بحارالانوار · المجلد الثامن
4 باب
ج ۲۸، ص ۳۳۱–۳۷۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۵ از ۷
فمضيا مسرعين نحوهم، فلقيا أبا عبيدة فتماشوا إليهم، فلقيهم عاصم بن عدي وعويم بن ساعدة فقالا لهم: ارجعوا فإنه لا يكون إلا ما تحبون، فقالوا:
لا تفعل، فجاؤوهم وهم مجتمعون، فقال عمر بن الخطاب: أتيناهم وقد كنت زورت كلاما
أردت أن أقوم به فيهم، فلما اندفعت إليهم ذهبت لأبتدئ المنطق، فقال لي أبو بكر رويدا حتى أتكلم، ثم أنطق بعد ما أحببت، فنطق فقال عمر: فما شئ كنت أريد أن أقول به إلا وقد أتى به أو زاد عليه.
قال عبد الله بن عبد الرحمن فبدأ أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) رسولا إلى خلقه، وشهيدا على أمته، ليعبدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، يزعمون أنها لمن عبدها شافعة، ولهم نافعة، وإنما هي من حجر منحوت وخشب منجور، ثم قرأ و " يعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " وقالوا " ما نعبدهم إلا
ليقربونا إلى الله زلفى " فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه، والايمان به، والمواساة له، والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم، وتكذيبهم إياه، وكل الناس لهم مخالف، وعليهم زار، فلم يستوحشوا لقلة عددهم، وتشذب الناس عنهم، وإجماع قومهم عليهم.
فهم أول من عبد الله في الأرض، وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه و عشيرته وأحق الناس بهذا الامر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الاسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكن جلة أزواجه وأصحابه، وليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم فنحن الامراء وأنتم الوزراء لا تفتاتون بمشورة ولا يقضى دونكم الأمور.
فقام المنذر بن الحباب بن الجموح - هكذا روى الطبري والذي رواه غيره أنه الحباب بن المنذر فقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم - وساق الحديث نحوا مما رواه ابن أبي الحديد عن الطبري إلى قوله - فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا اجتمعوا له من أمرهم.
ثم قال: قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثني أبو بكر بن محمد الخزاعي أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايقت بهم السكك ليبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول:
ما هو إلا - أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر.
قال هشام عن أبي مخنف قال: قال عبد الله بن عبد الرحمن: فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر، وكادوا يطأون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا لا تطأوه، فقال عمر: اقتلوه قتله الله ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضدك، فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر ثم قال: والله لئن حصحصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة، فقال أبو بكر مهلا يا عمر الرفق هيهنا أبلغ: فأعرض عنه، وقال سعد: أما والله لو أرى من قوة ما أقوى على النهوض، لسمعتم مني بأقطارها وسككها زئيرا يحجرك وأصحابك أما والله إذا لألحقنك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، أحملوني من هذا المكان فحملوه فأدخلوه داره، وترك أياما.
ثم بعث إليه أن أقبل فبايع! فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل، وأخضب منكم سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، ولا أفعل، وأيم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الانس، ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي، فلما أتي أبو بكر بذلك، قال له عمر: لا تدعه حتى يبايع، فقال له بشير بن سعد إنه قد لج وأبا فليس يبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فليس تركه بضاركم، إنما هو رجل واحد، فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه لما بدا لهم منه، وكان سعد لا يصلي
بصلاتهم، ولا يجمع معهم، ويحج ولا يحج معهم، ويفيض فلا يفيض معهم بإفاضتهم فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر.
57 - أقول: قال السيد رضي الله عنه بعد إيراد هذا الخبر: فهذا الخبر يتضمن من شرح أمر السقيفة ما فيه للناظرين معتبر، ويستفيد الواقف عليه أشياء.
منها: خلوه من احتجاج قريش على الأنصار بجعل النبي (صلى الله عليه وآله ) الإمامة فيهم لأنه تضمن من احتجاجهم عليهم ما يخالف ذلك، وأنهم إنما ادعوا كونهم أحق بالامر من حيث كانت النبوة فيهم، ومن حيث كانوا أقرب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) نسبا و أولهم له اتباعا.
ومنها: أن الامر إنما بني في السقيفة على المغالبة والمخالسة، وأن كلا منهم كان يجذبه بما أتفق له، وعن حق وباطل، وقوي وضعيف.
ومنها: أن سبب ضعف الأنصار وقوة المهاجرين عليهم انحياز بشير بن سعد حسدا لسعد بن عبادة، وانحياز الأوس بانحيازه عن الأنصار.
ومنها: أن خلاف سعد وأهله وقومه كان باقيا لم يرجعوا عنه، وإنما أقعدهم عن الخلاف فيه بالسيف قلة الناصر انتهى كلامه رفع الله مقامه.
58 - وقال ابن الأثير في الكامل: لما توفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا؟ فقالوا منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر منا الامراء ومنكم الوزراء، ثم قال أبو بكر: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر وأبو عبيدة أمين هذه الأمة فقال عمر: أيكم يطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما .
النبي (صلى الله عليه وآله) فبايعه عمر وبايعه الناس، فقالت الأنصار أو بعضهم: لا نبايع إلا عليا قال: وتخلف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة، قال الزبير لا أغمد سيفي حتى يبايع علي فقال عمر: خذوا سيفه واضربوا به الحجر، ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة.
ثم ذكر ما مر من قصة أبي سفيان والعباس.
ثم روى عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف حديثا طويلا وساقه إلى أن قال: لما رجع عمر من الحج إلى المدينة، جلس على المنبر وقال: بلغني أن قائلا منكم يقول: لو مات أمير المؤمنين بايعت فلانا، فلا يغرن امرءا أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وأنه كان حريا حين توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن عليا (عليه السلام) والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة (عليها السلام) وتخلف عنا الأنصار، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر وساق قصة السقيفة نحوا مما مر.
ثم روى عن أبي عمرة الأنصاري مثل ما أخرجناه من تلخيص الشافي وساق الكلام إلى أن قال: وقال الزهري; بقي علي (عليه السلام) وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة (عليها السلام) فبايعوه، فلما كان الغد من بيعة أبي بكر جلس على المنبر وبايعه الناس بيعة عامة انتهى.
59 - وقال العلامة قدس سره في كتاب كشف الحق: روى الطبري في تاريخه قال أتى عمر بن الخطاب منزل علي (عليه السلام) فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن .
للبيعة.
