پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع

باب 1 احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في القرآن

ج ۹، ص ۱۵۷–۱۸۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۷ از ۱۰

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۹

إني خشيت عذاب الله، فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله ففعل، فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له، فنزلت: " أفرأيت الذي تولى " عن الايمان " وأعطى " صاحبه الضامن " قليلا وأكدى " أي بخل بالباقي، عن مجاهد وابن زيد.

وقيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي وذلك أنه ربما كان يوافق رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الأمور، عن السدي، وقيل: نزلت في رجل قال لأهله: جهزوني حتى أنطلق إلى هذا الرجل - يريد النبي صلى الله عليه وآله - فتجهز وخرج فلقيه رجل من الكفار فقال له: أين تريد؟ فقال محمدا صلى الله عليه وآله لعلي أصيب من خيره، قال له الرجل: أعطني جهازك وأحمل عنك إثمك، عن عطاء بن يسار، وقيل: نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد صلى الله عليه وآله إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله: " وأعطى قليلا وأكدى " أي لم يؤمن به، عن محمد بن كعب. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " ويقولوا سحر مستمر ": أي مطرد، وهو يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة حتى قالوا ذلك، أو محكم من المرة،

أو مستبشع من استمر: إذا اشتدت مرارته، أو مار ذاهب لا يبقى " وكل أمر مستقر " منته إلى غاية من خذلان أو نصرة في الدنيا، وشقاوة أو سعادة في الآخرة. " أم يفولون نحن جميع " جماعة أمرنا مجتمع " منتصر " ممتنع لانرام، أو منتصر من الأعداء لا نغلب، أو متناصر ينصر بعضنا بعضا " سيهزم الجمع ويولون الدبر " أي الادبار، وإفراده لإرادة الجنس، أو لان كل واحد يولي دبره وقد وقع ذلك يوم بدر " ولقد أهلكنا أشياعكم " أي أشباهكم في الكفر ممن قبلكم. وفي قوله تعالى: " أفرأيتم ما تمنون ": أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف " أفرأيتم ما تحرثون " تبذرون حبه " أأنتم تزرعونه " تنبتونه " لجعلناه حطاما " هشيما " فظلتم تفكهون " تعجبون، أو تندمون على اجتهادكم فيه، أو على ما أصبتم لأجله من المعاصي فتتحد ثون فيه. والتفكه: التنقل بصنوف الفاكهة، وقد استعير للتنقل بالحديث " إنا لمغرمون " لملزمون غرامة ما أنفقنا، أو مهلكون لهلاك رزقنا، من الغرام " بل نحن محرومون " حرمنا رزقنا " أأنتم أنزلتموه من المزن " من السحاب، واحدته مزنة، وقيل: المزن: السحاب الأبيض، وماؤه أعذب " لو نشاء جعلناه أجاجا " ملحا، أو من الأجيج فإنه يحرق الفم " فلولا تشكرون " أمثال هذه النعم الضرورية " أفرأيتم النار التي تورون " تقدحون " أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون " يعني الشجرة التي منه الزناد " نحن جعلناها " جعلنا نار الزناد " تذكرة " تبصرة في أمر البعث، أو في الظلام، أو تذكيرا، أو أنموذجا لنار جهنم " ومتاعا " ومنفعة " للمقوين " للذين ينزلون القواء وهي القفر، أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام، من أقوت الدار: إذا خلت من ساكنيها " فسبح باسم ربك العظيم " فأحدث التسبيح بذكر اسمه أو بذكره " فلا اقسم " إذا الامر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، أو فاقسم ولا مزيدة للتأكيد، أو فلانا اقسم فحذف المبتدأ واشبع فتحة لام الابتداء، ويدل عليه أنه قرئ (فلا قسم) أو فلا رد لكلام

يخالف المقسم عليه " بمواقع النجوم " بمساقطها، أو بمنازلها ومجاريها، وقيل: النجوم:

