پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الثامن

5 - باب احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على أبي بكر وغيره في أمر البيعة

ج ۲۸، ص ۴۱۲–۶۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی)

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۲۸

5 - باب احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على أبي بكر وغيره في أمر البيعة 1 - الخصال القطان، عن محمد بن عبد الرحمن بن محمد الحسني، عن محمد بن حفص الخثعمي، عن الحسن بن عبد الواحد، عن أحمد بن محمد الثعلبي، عن محمد بن عبد الحميد، عن حفص بن منصور، عن أبي سعيد الوراق، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده - عليهم السلام - قال:

لما كان من أمر أبي بكر - وبيعة الناس له، وفعلهم بعلي بن أبي طالب عليه السلام - ما كان، لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط ويرى منه انقباضا، فكبر

ذلك على أبي بكر، فأحب لقاءه واستخراج ما عنده، والمعذرة إليه مما اجتمع الناس عليه، وتقليد هم إياه أمر الأمة وقلة رغبته في ذلك وزهده فيه.

أتاه في وقت غفلة وطلب منه الخلوة، وقال له: والله يا أبا الحسن ما كان هذا الامر مواطاة مني، ولا رغبة فيما وقعت فيه، ولا حرصا عليه، ولا ثقة بنفسي فيما تحتاج إليه الأمة، ولا وقة لي بمال، ولا كثرة العشيرة، ولا استئثار به دون غيري، فما لك تضمر علي ما لم أستحقه منك، وتظهر لي الكراهة فيما صرت إليه، وتنظر إلي بعين السامة مني؟!

قال: فقال له عليه السلام: فما حملك عليه إذ لم ترغب فيه، ولا حرصت عليه، ولا وثقت بنفسك في القيام به وبما يحتاج منك فيه؟!

فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وآله -: إن الله لا يجمع أمتي على ضلال، ولما رأيت اجتماعهم اتبعت حديث النبي - صلى الله عليه وآله - وأحلت أن يكون اجتماعهم على خلاف الهدى، فأعطيتهم قود الإجابة، ولو علمت أن أحدا يتخلف لامتنعت!

قال: فقال علي عليه السلام: أما ما ذكرت من حديث النبي صلى الله عليه وآله: أن الله لا يجمع أمتي على ضلال، أفكنت من الأمة أو لم أكن؟!

قال: بلى.

قال: وكذلك العصابة الممتنعة عليك من سلمان وعمار وأبي ذر والمقداد

وابن عبادة ومن معه من الأنصار؟

قال: كل من الأمة.

فقال علي عليه السلام: فكيف تحتج بحديث النبي صلى الله عليه وآله وأمثال هؤلاء قد تخلفوا عنك، وليس للأمة فيهم طعن، ولا في صحبة الرسول ونصيحته منهم تقصير؟!

قال: ما علمت بتخلفهم إلا من بعد إبرام الامر، وخفت إن دفعت عني الامر أن يتفاقم إلى أن يرجع الناس مرتدين عن الدين، وكان ممارستكم إلى أن أجبتم أهون مؤنة على الدين وأبقى له من ضرب الناس بعضهم ببعض فيرجعوا كفارا، وعلمت أنك لست بدوني في الابقاء عليهم وعلى أديانهم!.

قال علي عليه السلام: اجل، ولكن أخبرني عن الذي يستحق هذا الامر، بما يستحقه؟

فقال أبو بكر: بالنصيحة، والوفاء، ودفع المداهنة، والمحاباة، وحسن السيرة، وإظهار العدل، والعلم بالكتاب والسنة وفصل الخطاب، مع الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها، وانصاف المظلوم من الظالم للقريب والبعيد.. ثم سكت.

فقال علي عليه السلام: والسابقة والقرابة؟!

فقال أبو بكر: والسابقة والقرابة.

قال: فقال علي عليه السلام: أنشدك بالله يا أبا بكر أفي نفسك تجد

هذه الخصال، أو في؟!

قال أبو بكر: بل فيك يا أبا الحسن.

قال: أنشدك بالله أنا المجيب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذكران المسلمين، أم أنت (2)؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنا الاذان لأهل الموسم ولجميع الأمة بسورة براءة، أم أنت (4)؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنا وقيت رسول الله بنفسي يوم الغار، أم أنت (1)؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله ألي الولاية من الله مع ولاية رسوله في آية زكاة الخاتم، أم لك (5)؟

قال: بل لك.

قال: فأنشدك بالله أنا المولى لك ولكل مسلم بحديث النبي صلى الله عليه وآل يوم الغدير، أم أنت؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله ألي الوزارة من رسول الله صلى الله عليه وآله والمثل من هارون وموسى، أم لك (6)؟

قال: بل لك.

قال: فأنشدك بالله أبي برز رسول الله صلى الله عليه وآله وبأهل بيتي

وولدي في مباهلة المشركين من النصارى، أم بك وبأهلك وولدك (1)؟

قال: بكم.

قال: فأنشدك بالله ألي ولأهلي وولدي آية التطهير من الرجس، أم لك ولأهل بيتك؟

قال: بل لك ولأهل بيتك.

قال: فأنشدك بالله أنا صاحب دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وأهلي وولدي يوم الكساء: اللهم هؤلاء أهلي إليك لا إلى النار، أم أنت؟

قال: بل أنت وأهلك وولدك.

قال: فأنشدك بالله أنا صاحب الآية [يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا]، أم أنت؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الفتى الذي نودي من السماء: لا سيف إلا؟؟

الفقار ولا فتى إلا علي، أم أنا؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الذي ردت له الشمس لوقت صلاته فصلاها ثم توارت، أم أنا؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الذي حباك رسول الله صلى الله عليه وآله برايته يوم خيبر ففتح الله له، أم أنا؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الذي نفست عن رسول الله صلى الله عليه وآله كربته

وعن المسلمين بقتل عمرو بن عبد ود، أو أنا؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الذي ائتمنك رسول الله صلى الله عليه وآله على رسالته إلى الجن فأجابت، أم أنا؟

قال: بل أنت.

قال: أنشدك بالله أنت الذي طهرك رسول الله صلى الله عليه وآله من السفاح من آدم إلى أبيك بقوله صلى الله عليه وآله : أنا وأنت من نكاح لا من سفاح، من آدم إلى عبد المطلب أم أنا (3)؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنا الذي اختارني رسول الله صلى الله عليه وآله وزوجني ابنته فاطمة عليها السلام وقال: الله زوجك، أم أنت؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنا والد الحسن والحسين ريحانتيه اللذين قال فيهما: هذان سيدا

شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما، أم أنت؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أخوك المزين بجناحين في الجنة يطير بهما مع الملائكة، أم أخي؟

قال: بل أخوك.

قال: فأنشدك بالله أنا ضمنت دين رسول الله صلى الله عليه وآله وناديت في المواسم بانجاز موعده، أم أنت؟!

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنا الذي دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله لطير عنده يريد أكله، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك بعدي، أم أنت؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنا الذي بشرني رسول الله صلى الله عليه وآله بقتل الناكثين والقاسطين والمارقين على تأويل القرآن، أم أنت؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنا الذي شهدت آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وآله ووليت غسله ودفنه، أم أنت؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنا الذي دل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله بعلم القضاء بقوله: " علي أقضاكم "، أم أنت؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك الله أنا الذي أمر لي رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه بالسلام علي بالامرة في حياته، أم أنت؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الذي سبقت له القرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أم أنا؟.