وروى الواقدي أن عمر بن الخطاب جاء إلى علي (عليه السلام) في عصابة فيهم أسيد ابن حضير وسلمة بن أسلم فقال: أخرجوا أو لنحرقنها عليكم.
وروى ابن خنزابة في غرره قال زيد بن أسلم: كنت ممن حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة (عليها السلام) حين امتنع علي (عليه السلام) وأصحابه عن البيعة، فقال عمر لفاطمة أخرجي من في البيت أو لأحرقنه ومن فيه، قال: وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، وجماعة من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت فاطمة (عليها السلام)، أتحرق عليا وولدي؟ قال إي والله أو ليخرجن وليبايعن.
وقال ابن عبد ربه وهو من أعيانهم: فأما علي (عليه السلام) والعباس فقعدا في بيت فاطمة (عليها السلام) وقال أبو بكر لعمر بن الخطاب إن أبيا فقاتلهما، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهما النار، فلقيته فاطمة عليها السلام فقالت: يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم.
.
ونحوه روى مصنف كتاب المحاسن وأنفاس الجواهر انتهى ما رواه العلامة رحمه الله تعالى.
60 - وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في أول المجلد السادس من كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن أحمد بن إسحاق، عن أحمد بن سيار، عن سعيد بن كثير الأنصاري أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بنى ساعدة، فقالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قبض، فقال سعد بن عبادة لابنه قيس أو لبعض بنيه: إني لا أستطيع أن أسمع الناس كلامي لمرضي، ولكن تلق منى قولي فأسمعهم، فكان سعد يتلكم وسمع ابنه يرفع به صوته، ليسمع قومه، فكان من قوله بعد حمد الله والثناء عليه أن قال:
إن لكم سابقة إلى الدين، وفضيلة في الاسلام، ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يعزوا دينه، ولا يدفعوا عنه عداه، حتى أراد الله بكم خير الفضيلة، وساق إليكم الكرامة، وخصكم بدينه، ورزقكم الايمان به، و برسوله، والاعزاز لدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم، وأثقلهم على عدوه من غيركم، حتى استقاموا لأمر الله طوعا وكرها وأعطى البعيد المقادة بأسيافكم صاغرا داحضا حتى أنجز الله لنبيكم الوعد، و دانت لأسيافكم العرب، ثم توفاه الله إليه وهو عنكم راض، وبكم قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الامر، فإنكم أحق الناس وأولاهم به.
فأجابوا جميعا: أن وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما أمرت نوليك هذا الامر، فأنت لنا مقنع، ولصالح المؤمنين رضي.
ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم فقالوا إن أبت مهاجرو قريش فقالوا:
نحن المهاجرون، وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأولون، ونحن عشيرته وأولياؤه فعلام تنازعونا هذا الامر من بعده؟
فقالت طائفة منهم: إذا نقول منا أمير ومنكم أمير، لن نرضى بدون هذا أبدا، لنا في الايواء والنصرة مالهم في الهجرة، ولنا في كتاب الله ما لهم، فليسوا يعدون شيئا إلا ونعد مثله، وليس من رأينا الاستيثار عليهم فمنا أمير و منهم أمير.
فقال سعد بن عبادة: هذا أول الوهن.
وأتى الخبر عمر فأتى منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجد أبا بكر في الدار وعليا في جهاز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان الذي أتاه بالخبر معن بن عدي فأخذ بيد عمر وقال:
.
قم، فقال عمر: إني عنك مشغول، فقال إنه لابد من قيام، فقام معه له إن هذا الحي من الأنصار قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة معها سعد بن عبادة يدورون حوله " أنت المرجى ونجلك المرجى وثم أناس من أشرافهم، وقد خشيت الفتنة فانظر يا عمر ماذا ترى؟ واذكر لاخوتك، واحتالوا لأنفسكم، فاني أنظر إلى باب فتنة قد فتح الساعة، إلا أن يغلقه الله.
ففزع عمر أشد الفزع، حتى أتى أبا بكر فأخذ بيده، فقال: قم فقال أبو بكر إني عنك مشغول، فقال عمر لابد من قيام وسنرجع إنشاء الله، فقام أبو بكر مع عمر فحدثه الحديث، ففزع أبو بكر أشد الفزع، وخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة وفيها رجال من أشراف الأنصار، ومعهم سعد بن عبادة، وهو مريض بين أظهر هم فأراد عمر أن يتكلم ويمهد لأبي بكر، وقال: خشيت أن يقصر أبو بكر عن بعض الكلام، فلما ابتدأ عمر كفه أبو بكر، وقال على رسلك فتلق الكلام، ثم تكلم بعد كلامي بما بدالك.
فتشهد أبو بكر ثم قال إن الله جل ثناؤه بعث محمدا بالهدى ودين الحق، فدعا إلى الاسلام، فأخذ الله بقلوبنا ونواصينا إلى ما دعانا إليه، وكنا معاشر المهاجرين أول الناس إسلاما، والناس لنا في ذلك تبع، ونحن عشيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوسط العرب أنسابا، ليس من قبايل العرب قبيلة إلا ولقريش فيها ولادة، وأنتم أنصار الله، وأنتم نصرتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أنتم وزراء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإخواننا في كتاب الله، وشركاؤنا في الدين، وفيما كنا فيه من خير، فأنتم أحب الناس إلينا، وأكرمهم علينا، وأحق الناس بالرضا بقضاء الله، والتسليم لما ساق الله إلى إخوانكم من المهاجرين، وأحق الناس أن لا تحسدوهم، فأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، وأحق الناس أن لا يكون
انتقاض هذا الامر واختلاطه على أيديكم، وأنا أدعوكم إلى أبي عبيدة وعمر، فكلاهما قد رضيت لهذا الامر، وكلاهما أراه له أهلا.
فقال عمر وأبو عبيدة ما ينبغي لاحد من الناس أن يكون فوقك، أنت صاحب الغار، ثاني اثنين، وأمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الامر فقال الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، ولا أحد أحب إلينا، ولا أرضى عندنا منكم، ولكنا نشفق مما بعد هذا اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الامر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم اليوم رجلا منكم بايعنا ورضينا على أنه إذا هلك اخترنا وأحدا من الأنصار، فإذا هلك كان آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة، كان ذلك أجدر أن يعدل في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي، ويشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري.