نجوم القرآن، ومواقعها: أوقات نزولها " وإنه لقسم لو تعلمون عظيم " لما في القسم به من الدلالة على عظيم القدرة وكمال الحكمة وفرط الرحمة " إنه لقرآن كريم " كثير النفع " في كتاب مكنون " مصون وهو اللوح " لا يمسه إلا المطهرون " لا يطلع على اللوح إلا المطهرون من الكدورات الجسمانية وهم الملائكة، أو لا يمس القرآن إلا المطهرون من الاحداث، فيكون نفيا بمعنى نهي، أولا يطلبه إلا المطهرون من الكفر " أفبهذا الحديث أنتم مدهنون " متهاونون به كمن يدهن في الامر، أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به " وتجعلون رزقكم " أي شكر رزقكم " أنكم تكذبون " أي بمانحه حيث تنسبونه إلى الأنواء. " ألم يأن للذين آمنوا " ألم يأت وقته؟ يقال: أنى الامر يأني أنيا وأنا وإنا: إذا جاء إناه " وما نزل من الحق " أي القرآن، وهو عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الاخر، ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله " فطال عليهم الأمد " أي فطال عليهم الزمان بطول أعمارهم، أو آمالهم، أو ما بينهم وبين أنبيائهم. وقال الطبرسي رحمه الله: قيل: إن قوله تعالى: " ألم يأن للذين آمنوا " الآية

نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة، وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا:

حدثنا عما في التوراة فإن فيها عجائب، فنزلت: " الر تلك آيات الكتاب المبين " إلى قوله تعالى: " لمن الغافلين " فخبرهم أن هذا القرآن أحسن القصص وأنفع لهم من غيره، فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله، ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزلت:

" الله نزل أحسن الحديث كتابا " الآية فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله، ثم عادوا فسألوا سلمان فنزلت هذه الآية، عن الكلبي ومقاتل، وقيل: نزلت في المؤمنين، و قال ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضا، وقيل: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن بهذه الآية، عن ابن عباس، وقيل: كانت الصحابة بمكة مجدبين، فلما هاجروا أصابوا الريف والنعمة، فتغيروا عما كانوا عليه فقست قلوبهم، والواجب أن يزدادوا الايمان واليقين والاخلاص في طول صحبة الكتاب، عن محمد بن كعب. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا " أي بالرسل المتقدمة " اتقوا الله " فيما نهاكم منه " وآمنوا برسوله " محمد صلى الله عليه وآله " يؤتكم كفلين " نصيبين " من رحمته " لايمانكم بمحمد صلى الله عليه وآله، وإيمانكم بمن قبله، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق وإن كان منسوخا ببركة الاسلام، وقيل: الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره " ويجعل لكم نورا تمشون به " يريد المذكور في قوله: " يسعى نورهم " أو الهدى الذي يسلك به إلى جناب القدس " لئلا يعلم " أي ليعلموا، ولا مزيدة، ويؤيده أنه قرئ:

ليعلم، ولكي يعلم ولان يعلم بإدغام النون في الياء " أهل الكتاب أن لا يقدرون على شئ من فضل الله " أن هي المخففة، والمعنى أنهم لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله، لأنهم لم يؤمنوا برسوله وهو مشروط بالايمان به " أولا يقدرون على شئ من فضله " فضلا أن يتصرفوا في أعظمه وهو النبوة فيخصونها بمن أرادوا، وقيل: لا غير مزيدة

والمعنى: لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي والمؤمنون به على شئ من فضل الله ولا ينالونه، فيكون " وإن الفضل " عطفا على " أن لا يعلم ". وفي قوله تعالى: " إن الذين يحادون الله ورسوله ": يعادونهما، فإن كلا من المتعاديين في حد غير حد الآخر، أو يضعون ويختارون حدودا غير حدودهما " كبتوا " أخزوا أو أهلكوا، وأصل الكبت: الكب. " ألم تر إلى الذين تولوا " أي والوا قوما غضب الله عليهم، يعني اليهود " ما هم منكم ولا منهم " لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك " ويحلفون على الكذب " وهو ادعاء الاسلام " وهم يعلمون " أن المحلوف عليه كذب، وروي أنه صلى الله عليه وآله كان في حجرة من حجراته فقال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل عبد الله بن نتيل المنافق وكان أزرق، فقال عليه وآله السلام: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل، ثم جاء بأصحابه فحلفوا فنزلت.

" اتخذوا أيمانهم " أي التي حلفوا بها " جنة " وقاية دون دمائهم وأموالهم " فصدوا عن سبيل الله " فصدوا الناس في خلال أمنهم عن دين الله بالتحريش والتثبيط " استحوذ عليهم الشيطان " أي استولى عليهم. وفي قوله: " لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ": يعني عامة الكفار، أو اليهود إذ روي أنها نزلت في بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم " قد يئسوا من الآخرة " لكفرهم بها، أو لعلمهم بأنه لاحظ لهم فيها، لعنادهم الرسول المنعوت في التوراة المؤيد بالآيات " كما يئس الكفار من أصحاب القبور " أن يبعثوا أو يثابوا، أو ينالهم خير منهم. وقال الطبرسي رحمه الله: " هو الذي بعث في الأميين " يعني العرب، وكانت أمة أمية لا تكتب ولا تقرء، ولم يبعث إليهم نبي، وقيل: يعني أهل مكة لان مكة تسمى