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الذي حباك الله عز وجل بدينار عند حاجته، وباعك جبرئيل عليه السلام، وأضفت محمدا صلى الله عليه وآله، وأضفت ولده أم أنا (3)؟

قال: فبكى أبو بكر! [و] قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الذي حملك رسول الله صلى الله عليه وآله على كتفه في طرح صنم الكعبة وكسره حتى لو شاء أن ينال أفق السماء لنالها، أم أنا؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت صاحب لوائي في الدنيا والآخرة، أم أنا؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بفتح بابه في مسجده حين أمر بسد جميع بابه - أبواب أصحابه وأهل بيته - وأحل له فيه ما أحله الله له، أم أنا؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الذي قدم بين يدي نجواه لرسول الله صلى الله عليه وآله صدقة فناجاه، أم أنا - إذ عاتب الله عز وجل قوما فقال: [أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجويكم صدقات] الآية -؟

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وآله - لفاطمة:

زوجك أول الناس إيمانا وأرجحهم إسلاما. في كلام له، أم انا؟.

قال: بل أنت.

قال: فأنشدك بالله أنت الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: الحق مع علي وعلي مع الحق، لا يفترقان حتى يردا علي حوض، أم أنا؟

قال: بل أنت.

قال:.. فلم يزل عليه السلام بعد عليه مناقبه التي جعل الله عز وجل له دونه ودون غيره.

ويقول له أبو بكر: بل أنت.

قال: فبهذا وشبهه يستحق القيام بأمور أمة محمد صلى الله عليه وآله.

فقال له علي عليه السلام: فما الذي غرك عن الله وعن رسوله وعن دينه وأنت

خلو مما يحتاج إليه أهل دينه؟

قال: فبكى أبو بكر وقال: صدقت يا أبا الحسن، أنظرني يومي هذا فادبر ما أنا فيه وما سمعت منك.

قال: فقال له علي عليه السلام: لك ذلك يا أبا بكر.

فرجع من عنده وخلا بنفسه يومه ولم يأذن لاحد إلى الليل، وعمر يتردد في الناس لما بلغه من خلوته بعلي عليه السلام.

فبات في ليلته، فرأى رسول الله صلى الله عليه وآله في منامه ممثلا له في مجلسه، فقام إليه أبو بكر ليسلم عليه، فولى وجهه، فصار مقابل وجهه، فسلم عليه فولى عنه وجهه.

فقال أبو بكر: يا رسول الله! هل أمرت بأمر فلم أفعل؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أرد السلام عليك وقد عاديت الله ورسوله وعاديت من والاه الله ورسوله! رد الحق إلى أهله.

قال: فقلت: من أهله؟

قال: من عاتبك عليه، وهو علي.

قال: فقد رددت عليه يا رسول الله بأمرك.

قال: فأصبح وبكى، وقال لعلي عليه السلام: ابسط يدك، فبايعه وسلم إليه الامر.

وقال له: أخرج إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخبر الناس بما رأيت في ليلتي وما جرى بيني وبينك، فاخرج نفسي من هذا الامر وأسلم عليك

بالامرة؟

قال: فقال علي عليه السلام: نعم.

فخرج من عنده متغيرا لونه عاليا نفسه، فصادفه عمر وهو في طلبه.

فقال: ما حالك يا خليفة رسول الله..؟

فأخبره بما كان منه وما رأى وما جرى بينه وبين علي عليه السلام.

فقال عمر: أنشدك بالله يا خليفة رسول الله ان تغتر بسحر بني هاشم!

فليس هذا بأول سحر منهم..

فما زال به حتى رده عن رأيه وصرفه عن عزمه، ورغبه فيما هو فيه، وأمره بالثبات [عليه] والقيام به.

قال: فأتى علي عليه السلام المسجد للميعاد، فلم ير فيه منهم أحدا، فأحس بالشر منهم، فقعد إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فمر به عمر فقال: يا علي دون ما تروم خرط القتاد، فعلم بالامر وقام ورجع إلى بيته.

2 - الإحتجاج: وروى مرسلا مثله.

بيان: قوله: ولا ابتزاز.. الابتزاز: الاستلاب والاخذ بالغلبة.

وفي بعض النسخ: ولا استيثار به، يقال: استأثر فلان بالشئ: أي

استبد به.

قوله: بعين السآمة مني.. في الاحتجاج قوله: بعين الشتاءة لي..، أي: العداوة.

والقتاد: شجر له شوك كثير، وخرطه: هو ان تمر يدك من أعلاه إلى أسفله حتى ينتشر شوكه، وهذا مثل يضرب للامر الشاق.

3 - تفسير علي بن إبراهيم: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن الحسن ابن العباس بن الجريش، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام - بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد والناس مجتمعون - بصوت عال: [الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله. أضل أعمالهم].

فقال ابن عباس: يا أبا الحسن لم قلت ما قلت؟!

قال: قرأت شيئا من القرآن.

قال: لقد قلته لأمر؟

قال: نعم، إن الله يقول في كتابه: [وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا]، فتشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله أنه استخلف أبا بكر (4)؟

قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى إلا إليك.

قال: فهلا بايعتني؟!

قال: اجتمع الناس على أبي بكر فكنت منهم.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كما اجتمع أهل العجل على العجل، ها هنا فتنتم، ومثلكم [كمثل الذي استوفد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون].

4 - بصائر الدرجات: محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير وعلي بن الحكم، عن الحكم بن مسكين، عن أبي عمارة، عن أبي عبد الله عليه السلام.

وعثمان بن عيسى، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام:

أن أمير المؤمنين عليه السلام لقي أبا بكر، فاحتج عليه.

ثم قال له: أما ترضى برسول الله صلى الله عليه وآله بيني وبينك؟!

قال: وكيف لي به؟

فأخذ بيده وأتى مسجد قبا، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، فقضى على أبي بكر.

فرجع أبو بكر مذعورا، فلقي عمر فأخبره، فقال: مالك؟! أما علمت سحر بني هاشم.

5 - الخرائج: سعد، عن محمد بن عيسى، مثله.

6، 7 - الاختصاص، ير: بعض أصحابنا، عن محمد بن حماد،

عن أخيه احمد، عن أحمد بن موسى، عن زياد بن المنذر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لقي أمير المؤمنين عليه السلام أبا بكر في بعض سكك المدينة.

فقال: ظلمت وفعلت.

فقال: ومن يعلم ذلك؟

قال: يعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال: وكيف لي برسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى يعلمني ذلك؟ لو أتاني في المنام فأخبرني لقبلت ذلك.

قال علي عليه السلام: فأنا أدخلك على رسول الله صلى الله عليه وآله، [فأدخله] مسجد قبا، فإذا برسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد قبا.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: اعتزل عن ظلم أمير المؤمنين - عليه السلام -.

فخرج من عنده، فلقيه عمر، فأخبره بذلك، فقال له: اسكت!

أما عرفت سحر بني عبد المطلب...

8 - بصائر الدرجات الحجال، عن اللؤلؤي، عن ابن سنان، عن البطايني، عن عمران الحلبي، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

إن عليا عليه السلام لقي أبا بكر.

فقال: يا أبا بكر ما تعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - أمرك أن تسلم علي بإمرة المؤمنين، وأمرك باتباعي؟

قال: فاقبل يتوهم عليه.

فقال له: اجعل بيني وبينك حكما.

قال: قد رضيت فاجعل من شئت.

قال: اجعل بيني وبينك رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال: فاغتنما الآخر وقال: قد رضيت.

قال: فأخذ بيده فذهب إلى مسجد قبا.

قال: فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله قاعد في موضع المحراب.

فقال له: هذا رسول الله - صلى الله عليه وآله - يا أبا بكر.