فقام أبو بكر فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما بعث عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخالفوه وشاقوه، وخص الله المهاجرين الأولين بتصديقه، والايمان به، والمواساة له، والصبر معه على شدة أذى قومه، ولم يستوحشوا لكثرة عدوهم فهم أول من عبد الله في الأرض، وهم أول من آمن برسول الله، وهم أولياؤه وعترته، وأحق الناس بالامر بعده، لا ينازعهم فيه إلا ظالم، وليس أحد بعد المهاجرين يعد فضلا وقدما في الاسلام مثلكم، فنحن الامراء وأنتم الوزراء لا نفتات دونكم بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور.
فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الأنصار، أملكوا عليكم أيديكم، إنما الناس في فيئكم وظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، و لا يصدر الناس إلا عن أمركم، أنتم أهل الايواء والنصر وإليكم كانت الهجرة وأنتم أصحاب الدار والايمان، والله ما عبد الله علانية إلا عندكم وفي بلادكم، ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم، ولا عرف الايمان إلا من أسيافكم، فأملكوا عليكم أمركم، فان أبي هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير.
فقال عمر: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد إن العرب لا ترضى أن تؤمركم ونبيها من غيركم، وليس تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، و أول الأمر منهم لنا بذلك الحجة الظاهرة، على من خالفنا والسلطان المبين على من نازعنا، من ذا يخاصمنا في سلطان محمد وميراثه؟ ونحن أولياؤه وعشيرته؟ إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم، أو متورط في هلكة.
فقام الحباب وقال: يا معاشر الأنصار لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من الامر، فان أبوا عليكم ما أعطيتموهم فأجلوهم عن بلادكم، وتولوا هذا الامر عليهم، فأنتم أولى الناس بهذا الامر إنه دان لهذا الامر بأسيافكم من لم يكن يدين له، أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، إن شئتم لنعيدنها جذعة والله لا يرد أحد علي ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف.
قال: فلما رأى بشير بن سعد الخزرجي ما اجتمعت عليه الأنصار من أمر سعد بن عبادة وكان حاسدا له، وكان من سادة الخزرج، قام فقال أيها الأنصار إنا وان كنا ذوي سابقة، فانا لم نرد بجهادنا وإسلامنا إلا رضى ربنا وطاعة نبينا، ولا ينبغي لنا أن نستظهر بذلك على الناس، ولا نبتغي به عوضا من الدنيا إن محمدا رجل من قريش وقومه أحق بميراث أمره، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الامر، فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم.
فقام أبو بكر وقال: هذا عمر وأبو عبيدة، بايعوا أيهما شئتم، فقالا: والله لا نتولى هذا الامر عليك، وأنت أفضل المهاجرين، وثاني اثنين، وخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الصلاة، والصلاة أفضل الدين، أبسط يدك نبايعك،
فلما بسط يده وذهبا يبايعانه، سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه.
فناداه الحباب بن المنذر يا بشير عقتك عقاق، والله ما اضطرك إلى هذا إلا الحسد لابن عمك، فلما رأت الأوس أن رئيسا من رؤساء الخزرج قد بايع، قام أسيد بن حضير وهو رئيس الأوس فبايع حسدا لسعد أيضا، ومنافسة له أن يلي الامر فبايعت الأوس كلها لما بايع أسيد.
وحمل سعد بن عبادة وهو مريض فادخل إلى منزله، فامتنع من البيعة في ذلك اليوم، وفيما بعده، وأراد عمر أن يكرهه عليه فأشير عليه أن لا يفعل، وأنه لا يبايع حتى يقتل، وإنه لا يقتل حتى يقتل أهله، ولا يقتل أهله حتى يقتل الخزرج كلها وإن حوربت الخزرج كانت الأوس معها، وفسد الامر، فتركوه، فكان لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع بجماعتهم، ولا يقضي بقضائهم، ولو وجد أعوانا لضاربهم، و لم يزل كذلك حتى مات أبو بكر ثم لقي عمر في خلافته وهو على فرس وعمر على بعير، فقال له عمر: هيهات يا سعد فقال سعد: هيهات يا عمر، فقال أنت صاحب من أنت صاحبه، قال: نعم، أنا ذاك، ثم قال لعمر: والله ما جاورني أحد هو أبغض إلى جوارا منك، قال عمر: فإنه من كره جوار رجل انتقل عنه، فقال سعد:
إني لأرجو أن أخليها لك عاجلا إلى جوار من هو أحب إلى جوارا منك ومن أصحابك فلم يلبث سعد بعد ذلك إلا قليلا حتى خرج إلى الشام، فمات فيها
ولم يبايع لاحد لا لأبي بكر ولا لعمر ولا لغيرهما.
قال: وكثر الناس على أبي بكر فبايعه معظم المسلمين في ذلك اليوم، واجتمعت بنو هاشم إلى بيت علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومعهم الزبير، وكان يعد نفسه رجلا من بني هاشم، كان علي يقول: ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا، واجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان، واجتمعت بنو زهرة إلى
سعد وعبد الرحمن فأقبل عمر وأبو عبيدة، فقال مالي أراكم حلقا قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايع له الناس وبايعه الأنصار، فقام عثمان ومن معه وقام سعد وعبد - الرحمن ومن معهما فبايعوا أبا بكر وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة عليها السلام معهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم فقال لهم: انطلقوا فبايعوا، فأبوا عليه وخرج الزبير بسيفه فقال عمر: عليكم الكلب، فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنو هاشم وعلي (عليه السلام) يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى انتهوا به إلى أبي بكر فقيل له: بايع، فقال أنا أحق بهذا الامر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الامر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأعطوكم المقاده و سلموا إليكم الامارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الامر مثل ما عرفت الأنصار لكم وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون.
فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي (عليه السلام): احلب يا عمر حلبا لك شطره، اشدد له اليوم أمره، ليرد عليك غدا لا والله لا أقبل قولك، و لا أبايعه، فقال له أبو بكر: فإن لم تبايعني لم أكرهك، فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن إنك حدث السن وهؤلاء مشيخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الامر منك وأشد احتمالا له، و اضطلاعا به، فسلم له هذا الامر، وارض به، فإنك إن تعش ويطل عمرك، فأنت لهذا الامر خليق، وبه حقيق، في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك.
فقال علي (عليه السلام): يا معشر المهاجرين! الله الله لا تخرجوا سلطان محمد عن .
داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس، وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أهل البيت أحق بهذا الامر منكم، أما كان منا القاري لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بالسنة، المضطلع بأمر الرعية؟ والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى، فتزدادوا من الحق بعدا.