أم القرى " ويعلمهم الكتاب والحكمة " الكتاب: القرآن، والحكمة: الشرائع، وقيل: إن الحكمة تعم الكتاب والسنة وكل ما أراده الله تعالى " قل يا أيها الذين هادوا " أي سموا يهودا " إن زعمتم أنكم أولياء لله " أي إن كنتم تظنون على زعمكم أنكم أنصار الله وأن الله ينصركم " من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " أنكم أبناء الله وأحباؤه، فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه، وروي أنه صلى الله عليه وآله قال: لو تمنوا لماتوا عن آخرهم. وقال البيضاوي في قوله: " قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا ": يعني بالذكر جبرئيل عليه السلام لكثرة ذكره، أو لنزوله بالذكر وهو القرآن، أو لأنه مذكور في السماوات، أو ذا ذكر أي شرف، أو محمد صلى الله عليه وآله لمواظبته على تلاوة القرآن أو تبليغه، وعبر عن إرساله بالانزال ترشيحا، أو لأنه مسبب عن إنزال الوحي إليه، وأبدل عنه رسولا للبيان، أو أراد به القرآن، ورسولا منصوب بمقدر مثل أرسل أو ذكر، أو الرسول مفعوله أو بدله على أنه بمعنى الرسالة. وفي قوله: " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا " لينة ليسهل لكم السلوك فيها " فامشوا في مناكبها " أي في جوانبها، أو جبالها " فإذا هي تمور " تضطرب " كيف نذير " أي كيف إنذاري " فكيف كان نكير " أي إنكاري عليهم بإنزال العذاب " صافات " باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها، فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها " ويقبضن " ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت للاستظهار به على التحرك " ما يمسكهن في الجو على خلاف الطبع " إلا الرحمن " الشامل رحمته كل شئ بأن خلقهن على أشكال وخصائص هيأتهن للجري في الهواء " أم من هذا الذي هو جند لكم " أي الآلهة " إن أمس رزقه " بإمساك المطر وسائر الأسباب المحصلة والموصلة له إليكم " أفمن يمشي مكبا على وجهه " يقال: كببته فأكب، ومعنى مكبا أنه يعثر كل ساعة ويخر لوجهه لوعورة طريقه ولذلك قابله بقوله: " أم من يمشي سويا " سالما من العثار

" على صراط مستقيم " مستوى الاجزاء أو الجهة، والمراد تمثيل المشرك والموحد بالسالكين، والدينين بالمسلكين، وقيل: المراد بالمكب الأعمى فإنه يعتسف فينكب وبالسوي البصير، وقيل: من يمشي مكبا هو الذي يحشر على وجهه إلى النار، ومن يمشي سويا الذي يحشر على قدميه إلى الجنة " إن أصبح ماؤكم غورا " أي غائرا في الأرض بحيث لا تناله الدلاء، مصدر وصف به " فمن يأتيكم بماء معين " جار، أو ظاهر سهل المأخذ. " ن " من أسماء الحروف، وقيل: اسم الحوت، والمراد به الجنس، أو اليهموت وهو الذي عليه الأرض، أو الدواة فإن بعض الحيتان يستخرج منه شئ أسود يكتب به " والقلم " هو الذي خط اللوح، أو الذي يخط به، أقسم به لكثرة فوائده " وما يسطرون " وما يكتبون " ما أنت بنعمة ربك بمجنون " جواب القسم، والمعنى: ما أنت بمجنون منعما عليك بالنبوة وحصافة الرأي " وإن لك لأجرا " على الاحتمال أو الابلاغ " غير ممنون " مقطوع، أو ممنون به عليك من الناس " بأيكم المفتون " أيكم الذي فتن بالجنون، والباء مزيدة، أو بأيكم الجنون، على أن المفتون مصدر كالمعقول والمجلود أو بأي الفريقين منكم المجنون، أبفريق المؤمنين أو بفريق الكافرين؟ أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم " ودوا لو تدهن " بأن تلاينهم بأن تدع نهيهم عن الشرك أو توافقهم فيه أحيانا " فيدهنون " فيلاينونك بترك الطعن والموافقة " ولا تطع كل حلاف "