فقال رسول الله: يا أبا بكر! ألم آمرك بالتسليم لعلي واتباعه؟

قال: بلى يا رسول الله - صلى الله عليه وآله -.

قال: فادفع الامر إليه.

قال: نعم يا رسول الله.

فجاء وليس همته إلا ذلك، وهو كثيب.

قال: فلقي عمر، قال: ما لك يا أبا بكر؟

قال: لقيت رسول الله - صلى الله عليه وآله - وأمرني بدفع هذه الأمور إلى علي.

فقال: أما تعرف سحر بني هاشم؟ هذا سحر.

قال: فقلب الامر على ما كان.

9 - الخرائج: عن الصفار، مثله.

بيان: يتوهم عليه.. أي: يلقي الشكوك ويدفع حججه عليه السلام بالأوهام، وفي الخرائج: يتشكك عليه.

10 - بصائر الدرجات: أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن القاسم بن محمد عن إسحاق بن إبراهيم، عن هارون، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

قال أمير المؤمنين عليه السلام لأبي بكر: هل أجعل بيني وبينك رسول الله صلى

الله عليه وآله؟

فقال: نعم.

فخرجا إلى مسجد قبا، فصلى أمير المؤمنين عليه السلام ركعتين، فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وآله.

فقال: يا أبا بكر على هذا عاهدتك، فصرت به؟!

فرجع وهو يقول: والله لا أجلس هذا المجلس.

فلقي عمر، فقال: ما لك (5)؟

قال: قد والله ذهب بي فأراني رسول الله.

فقال عمر: أما تذكر يوما كنا معه، فأمر شجرتين فالتقتا، فقضى حاجته خلفهما، ثم أمرهما فتفرقتا (8)؟

قال أبو بكر: أما إذا قلت ذا، فإني دخلت أنا وهو في الغار فقال بيده فمسحها عليه فعاد ينسج العنكبوت كما كان، ثم قال: ألا أريك جعفرا وأصحابه تعوم بهم سفينتهم في البحر؟ قلت: بلى، قال: فمسح يده على وجهي، فرأيت جعفرا وأصحابه تعوم بهم سفينتهم في البحر، فيومئذ عرفت أنه

ساحر، فرجع إلى مكانه.

11، 12 - الاختصاص، ير: عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان، عن أبيه سليمان، عن عيثم بن أسلم، عن معاوية الدهني قال: دخل أبو بكر على علي عليه السلام فقال له: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله - ما تحدث إلينا في أمرك حديثا بعد يوم الولاية، وأنا أشهد أنك مولاي، مقر لك بذلك، وقد سلمت عليك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله - بإمرة المؤمنين، وأخبرنا رسول الله: أنك وصيه ووارثه وخليفته في أهله ونسائه، ولم يحل بينك وبين ذلك، وصار ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله إليك وأمر نسائه، ولم يخبرنا بأنك خليفته من بعده، ولا جرم لنا في ذلك فيما بيننا

وبينك، ولا ذنب بيننا وبينك وبين الله تعالى.

قال: فقال علي عليه السلام: إن أريتك رسول الله - صلى الله عليه وآله - حتى يخبرك أني أولى بالامر الذي أنت فيه منك ومن غيرك وإن لم ترجع عما أنت فيه فتكون كافرا.

قال أبو بكر: إن رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى يخبرني ببعض هذا لاكتفيت به.

قال: فوافني إذا صليت المغرب.

قال: فرجع إليه بعد المغرب، فأخذ بيده وخرج به إلى مسجد قبا، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله جالس في القبلة.

فقال: يا عتيق وثبت على علي - عليه السلام - وجلست مجلس النبوة، وقد تقدمت إليك في ذلك، فانزع هذا السربال الذي تسربلته، فخله لعلي وإلا فموعدك النار.

قال: ثم أخذ بيديه فأخرجه، فقام النبي صلى الله عليه وآله ومشى عنهما.

قال فانطلق أمير المؤمنين عليه السلام إلى سلمان فقال: يا سلمان أما علمت أنه كان من الامر كذا وكذا.

فقال: ليشهرن بك، وليأتين صاحبه، وليخبرنه بالخبر.

قال: فضحك أمير المؤمنين عليه السلام وقال: إما أن يخبر صاحبه

فيفعل ثم لا والله لا يذكر أبدا إلى يوم القيامة، هما أنظر لأنفسهما من ذلك.

قال: فلقي أبو بكر عمر، فقال له: أراني علي.. كذا وكذا، وصنع كذا وكذا.

فقال له عمر: ويلك ما أقل عقلك، فوالله ما أنت فيه الساعة ليس إلا من بعض سحر ابن أبي كبشة، قد نسيت سحر بني هاشم، ومن أين يرجع محمد؟ ولا يرجع من مات، إن ما أنت فيه أعظم من سحر بني هاشم، فتقلد هذا السر بال ومر فيه.

13 - الخرائج: عن الصفار، مثله.

14 - بصائر الدرجات: أحمد بن إسحاق، عن الحسن بن عباس بن جريش، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سأل أبا عبد الله عليه السلام رجل من أهل بيته عن سورة [إنا أنزلناه في ليلة القدر].

فقال: ويلك! سألت عن عظيم، إياك والسؤال عن مثل هذا، فقام الرجل.

قال: فأتيته يوما، فأقبلت عليه فسألته، فقال: [إنا أنزلناه] نور عند الأنبياء والأوصياء، لا يريدون حاجة من السماء ولا من الأرض إلا ذكروها لذلك النور فأتاهم بها.

وان مما ذكر علي بن أبي طالب عليه السلام له من الحوائج: أنه قال لأبي بكر يوما [لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم..]:

فاشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله مات شهيدا، فإياك أن تقول: إنه ميت، والله ليأتينك ، فاتق الله إذا جاءك الشيطان غير متمثل به.

فعجب به أبو بكر فقال: إن جاءني والله أطعته وخرجت مما أنا فيه.

قال: فذكر أمير المؤمنين لذلك النور، فعرج إلى أرواح النبيين، فإذا محمد

صلى الله عليه وآله قد ألبس وجهه ذلك النور، وأتى وهو يقول: يا أبا بكر آمن بعلي وبأحد عشر من ولده، إنهم مثلي إلا النبوة، وتب إلى الله برد ما في يديك إليهم، فإنه لا حق لك فيه.

قال: ثم ذهب فلم ير.

فقال أبو بكر: أجمع الناس فأخطبهم بما رأيت، وأبرأ إلى الله مما أنا فيه إليك يا علي، على أن تؤمنني؟

قال: ما أنت بفاعل، ولولا أنك تنسى ما رأيت لفعلت.

قال: فانطلق أبو بكر إلى عمر، ورجع نور [إنا أنزلناه] إلى علي، فقال له: قد اجتمع أبو بكر مع عمر.

فقلت: أو علم النور؟

قال: إن له لسانا ناطقا وبصرا نافذا يتجسس الاخبار للأوصياء عليهم السلام، ويستمع الاسرار، ويأتيهم بتفسير كل أمر يكتتم به أعداؤهم.

فلما أخبر أبو بكر الخبر عمر، قال: سحرك، وانها لفي بني هاشم لقديمة.

قال: ثم قاما يخبران الناس، فما دريا ما يقولان.

قلت: لما ذا؟

قال: لأنهما قد نسياه.

وجاء النور فأخبر عليا عليه السلام خبرهما، فقال: بعدا لهما كما بعدت ثمود.

بيان: لعل المراد بنور [إنا أنزلناه]: الروح المذكور في تلك السورة الكريمة.

