا وأنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله قال سعيد بن زيد أما إنك لو أشرت برجل من المسلمين ائتمنك الناس، فقال عمر:

.

لقد رأيت من أصحابي حرصا سيئا وأنا جاعل هذا الامر إلى النفر الستة الذين مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو عنهم راض، ثم قال لو أدركني أحد رجلين لجعلت هذا الامر إليه، ولوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح.

فقال له رجل يا أمير المؤمنين فأين أنت عن عبد الله بن عمر؟ فقال له: قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا، أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته؟ قال عفان، يعنى بالرجل الذي أشار إليه بعبد الله بن عمر، المغيرة ابن شعبة.

وهذا كما ترى تصريح بأن تمنى سالم إنما كان لان يستخلفه كما أنه تمنى أبا عبيدة لذلك فأي تأويل يبقى مع هذا الشرح.

والعجب من أن يكون بحضرته مثل أمير المؤمنين، ومنزلته في خلال الفضل منزلته وباقي أهل الشورى الذي كانوا في الفضل الظاهر على أعلا طبقاته، ثم يتمنى مع ذلك حضور سالم تمنى من لا يجد منه عوضا وإن ذلك لدليل قوي على سوء رأيه في الجماعة ولو كان تمنيه للرأي والمشورة كان يكون أيضا الخطب جليلا، لأنا نعلم أنه لم يكن في هذه الجماعة التي ذكرناها إلا من مولاه يساوي سالما إن لم يفضله في الرأي وجودة التحصيل، فكيف يرغب عنهم في الرأي واختيار من لا يصلح للامر، ويتلهف على حضور من لا يدانيهم في علم ولا رأى، وكل هذه الأخبار إذا سلمت و أحسنا الظن بعمر، دلت على أن الخبر الذي رووه بأن الأئمة من قريش لا أصل له.

فان قيل: كيف تدفعون هذا الخبر وأنتم تقولون بمثل ذلك.

.

قلنا: نحن لا نرجع في ثبوت إمامة من نقول بإمامته إلى أمثال هذه الأخبار، بل لنا على ذلك أدلة واضحة وحجج بينة، وإنما أوردنا خبر السقيفة ليعلم أن خلاف سعد وذويه كان قادحا.

ثم لو سلمنا أنه كان مبطلا في طلب الإمامة لنفسه، على ما يقترحونه، لم لا يعتد بخلافه، وهو خالف في أمرين أحدهما أنه اعتقد أن الإمامة تجوز للأنصار والاخر أنه لم يرض بامامة أبى بكر، ولا بايعه، وهذان خلافان، ليس كونه مبطلا في أحدهما يقتضى أن يكون مبطلا في الاخر، وليس أحدهما مبنيا على صاحبه فيكون في إبطال الأصل إبطال الفرع، لان من ذهب إلى جواز الإمامة في غير قريش لا يمنع من جوازها في قريش، فكيف يجعل امتناعه من بيعة قريش مبنيا على أصله في أن الإمامة تجوز في غير قريش دليلا على أنه مبطل في امتناعه من بيعة إنسان بعينه.

وليس لاحد أن يقول: إن سعدا وحده لا يكون محقا ولا يكون خروجه عما عليه الأمة مؤثرا في الاجماع، وذلك أن هذا استبعاد لا وجه له، لان سعدا مثل غيره من الصحابة الذين إذا خالفوا في شئ أثر خلافهم في الاجماع، ولا يعد إجماعا.

فان قيل: إن خلاف واحد واثنين لا يعتد به، لأنه لا يكون سبيلا للمؤمنين وقول الجماعة يصح ذلك فيه.

قيل أول ما فيه أنه كان لسعد من الأولاد من يجوز أن يتناوله الكناية عن الجماعة، لان أقل من يتناوله اللفظ ثلاثة فصاعدا، وبعد فإذا كان لفظ " المؤمنين " يفيد الاستغراق على وجه الحقيقة، فمن حمله على جماعة دون الاستغراق كان مجازا وإذا جاز حمله على هذا الضرب من المجاز، جاز أن يحمل على الواحد، لأنه قد يعبر عن الواحد بلفظ الجماعة مجازا، على أنا قد بينا فيما تقدم أن هذه الآيات لا دلالة فيها على صحة التعلق بالاجماع وفي ذلك إسقاط هذا السؤال.

وأما الطريقة الثانية: فهي أن نسلم لهم ترك النكير واظهار البيعة، و

نقول: ما الذي يدل على أنهم كانوا راضين بها، والرضا من أفعال القلوب لا يعلمه إلا الله تعالى.

ثم يقال لهم: قد علمنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) تأخر عن البيعة، وامتنع منها علما لا يتخالجنا فيه الشك، واختلف الناس في مدة تأخرها، فمنهم من قال ستة أشهر، ومنهم من قال أربعين يوما ومنهم من قال أقل وأكثر، وذلك يدل على إنكاره للبيعة وتسخطه لها، فمن أدعى أنه بايع بعد ذلك مختارا راضيا بالبيعة فعليه الدلالة.

فان قيل: لو لم يكن راضيا بها لأنكر لأنه كان يتعين عليه الانكار من حيث أن ما ارتكبوه قبيح، ومن حيث أنه دفع عن مقامه واستحقاقه، فلما لم ينكر دل على أنه كان راضيا.