فقال بشير بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم قد بايعوا وانصرف على (عليه السلام) إلى منزله ولم يبايع، ولزم بيته حتى ماتت فاطمة (عليها السلام) فبايع.
ثم قال ابن أبي الحديد: هذا الحديث يدل على أن الخبر المروي في أبي بكر
في صحيحي البخاري ومسلم غير صحيح، وهو ما روى من قوله (عليه السلام) لعائشة في مرضه:
ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فاني أخاف أن يقول قائل أو يتمنى متمن، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر.
ثم روى من كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري، عن أحمد بن .
إسحاق، عن ابن عفير، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) حمل فاطمة صلوات الله عليها على حمار، وسار بها ليلا إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة، وتسألهم فاطمة (عليها السلام) الانتصار له، فكانوا يقولون يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلناه به، فقال علي (عليه السلام): أكنت أترك رسول الله ميتا في بيته لا أجهزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه؟ وقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، وصنعوا هم ما الله حسيبهم عليه.
وروى أيضا من الكتاب المذكور عن عمر بن شبة عن أبي قبيصة قال: لما توفي النبي (صلى الله عليه وآله)، وجرى في السقيفة ما جرى، تمثل علي:
وأصبح أقوام يقولون ما اشتهوا * ويطغون لما غال زيدا غوائله وقال: وروى الزبير بن بكار عن محمد بن إسحاق أن أبا بكر لما بويع افتخرت تيم بن مرة قال: وكان عامة المهاجرين وجل الأنصار لا يشكون أن عليا (عليه السلام) هو صاحب الامر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال الفضل بن عباس: يا معشر قريش و خصوصا يا بني تيم إنكم إنما أخذتم الخلافة بالنبوة، ونحن أهلها دونكم، ولو طلبنا هذا الامر الذي نحن أهله ، لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسدا منهم لنا، وحقدا علينا، وإنا لنعلم أن عند صاحبنا عهدا هو ينتهى إليه.
وقال بعض ولد أبي لهب بن عبد المطلب شعرا:
ما كنت أحسب أن الامر منصرف * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم * وأعلم الناس بالقرآن والسنن وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما فيهم لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحسن .
ماذا الذي ردهم عنه فنعلمه * ها إن ذا غبن من أعظم الغبن قال الزبير: فبعث إليه علي (عليه السلام) ونهاه وأمره أن لا يعود، وقال: سلامة الدين أحب إلينا من غيره.
ثم قال ابن أبي الحديد: وروى البخاري ومسلم في الصحيحين باسنادهما إلى عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من النبي (صلى الله عليه وآله)، وهما يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال، وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصنعه إلا صنعته فهجرته فاطمة، ولم تكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها على (عليه السلام) ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر، وكان لعلى وجه من الناس حياة فاطمة فلما توفيت فاطمة (عليها السلام) انصرفت وجوه الناس عن علي (عليه السلام) فمكثت فاطمة (عليها السلام) ستة أشهر، ثم توفيت، فقال رجل للزهري وهو الراوي لهذا الخبر عن عائشة: فلم يبايعه إلى ستة أشهر؟ قال: ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي فلما رأى ذلك ضرع إلى مبايعة أبي بكر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما عرف من شدته، فقال عمر: لا تأتهم وحدك، فقال أبو بكر: والله لاتينهم وحدي وما عسى أن يصنعوا بي فانطلق حتى دخل على علي (عليه السلام) وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فانا لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضلك، ولا نفاسة لخير ساقة الله إليك، و لكنا كنا نرى أن لنا في هذا الامر حقا فاستبددتم به علينا، وذكر قرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحقه، فلم يزل يذكر حتى بكى أبو بكر.
.
فلما صمت علي (عليه السلام) تشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحب إلى أن أصلها من قرابتي، وإني والله ما آلوكم من هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم إلا الخير، ولكني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم يقول لا نورث ما تركناه صدقة، وإنما يأكل آل محمد (صلى الله عليه وآله) في هذا المال، وإني والله لا أترك أمرا صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا صنعته إنشاء الله، قال علي (عليه السلام) موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر به، ثم قام علي (عليه السلام) فعظم من حق أبي بكر، وذكر فضله وسابقته ثم مضى إلي أبي بكر فبايعه، فأقبل الناس إلى علي فقالوا:
أصبت وأحسنت.
69 - أقول: روى أبو محمد بن مسلم بن قتيبة من أعاظم علماء المخالفين و مؤرخهم في تاريخه المشهور، عن أبي عفير، عن أبي عون، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري قصة السقيفة بطولها نحوا مما رواه ابن أبي الحديد من كتاب السقيفة إلا أنه قال مكان: " بشير بن سعد " قيس بن سعد فساق الكلام إلى قوله: فلما ذهبا أي أبو عبيدة وعمر يبايعانه سبقهما إليه قيس بن سعد فبايعه فنادى الحباب بن المنذر يا قيس بن سعد عاقك عائق ما اضطرك إلى ما صنعت؟ حسدت ابن عمك على الامارة قال: لا ولكني كرهت أن أنازع قوما حقا هو لهم، فلما رأت الأوس ما صنع قيس وهو سيد الخزرج وما دعوا إليه من قريش، وما يطلب الخزرج من تأمير سعد، قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير: والله لئن وليتموها سعدا عليكم مرة واحدة لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة، ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه، فقام الحباب إلى سيفه فأخذه فبادروا إليه فأخذوا سيفه وجعل يضرب بثوبه وجوههم، حتى فرغوا من البيعة، فقال: فعلتموها يا معشر .
الأنصار، أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم، قد وقفوا يسألونهم بأكفهم لا يسقونهم الماء.
وساق الحديث إلى قوله: فقال سعد بن عبادة: أما لو أن لي ما أقوى به على النهوض لسمعتم في أقطارها وسككها زئيرا يخرجك وأصحابك ولألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، خاملا غير عزيز.
ثم ذكر أن سعدا لم يبايع وكان لا يصلي بصلاتهم ولا يجمع بجمعهم ولا يفيض بإفاضتهم، ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم، ولو تابعه أحد على قتالهم، لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر وولي عمر فخرج إلى الشام ومات بها ولم يبايع لاحد - ره -. ثم ذكر امتناع بني هاشم من البيعة واجتماعهم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و أنه ذهب عمر مع جماعة إليهم وخرج عليهم الزبير بسيفه وساق ما مر في رواية الجوهري إلى أن قال:
ثم إن عليا أتى به أبا بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، فقيل له:
بايع أبا بكر، فقال أنا أحق بهذا الامر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة على أخذتم هذا الامر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتأخذونه منا أهل البيت غضبا.