15 - الخرائج: روي عن سلمان: أن عليا عليه السلام بلغه عن عمر ذكر

شيعته، فاستقبله في بعض طرقات بساتين المدينة، وفي يد علي عليه السلام قوس عربية.

فقال: يا عمر، بلغني عنك ذكرك لشيعتي.

فقال: إربع على ظلعك.

فقال عليه السلام: إنك لههنا، ثم رمى بالقوس على الأرض فإذا هي ثعبان كالبعير فاغر فاه وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه.

فصاح عمر: الله الله يا أبا الحسن، لا عدت بعدها في شئ، وجعل يتضرع إليه، فضرب يده إلى الثعبان، فعادت القوس كما كانت، فمر عمر إلى بيته مرعوبا.

قال سلمان: فلما كان في الليل دعاني عليه السلام فقال: صر إلى عمر، فإنه حمل إليه مال من ناحية المشرق ولم يعلم به أحد، وقد عزم أن يحتبسه، فقل له: يقول لك علي: أخرج إليك مال من ناحية المشرق، ففرقه على من

جعل لهم، ولا تحبسه فأفضحك.

قال سلمان: فاديت إليه الرسالة.

فقال: حيرني أمر صاحبك، من أين علم به (1)؟

فقلت: وهل يخفى عليه مثل هذا؟

فقال لسلمان: إقبل مني أقول لك، ما علي إلا ساحر، وإني لمشفق عليك منه، والصواب أن تفارقه وتصير في جملتنا.

قلت: بئس ما قلت، لكن عليا ورث من أسرار النبوة ما قد رأيت منه وما هو أكبر منه.

قال: ارجع إليه فقل له: السمع والطاعة لأمرك.

فرجعت إلى علي عليه السلام، فقال عليه السلام: أحدثك بما جرى بينكما؟

فقلت: أنت أعلم به مني.

فتكلم بكل ما جرى بيننا، ثم قال: إن رعب الثعبان في قلبه إلى أن يموت.

بيان: قال الجوهري: ربع الرجل يربع: إذا وقف وتحبس، ومنه قولهم إربع على نفسك وأربع على ظلعك، أي: ارفق بنفسك وكف ولا تحمل عليها أكثر مما تطيق.

16 - مناقب ابن شهرآشوب: عبد الله بن سليمان وزياد بن المنذر والحسن بن العباس

ابن جريش، كلهم عن أبي جعفر عليه السلام.

وأبان بن تغلب ومعاوية بن عمار وأبو سعيد المكاري، كلهم عن أبي عبد الله عليه السلام: أن أمير المؤمنين عليه السلام لقي الأول فاحتج عليه.

ثم قال: أترضى برسول الله صلى الله عليه وآله بيني وبينك؟

فقال: وكيف لي بذلك؟

فأخذ بيده فأتى به مسجد قبا، فإذا رسول الله فيه، فقضى له على الأول.. القصة.

17 - كشف الغمة: عن عبد خير، قال: اجتمع عند عمر جماعة من قريش، فيهم علي بن أبي طالب، فتذاكروا الشرف، وعلي عليه السلام ساكت، فقال عمر: ما لك يا أبا الحسن ساكتا؟ وكان علي عليه السلام كره الكلام، فقال عمر:

لتقولن يا أبا الحسن، فقال علي عليه السلام:

الله أكرمنا بنصر نبيه * وبنا أعز شرائع الاسلام في كل معترك تزيل سيوفنا * فيه الجماجم عن فراخ الهام ويزورنا جبريل في أبياتنا * بفرائض الاسلام والاحكام فنكون أول مستحل حله * ومحرم لله كل حرام نحن الخيار من البرية كلها * ونظامها وزمام كل زمام إنا لنمنع من أردنا منعه * ونقيم رأس الأصيد القمقام وترد عادية الخميس سيوفنا * فالحمد للرحمن ذي الانعام بيان: قال الفيروزآبادي: الفرخ: مقدم الدماغ.

وقال الجوهري: وقول الفرزدق:

ويوم جعلنا البيض فيه لعامر * مصممة تفأى فراخ الجماجم يعنى به: الدماغ.

والزمام ككتاب: ما يجعل في أنف البعير فينقاد به، ولعل المراد: زمام كل ذي زمام.

وقال الفيروزآبادي: الأصيد: الملك، ورافع رأسه كبرا.

وقال: القمقام - ويضم -: السيد.

والخميس: الجيش.

18 - إرشاد القلوب: روي عن الصادق عليه السلام: أن أبا بكر لقي أمير المؤمنين عليه السلام في سكة بني النجار، فسلم عليه وصافحه وقال

له: يا أبا الحسن! أفي نفسك شئ من استخلاف الناس إياي، وما كان من يوم السقيفة، وكراهيتك البيعة (1)؟ والله ما كان ذلك من إرادتي، إلا أن المسلمين اجتمعوا على أمر لم يكن لي أن أخالف عليهم فيه، لان النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تجتمع أمتي على الضلال.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا بكر، أمته الذين أطاعوه في عهده من بعده، وأخذوا بهداه، وأوفوا بما عاهدوا الله عليه، ولم يبدلوا ولم يغيروا.

قال له أبو بكر: والله يا علي لو شهد عندي الساعة من أثق به أنك أحق بهذا الامر سلمته إليك، رضي من رضي وسخط من سخط.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا بكر! فهل تعلم أحدا أوثق من رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد أخذ بيعتي عليك في أربعة مواطن - وعلى جماعة معك فيهم: عمر وعثمان -: في يوم الدار، وفي بيعة الرضوان تحت الشجرة، ويوم جلوسه في بيت أم سلمة، وفي يوم الغدير بعد رجوعه من حجة الوداع؟

فقلتم بأجمعكم: سمعنا وأطعنا الله ورسوله.

فقال لكم: الله ورسوله عليكم من الشاهدين.

فقلتم بأجمعكم: الله ورسوله علينا من الشاهدين.

فقال صلى الله عليه وآله: فليشهد بعضكم على بعض، وليبلغ شاهدكم غائبكم، ومن سمع منكم فليسمع من لم يسمع.

فقلتم: نعم يا رسول الله، وقمتم بأجمعكم تهنون رسول الله وتهنوني بكرامة الله لنا، فدنا عمر وضرب على كتفي وقال بحضرتكم: بخ بخ يا بن أبي طالب أصبحت مولانا ومولى المؤمنين.

فقال أبو بكر: لقد ذكرتني يا أمير المؤمنين أمرا، لو يكون رسول الله صلى الله عليه وآله شاهدا فأسمعه منه.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: الله ورسوله عليك من الشاهدين، يا أبا بكر إذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله حيا ويقول لك إنك ظالم لي في أخذ حقي الذي جعله الله لي ورسوله دونك ودون المسلمين

أتسلم هذا الامر إلي وتخلع نفسك منه؟.

فقال أبو بكر: يا أبا الحسن! وهذا يكون؟ أرى رسول الله حيا بعد موته ويقول لي ذلك (4)!

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: نعم يا أبا بكر.

قال: فأرني ذلك إن كان حقا.

فقال علي عليه السلام: الله ورسوله عليك من الشاهدين انك تفي بما قلت؟

قال أبو بكر: نعم.

فضرب أمير المؤمنين عليه السلام على يده وقال: تسعى معي نحو مسجد قبا، فلما ورداه تقدم أمير المؤمنين عليه السلام فدخل المسجد وأبو بكر من ورائه، فإذا برسول الله صلى الله عليه وآله في قبلة المسجد، فلما رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشي عليه.

فناداه رسول الله صلى الله عليه وآله: ارفع رأسك أيها الضليل المفتون.