قيل: ولم زعمتم أنه لا وجه لترك النكير إلا الرضا دون غيره، لأنه إذا كان ترك النكير قد يقع ويكون الداعي إليه غير الرضا، كما قد يدعو إليه الرضا، فليس لأحد أن يجعل فقده دليل الرضا، والنكير قد يرتفع لأمور منها التقية و الخوف على النفس وما جرى مجراها، ومنها العلم أو الظن بأنه يعقب من النكير ما هو أعظم من المنكر الذي يراد انكاره، ومنها الاستغناء منه بنكير تقدم وأمور ظهرت ترفع اللبس والابهام في الرضا بمثله، ومنها أن يكون للرضا، وإذا كان ترك النكير منقسما لم يكن لاحد أن يخصه بوجه واحد، وإنما يكون ترك النكير دلالة على الرضا في الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرضا، فمن أين لهم أنه لا .

وجه لترك النكير هيهنا إلا الرضا ؟

فان قيل: ليس الرضا أكثر من ترك النكير، فمتى علمنا ارتفاع النكير، علمنا الرضا.

قلنا: هذا مما قد بينا فساده، وبينا أن ترك النكير ينقسم إلى الرضا وغيره وبعد فما الفرق بين من قال هذا، وبين من قال: " وليس السخط أكثر من ارتفاع الرضا، فمتى لم أعلم الرضا وأتحققه قطعت على السخط " فيجب على من ادعى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان راضيا، أن ينقل ما يوجب كونه كذلك ولا يعتمد في أنه كان راضيا على أن نكيره ارتفع، فان للمقابل أن يقابل ذلك بما قدمنا ذكره، ويجعل دليل كونه ساخطا ارتفاع رضاه.

فان قال: ليس يجب علينا أن ننقل ما يدل على رضاه أكثر من بيعته وترك نكيره، لأن الظاهر من ذلك يقتضي ما ذكرناه، وعلى من ادعى خلافه، وأن كان مبطنا لخلاف الرضا، أن يدل على ذلك، فإنه خلاف الظاهر.

قيل له: ليس الامر على ما قدرته، لان سخط أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الأصل لأنه لا خلاف بين الأمة في أنه (عليه السلام) سخط الامر وأباه، ونازع فيه، وتأخر عن البيعة، ثم لا خلاف أنه في المستقبل أظهر البيعة ولم يقم على ما كان عليه من إظهار الخلاف والنكير، فنقلنا عن أحد الأصلين اللذين كان عليهما من الامتناع عن البيعة وإظهار الخلاف أمر معلوم، ولم ينقلنا عن الأصل الاخر الذي هو السخط والكراهة شئ، فيجب على من ادعى تغير الحال أن يدل على تغيرها، ويذكر أمرا معلوما يقتضي ذلك، ولا يرجع علينا فيلزمنا أن ندل على ما ذكرنا، لأنا على ما بيناه متمسكون بالأصل المعلوم، وإنما تجب الدلالة على من ادعى تغيير الحال.

وليس له أن يجعل البيعة وترك النكير دلالة الرضا، لأنا قد بينا أن ذلك منقسم، ولا ينقل من المعلوم المتحقق بأمر محتمل.

فان قيل: هذه الطريقة التي سلكتموها توجب الشك في كل اجماع وتمنع

من أن نقطع على رضا أحد بشي من الأشياء، لأنا إنما نعلم الرضا في كل موضع نثبته فيه بمثل هذه الطريقة، وبما هو أضعف منها.

قيل له: إن كان لا طريق إلى معرفة الاجماع ورضي الناس بالامر، إلا ما ادعيته، فلا طريق إذا إليه، لكن الطريق إلى ذلك واضح، وهو أن يعلم أن النكير لم يرتفع إلا للرضا، وأنه لا وجه هناك سواه، وهذا قد يعلم ضرورة من شاهد الحال، وقد يعلم من غاب عنها بالنقل وغيره، حتى لا يرتاب بأن الرضا هو الداعي إلى ترك النكير، ألا ترى أنا نعلم كلنا علما لا يعترضه شك أن بيعة عمر وأبي عبيدة وسالم لأبي بكر كانت عن رضى وموافقة، ومبايعة في الظاهر و الباطن، وأنه لا وجه لما أظهروه من البيعة والموافقة إلا الرضا، ولا نعلم ذلك في أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن جرى مجراه، فلو كان الطريق واحدا لعلمنا الامرين على سواء.

وهذا أحد ما يمكن الاعتماد عليه في هذا الموضع، فيقال: لو كان أمير المؤمنين (عليه السلام) راضيا وظاهره كباطنه في الكف عن النكير، لوجب أن نعلم ذلك من حاله كما علمناه من حال عمر وأبي عبيدة، فلما لم يكن ذلك معلوما دل على اختلاف الحال فيه.

وكيف يشكل على منصف أن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام لم تكن عن رضا، و الاخبار متظاهرة من كل روى السير بما يقتضي ذلك، حتى أن من تأمل ما روى في هذا الباب لم يبق عليه شك في أنه (عليه السلام) الجئ إلى البيعة، وصار إليها بعد المدافعة والمحاجزة لأمور اقتضت ذلك، ليس من جملتها الرضا.

فقد روى أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري وحاله في الثقة عند العامة والبعد عن مقاربة الشيعة والضبط لما يرويه معروفة، قال: حدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:

بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي (عليه السلام) حين قعد عن بيعته وقال: ائتني به بأعنف العنف، فلما أتاه جرى بينهما كلام، فقال له: احلب حلبا لك شطره، والله

ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤمرك غدا، وما ننفس على أبي بكر هذا الامر، ولكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا إن لنا حقا لا تجهلونه، ثم أتاه فبايعه.