ثم ذكر ما احتج (عليه السلام) به نحوا مما مر مع زيادات تركناها إلى أن قال:
وخرج علي (عليه السلام) يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) على دابة ليلا يدور في مجالس الأنصار، تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فيقول علي (عليه السلام) أفكنت أدع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، وقد صنعوا ما الله حسيبهم طالبهم.
.
ثم قال: وإن با بكر أخبر بقوم تخلفوا عن بيعته عند على (عليه السلام) فبعث إليهم عمر بن الخطاب فجاء فناداهم وهم في دار على (عليه السلام) فأبوا أن يخرجوا، فدعا عمر بالحطب فقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها عليكم على من فيها فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة، فقال: وإن.
فخرجوا فبايعوا إلا علي فإنه زعم أنه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي علي عاتقي حتى أجمع القرآن، فوقفت فاطمة عليها السلام على بابها فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوء محضر منكم تركتم جنازة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تشاورونا ولم تروا لنا حقا، فأتا عمر أبا بكر فقال له ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟ فقال أبو بكر يا قنفذ وهو مولى له اذهب فادع عليا قال: فذهب قنفذ إلى علي (عليه السلام) فقال: ما حاجتك؟ قال يدعوك خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال علي (عليه السلام) لسريع ما كذبتم على رسول الله، فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة قال: فبكا أبو بكر طويلا فقال عمر الثانية: ألا تضم هذا المتخلف عنك بالبيعة؟ فقال أبو بكر:
لقنفذ: عد إليه فقل أمير المؤمنين يدعوك لتبايع فجاءه قنفذ فأدى ما أمر به، فرفع على صوته فقال: سبحان الله لقد ادعى ما ليس له، فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة قال:
فبكا أبو بكر طويلا.
ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة عليها السلام فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلا صوتها باكية: يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، فكادت قلوبهم تتصدع وأكبادهم تتفطر، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا عليا ومضوا به إلى أبي بكر فقالوا بايع فقال إن أنا لم أفعل فمه قالوا إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك، قال إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله، فقال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخا رسوله فلا وأبو بكر ساكت لا يتكلم.
فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟ فقال لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق على بقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصيح ويبكي وينادى يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني.
فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى فاطمة فانا قد أغضبناها، فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما فأتيا عليا فكلماه فأدخلهما عليها فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحايط، فسلما عليها، فلم ترد عليهما السلام فتكلم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله والله إن قرابة رسول الله أحب إلى أن أصل من قرابتي وإنك لأحب إلى من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقي بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك، وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله إلا إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه فهو صدقة فقالت أرأيتكما إن حدثتكما حديثا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتعرفانه وتعقلانه؟ قالا:
نعم، فقالت نشدتكما بالله ألم تسمعا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، ومن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضا فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟ قالا: نعم، سمعناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالت: فاني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني، وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي (صلى الله عليه وآله) لأشكونكما إليه، قال أبو بكر: عائذا بالله من سخطه و سخطك يا فاطمة، ثم انتخب أبو بكر باكيا يكاد نفسه أن تزهق وهي تقول: والله
لأدعون الله عليك في كل صلاة اصليها.
ثم خرج باكيا فاجتمع إليه الناس فقال لهم: أيبيت كل رجل منكم معانقا لحليلته مسرورا بأهله وتركتموني وأما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي!
فقالوا يا خليفة رسول الله إن هذا الامر لا يستقيم وأنت أعلمنا بذلك، إنه إن كان هذا لا يقم لله دين، فقال والله لولا ذلك وما أخاف من رخاء هذه العروة، ما بت ليلة، ولي في عنق مسلم بيعة، بعد ما سمعت ورأيت من فاطمة، قال: فلم يبايع على حتى ماتت فاطمة، ولم تمكث بعد أبيها إلا خمسا وسبعين ليلة.
ولنوضح بعض ما ربما يشتبه على الناظر فيما أوردنا من الاخبار السالفة.
قال الجزري القعيد الذي يصاحبك في قعودك، فعيل بمعنى فاعل، وقال الفيروزآبادي أدلى فلان برحمه: توسل وبحجته أحضرها، وإليه ماله دفعه، و قال نهنهه عن الامر فتنهنه زجره فكف، وقال تلكأ عليه اعتل وعنه أبطأ، وقال الجزري في النهاية يقال تفوت فلان على فلان في كذا، وافتات عليه إذا انفرد برأيه دونه في التصرف فيه، ولما ضمن معنى التغليب عدي بعلى، ومنه حديث عبد الرحمن ابن أبي بكر أمثلي يفتات عليه في بناته، هو افتعل من الفوت السبق يقال لكل من أحدث شيئا في أمرك دونك: قد افتات عليه فيه.
والشبل بالكسر ولد الأسد، والعريس والعريسة بكسر العين وتشديد الراء فيهما مأوى الأسد قوله " لنعيدها جذعة " أي نعيد المحاربة التي كانت في بدو الامر مستأنفة جديدة، قال الجوهري قولهم فلان في هذا الامر جذع، إذا كان أخذ فيه حديثا، قوله عفتك عفاة لعله دعاء له أي أتتك الأضياف دائما، وعليه أي محا أثرك المصايب التي تذهب بالديار والآثار، قال الجوهري عفت الريح المنزل درسته وقال أيضا العفاة طلاب المعروف، وفلان تعفوه الأضياف وهو كثير العفاة، وفي أكثر النسخ غفتك غفاف بالغين المعجمة ولم أحد له معنى مناسبا، وفي أكثر الكتب عقتك عقاق أي كما عققت الرحم وقطعتها عقتك أرحامك العاقة وفي رواية ابن قتيبة " عافك .
عائق ".
وقال الجزري في حديث السقيفة الامر بيننا وبينكم كقد الأبلمة: الا بلمة بضم الهمزة وفتحها وكسرها خوصة المقلة، وهمزتها زائدة يقول: نحن وإياكم في الحكم سواء لافضل لأمير على مأمور كالخوصة إذا شقت باثنتين متساويتين انتهى.
وكانوا يكنون بأبي الفصيل عن أبي بكر لقرب معنى البكر والفصيل والعجاجة بالفتح الغبار، وقال الجوهري الجدجد بالضم صرار الليل، وهو قفاز وفيه شبه من الجراد، وقال الفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله، وفي الحديث قيد الايمان الفتك، لا يفتك مؤمن.