فرفع أبو بكر رأسه وقال: لبيك يا رسول الله، أحياة بعد الموت يا رسول الله؟

فقال: ويلك يا أبا بكر [إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شئ قدير].

قال: فسكت أبو بكر وشخصت عيناه نحو رسول الله صلى الله عليه وآله.

فقال له: ويلك يا أبا بكر نسيت ما عاهدت الله ورسوله عليك في المواطن الأربعة لعلي عليه السلام؟

فقال: ما أنساها يا رسول الله.

فقال: ما بالك اليوم تناشد عليا - عليه السلام - عليها، ويذكرك وتقول: نسيت..؟! وقص عليه رسول الله صلى الله عليه وآله ما جرى بينه وبين علي عليه السلام.. إلى آخره، فما نقص منه كلمة ولا زاد فيه كلمة.

فقال أبو بكر: يا رسول الله فهل من توبة؟ وهل يعفو الله عني إذا سلمت هذا الامر إلى أمير المؤمنين؟

قال: نعم يا أبا بكر، وأنا الضامن لك على الله ذلك إن وفيت.

قال: وغاب رسول الله صلى الله عليه وآله عنهما، فتشبث أبو بكر بأمير المؤمنين عليه السلام وقال: الله الله في يا علي، صر معي إلى منبر رسول الله

حتى أعلو المنبر فأقص على الناس ما شاهدت وما رأيت من رسول الله وما قال لي وما قلت له وما أمرني به، وأخلع نفسي عن هذه الامر وأسلمه إليك.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا معك إن تركك شيطانك.

فقال أبو بكر: إن لم يتركني تركته وعصيته.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا تطيعه ولا تعصيه، وإنما رأيت ما رأيت لتأكيد الحجة عليك.

وأخذ بيده وخرجا من مسجد قبا يريد ان مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبو بكر يتلون ألوانا، والناس ينظرون إليه ولا يدرون ما الذي كان.

حتى لقيه عمر، فقال له: يا خليفة رسول الله ما شأنك، وما الذي دهاك؟

فقال أبو بكر: خل عني يا عمر، فوالله لا سمعت لك قولا.

فقال له عمر: وأين تريد يا خليفة رسول الله؟

فقال أبو بكر: أريد المسجد والمنبر.

فقال: هذا ليس وقت صلاة ومنبر!.

قال: خل عني ولا حاجة لي في كلامك.

فقال عمر: يا خليفة رسول الله أفلا تدخل قبل المسجد منزلك فتسبغ

الوضوء؟

قال: بلى، ثم التفت أبو بكر إلى علي عليه السلام وقال له: يا أبا الحسن تجلس إلى جانب المنبر حتى أخرج إليك.

فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال له: يا أبا بكر، قد قلت لك إن شيطانك لا يدعك أو يرديك، ومضى أمير المؤمنين عليه السلام وجلس بجانب المنبر.

فدخل أبو بكر منزله، ومعه عمر، فقال: يا خليفة رسول الله لم لا تنبئني بأمرك، وتحدثني بما دهاك به علي بن أبي طالب؟

فقال أبو بكر: ويحك يا عمر! يرجع رسول الله بعد موته حيا فيخاطبني في ظلمي لعلي، برد حقه عليه وخلع نفسي من هذا الامر.

فقال عمر: قص علي قصتك من أولها إلى آخرها.

فقال لي أبو بكر: ويحك يا عمر! قد قال لي علي: إنك لا تدعني أخرج من هذه المظلمة، وإنك شيطاني، فدعني عنك، فلم يزل يرقبه إلى أن حدثه بحديثه كله.

فقال له: بالله عليك يا أبا بكر، أنسيت شعرك [في] أول شهر رمضان الذي فرض علينا صيامه، حيث جاءك حذيفة بن اليمان وسهل بن حنيف ونعمان الأزدي وخزيمة بن ثابت في يوم جمعة إلى دارك ليقضين دينك عليك، فلما انتهوا إلى باب الدار سمعوا لك صلصلة في الدار، فوقفوا بالباب ولم يستأذنوا عليك، فسمعوا أم بكر زوجتك تناشدك وتقول: قد عمل حر الشمس بين كتفيك، قم إلى داخل البيت وأبعد من الباب لا يسمعك بعض أصحاب محمد فيهدروا دمك، فقد علمت أن محمدا أهدر دم من أفطر يوما من شهر رمضان من غير سفر ولا مرض خلافا على الله وعلى محمد رسول الله.

فقلت لها: هات - لا أم لك - فضل طعامي من الليل، واترعي الكأس من الخمر، وحذيفة ومن معه بالباب يسمعون محاورتكما، فجاءت بصحفة فيها طعام من الليل وقصب مملوء خمرا، فأكلت من الصحفة وكرعت الخمر،

فاضحي النهار وقد قلت لزوجتك:

ذريني اصطبح يا أم بكر * فان الموت نفث عن هشام إلى أن انتهيت في قولك:

يقول لنا ابن كبشة سوف نحيى * وكيف حياة اشلاء وهام ولكن باطلا قد قال هذا * وإفكا من زخاريف الكلام ألا هل مبلغ الرحمن عني * بأني تارك شهر الصيام وتارك كل ما أوحى إلينا * محمد من أساطير الكلام فقل لله: يمنعني شرابي * وقل لله: يمنعني طعامي ولكن الحكيم رأى حميرا * فألجمها فتاهت باللجام فلما سمعك حذيفة ومن معه تهجو محمدا، قحموا عليك في دارك، فوجدوك وقعب الخمر في يديك، وأنت تكرعها، فقالوا لك: يا عدو الله خالفت الله ورسوله، وحملوك كهيئتك إلى مجمع الناس بباب رسول الله، وقصوا عليه قصتك، وأعادوا شعرك، فدنوت منك وساررتك وقلت لك في ضجيج الناس: قل إني شربت الخمر ليلا، فثملت فزال عقلي، فأتيت ما أتيته نهارا،

ولا علم لي بذلك، فعسى أن يدرأ عنك الحد.

وخرج محمد ونظر إليك، فقال: أيقظوه، فقلن: رأيناه وهو ثمل يا رسول الله لا يعقل، فقال: ويحكم الخمر يزيل العقل، تعملون هذا من أنفسكم وأنتم تشربونها؟ فقلنا: يا رسول الله وقد قال فيها امرؤ القيس شعرا:

شربت الخمر حتى زال عقلي * كذاك [الخمر يفعل] بالعقول ثم قال محمد: أنظروه إلى إفاقته من سكرته.

فأمهلوك حتى أريتهم أنك قد صحوت، فساءلك محمد، فأخبرته بما أو عزته إليك: من شربك بها بالليل.

فما بالك اليوم تؤمن بمحمد وبما جاء به، وهو عندنا ساحر كذاب.

فقال: ويحك يا أبا حفص! لا شك عندي فيما قصصته علي، فاخرج إلى ابن أبي طالب فاصرفه عن المنبر.

قال: فخرج عمر - وعلي عليه السلام جالس تحت المنبر - فقال: ما

بالك يا علي! قد تصديت لها (2)؟ هيهات هيهات، والله دون ما تروم من علو هذا المنبر خرط القتاد.

فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام حتى بدت نواجده، ثم قال: ويلك منها والله يا عمر إذا أفضيت إليك، والويل للأمة من بلائك!

فقال عمر: هذه بشرى يا بن أبي طالب، صدقت ظنونك وحق قولك.

وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام إلى منزله، وكان هذا من دلائله عليه السلام:

بيان: الصلصلة: الصوت.