وهذا الخبز يتضمن ما جرت عليه الحال، وما تقوله الشيعة بعينه، وقد أنطق الله به رواتهم.

وقد روى البلاذري عن المدائني عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي عن ابن عون أن أبا بكر أرسل عمر إلى علي (عليه السلام) يريده إلى البيعة، فلم يبايع فجاء عمر ومعه قبس فتلقته فاطمة عليها السلام على الباب، فقالت: يا ابن الخطاب أتراك محرقا علي بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك، وجاء علي (عليه السلام) فبايع.

وهذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة، وإنما الطريف أن يرويه شيوخ محدثي العامة، لكنهم كانوا يروون ما سمعوا بالسلامة، وربما تنبهوا على ما في بعض ما يروونه عليهم، فكفوا عنه وأي اختيار لمن يحرق عليه بابه حتى يبايع.

وروى إبراهيم بن سعيد الثقفي عن أحمد بن عمرو البجلي، عن أحمد بن حبيب العامري، عن حمران بن أعين عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: والله ما بايع علي حتى رأى الدخان قد دخل بيته وروى المدايني عن عبد الله بن جعفر، عن أبي عون قال: لما ارتدت العرب مشى عثمان إلى علي (عليه السلام) فقال: يا ابن عم إنه لا يخرج أحد إلى قتال هذا العدو و أنت لم تبايع، ولم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر فسر المسلمون بذلك، وجد .

الناس في القتال.

وروى البلاذري، عن المدائني، عن أبي جزي، عن معمر، عن الزهري عن عروة، عن عائشة قالت: لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة (عليها السلام) بعد ستة أشهر، فلما ماتت ضرع إلى صلح أبي بكر فأرسل إليه أن يأتيه، فقال له عمر: لا تأته وحدك، قال: فما ذا يصنعون بي؟ فأتاه أبو بكر فقال له علي (عليه السلام): والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الامر نصيبا أستبد به علينا، فقال أبو بكر: والله لقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحب إلى من قرابتي فلم يزل علي يذكر حقه وقرابته حتى بكى أبو بكر، فقال: ميعادك العشية، فلما صلى أبو بكر الظهر، خطب فذكر عليا (عليه السلام) وبيعته، فقال علي (عليه السلام) إني لم يحبسني عن بيعة أبي بكر ألا أكون عارفا بحقه، لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الامر نصيبا استبد به علينا، ثم بايع أبا بكر، فقال المسلمون: أصبت و أحسنت.

ومن تأمل هذه الأخبار علم كيف وقعت هذه البيعة، وما الداعي إليها، و لو كانت الحال سليمة، والنيات صافية، والتهمة مرتفعة، لما منع عمر أبا بكر من أن يصير إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وحده.

وروى إبراهيم الثقفي عن محمد بن أبي عمر، عن أبيه، عن صالح بن أبي الأسود عن عقبة بن سنان، عن الزهري قال: ما بايع على (عليه السلام) إلا بعد ستة أشهر وما اجترئ عليه إلا بعد موت فاطمة (عليها السلام).

وروى الثقفي، عن محمد بن علي، عن عاصم بن عامر البجلي، عن نوح بن دراج، عن محمد بن إسحاق، عن سفيان بن فروة، عن أبيه قال: جاء بريدة حتى ركز رايته في وسط أسلم، ثم قال: لا أبايع حتى يبايع علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال علي (عليه السلام): يا بريدة ادخل فيما دخل فيه الناس، فان اجتماعهم أحب إلى من اختلافهم اليوم.

وروى إبراهيم، عن محمد بن أبي عمر، عن محمد بن إسحاق، عن موسى بن عبد الله بن الحسن أن عليا (عليه السلام) قال لهم: بايعوا فان هؤلاء خيروني أن يأخذوا ما ليس لهم أو أقاتلهم وافرق أمر المسلمين.

وروى إبراهيم، عن يحيى بن الحسن بن الفرات، عن قليب بن حماد، عن موسى بن عبد الله بن الحسن قال: أبت أسلم أن تبايع، فقالوا: ما كنا نبايع حتى يبايع بريدة، لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لبريدة علي وليكم من بعدي، قال: فقال علي (عليه السلام) يا هؤلاء إن هؤلاء خيرونا أن يظلموني حقي وأبايعهم فارتد الناس حتى بلغت

الردة أحدا، فاخترت أن أظلم حقي وإن فعلوا ما فعلوا.

وروى إبراهيم، عن يحيى بن الحسن، عن عاصم بن عامر، عن نوح ابن دراج، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه، عن عدي بن حاتم قال: ما رحمت أحدا رحمتي عليا حين أتى به ملببا فقيل له بايع، قال: فإن لم أفعل؟ قالوا إذا نقتلك، قال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسول الله! ثم بايع كذا وضم يده اليمنى.

وروى إبراهيم عن عثمان بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد البجلي عن داود ابن يزيد الأودي، عن أبيه، عن عدي بن حاتم قال إني لجالس عند أبي بكر إذ جئ بعلى (عليه السلام) فقال له أبو بكر: بايع، فقال له علي (عليه السلام): فان أنا لم أبايع؟ قال أضرب الذي فيه عيناك، فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: اللهم اشهد ثم مد يده فبايعه.