كثير الحلف في الحق والباطل " مهين " حقير الرأي " هماز " عياب " مشاء بنميم " نقال للحديث على وجه السعاية " مناع للخير " يمنع الناس عن الخير من الايمان والانفاق والعمل الصالح " معتد " متجاوز في الظلم " أثيم " كثير الآثام " عتل " جاف غليظ " بعد ذلك " بعد ما عد من مثالبه " زنيم " دعي، قيل: هو الوليد بن المغيرة، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده، وقيل: الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في زهرة " أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين " أي قال ذلك حينئذ لان كان متمولا مستظهرا بالبنين من فرط غروره، لكن العامل مدلول قال لا نفسه، لان ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ويجوز أن يكون علة للا تطع، أي لا تطع من هذه مثالبه لان كان ذا مال " سنسمه " بالكي " على الخرطوم " على الانف، وقد أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر فبقي أثره، وقيل: هو عبارة عن أن يذله غاية الاذلال، أو يسود وجهه يوم القيامة. " إن لكم فيه لما تخيرون " أي إن لكم ما تختارونه وتشتهونه، وأصله: أن لكم بالفتح لأنه المدروس. فلما جئت باللام كسرت، وتخير الشئ واختياره: أخذ خيره " أم لكم أيمان علينا " عهود مؤكدة بالايمان " بالغة " متناهية في التوكيد " إلى يوم القيامة " متعلق بالمقدر في لكم، أي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا نخرج عن عهدتها حتى نحكمكم في ذلك اليوم، أو ببالغة، أي أيمان علينا تبلغ ذلك اليوم " إن لكم لما تحكمون " جواب القسم " سلهم أيهم بذلك زعيم " بذلك الحكم قائم يدعيه ويصححه " أم لهم شركاء " في هذا القول " فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين " في دعواهم إذ لا أقل من التقليد " سنستدرجهم " سندنيهم من العذاب درجه درجة بالامهال وإدامة الصحة وازدياد النعمة " وأملي لهم " وأمهلهم " إن كيدي متين " لا يدفع بشئ، وإنما سمى إنعامه استدراجا بالكيد لأنه في صورته " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك

بأبصارهم " إن هي المخففة، واللام دليلها، والمعنى: إنهم لشدة عداوتهم ينظرون إليك شزرا أي غضبا بحيث يكادون يزلون قدمك ويرمونك. وفي قوله: " بما تبصرون وما لا تبصرون ": أي بالمشاهدات والمغيبات، وذلك يتناول الخالق والمخلوقات بأسرها " ولو تقول علينا بعض الأقاويل " سمي الافتراء تقولا لأنه قول متكلف " لاخذنا منه باليمين " بيمينه " ثم لقطعنا منه الوتين " أي نياط قلبه بضرب عنقه، وهو تصوير لاهلاكه بأفظع ما تفعله الملوك بمن يغضبون عليه، وهو أن يأخذ القتال بيمينه ويكفحه بالسيف ويضرب جيده، وقيل: اليمين بمعنى القوة " فما منكم من أحد عنه " عن القتل أو المقتول " حاجزين " دافعين، وصف لاحد فإنه عام والخطاب للناس " وإنه لحسرة على الكافرين " إذا رأوا ثواب المؤمنين به " وإنه لحق اليقين " لليقين الذي لا ريب فيه. وفي قوله: " على أن نبدل خيرا منهم " أي نهلكهم ونأتي بخلق أمثل منهم، أو نعطي محمدا صلى الله عليه وآله بدلكم وهو خير منكم وهم الأنصار " ولن أجد من دونه ملتحدا " منحرفا وملتجئا " إلا بلاغا من الله " استثناء من قوله: " لا أملك " فإن التبليغ إرشاد وإنفاع، أو من " ملتحدا " أو معناه: أن لا أبلغ بلاغا، وما قبله دليل الجواب " ورسالاته " عطف على بلاغا. " وتبتل إليه تبتيلا " أي انقطع إليه بالعبادة، وجرد نفسك عما سواه " واهجرهم هجرا جميلا " بأن تجانبهم وتدانيهم ولا تكافئهم وتكل أمرهم إلى الله " اولي النعمة " أرباب التنعم يريد صناديد قريش. " ذرني ومن خلقت وحيدا " نزل في الوليد بن المغيرة و " وحيدا " حال من الياء، أي ذرني وحدي معه فأنا أكفيكه، أو من التاء، أي ومن خلقته وحدي لم يشركني في