قوله: نفث عن هشام، لعل المعنى نفخ عن جود النفس، قال الفيروزآبادي: الهشام ككتاب: الجود، وفي بعض النسخ: نقب بالقاف والباء الموحدة، فلعله جمع هشيم، أي: يوضح عن العظام المتكسرة.

واشلاء الانسان: أعضاؤه بعد البلى والتفرق.

وأوعزت إليه في كذا: أي تقدمت.

أقول: أوردت هذا الخبر - ولا أعتمد عليه كل الاعتماد - لموافقته في بعض المضامين لسائر الآثار، والله أعلم بحقائق الاخبار.

19 - وروي أيضا في الارشاد: بحذف الاسناد ، مرفوعا إلى جابر الجعفي قال: قلد أبو بكر الصدقات بقرى المدينة وضياع فدك رجلا من ثقيف يقال له: الأشجع بن مزاحم الثقفي - وكان شجاعا، وكان له أخ قتله علي بن أبي طالب في وقعة هوازن وثقيف - فلما خرج الرجل عن المدينة جعل أول قصده ضيعة من ضياع أهل البيت تعرف ب‍: بانقيا، فجاء بغتة واحتوى عليها وعلى صدقات كانت لعلي عليه السلام، فتوكل بها وتغطرس على أهلها، وكان الرجل زنديقا منافقا.

فابتدر أهل القرية إلى أمير المؤمنين عليه السلام برسول يعلمونه ما فرط من الرجل.

فدعا علي عليه السلام بدابة له تسمى السابح - وكان أهداه إليه ابن عم لسيف بن ذي يزن - وتعمم بعمامة سوداء، وتقلد بسيفين، وأجنب دابته المرتجز، واصحب معه الحسين عليه السلام وعمار بن ياسر والفضل بن العباس وعبد الله ابن جعفر وعبد الله بن العباس، حتى وافى القرية، فأنزله عظيم القرية في مسجد يعرف بمسجد القضاء، ثم وجه أمير المؤمنين عليه السلام الحسين عليه السلام يسأله المصير إليه.

فصار إليه الحسين عليه السلام فقال: أجب أمير المؤمنين.

فقال: ومن أمير المؤمنين؟

فقال: علي بن أبي طالب.

فقال: أمير المؤمنين أبو بكر خلفته بالمدينة.

فقال له الحسين عليه السلام: أجب علي بن أبي طالب.

فقال: أنا سلطان وهو من العوام، والحاجة له، فليصر هو إلي.

فقال له الحسين: ويلك! أيكون مثل والدي من العوام، ومثلك يكون السلطان (1)؟!

فقال: أجل، لان والدك لم يدخل في بيعته أبي بكر إلا كراها، وبايعناه طائعين، وكنا له غير كارهين، فشتان بيننا وبينه.

فصار الحسين عليه السلام إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأعلمه ما كان من قول الرجل.

فالتفت إلى عمار فقال: يا أبا اليقظان صر إليه والطف له في القول، واسأله أن يصير إلينا، فإنه لا يجب لوصي من الأوصياء أن يصير إلى أهل الضلالة، فنحن مثل بيت الله يؤتى ولا يأتي.

فصار إليه عمار، وقال: مرحبا يا أخا ثقيف، ما الذي أقدمك على أمير المؤمنين في حيازته، وحملك على الدخول في مساءته، فصر إليه، وأفصح عن حجتك.

فانتهر عمارا، وأفحش له في الكلام، وكان عمار شديد الغضب،

فوضع حمائل سيفه في عنقه، فمد يده إلى السيف.

فقيل لأمير المؤمنين عليه السلام: الحق عمارا، فالساعة يقطعونه، فوجه أمير المؤمنين عليه السلام الجمع، فقال لهم: لا تهابوه وصيروا به إلي.

وكان مع الرجل ثلاثون فارسا من خيار قومه، فقالوا له: ويلك!

هذا علي بن أبي طالب قتلك وقتل أصحابك عنده دون النطفة، فسكت القوم جزعا من أمير المؤمنين عليه السلام، فسحب الأشجع إلى أمير المؤمنين عليه السلام على حر وجهه سحبا.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: دعوه ولا تعجلوا، فان العجلة والطيش لا تقوم بها حجج الله وبراهينه.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك! بما استحللت ما أخذت من أموال أهل البيت؟ وما حجتك على ذلك (12)؟

فقال له: وأنت فبم استحللت قتل هذا الخلق في كل حق وباطل، وأن مرضاة صاحبي لهي أحب إلي من اتباع موافقتك.

فقال علي عليه السلام: أيها عليك! ما أعرف من نفسي إليك ذنبا إلا قتل أخيك يوم هوازن، وليس بمثل هذا القتل تطلب الثارات، فقبحك الله وترحك.

فقال له الأشجع: بل قبحك الله وبتر عمرك - أو قال: ترحك - فان حسدك للخلفاء لا يزال بك حتى يوردك موارد الهلكة والمعاطب، وبغيك عليهم يقصر بك عن مرادك.

فغضب الفضل بن العباس من قوله، ثم تمطى عليه بسيفه فحل عنقه ورماه عن جسده بساعده اليمنى، فاجتمع أصحابه على الفضل، فسل أمير المؤمنين عليه السلام سيفه ذا الفقار، فلما نظر القوم إلى بريق عيني الامام ولمعان ذي الفقار في كفه رموا سلاحهم وقالوا: الطاعة الطاعة.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أف لكم، انصرفوا برأس صاحبكم هذا الأصغر إلى صاحبكم الأكبر، فما بمثل قتلكم يطلب الثار، ولا تنقضي الأوتار

فانصرفوا ومعهم رأس صاحبهم، حتى ألقوه بين يدي أبي بكر.

فجمع المهاجرين والأنصار، وقال: يا معاشر الناس، إن أخاكم الثقفي أطاع الله ورسوله وأولي الأمر منكم، فقلدته صدقات المدينة وما يليها ، ففاقصه ابن أبي طالب، فقتله أخبث قتلة، ومثل به أخبث مثلة، وقد خرج في نفر من أصحابه إلى قرى الحجاز، فليخرج إليه من شجعانكم وليردوه عن سنته، واستعدوا له من الخيل والسلاح وما يتهيأ لكم، وهو من تعرفونه: الداء الذي لا دواء له، والفارس الذي لا نظير له.

قال: فسكت القوم مليا كأن الطير على رؤوسهم.

فقال: أخرس أنتم أم ذوو ألسن؟!

فالتفت إليه رجل من الاعراب يقال له الحجاج بن الصخر، فقال له:

إن صرت إليه سرنا معك، فأما لو سار جيشك هذا لينحرنهم عن آخرهم كنحر البدن.

ثم قام آخر فقال: أتعلم إلى من توجهنا؟! إنك توجهنا إلى الجزار

الأعظم الذي يختطف الأرواح بسيفه خطفا، والله إن لقاء ملك الموت أسهل علينا من لقاء علي بن أبي طالب.

فقال ابن أبي قحافة: لا جزيتم من قوم عن إمامكم خيرا، إذا ذكر لكم علي بن أبي طالب دارت أعينكم في وجوهكم، وأخذتكم سكرة الموت، أهكذا يقال لمثلي؟!

قال: فالتفت إليه عمر بن الخطاب فقال: ليس له إلا خالد بن الوليد.

فالتفت إليه أبو بكر فقال: يا أبا سليمان، أنت اليوم سيف من سيوف الله، وركن من أركانه، وحتف الله على أعدائه، وقد شق علي بن أبي طالب عصا هذه الأمة، وخرج في نفر من أصحابه إلى ضياع الحجاز، وقد قتل من شيعتنا ليثا صؤولا وكهفا منيعا، قصر إليه في كثيف من قومك وسله أن يخدل الحضرة، فقد عفونا عنه، فان نابذك الحرب فجئنا به أسيرا.