وقد روي هذا المعنى من طرق مختلفة وبألفاظ متقاربة المعنى وإن اختلف لفظها وإنه (عليه السلام) كان يقول في ذلك اليوم لما أكره على البيعة وحذر من التقاعد عنها " يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين " ويردد ذلك ويكرره، وذكر أكثر ما روى في هذا المعنى يطول فضلا عن ذكر جميعه وفيما أشرنا إليه كفاية ودلالة على أن البيعة لم تكن عن رضا واختيار.

فان قيل: كل ما رويتموه في هذا المعنى أخبار آحاد لا توجب علما.

قلنا: كل خبر مما ذكرناه وإن كان واردا من طريق الآحاد، فان معناه الذي تضمنه متواتر، والمعول على المعنى دون اللفظ، ومن استقرى الاخبار، وجد معنى إكراهه (عليه السلام) على البيعة، وأنه دخل فيها مستدفعا للشر، وخوفا من تفرق كلمة المسلمين، وقد وردت به أخبار كثيرة من طرق مختلفة تخرج عن حد الآحاد .

إلى التواتر، وبعد، فأدون منزلة هذه الأخبار إذا كانت آحادا أن تقتضي الظن، و تمنع من القطع على أنه لم يكن هناك خوف ولا إكراه، وإذا كنا لا نعلم أن البيعة وقعت عن رضا واختيار مع التجويز لان يكون هناك أسباب إكراه، فأولى أن لا نقطع على الرضا والاختيار مع الظن لأسباب الاكراه والخوف.

فان قيل: التقية لا تكون إلا عن خوف شديد، ولابد له من أسباب وأمارات تظهر، فمتى لم تظهر أسبابه لم يسغ تجويزه، وإذا كان غير جايز فلا تقية.

قلنا: وأي أسباب وأمارات هي أظهر مما ذكرناه ورويناه، هذا إن أردتم بالظهور النقل والرواية على الجملة، وإن أردتم بالظهور أن ينقله جميع الأمة ويعلموه، ولا يرتابوا به، فذاك اقتراح منكم لا ترجعون فيه إلى حجة، ولنا أن نقول لكم من أين أوجبتم ذلك؟ وما المانع من أن ينقل أسباب التقية قوم ويعرض عن نقلها آخرون لأغراض لهم، وصوارف تصرفهم عن النقل، ولا خفاء بما في هذه الدعوى وأمثالها.

على أن الامر في ظهور أسباب التقية أوضح من أن يحتاج فيه إلى رواية خبر ونقل لفظ مخصوص لأنكم تعلمون أن أمير المؤمنين (عليه السلام) تأخر عن البيعة تأخرا علم وارتفع الخلاف فيه، ثم بايع بعد زمان متراخ وإن اختلف في مدته، ولم تكن بيعته وإمساكه عن النكير الذي كان وقع منه، إلا بعد أن استقر الامر لمن عقد له، وبايعه الأنصار والمهاجرون، وأجمع عليه في الظاهر المسلمون، وشاع بينهم أن بيعته انعقدت بالاجماع والاتفاق، وأن من خالف عليه كان شاقا لعصا المسلمين مبتدعا في الدين، رادا على الله وعلى رسوله، وبهذا بعينه احتجوا على من قعد عن البيعة وتأخر عنها، فأي سبب للخوف أظهر مما ذكرناه.

وكيف يراد سبب له ولا شئ يذكر في هذا الباب إلا وهو أضعف مما أشرنا إليه، وكيف يمكن أمير المؤمنين (عليه السلام) المقام على خلاف من بايعه جميع المسلمين وأظهروا الرضا به والسكون إليه، وأن مخالفه مبتدع خارج عن الملة.

وإنما يصح أن يقال إن الخوف لابد له من أمارة وأسباب تظهر، وأن نفيه

واجب عند ارتفاع أسبابه، لو كان أمير المؤمنين (عليه السلام) بايع في الابتداء من الامر مبتدئا بالبيعة، طالبا لها راغبا فيها، من غير تقاعد، ومن غير أن تأخذه الألسن باللوم والعذل، فيقول واحد: حسدت الرجل، ويقول آخر: أردت الفرقة ووقوع الاختلاف بين المسلمين، ويقول آخر: متى أقمت على هذا لم يقاتل أحد أهل الردة، ويطمع المرتدون في المسلمين، ومن غير أن يتلوم أو يتربص حتى يجتمع المتفرقون، ويدخل الخارجون، ولا يبقى إلا راض أو متظاهر بالرضا، فأما و الامر جرى على خلاف ذلك، فالظاهر الذي لا إشكال فيه أنه (عليه السلام) بايع مستدفعا للشر، وفرارا من الفتنة، وبعد أن لم يبق عنده بقية ولا عذر في المحاجزة و المدافعة.

هذا إذا عولنا في إمساكه عن النكير على الخوف المقتضى للتقية، وقد يجوز أن يكون سبب إمساكه عن النكير غير الخوف إما منفردا أو مضمونا إليه، وذلك أنه لا خلاف بيننا وبين من خالفنا في هذه المسألة أن المنكر إنما يجب انكاره بشرائط منها أن لا يغلب في الظن أنه يودي إلى منكر هو أعظم منه، وأنه متى غلب في الظن ما ذكرناه لم يجز انكاره، ولعل هذه كانت حال أمير المؤمنين في ترك النكير.