وقال: تدكدكت الجبال أي صارت دكاوات وهي رواب من طين، والدكداك من الرمل ما التبد منه بالأرض ولم يرتفع، وقال: الجندل الحجارة، والصراط بالكسر السبيل الواضح، والعير الحمار الوحشي والأهلي أيضا، والخسف الذل والمشقة، وشج الوتد كناية عن دقه، ويقال: رثا له أي رق له، ومنعرج الوادي منعطفه يمنة ويسرة، واللوى كالى ما التوى من الرمل أي أعوج أو مستدقه، و استبان أي أوضح، أو وضح لازم ومتعد أي لم يعرفوا أني ناصح إلا ضحى الغد وقد جرى ما جرى في اليوم فلم تنفعهم ومعرفتهم، والبيت من قصيدة في الحماسة وقصته مذكورة في مواضعها.
والنجر نحت الخشب، ويقال زرى عليه زريا عابه وعاتبه، والتشذب التفرق ويقال: ندر الشئ ندورا سقط، والحص حلق الشعر، والزئير صوت الأسد من صدره، وفي بعض النسخ بالباء الموحدة وهو كأمير الداهية، وفي النهاية ما تجانفنا فيه الاثم أي لم نمل فيه لارتكاب الاثم، قوله " فقال أنت صاحب من أنت صاحبه " الظاهر أن القول لسعد أيضا، والمعنى أنك خليفة من جعلته خليفة.
.
* (تنبيه) * اعلم أيها الطالب للحق واليقين بعد ما أحطت خبرا بما أوردنا في قصة السقيفة من أخبارنا وآثار المخالفين ان الاجماع الذي ادعوه على خلافة أبي بكر، هذا حاله ولهذا انجر إلى خراب الدين مآله، وقد ذكر جل علماء الأصول من المخالفين أن الاجماع عبارة عن اتفاق جميع أهل الحل والعقد، أي المجتهدين وعلماء المسلمين على أمر من الأمور في وقت واحد، والجمهور أنفسهم تكلموا على تحقق الاجماع وشرائطه حسبما ذكر في شرح المختصر العضدي وغيره، بأن الاجماع أمر ممكن أو محال وعلى تقدير إمكانه هل له تحقق أم لا؟ وعلى التقادير كلها هل هو حجة ودليل علي شئ أم لا؟، وعلى تقدير كونه حجة ودليلا هل هو كذلك ما لم يصل ثبوته إلى حد التواتر أو لا؟ وفي كل ذلك وقع بين علمائهم التشاجر والتنازع، فلابد لهم من إثبات ذلك كله حتى تثبت إمامة أبي بكر.
وليت شعري إن من لم يقل منهم بذلك كله كيف يدعى حقية إمامة أبي بكر ويتصدى لا ثباتها.
ثم بعد ذلك خلاف آخر، وهو أنه هل يشترط في حقية الاجماع أن لا يتخلف ولا يخاف أحد من المجمعين إلى أن يموت الكل أم لا؟ وأيضا قد اختلفوا في أن الاجماع وحده حجة أم لابد له من سند هو الحجة حقيقة، والسند الذي قد ذكر في دعوى خلافة أبي بكر هو قياس فقهي حيث قاسوا رياسة الدين والدنيا بامامة الصلاة في مرضه (صلى الله عليه وآله) على ما ادعوه، وقد عرفت حقيقته، ولا يخفى فساده على من له أدنى معرفة بالأصول لان إثبات حجية القياس في غاية الاشكال، وعلماء أهل البيت عليهم السلام والظاهرية من أهل السنة وجمهور المعتزلة ينفون حجيته،
ويقيمون على مذهبهم حججا عقلية ونقلية، ولغيرهم أيضا في أقسامه وشرائطه اختلاف كثير.
وعلى تقدير ثبوت جميع ذلك، إنما يكون القياس فيما إذا كان هناك علة في الأصل، ويكون الفرع مساويا للأصل في تلك العلة، وهيهنا العلة مفقودة، بل الفرق ظاهر، لان الصلاة خلف كل بر وفاجر جايز عندهم، بخلاف الخلافة، إذ شرطوا فيها العدالة والشجاعة والقرشية وغيرها، وأيضا أمر إمامة الجماعة أمر واحد لا يعتبر فيه العلم الكثير ولا الشجاعة والتدبير وغيرها مما يشترط عندهم في الخلافة فإنها لما كانت سلطنة وحكومة في جميع أمور الدين والدنيا، تحتاج إلى علوم وشرائط كثيرة لم يكن شئ منها موجودا في أبي بكر وأخويه، فلا يصح قياس هذا بذاك.
وقول بعضهم: إن الصلاة من أمور الدين، والخلافة من أمور الدنيا غلط ظاهر، لان المحققين منهم كالشارح الجديد للتجريد عرفوا الإمامة بالحكومة العامة في الدين والدنيا، وظاهر أنه كذلك، مع أن الأصل ليس بثابت، لان الشيعة ينكرون ذلك أشد الانكار كما عرفت مما مضى من الاخبار وسيأتي بعضها.
وقال بعضهم: إن النبي (صلى الله عليه وآله) [أمر الناس في مرضه بالصلاة ولم يعين
أحدا، فقالت عائشة بنت أبي بكر لبلال: إنه (صلى الله عليه وآله) أمر أن يؤم أبو بكر في الصلاة فلما اطلع النبي] على تلك الحال، وضع إحدى يديه على منكب علي عليه السلام والأخرى على منكب الفضل بن العباس وخرج إلى المسجد ونحى أبا بكر عن المحراب فصلى بالناس حتى لا تصير إمامته موجبا للخلل في الدين ويعضده ما رواه البخاري باسناده عن عروة " فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من نفسه خفة فخرج إلى المحراب فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والناس يصلون بصلاة أبي بكر: أي بتكبيره انتهى.
وأيضا لو كان خبر تقديم أبي بكر في الصلاة صحيحا كما زعموا، وكان مع صحته دالا على إمامته، لكان ذلك نصا من النبي (صلى الله عليه وآله) بالإمامة، متى حصل النص لا يحتاج معه إلى غيره، فكيف لم يجعل أبو بكر وأصحاب السقيفة ذلك دليلا على إمامة أبي بكر، وكيف لم يحتجوا به على الأنصار، فعلم أن ذلك ليس فيه حجة أصلا.