خلقه أحد، أو من العائد المحذوف، أي من خلقته فريدا لا مال له ولا ولد، أو ذم فإنه كان ملقبا به فسماه الله تهكما به، أو أراد أنه وحيد في الشرارة، أو عن أبيه لأنه كان زنيما " وجعلت له مالا ممدودا " مبسوطا كثيرا، أو ممددا بالنماء، وكان له الزرع والضرع والتجارة " وبنين شهودا " حضورا معه بمكة يتمتع بلقائهم لا يحتاجون إلى سفر لطلب المعاش استغناء بنعمته، ولا يحتاج أن يرسلهم في مصالحه لكثرة خدمه، أو في المحافل والأندية لوجاهتهم، قيل: كان له عشرة بنين أو أكثر كلهم رجال، فأسلم منهم ثلاثة: خالد وعمارة وهشام " ومهدت له تمهيدا " وبسطت له الرياسة والجاه العريض حتى لقب ريحانة قريش والوحيد، أي باستحقاق الرياسة والتقدم " ثم يطمع أن أزيد " على ما أوتيه، وهو استبعاد لطمعه، إما لأنه لا مزيد على ما أوتي، أو لأنه لا يناسب ما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم، ولذلك قال: " كلا إنه كان لآياتنا عنيدا " فإنه ردع له عن الطمع وتعليل للردع على سبيل الاستيناف بمعاندة آيات المنعم، قيل: ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان ماله حتى هلك " سأرهقه صعودا " سأغشيه عقبة شاقة المصعد، وهو مثل لما يلقى من الشدائد. وعنه عليه السلام:

الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا، ثم يهوى فيه كذلك أبدا.

" إنه فكر وقدر " تعليل للوعيد، أو بيان للعناد، والمعنى: فكر فيما يخيل طعنا في القرآن، وقدر في نفسه ما يقول فيه " فقتل كيف قدر " تعجيب من تقديره استهزاء به، أو لأنه أصاب أقصى ما يمكن أن يقال عليه، من قولهم: قتله الله ما أشجعه!.

روي أنه مر بالنبي صلى الله عليه وآله وهو يقرء حم السجدة، فأتى قومه وقال: قد سمعت من محمد صلى الله عليه وآله آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس والجن، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى، فقال قريش: صبأ الوليد، فقال ابن أخيه أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد إليه حزينا وكلمه بما أحماه فقام فناداهم

فقال: تزعمون أن محمدا - صلى الله عليه وآله - مجنون فهل رأيتموه يخنق؟ وتقولون: إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن؟ وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا؟ فقالوا: لا، فقال:

ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين المرء وأهله وولده ومواليه؟ ففرحوا به وتفرقوا مستعجبين منه " ثم قتل كيف قدر " تكرير للمبالغة " ثم نظر " أي في أمر القرآن مرة بعد أخرى " ثم عبس " قطب وجهه لما لم يجد فيه طعنا ولم يدر ما يقول، أو نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقطب وجهه " وبسر " اتباع لعبس " ثم أدبر " عن الحق أو الرسول " واستكبر " عن اتباعه فقال: " إن هذا إلا سحر يؤثر " يروي ويتعلم " وما هي " أي سقر أو عدة الخزنة، أو السورة " إلا ذكرى للبشر " إلا تذكرة لهم " كلا " ردع لمن أنكرها، أو إنكار لان يتذكروا بها " إنها لإحدى الكبر " لإحدى البلايا الكبر " لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر " بدل من " للبشر " أي نذيرا للمتمكنين من السبق إلى الخير، أو التخلف عنه، أو لمن شاء خبر لان يتقدم.

" كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة " شبههم في إعراضهم ونفارهم عن استماع الذكر بحمر نافرة فرت من قسورة، أي أسد " بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة " قراطيس تنشر وتقرء، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وآله: لن نتبعك حتى تأتي كلا منا بكتاب من السماء فيها: من الله إلى فلان اتبع محمدا " لا تحرك " يا محمد " به " بالقرآن " لسانك لتعجل به " لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك " إن علينا جمعه " في صدرك " وقرآنه " وإثبات قراءته في لسانك، وهو تعليل للنهي " فإذا قرأناه " بلسان جبرئيل عليه السلام عليك " فاتبع قرآنه " قراءته وتكرر فيه حتى يرسخ في ذهنك " ثم إن علينا بيانه " بيان ما أشكل عليك من معانيه، وقيل: الخطاب مع الانسان المذكور، والمعنى أنه يؤتى كتابه فيتلجلج لسانه من سرعة قراءته خوفا فيقال له: " لا تحرك به لسانك لتعجل به " فإن علينا بمقتضى الوعد جمع ما فيه من أعمالك وقراءته " فإذا قرأناه فاتبع قراءته بالاقرار، أو التأمل فيه، ثم إن علينا بيان أمره بالجزاء عليه. " وشددنا أسرهم " أي وأحكمنا ربط مفاصلهم بأعصاب " وإذا شئنا بدلنا