والشيعة لا تقتصر في هذا الباب على التجويز، بل تروى روايات كثيرة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك وأنذره بأن القوم يدفعونه عن الامر ويغلبونه عليه، وأنه متى نازعهم فيه أدى ذلك إلى الردة، ورجوع الحرب جذعة وأمره بالاغضاء والامساك إلى أن يتمكن من القيام بالامر، والتجويز في هذا الباب لما ذكرنا كاف.

فان قيل: هذا يؤدي إلى أن يجوز في كل من ترك انكار منكر هذا الوجه بعينه فلا نذمه على ترك نكيره، ولا نقطع على رضاه به.

قلنا: لا شك في أن من رأيناه كافا عن نكير منكر ونحن نجوز أن يكون إنما كف عن نكيره لظنه أنه يعقب ما هو أعظم منه، فانا لا نذمه ولا نرميه أيضا

بالرضا به، وإنما نفعل ذلك عند علمنا بارتفاع ساير الاعذار، وحصول شرائط جميع انكار المنكر، وما نعلم بيننا وبينكم خلافا في هذا الذي ذكرناه على الجملة وإنما يقع التناسي للأصول إذا بلغ الكلام إلى الإمامة.

وليس لاحد أن يقول إن غلبة الظن بأن انكار المنكر يؤدي إلى ما هو أعظم منه، لابد فيه من امارات تظهر وتنقل، وفي فقد علمنا بذلك دلالة على أنه لم يكن، وذلك أن الامارات إنما يجب أن تكون ظاهرة لمن شاهد الحال، وغلب في ظنه ما ذكرناه، دون من لم تكن هذه حاله، ونحن خارجون عن ذلك، والامارات الظاهرة في تلك الحال لمن غلب في ظنه ما يقتضيه ليست مما ينقل و يروى، وإنما يعرف بشاهد الحال، وربما ظهرت أيضا لبعض الحاضرين دون بعض.

على أن كل هذا الكلام إنما نتكلفه متى لم نبن كلامنا على صحة النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) ومتى بنينا الكلام في أسباب ترك النكير على ما قدمناه من صحة النص ظهر الامر ظهورا يرفع الشبهة، لأنه إذا كان هو (عليه السلام) المنصوص عليه بالإمامة، والمشار إليه من بينهم بالخلافة، ثم رآهم بعد وفات الرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تنازعوا الامر بينهم تنازع من لم يسمعوا فيه نصا ولا أعطوا فيه عهدا، وصاروا إلى إحدى الجهتين بطريقة الاختيار، وصمموا على أن ذلك هو الواجب الذي لا معدل عنه، ولا حق سواه، علم صلى الله عليه أن ذلك مويس من نزوعهم ورجوعهم ومخيف من ناحيتهم، وأنهم إذا استجازوا اطراح عهد الرسول واتباع الشبهة فيه فهم بأن يطرحوا انكار غيره ويعرضوا عن وعظه وتذكيره أولى وأحرى.

ولا شبهة على عاقل في أن النص إن كان حقا على ما نقوله، ودفع ذلك الدفع، فان النكير هناك لا ينجع ولا ينفع، وأنه مؤد إلى غاية مكروه فاعليه.

فان قالوا إنما تأخر (عليه السلام) استيحاشا من استبدادهم بالامر، دون مشاورته ومطالعته، أو لاشتغاله بتجهيز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم بأمر

فاطمة (عليها السلام).

قيل: هذا لا يصح على مذهبكم، لان مشاورته لا تجب عليهم، وعقد الإمامة يتم بمن عقدها ولا يفتقر في صحته وتمامه إلى حضوره (عليه السلام)، وما تدعونه من خوف الفتنة فهو (عليه السلام) كان أعلم به وأخوف له، فكيف يتأخر (عليه السلام) عما يجب عليه من أجل أنهم لم يفعلوا ما لا يجب عليهم، وكيف يستوحش ممن عدل عن مشاورته وهي غير واجبة عندهم في حال السلم والامن، وهل هذا إلا سوء ثناء على أمير المؤمنين (عليه السلام) ونسبة له إلى ما يتنزه قدره ودينه عنه.

فان قيل: إن هذا يجري مجرى امرأة لها إخوة كبار وصغار، فتولى أمرها الصغار في التزويج فإنه لابد أن يستوحش الكبار من ذلك.

قيل له: إن الكبير متى كان دينا خائفا من الله تعالى فان استيحاشه وثقل ما يجرى على طبعه لا يجوز أن يبلغ به إلى إظهار الكراهة للعقد والخلاف فيه، وإبهام أنه غير ممضى ولا صواب، وكل هذا جرى من أمير المؤمنين (عليه السلام) فكيف يضاف إليه - مع المعلوم من خشونة أمير المؤمنين في الدين وغضبه له - الاستيحاش من الحق والغضب مما يورد إليه تحرزا عن الفتنة وتلافيا للفرقة؟

وأما الاشتغال بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه كان ساعة من نهار والتأخر كان شهورا والمقلل قال أياما، وتلك الساعة أيضا كان يمكن فيها اظهار الرضا والمراسلة به بدلا من إظهار السخط والخلاف.