فخرج خالد بن الوليد في خمسمائة فارس من أبطال قومه، قد أشخنوا

سلاحا، حتى قوموا على أمير المؤمنين عليه السلام.

قال: فنظر الفضل بن العباس إلى غبرة الخيل، فقال: يا أمير المؤمنين! قد وجه إليك ابن أبي قحافة بقسطل يدقون الأرض بحوافر الخيل دقا.

فقال: يا ابن العباس! هون عليك، فلو كان صناديد قريش وقبائل حنين وفرسان هوازن لما استوحشت إلا من ضلالتهم.

ثم قام أمير المؤمنين عليه السلام فشد محزم الدابة، ثم استلقى على قفاه نائما تهاونا بخالد، حتى وافاه، فانتبه لصهيل الخيل.

فقال: يا أبا سليمان! ما الذي عدل بك إلي؟

فقال: عدل بي إليك من أنت أعلم به مني.

فقال: فأسمعنا الآن.

فقال: يا أبا الحسن! أنت فهم غير مفهم، وعالم غير معلم، فما هذه اللوثة التي بدرت منك، والنبوة التي قد ظهرت فيك، إن كنت كرهت

هذا الرجل فليس يكرهك، ولا تكون ولايته ثقلا على كاهلك، ولا شجا في حلقك، فليس بعد الهجرة بينك وبينه خلاف، ودع الناس وما تولوه، ضل من ضل، وهدى من هدى، ولا تفرق بين كلمة مجتمعة، ولا تضرم النار بعد خمودها، فإنك إن فعلت ذلك وجدت غبة غير محمود.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أتهددني يا خالد بنفسك وبابن أبي قحافة؟! فما بمثلك ومثله تهديد، فدع عنك ترهاتك التي أعرفها منك واقصد نحو ما وجهت له.

قال: فإنه قد تقدم إلي إن رجعت عن سننك كنت مخصوصا بالكرامة والحبو، وإن أقمت على ما أنت عليه من خلاف الحق حملتك إليه أسيرا.

فقال له عليه السلام: يا بن اللخناء، وأنت تعرف الحق من الباطل، ومثلك يحمل مثلي أسيرا، يا بن الرادة عن الاسلام، أتحسبني ويلك مالك بن نويرة حيث قتلته ونكحت امرأته، يا خالد جئتني برقة عقلك واكفهرار وجهك وتشمخ أنفك، والله لئن تمطيت بسيفي هذا عليك وعلى أوغارك لأشبعن من لحومكم جوع الضباع وطلس الذئاب، ولست ويلك ممن يقتلني أنت ولا صاحبك، واني لأعرف

قاتلي، واطلب منيتي صباحا ومساء، وما مثلك يحمل مثلي أسيرا، ولو أردت ذلك لقتلتك في فناء هذا المسجد.

فغضب خالد وقال: توعد وعيد الأسد وتروغ روغان الثعالب، ما أعداك في المقال، وما مثلك إلا من اتبع قوله بفعله.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا كان هذا قولك فشأنك، وسل أمير المؤمنين عليه السلام على خالد ذا الفقار، وخفق عليه.

فلما نظر خالد إلى بريق عيني الامام، وبريق ذي الفقار في يده، وتصممه عليه، نظر إلى الموت عيانا، وقال: يا أبا الحسن ! لم نرد هذا.

فضربه أمير المؤمنين عليه السلام بقفار رأس ذي الفقار على ظهره، فنكسه عن دابته، ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام ليرد يده إذا رفعها، لئلا ينسب إلى الجبن.

فلحق أصحاب خالد من فعل أمير المؤمنين عليه السلام هول عجيب وخوف عنيف.

ثم قال عليه السلام: ما لكم لا تكافحون عن سيدكم؟ والله لو كان أمركم إلي لتركت رؤوسكم، وهو أخف على يدي من جنى الهبيد على أيدي العبيد، وعلى هذا السبيل تقضمون مال الفئ؟! أف لكم.

فقام إليه رجل من القوم يقال له المثنى بن الصياح - وكان عاقلا - فقال: والله ما جئناك لعداوة بيننا وبينك، أو عن غير معرفة بك، وإنا لنعرفك كبيرا وصغيرا، وأنت أسد الله في أرضه، وسيف نقمته على أعدائه، وما مثلنا من جهل مثلك، ونحن أتباع مأمورون، وجند موازرون، وأطواع غير مخالفين، فتبا لمن وجه بنا إليك! أما كان له معرفة بيوم بدر وأحد وحنين؟

فاستحى أمير المؤمنين عليه السلام من قول الرجل، وترك الجميع، وجعل أمير المؤمنين عليه السلام يمازح خالدا لما به من ألم الضربة، وهو ساكت.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ويلك يا خالد! ما أطوعك

للخائنين الناكثين! أما كان لك بيوم الغدير مقنع إذ بدر إليك صاحبك في المسجد حتى كان منك ما كان، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو كان مما رمته أنت وصاحباك - ابن أبي قحافة وابن صهاك - شئ لكانا هما أول مقتولين بسيفي هذا، وأنت معهما، ويفعل الله ما يشاء.

ولا يزال يحملك على إفساد حالتك عندي، فقد تركت الحق على معرفة وجئتني تجوب مفاوز البسابس، لتحملني إلى ابن أبي قحافة أسيرا، بعد معرفتك أني قاتل عمرو بن عبد ود ومرحب، وقالع باب خيبر، وأني لمستحيي منكم ومن قلة عقولكم.

أو تزعم أنه قد خفي علي ما تقدم به إليك صاحبك حين أخرجك إلي، وأنت تذكر ما كان مني إلى عمرو بن معدي كرب وإلى اصيد بن سلمة المخزومي، فقال لك ابن أبي قحافة: لا تزال تذكر له ذلك، إنما كان ذلك من دعاء النبي صلى الله عليه وآله، وقد ذهب ذلك كله، وهو الآن أقل من ذلك، أليس كذلك يا خالد؟! فلولا ما تقدم به إلي رسول الله صلى الله عليه وآله كان مني إليهما ما هما أعلم به منك.

يا خالد! أين كان ابن أبي قحافة وأنت تخوض معي المنايا في لجج الموت

خوضا، وقومك بأدون في الانصراف كالنعجة القوداء والديك النافش، فاتق الله يا خالد، ولا تكن للخائنين خصميا، ولا للظالمين ظهيرا.

فقال خالد: يا أبا الحسن! إني أعرف ما تقول، وما عدلت العرب والجماهير عنك إلا طلب ذحول آبائهم قديما، وتنكل رؤوسهم قريبا، فراغت عنك كروغان الثعلب فيما بين الفجاج والدكادك، وصعوبة إخراج ملك من يدك، وهربا من سيفك، وما دعاهم إلى بيعة أبي بكر إلا استلانة جانبه، ولين عريكته، وأمن جانبه، وأخذهم الأموال فوق استحقاقهم، ولقل اليوم من يميل إلى الحق، وأنت قد بعت الدنيا بالآخرة، ولو اجتمعت أخلافهم إلى أخلاقك لما خالفك خالد.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما أتى خالد إلا من

جهة هذا الخؤون الظلوم المفتن ابن صهاك، فإنه لا يزال يؤلب على القبائل ويفزعهم مني ويؤيسهم من عطاياهم، ويذكرهم ما أنساهم الدهر، وسيعلم غب أمره إذا فاضت نفسه.