أمثالهم تبديلا "، وإذا شئنا أهلكناهم وبدلنا أمثالهم في الخلقة وشدة الأسر، يعني النشأة الثانية، ولذلك جئ بإذا، أو بدلناهم غيرهم ممن يطيع، وإذا لتحقق القدرة وقوة الداعية " ألم نخلقكم من ماء مهين " نطفة قذرة ذليلة " فجعلناه في قرار مكين " هو الرحم " إلى قدر معلوم " إلى مقدار معلوم من الوقت قدره الله تعالى للولادة " فقدرنا " أي فقدرنا على رد ذلك، أو فقدرناه " فنعم القادرون " نحن " ويل يومئذ للمكذبين " بقدرتنا على ذلك، أو على الإعادة " ألم نجعل الأرض كفاتا " كافتة اسم لما يكفت، أي يضم ويجمع " أحياء وأمواتا " منتصبان على المفعولية " وجعلنا فيها رواسي شامخات " جبالا ثوابت طوالا " وأسقيناكم ماء فراتا " بخلق الأنهار والمنابع فيها. " فلا اقسم بالخنس " بالكواكب الرواجع، من خنس: إذا تأخر، وهي ما سوى النيرين من السيارات ولذلك وصفها بقوله: " الجوار الكنس " أي السيارات التي تختفي تحت ضوء الشمس " والليل إذا عسعس " إذا أقبل بظلامه أو أدبر " والصبح إذا تنفس " أي إذا أضاء " إنه " أي القرآن " لقول رسول كريم " يعني جبرئيل عليه السلام " مكين " ذي مكانة " مطاع " في ملائكته " ثم أمين " على الوحي، وثم يحتمل اتصاله بما قبله وما بعده " ولقد رآه " رأى رسول الله جبرئيل " بالأفق المبين " بمطلع الشمس الاعلى " وما هو " وما محمد صلى الله عليه وآله " على الغيب " على ما يخبره من الوحي إليه وغيره من الغيوب " بظنين " بمتهم، وقرأ نافع وعاصم وحمزة وابن عامر " بضنين " من الضن وهو البخل، أي لا يبخل بالتبليغ والتعليم " وما هو بقول شيطان رجيم " بقول بعض المسترقة للسمع وهي نفي لقولهم: إنه لكهانة وسحر " فأين تذهبون " استضلال لهم فيما يسلكونه في أمر الرسول والقرآن، كقولك لتارك الجادة: أين تذهب؟ " ما غرك بربك الكريم " أي شئ خدعك وجرأك على عصيانه؟ " الذي خلقك فسواك فعدك " التسوية: جعل الأعضاء سليمة مسواة معدة لمنافعها، والتعديل:

جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء، أو معدلة بما يستعدها من القوى " في أي صورة ما شاء ركبك " أي ركبك في أي صورة شاءها، وما مزيدة.

" فلا اقسم بالشفق " الحمرة التي ترى في أفق المغرب " والليل وما وسق " وما جمعه وستره من الدواب وغيرها " والقمر إذا اتسق " اجتمع وتم بدرا " لتركبن طبقا عن طبق " حالا بعد حال مطابقة لأختها في الشدة، أو مراتب من الشدة بعد المراتب، وهي الموت وأهوال القيامة، أو هي وما قبلها من الدواهي على أنه جمع طبقة " لا يسجدون " أي لا يخضعون، أو لا يسجدون لقراءة آية السجدة. " بما يوعون أي يضمرون في صدورهم من الكفر والعداوة " غير ممنون " أي مقطوع أو ممنون به عليهم. " والسماء ذات الرجع " ترجع في كل دورة إلى الموضع الذي تحركت عنه، وقيل: الرجع: المطر " والأرض ذات الصدع " ما يتصدع عنه الأرض من النبات، أو الشق بالنبات والعيون " إنه " إن القرآن " لقول فصل " فاصل بين الحق والباطل " أمهلهم رويدا " إمهالا يسيرا. " لست عليهم بمصيطر " بمتسلط. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " أهلكت مالا لبدا ": أي أهلكت مالا كثيرا في عداوة النبي صلى الله عليه وآله يفتخر بذلك، وقيل: هو الحارث بن عامر بن نوفل، وذلك أنه أذنب ذنبا فاستفتى النبي صلى الله عليه وآله فأمره أن يكفر، فقال:

لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد صلى الله عليه وآله " أيحسب أن لم يره أحد " فيطالبه من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وقيل: إنه كان كاذبا لم ينفق ما قاله " إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى " أي لان رأى نفسه مستغنية عن ربه بعشيرته وأمواله وقوته، قيل: إنها نزلت في أبي جهل بن هشام من هنا إلى آخر