وأما فاطمة (عليها السلام) فإنها توفيت بعد أشهر، فكيف يشتغل بوفاتها عن البيعة المتقدمة مع تراخيها، وعندهم أيضا أنه تأخر عن البيعة أياما يسيرة، ومكثرهم يقول أربعين يوما، فكيف يشتغل ما يكون بعد أشهر عما كان قبلها، ومن أدل دليل على أن كفه عن النكير واظهار الرضا لم يكن اختيارا وإيثارا، بل كان لبعض

ما ذكرناه، أنه لا وجه لمبايعته بعد الاباء الا ما ذكرناه بعينه، فان إباءه المتقدم لا يخلو من وجوه إما أن يكون لاشتغاله بالنبي وابنته صلوات الله وسلامه عليهما، أو استيحاشا من ترك مشاورته، وقد أبطلنا ذلك بما لا زيادة عليه، أو لأنه كان ناظرا في الامر ومرتئيا في صحة العقد إما بأن يكون ناظرا في صلاح المعقود له الإمامة أو في تكامل شرائط عقد إمامته، ووقوعه على وجه المصلحة، فكل ذلك لا يجوز أن يخفى على أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا ملتبسا، بل كان به أعلم، واليه أسبق، ولو جاز أن يخفى عليه مثله وقتا ووقتين لما جاز أن يستمر عليه الأوقات، ويتراخى المدد في خفائه.

وكيف يشكل عليه صلاح أبي بكر للإمامة، وعندهم أن ذلك كان معلوما ضرورة لكل أحد، وكذلك عندهم صفات العاقدين وعددهم وشروط العقد الصحيح مما نص النبي (عليه السلام) عليه وأعلم الجماعة به على سبيل التفصيل، فلم يبق شئ يرتئي فيه مثل أمير المؤمنين (عليه السلام) وينظر في اصابته النظر الطويل، ولم يبق وجه يحمل عليه إباؤه وامتناعه من البيعة في الأول الا ما نذكره من أنها وقعت في غير حقها ولغير مستحقها وذلك يقتضي أن رجوعه إليها لم يكن الا لضرب من التدبير.

فان استدلوا على رضاه بما ادعوه من إظهار المعاونة والمعاضدة وإشارته عليه بقتال أهل الردة فكل ذلك قد مضى الجواب عنه، وقد بينا أن ذلك دعوى لا يعلم منه (عليه السلام) معاضدة ولا مشورة، وأن الفتيا يجب عليه من حيث لا يجوز للعالم إذا استفتى عن شئ أن لا يجيب عنه، وما يروى من دفاعه عن المدينة فإنما فعل لوجوب ذلك عليه وعلى كل مسلم، لا لمكانهم وأمرهم، بل لأنه دفع عن حريمه وحرم النبي (صلى الله عليه وآله) وليس لهم أن يقولوا إنه لو ادعى الحق لوجد أنصارا كالعباس الزبير وأبي سفيان وخالد بن سعيد، لأنه لا نصرة فيمن ذكر ولا في أضعافهم إذا كان الجمهور على خلافه، وهذا أظهر من أن يخفى.

وليس لاحد أن يقول كيف يجوز مع شجاعته وما خصه الله به من القوة الخارقة للعادة أن يخاف منهم ولا يقدم على قتالهم لولا أنهم كانوا محقين، وذلك

أن شجاعته وان كانت على ما ذكرت وأفضل، فلا تبلغ إلى أن يغلب جميع الخلق ويحارب سائر الناس وهو مع الشجاعة بشر يقوى ويضعف، ويخاف ويأمن، والتقية جايزة على البشر الذين يضعفون عن دفع المكروه عنهم.

فان قيل: أليس الحسين (عليه السلام) أظهر النكير على بني أمية من يزيد وغيره وكان يجب أن لا ينقص نكيره عن نكيره، ولم يكن فزعه من أبي بكر الا دون فزعه من يزيد.

قيل: هذا بعيد من الصواب، لأنا قد بينا الأسباب المانعة من النكير، وليس الخوف في تلك الحال كالخوف من يزيد وبني أمية، وكيف يكون الخوف من مظهر للفسوق والخلاعة والمجانة، متهتك لا مسكة عنده، ولا شبهة في أن إمامته ملك و غلبة، وأنه لا شرط من شرايط الإمامة فيه، كالخوف من مقدم معظم جميل الظاهر يرى أكثر الأمة أن الإمامة له دونه، وأنها أدنى منازله، وما الجامع بين الامرين الا كالجامع بين الضدين.

على أن القوم الذين امتنعوا من بيعة يزيد قد عرف ما جرى عليهم من القتل والمكروه فيه.

على أن الحسين (عليه السلام) أظهر الخلاف لما وجد بعض الأعوان عليه، وطمع في معاونة من خذله وقعد عنه، ثم إن حاله آلت مع اجتهاده (عليه السلام) واجتهاد من اجتهد معه في نصرته إلى ما آلت إليه.

وليس لاحد أن يقول إنه كان بعيدا من التقية لما انتهت الإمامة إليه، و حين فاضل أهل البصرة وصفين، كان واجد الأنصار، فكان يجب أن يظهر النكير وذلك أن كثيرا من التقية وإن كان زال في أيامه فقد بقي كثير منها لان أكثر من كان معه كان يعتقد امامة المتقدمين عليه، وأن إمامته ثبتت كما ثبتت إمامة من تقدم بالاختيار، فلأجل ذلك لم يتمكن من إظهار جميع ما في نفسه، ولم ينقض أحكام القوم، وأمر قضاته على أن يحكموا بما كانوا يحكمون، وقد بينا ذلك فيما تقدم على وجه لا يخفى على من أمعن النظر، وأنصف من نفسه.