وأيضا ظاهر أن الإمامة من الأصول، فلا يصح إثباته بالقياس، على تقدير تحقق القياس الصحيح، فإنه على تقدير تسليم حجيته إنما يجرى في الفروع، ولو كان
ظن المجتهد كافيا في مسألة الإمامة كما في الفروع الفقهية، لزم عدم جواز تخطئة المجتهد الذي ظن أن أبا بكر لم يكن إماما، وكان تقليد ذلك المجتهد جائزا، مع أنهم لا يقولون به.
وأيضا الاستخلاف لا يقتضي الدوام، إذ الفعل لا دلالة له على التكرار والدوام إن ثبت خلافته بالفعل، وإن ثبت بالقول فكذلك، كيف وقد جرت العادة بالتبعية مدة غيبته المستخلفة، والانعزال بعد حضوره.
وأيضا ذلك معارض بأنه (صلى الله عليه وآله) استخلف عليا (عليه السلام) في غزوة تبوك في المدينة، ولم يعز له، وإذا كان خليفة على المدينة كان خليفة في ساير وظايف الأمة، لأنه لا قائل بالفصل، والترجيح معنا، لان استخلافه (عليه السلام) على المدينة أقرب إلى الإمامة الكبرى، لأنه متضمن لأمور الدين والدنيا بخلاف الاستخلاف في الصلاة كما مر.
وبعد تسليم ذلك كله نقول إن إجماع الأمة بأجمعهم على إمامة أبي بكر لم يتحقق في وقت واحد، وهذا واضح مع قطع النظر عن عدم حضور أهل البيت (عليهم السلام)، وسعد بن عبادة سيد الأنصار وأولاده وأصحابه، ولذا قال صاحب المواقف وشارحه السيد الشريف: " وإذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة، فاعلم أن ذلك الحصول لا يفتقر إلى الاجماع من جميع أهل الحل والعقد، إذ لم يقم عليه دليل من العقل والسمع، بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف في ثبوت الإمامة، ووجوب اتباع الامام على أهل الاسلام، وذلك لعلمنا بأن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا في عقد الإمامة بذلك، كعقد عمر لأبي بكر وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا في عقدها اجتماع من في المدينة من أهل الحل والعقد، فضلا عن إجماع الأمة من علماء الأمصار، هذا ولم ينكر عليهم أحد، وعليه - أي علي الاكتفاء بالواحد والاثنين في عقد الإمامة - انطوت
الاعصار بعدهم إلى وقتنا هذا انتهى.
وقال التفتازاني في شرح المقاصد، محتجا على إمامة أبى بكر: لنا وجوه الأول وهو العمدة إجماع أهل الحل والعقد على ذلك، وإن كان من البعض بعد تردد وتوقف على ما روى أن الأنصار قالوا منا أمير ومنكم أمير، وأن أبا سفيان قال أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي عليكم تيم؟ والله لأملأن الوادي خيلا ورجلا، وذكر في صحيح البخاري وغيره من كتب الأصحاب أن بيعة علي كانت بعد توقف، وفي إرسال أبي بكر وعمر أبا عبيدة بن الجراح إلى علي (عليه السلام) رسالة لطيفة روتها الثقات باسناد صحيح يشتمل على كلام كثير من الجانبين، وقليل غلظة من عمر، وعلى أن عليا (عليه السلام) جاء إليهما ودخل فيما دخلت فيه الجماعة، وقال حين قام من المجلس:
بارك الله فيما ساءني وسركم، فما روي أنه لما بويع لأبي بكر وتخلف علي (عليه السلام) و الزبير ومقداد وسلمان وأبو ذر أرسل أبو بكر من الغد إلى علي (عليه السلام) فأتاه مع أصحابه فبايعه وسائر المتخلفين محل نظر انتهى.
وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور: وتنعقد الإمامة بطرق: أحدها بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس من غير اشتراط عدد ولا اتفاق الكل من سائر البلاد، بل لو بايع واحد مطاع كفت بيعته، ثم قال فيه: طريق ثبوت الإمامة عندنا وعند المعتزلة والخوارج والصالحية خلافا للشيعة، اختيار أهل الحل والعقد وبيعتهم، من غير أن يشترط إجماعهم على ذلك، ولا عدد محدود، بل ينعقد بعقد واحد منهم، ولهذا لم يتوقف أبو بكر إلى انتشار الاخبار في الأقطار، ولم ينكر عليه أحد، وقال عمر لأبي عبيدة: أبسط يدك لا بايعك، فقال: أتقول هذا وأبو بكر حاضر؟ فبايع أبا بكر، وهذا مذهب الأشعري إلا أنه يشترط أن يكون ذلك العقد بمشهد من الشهود، لئلا يدعى الاخر عقدا سرا متقدما على هذا العقد انتهى.
واعترف إمامهم الرازي في كتاب نهاية العقول بأنه لم ينعقد الاجماع على خلافة أبي بكر في زمانه، بل إنما تم انعقاده بموت سعد بن عبادة، وكان ذلك في خلافة عمر!
فعلى أحكام هؤلاء السفهاء المدعين للانخراط في سلك العلماء، فليضحك الضاحكون، وفي وقاحتهم وقلة حيائهم فليتحير المتحيرون، أخزاهم الله ماذا يصنعون بعهد الله، وكيف يلعبون بدين الله، وهل يذعن عاقل بأنه يكفي لرئاسة الدين والدنيا والتصرف في نفوس جميع الأمة وأموالهم وأعراضهم بيعة واحد أو اثنين من آحاد الأمة، ممن لا يجرى حكمه على نفسه، ولم يثبت عصمته، ولا تقبل شهادته في درهم ولا في نصف درهم.
فان قيل: إن لم يتحقق الاجماع على خلافة أبي بكر في يوم السقيفة، لكنه بعد ذلك إلى ستة أشهر قد تحقق اتفاق الكل على خلافته، ورضوا بإمامته، فتم
الاجماع، قلنا: ذلك أيضا ممنوع، لما عرفت من عدم بيعة علي (عليه السلام) وأصحابه له بعد ستة أشهر أيضا، ولو سلم أنه صفق على يده كما يفعله أهل البيعة، فلا ريب في أن سعد بن عبادة وأولاده لم يتفقوا على ذلك، ولم يبايعوا أبا بكر ولا عمر، كما قال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة أبي بكر أنه بويع له بالخلافة في اليوم الذي قبض فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سقيفة بني ساعدة، ثم بويع البيعة العامة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم، وتخلف عن بيعته سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وفرقة من قريش.