فقال خالد: يا أبا الحسن! بحق أخيك لما قطعت هذا من نفسك، وصرت إلى منزلك مكرما، إذا كان القوم رضوا بالكفاف منك.

فقال له أمير المؤمنين: لا جزاهم الله عن أنفسهم ولا عن المسلمين خيرا.

قال: ثم دعا عليه السلام بدابته فاتبعه أصحابه، وخالد يحدثه ويضاحكه، حتى دخل المدينة، فبادر خالد إلى أبي بكر فحدثه بما كان منه.

فصار أمير المؤمنين عليه السلام إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله، ثم صار إلى الروضة فصلى أربع ركعات ودعا، وقام يريد الانصراف إلى منزله، وكان أبو بكر جالسا في المسجد والعباس جالس إلى جنبه.

فأقبل أبو بكر على العباس فقال: يا أبا الفضل! ادع لي ابن أخيك عليا لأعاتبه على ما كان منه إلى الأشجع.

فقال له العباس: أو ليس قد تقدم إليك صاحبك بترك معاتبته؟ وإني أخاف عليك منه إذا عاتبته أن لا تنتصر منه.

فقال أبو بكر: إني أراك - يا أبا الفضل - تخوفني منه، دعني وإياه، فأما ما كلمني خالد بترك معاتبته فقد رأيته يكلمني بكلام خلاف الذي خرج به إليه، ولا أشك إلا أنه قد كان منه إليه شئ أفزعه.

فقال له العباس: أنت وذاك يا بن أبي قحافة.

فدعاه العباس، فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فجلس إلى جنب العباس.

فقال له العباس: إن أبا بكر استبطأك، وهو يريد أن يسألك بما جرى.

فقال: يا عم، لو دعاني لما أتيته.

فقال له أبو بكر: يا أبا الحسن! ما أرضى لمثلك هذا الفعال.

قال: وأي فعل؟

قال: قتلك مسلما بغير حق، فما تمل من القتل قد جعلته شعارك ودثارك.

فالتفت إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أما عتابك علي في قتل مسلم فمعاذ الله أن أقتل مسلما بغير حق، لان من وجب عليه القتل رفع عنه اسم الاسلام.

وأما قتلي الأشجع، فإن كان اسلامك كإسلامه فقد فزت فوزا عظيما!!

أقول: وما عذري إلا من الله، وما قتلته إلا عن بينة من ربي، وما أنت أعلم بالحلال والحرام مني، وما كان الرجل إلا زنديقا منافقا، وإن في منزله صنما من رخام يتمسح به ثم يصير إليك، وما كان من عدل الله أن يؤاخذني بقتل عبدة الأوثان والزنادقة.

وافتتح أمير المؤمنين عليه السلام بالكلام، فحجز بينهما المغيرة بن شعبة

وعمار بن ياسر، وأقسموا على علي عليه السلام فسكت، وعلى أبي بكر فأمسك.

ثم أقبل أبو بكر على الفضل بن العباس وقال: لوقدتك بالأشجع لما فعلت مثلها، ثم قال: كيف أقيدك بمثله وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وغاسله؟!

فالتفت إليه العباس فقال: دعونا ونحن حكماء أبلغ من شأنك، إنك تتعرض بولدي وابن أخي، وأنت ابن أبي قحافة بن مرة! ونحن بنو عبد المطلب ابن هاشم أهل بيت النبوة، وأولوا الخلافة، تسميتم بأسمائنا، ووثبتم علينا في سلطاننا، وقطعتم أرحامنا، ومنعتم ميراثنا، ثم أنتم تزعمون أن لا إرث لنا، وأنتم أحق وأولى بهذا الامر منا، فبعدا وسحقا لكم أنى تؤفكون.

ثم انصرف القوم، وأخذ العباس بيد علي عليه السلام، وجعل علي يقول:

أقسمت عليك يا عم لا تتكلم، وإن تكلمت لا تتكلم إلا بما يسر، وليس لهم عندي إلا الصبر، كما أمرني نبي الله صلى الله عليه وآله، دعهم وما كان لهم يا عم بيوم الغدير مقنع، دعهم يستضعفونا جهدهم، فإن الله مولانا وهو خير الحاكمين.

فقال له العباس: يا بن أخي، أليس قد كفيتك، وإن شئت أعود إليه

فأعرفه مكانه، وأنزع عنه سلطانه.

فأقسم عليه علي عليه السلام فأسكته.

بيان: قال الجوهري: الغطريس: الظالم المتكبر، وقد تغطرس فهو متغطرس.

وقال: ترحه تتريحا: أحزنه.

وقال: التمطي: التبختر ومد اليدين في المشي.

وقال: غافصت الرجل: أخذته على غرة.

وقال الميداني: شق فلان عصا المسلمين: إذا فرق جمعهم، قال أبو عبيد: معناه فرق جماعتهم، قال: والأصل في العصا الاجتماع والائتلاف، وذلك أنها لا تدعى عصا حتى تكون جميعا، فإذا انشقت لم تدع عصا، ومن ذلك قولهم للرجل إذا قام بالمكان واطمأن به واجتمع له فيه امره: قد ألقى عصاه، قالوا: وأصل هذا أن الحاديين يكونان في رفقة، فإذا فرقهم الطريق شقت العصا التي معهما، فأخذ هذا نصفها وذا نصفها، فضرب مثلا لكل فرقة.

والقسطل: الغبار، وهو كناية عن الجم الغفير.

واللوثة - بالضم -: الاسترخاء والبطء، ومس الجنون.

ويقال: نبا الشئ عني ينبو أي: تجافى وتباعد، وأنبيته أنا أي: دفعته عن نفسي، والنبوة: الرفعة.

قوله: عرج الضبع، قال الفيروزآبادي: عرج وعراج معرفتين ممنوعتين:

الضباع يجعلونها بمنزلة القبيلة، والعرجاء: الضبع.

وفي بعض النسخ: جوع: جمع جائع كركع.

والذباب في بعض النسخ بالهمزة، وفي بعضها بالباء الموحدة.

وفي القاموس: الطلس: العدد الكثير، أو هو خلق كثير النسل كالذباب والنمل والهوام، أو كثرة كل شئ.

وقال: خفق فلانا بالسيف: ضربه ضربة خفيفة، وأخفق الرجل بثوبه:

لمع به.

والهبيد: الحنظل أو حبه.

والبسبس: القفر الخالي.

وبدا القوم: خرجوا إلى البادية.

والقوداء: الطويل الظهر، وفي بعض النسخ بالعين المهملة أي:

المسنة.

وقد مر تفسير النافش.

والتأليب: التحريض.

ولم نبالغ في تفسير هذا الحديث وشرحه، لعدم اعتمادنا عليه لما فيه مما يخالف السير وسائر الأخبار.

20 - الاختصاص: محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحكم بن مسكين، عن أبي سعيد المكاري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام لقي أبا بكر فقال له: أما أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله أن تطيع لي (8)؟

قال: لا، ولو أمرني لفعلت.

فقال: سبحان الله! أما أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان تطيع لي؟

فقال: لا، ولو أمرني لفعلت.

قال: فامض بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فانطلق به إلى مسجد قبا، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي، فلما انصرف قال له علي عليه السلام: يا رسول الله! إني قلت لأبي بكر: أما أمرك رسول الله صلى الله عليه وآله أن تطيعني، فقال: لا.

فقال رسول الله: قد أمرتك فأطعه.

قال: فخرج ولقي عمر، وهو ذعر، فقام عمر وقال له: ما لك (5)؟

فقال له: قال رسول الله كذا.. وكذا.

فقال عمر: تبا لامة ولوك أمرهم أما تعرف سحر بني هاشم.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.