فان قيل: لو جاز التقية مع فقد أسباب التقية لم نأمن في أكثر ما ظهر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكون على سبيل التقية.

قيل: هذا باطل لأنا قد بينا أن أسباب التقية كانت ظاهرة لم تكن مفقودة فأما الرسول (صلى الله عليه وآله) فإنما لم تجز التقية عليه لان الشريعة لا تعرف إلا من جهته ولا يوصل إليها إلا بقوله، فمتى جازت التقية عليه، لم يكن لنا إلى العلم بما كلفناه طريق، وليس العلم بأن الامام منصوص عليه موقوفا على قول الإمام، ولا يعلم إلا من جهته حتى يكون تقيته دافعة لطريق العلم، فبان الفرق بين الامرين.

ثم يقال له: وقد كان فيمن أنكر وامتنع من البيعة، مثل خالد بن سعيد بن العاص وسلمان، وقوله " كرديد ونكرديد " ومثل أبي ذر وعمار والمقداد .

وغيرهم، وأقوالهم في ذلك معروفة.

فان قالوا: كل هؤلاء بايعوا وتولوا الأمور من قبله، ومن قبل غيره، فلم يبق منهم خلاف.

قيل: نحن نسلم أنهم بايعوا، فمن أين أنهم رضوا به، لأنا قد بينا في ذلك ما فيه مقنع، وإذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مع عظم قدره وعلو منزلته قد ألجأته الحال إلى البيعة، فأولى أن تلجئ غيره ممن لا يدانيه في أفعاله.

فان قيل المروى عن سلمان أنه قال " كرديد ونكرديد " وليس بمقطوع به، قلنا إن كان خبر السقيفة وشرح ما جرى فيها من الأقوال والافعال مقطوعا به، فقول سلمان مقطوع به، لان كل من روى السقيفة رواه، وليس هذا مما يختص الشيعة بنقله فيتهمونهم فيه، وليس لهم أن يقولوا كيف خاطبهم بالفارسية وهم عرب وإن كان فيهم من فهم الفارسية لا يكون إلا آحادا لا يجب قبول قولهم، وذلك أن سلمان وإن تكلم بالفارسية، فقد فسره بقوله أصبتم وأخطأتم أصبتم سنة الأولين، وأخطأتم أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقوله أما والله لو وضعتموها حيث وضعها الله لأكلتم من فوق رؤوسكم وتحت أرجلكم رغدا، أما والله حيث عدلتم بها عن أهل بيت نبيكم ليطمعن فيها الطلقاء وأبناء الطلقاء حتى روي عن ابن عمر أنه قال: ما أبغضت أحدا كبغضي سلمان يوم قال هذا القول، وإني قلت يريد شق عصا المسلمين ووقوع الخلاف بينهم، ولا أحببت أحدا كحبي له يوم رأيت مروان بن الحكم على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: رحم الله سلمان، لقد طمع فيه الطلقاء وأبناء الطلقاء وغير ذلك من الألفاظ المنقولة عنه.

وقد يجوز أن يجمع في إنكاره بين الفارسية والعربية، ليفهم إنكاره أهل اللغتين معا، فلم يخاطب على هذا العرب بالفارسية فأما قول السائل إن راويه واحد من حيث لا يجوز أن يرويه إلا من فهم الفارسية فطريف لان الشئ قد يرويه من لا يعرف معناه، فلعل الناقلين لهذا الكلام كانوا جميعا أو كان أكثرهم لا يفهم معناه .

غير أنهم نقلوا ما سمعوا وفهم معناه من عرف اللغة أو أخبره عنه من يعرفها.

فان قالوا قوله " كرديد ونكرديد " فيه تثبيت لإمامته، قيل: هذا باطل لأنه أراد بقوله " كرديد " فعلتم، وبقوله " نكرديد " لم تفعلوا، والمعنى أنكم عقدتم لمن لا يصلح للامر ولا يستحقه، وعدلتم عن المستحق، وهذه عادة الناس في إنكار ما يجرى على غير وجهه، لأنهم يقولون " فعل فلان ولم يفعل " والمراد ما ذكرناه، وقد صرح سلمان ره بذلك في قوله أصبتم سنة الأولين وأخطأتم أهل بيت نبيكم وقد فسر بالعربية معنى كلامه.

فان قالوا: أراد أصبتم الحق وأخطأتم المعدن لان عادة الفرس أن لا يزيل الملك عن أهل بيت الملك.

قيل الذي يبطل هذا الكلام تفسير سلمان لكلام نفسه، فهو أعرف بمعناه، على أن سلمان رحمة الله عليه كان أتقى الله وأعرف به من أن يريد من المسلمين أن يسلكوا سنن الأكاسرة والجبابرة، ويعدلوا عما شرعه لهم نبيهم (صلى الله عليه وآله).

فان قيل: فقد تولى سلمان لعمر المداين، فلو لا أنه كان راضيا بذلك لم يتول ذلك.

قيل: ذلك أيضا محمول على التقية، وما اقتضى اظهار البيعة والرضا يقتضيه وليس لهم أن يقولوا: وأي تقية في الولايات، لأنه غير ممتنع أن يعرض عليه هذه الولايات ليمتحن بها، ويغلب في ظنه أنه ان عدل عنها وأباها نسب إلى الخلاف واعتقدت فيه العداوة، ولم يأمن المكروه، وهذه حال توجب عليه أن يتولى ما عرض عليه، وكذلك الكلام في تولى عمار رحمة الله عليه الكوفة ونفوذ المقداد في بعوث القوم.