السورة " إن إلى ربك الرجعى " أي إلى الله مرجع كل أحد " أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى " روي أن أبا جهل قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال:

فبالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، فقيل له: ها هو ذلك يصلي، فانطلق ليطأ على رقبته فما فاجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقى بيديه، فقالوا:

ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة، وقال نبي الله:

والذي نفسي بيده لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، فأنزل الله سبحانه:

" أرأيت الذي ينهى " إلى آخر السورة " أرأيت إن كان على الهدى " يعني محمدا صلى الله عليه وآله " أو أمر بالتقوى " أي بالاخلاص والتوحيد ومخافة الله تعالى، وههنا حذف تقديره:

كيف يكون حال من ينهاه عن الصلاة " أرأيت إن كذب " أي أبو جهل " وتولى " عن الايمان. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ":

اليهود والنصارى فإنهم كفروا بالالحاد في صفات الله " والمشركين " وعبدة الأصنام " منفكين " عما كانوا عليه من دينهم، أو الوعد باتباع الحق إذا جاءهم الرسول " حتى تأتيهم البينة " الرسول، أو القرآن فإنه مبين للحق " رسول من الله " بدل من " البينة " بنفسه، أو بتقدير مضاف، أو مبتدء " يتلو صحفا مطهرة " صفته أو خبره " فيها كتب قيمة " مكتوبات مستقيمة " وما تفرق الذين أوتوا الكتاب " عما كانوا عليه بأن آمن بعضهم، أو تردد في دينه، أو عن وعدهم بالاصرار على الكفر " إلا من بعد ما جاءتهم البينة وما أمروا " أي في كتبهم بما فيها " إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " لا يشركون " حنفاء " مائلين عن العقائد الزائغة " ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " ولكنهم حرفوه فعصوا " وذلك دين القيمة " أي دين الملة القيمة. أرأيت الذي يكذب بالدين " بالجزاء، أو الاسلام " فذلك الذي يدع اليتيم " يدفعه دفعا عنيفا وهو أبو جهل كان وصيا ليتيم فجاءه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه،

أو أبو سفيان نحر جزورا فسأله يتيم لحما فقرعه بعصاه، أو الوليد بن المغيرة، أو منافق بخيل. وقال الطبرسي رحمه الله: نزلت سورة الجحد في نفر من قريش منهم الحارث بن قيس السهمي والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب بن أسد وأمية بن خلف، قالوا: هلم يا محمد فاتبع ديننا ونتبع دينك، ونشركك في أمرنا كله، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره، قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فقال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي، فنزل: " قل يا أيها الكافرون " السورة، فعدل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المسجد الحرام وفيه الملا من قريش فقام على رؤوسهم ثم قرأ عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا عند ذلك وآذوه وآذوا أصحابه، قال ابن عباس: وفيهم نزل قوله: " أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ".

" قل يا أيها الكافرون " يريد قوما معينين " لا أعبد ما تعبدون " أي لا أعبد آلهتكم التي تعبدونها اليوم وفي هذه الحال " ولا أنتم عابدون ما أعبد " أي إلهي الذي أعبده اليوم وفي هذه الحال " ولا أنا عابد ما عبدتم " فيما بعد اليوم " ولا أنتم عابدون ما أعبد " فيما بعد اليوم من الأوقات المستقبلة، وقيل أيضا في وجه التكرار: إن القرآن نزل بلغة العرب ومن عادتهم تكرير الكلام للتأكيد والافهام، وقيل أيضا في ذلك: إن المعنى: لا أعبد الأصنام التي تعبدونها، ولا أنتم عابدون الله الذي أنا عابده إذا أشركتم به واتخذتم الأصنام وغيرها تعبدونها من دونه وإنما يعبد الله من أخلص العبادة له، " ولا أنا عابد ما عبدتم " أي لا أعبد عبادتكم، فتكون ما مصدرية " ولا أنتم عابدون ما أعبد " أي وما تعبدون عبادتي ، فأراد في الأول المعبود، وفي الثاني العبادة " لكم دينكم ولي دين " أي لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني، فحذف المضاف، أولكم كفر كم بالله

ولي دين التوحيد والاخلاص على الوعيد والتهديد كقوله: " اعملوا ما شئتم " أو المراد بالدين الجزاء. أقول: أكثر آيات القرآن الكريم مسوقة للاحتجاج، وإنما اقتصرنا على ما أوردنا لكونها أظهر فيه، مع أنا قد أوردنا كثيرا منها في كتاب التوحيد وكتاب العدل والمعاد، وسيأتي بعضها مع تفسير كثير مما أوردنا ههنا في كتاب أحوال نبينا صلى الله عليه وآله.