وروى أيضا ابن عبد البر في الكتاب المذكور وابن حجر العسقلاني في الإصابة أن سعدا لم يبايع أحدا من أبي بكر وعمر ولم يقدروا على إلزامه كالزامهم لغيره، لكثرة أقوامه من الخزرج، فاحترزوا عن فتنتهم، ولما وصل حكومة أهل الاسلام إلى عمر، مر ذات يوم سعد على سوق المدينة فوقع عليه نظر عمر و قال له: ادخل يا سعد في بيعتنا أو اخرج من هذا البلد، فقال سعد: حرام علي أن أكون في بلد أنت أميره، ثم خرج من المدينة إلى الشام، وكانت له قبيلة كثيرة في نواحي دمشق، كان يعيش في كل أسبوع عند طائفة منهم، ففي تلك الأيام كان يذهب يوما من قرية إلى أخرى، فرموه من وراء بستان كان على طريقه بسهم فقتل.
وقال صاحب روضة الصفا ما معناه إن سعدا لم يبايع أبا بكر وخرج إلى الشام وقتل بعد مدة فيها بتحريك بعض العظماء.
وقال البلاذري في تاريخه إن عمر بن الخطاب أشار إلى خالد بن الوليد ومحمد .
مسلمة الأنصاري بقتل سعد، فرماه كل منهما بسهم فقتل، ثم أوقعوا في أوهام الناس أن الجن قتلوه، ووضعوا هذا الشعر على لسانهم:
قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * فرميناه بسهمين فلم نخط فؤاده ولو سلم فنقول: قد اعتبر في تعريف الاجماع اتفاق أهله على أمر واحد في وقت واحد إذا لو لم يقع ذلك في وقت واحد، احتمل رجوع المتقدم قبل موافقة المتأخر فلا معنى لحصول الاجماع على خلافة أبي بكر تدريجا، والحاصل أنهم أرادوا بوقوع الاجماع على خلافته حصول الاتفاق على ذلك بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بلا فصل أو في زمان قليل، فهو معلوم البطلان، وإن أرادوا تحققه بعد تطاول المدة، فمع تسليمه مخالف لما اعتبر في حقيقة الاجماع من اتحاد الوقت وأيضا لا يقوم حجة إلا إذا
دخل الباقون طوعا، أما إذا استظهر الأكثر وخاف الأقل، ودخلوا فيما دخل فيه الأكثر خوفا وكرها، فلا.
ولا أظنك تستريب بعد الاطلاع على ما أوردنا سابقا من روايات الخاصة و العامة أن الحال كانت كذلك، وأن بني هاشم لم يبايعوا أولا ثم قهروا وبايعوا بعد ستة أشهر حتى أن معاوية كتب إلى علي (عليه السلام) يؤنبه بذلك حيث يقول " إنك كنت تقاد كما يقاد الجمل المخشوش " وكتب (عليه السلام) في جوابه " وقلت إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه أو مر تابا في يقينه، وهذه حجتي عليك وعلي غيرك " وسيأتي في باب شكواه عن المتقدمين المتغلبين ما فيه كفاية للمعتبرين.
ومن الغرايب أنهم اتفقوا جميعا على صحة الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث ما دار وقد اعترف ابن أبي الحديد بصحته، وقال الغزالي مع شدة تعصبه في كتاب الاحياء " لم يذهب ذو بصيرة ما إلى تخطئه علي (عليه السلام) قط ، ومن المتفق على روايته في صحاحهم وأصولهم " كان
علي ديان هذه الأمة بعد نبيها " وقال الزمخشري وابن الأثير عند ذكر الرواية: الديان القهار، وقيل القاضي والحاكم، وقد نقلنا ما أوردوه في صحاحهم من أخبار السفينة والمنزلة والثقلين وغيرها في أبواب النصوص عليه (عليه السلام) وأبواب فضائله ومع ذلك لا يبالون بمخالفته في إمامة خلفائهم، بلى من لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
* (تتميم) * أحببت أن أورد هيهنا فصلا من كتاب تلخيص الشافي يتضمن كثيرا مما أجاب به السيد رضي الله عنه في الشافي عن شبه المخالفين وأخبارا جمة مأخوذة من كتبهم، يؤيد ما أسلفناه من الاخبار، حيث قال في الكلام في خلافة أبي بكر:
والطريقة الثانية بنوها على الاجماع، وادعوا أن الأمة أجمعت على إمامته واختياره، ولهم في ترتيب الاجماع طرق:
منها: أن يقولوا انتهى الامر في إمامته إلى أن لم يكن في الزمان إلا راض بإمامته، وكاف عن النكير، فلو لم يكن حقا لم يصح ذلك، ولا فرق بين أن نبين ذلك في أول الأمر أو في بعض الأوقات، وإنما يذكرون ذلك لادعائهم من أن ما ظهر من العباس والزبير وأبي سفيان، ووقع من تأخر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن بيعته ومن غيره، وال كل ذلك.
والاخر أن يقول إن كل من يدعي عليه الخلاف قد ثبت عنه - فعلا وقولا - الرضا والبيعة ممن يعتمد عليه، ويذكرون أن سعد بن عبادة لم يبق على الخلاف أولا يعتد بخلافه.
والثالث أن يقولوا إن إجماعهم على فرع لأصل يتضمن تثبيت الأصل، وقد استقر الاجماع في أيام عمر على إمامته، وهي فرع لامامة أبي بكر، فيجب بصحتها صحة ذلك، أو نبين أن أحدا لم يقل بصحة إمامة أحدهما دون الاخر، ففي ثبوت أحدهما ثبوت الاخر من جهة الاجماع الثاني.
قالوا: والكلام في هذا أوضح لان أيام عمر امتدت وظهر للناس الطاعة له و القبول من قبله، وحضور مجلسه والمعاضدة له في الأمور، لان سعد بن عبادة مات في أوائل أيام عمر فاستقر الاجماع بعده بغير شبهة.
ولنا في الكلام على ابطال هذه الطريقة وجهان من الكلام.
أحدهما أن نبين أن ترك المنازعة والامساك عن النكير اللذين توصلوا بهما إلى الرضا والاجماع، لم يكونا في وقت من الأوقات.
والثاني أن نسلم أن الخلاف في إمامته بعد ظهوره انقطع، غير أنه لم ينقطع على وجه يوجب الرضا، وأن السخط ممن كان مظهرا للنكير ثم كف عنه باق في المستقبل وإن كف عن معاذير يذكرها.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.