على أنه يجوز عندنا تولى الامر من قبل من لا يستحقه إذا ظن أنه يقوم بما أمر الله تعالى، ويضع الأشياء في مواضعها من الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر ولعل القوم علموا ذلك أو ظنوه.

وأما أقوال أبي ذر - تصريحا وتلويحا - فمعروفة مذكورة وليس لهم أن يقولوا إنه روي عنه تعظيم القوم ومدحهم، وذلك أن ذلك يمكن إذا سلم حمله على التقية والخوف، كما قلناه فيما رووه عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

ثم يقال للمعتزلة: ما اعتبر تموه من الاجماع في إمامة أبي بكر يلزم عليه القول بامامة معاوية، لان الناس بعد صلح الحسن (عليه السلام) بين نفسين مظهر للرضا ببيعته، و بين كاف عن النكير، فيجب أن يكون ذلك دلالة على إمامته، وهم لا يقولون بها فأما أن يقولوا بذلك أو يتركوا الاعتماد على هذا الضرب من الاستدلال.

فان قالوا: إن معاوية لم يصلح للإمامة لما ظهر منه من الفسق نحو استلحاقه زيادا، وقتله حجرا وشقه العصا في أيام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومقاتلته إياه إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، فلا يصح والحال هذه أن يدعى الاجماع لان الاجماع إنما يدعى فيما يصح، فأما ما لا يصح فلا يدعى فيه الاجماع، ولو ثبت الاجماع على ما قالوه لعلمنا أنه على سبيل القهر كما يقع من الملوك، على أنه قد صح واشتهر الخلاف في ذلك، بل ربما كانوا يظهرون الخلاف بحضرته فلا ينكره، وقد كان الحسن و الحسين (عليهما السلام) ومحمد بن علي وابن عباس وإخوته وغيرهم من قريش يظهرون ذمه والوقيعة فيه ، فكيف يدعى الاجماع في ذلك، مع علمنا ضرورة من حال من ذكرناه أنه كان لا يقول بإمامته ولا يدين بها.

قيل هذا تعليل للنقص لأنه إذا كان لا يصلح للإمامة وقد وجدنا في الاتفاق عليه والكف عن منازعته ومخالفته ما وجدناه فيمن تقدم، فيجب إما أن يكون إماما أو أن تكون هذه الطريقة ليست مرضية في تصحيح الاجماع، وكل شئ يبين به أنه لا يصلح للإمامة يؤكد الالزام، ويؤيده.

وقول السائل: إن الاجماع إنما يدل على ثبوت ما يصح، صحيح إلا أنه كان يجب أن يبين أن الاجماع لم يقع هيهنا باعتبار يقتضي أن شروطه لم تتكامل، ولا يرجع - في أنه لم يقع مع تكامل شروطه وأسبابه - إلى أن المجمع عليه .

لا يصلح للإمامة، لان ذلك مناقضة، وإن رضوا بهذا القول فالشيعة أيضا يقولون إن من تقدم على أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يصلح للإمامة، والاجماع يجب أن يقع على ما يصح دون ما لا يصح، مثل ما قلتموه فأما ادعاء القهر والغلبة، فمما لا يقول لهم المخالف لهم في امامة معاوية بمثل ما قالوه لنا فيما تقدم " من أن القهر والغلبة لا بدلهما من أسباب تظهر وتنقل وتعلم، فلو كانت هناك غلبة لعلمها الناس كلهم على سواء " ومتى ادعوا شيئا مما نقل في هذا المعنى لم يلتفت إليه مخالفهم وقال لهم:

لو كان ذلك صحيحا لنقل إلى وعلمته كما علمتموه، وقابلهم في هذا الموضع بمثل ما يقابلنا السائل في إمامة من تقدم، حذو النعل بالنعل، ولهذا يقول من ينسب إلى السنة منهم أن إبطال إمامة معاوية والوقيعة فيه طريق مهيج لأهل الرفض إلى القدح في امامة من تقدمه، وقولهم إن معاوية كالحلقة للباب، يريدون بذلك أن قرع الباب طريق لي الولوج وسبب للدخول.

فأما ما ادعوه من اشتهار الخلاف من الحسن والحسين عليهم السلام وفلان وفلان، وأنهم كانوا يظهرون ذمه والوقيعة فيه، فيقال لهم: من أين علمتم هذا الذي ادعيتموه أبضرورة أم باستدلال، فإن كان بالضرورة قلنا: وما بال علم الضرورة يخصك دون مخالفك [وهم أكثر عددا منك وآنس بالاخبار ونقلة الآثار، وليس جاز لك أن تدعى على مخالفك] في هذا الباب علم الضرورة، مع علمك بكثرة عددهم وتدين أكثرهم إلا وتجوزون للشيعة التي تخالفك في إمامة من تقدم أن تدعى الضرورة عليك في العلم بانكار أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهله وشيعته ظاهرا وباطنا على المتقدمين عليه، وأنه كان يتظلم ويتألم من سلب حقه، والدفع له عن مقامه، وهيهات أن يقع بين الامرين فصل.

وإن قال: أعلم ذلك باستدلال.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.