1 - تفسير الإمام العسكري: " ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين " قال الإمام عليه السلام: كذبت قريش واليهود بالقرآن وقالوا: سحر مبين تقوله، فقال عز وجل: " ألم ذلك الكتاب " أي يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلته عليك وهو بالحروف المقطعة التي منها ألف ولام وميم وهو بلغتكم وحروف هجائكم فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، فاستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم، ثم بين أنهم لا يقدرون عليه بقوله: " قل لئن اجتمعت الانس و الجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " قال الله تعالى " ألم " هو القرآن الذي افتتح بألم هو " ذلك الكتاب " الذي أخبر به موسى ومن بعده من الأنبياء، وأخبروا بني إسرائيل أني سأنزله عليك يا محمد كتابا عربيا عزيزا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " لا ريب فيه " لا شك فيه لظهوره عندهم كما أخبرهم أنبياؤهم أن محمدا صلى الله عليه وآله ينزل عليه الكتاب يقرؤه هو وأمته على سائر أحوالهم.

2 - تفسير الإمام العسكري: " إن الذين كفروا سواء عليهم " الآية، قال الإمام عليه السلام: لما ذكر الله هؤلاء المؤمنين ومدحهم ذكر المنافقين (الكافرين خ ل) المخالفين لهم في كفرهم فقال:

" إن الذين كفروا " بالله وبما آمن به هؤلاء المؤمنون من توحيد الله، ونبوة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، وبوصيه علي عليه السلام ولي الله ووصي رسوله وبالأئمة الطيبين الطاهرين خيار عباده الميامين القوامين بمصالح خلق الله " سواء عليهم أأنذرتهم " خوفتهم " أم لم تنذرهم " لم تخوفهم " لا يؤمنون " أخبر عن علمه فيهم، وهم الذين قد علم الله عز وجل أنهم لا يؤمنون.

قال محمد بن علي الباقر عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة وظهرت آثار صدقه وآيات حقيته وبينات نبوته كادت اليهود أشد كيد وقصدوه أقبح قصد، يقصدون أنواره ليطمسوها، وحجته ليبطلوها، فكان ممن قصده للرد عليه وتكذيبه مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وحدي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب، وأبو لبابة بن عبد المنذر، فقال: مالك لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا محمد تزعم أنك رسول الله؟

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كذلك قال الله خالق الخلق أجمعين، قال: يا محمد لن نؤمن لك أنك رسوله حتى يؤمن لك هذا البساط الذي تحتي. إلى آخر ما سيأتي في أبواب معجزاته صلى الله عليه وآله.

" ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " الآية، قال عليه السلام: أي وسمها بسمة يعرفها من يشاء من ملائكته إذا نظر إليها، بأنهم الذين لا يؤمنون " وعلى سمعهم " " وعلى أبصارهم غشاوة " وذلك أنهم لما أعرضوا عن النظر فيما كلفوه وقصروا فيما أريد منهم جهلوا ما لزمهم الايمان به، فصاروا كمن على عينيه غطاء لا يبصر ما أمامه، فإن الله عز وجل يتعالى عن العبث والفساد وعن مطالبة العباد بما قد منعهم بالقهر منه فلا يأمرهم بمغالبته ولا بالمسير إلى ما قد صدهم بالعجز عنه " ولهم عذاب عظيم " يعني في الآخرة العذاب المعد للكافرين، وفي الدنيا أيضا لمن يريد أن يستصلحه بما ينزل به من عذاب الاستصلاح لينبهه لطاعته، أو من عذاب الاصطلام ليصيره إلى عدله و حكمته.

3 - تفسير علي بن إبراهيم: " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين " فإنها نزلت في قوم منافقين أظهروا لرسول الله صلى الله عليه وآله الاسلام، وكانوا إذا رأوا الكفار قالوا: " إنا معكم " وإذا لقوا المؤمنين قالوا: نحن مؤمنون، وكانوا يقولون للكفار " إنا معكم إنما نحن مستهزءون " فرد الله عليهم " الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم

يعمهون " والاستهزاء من الله هو العذاب " ويمدهم في طغيانهم " أي يدعهم " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى " الضلالة ههنا: الحيرة، والهدى: البيان، واختاروا الحيرة والضلالة على البيان " وادعوا شهداءكم " يعني الذين عبدوهم وأطاعوهم من دون الله.

4 - تفسير الإمام العسكري: " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا " الآية، قال العالم عليه السلام فلما ضرب الله الأمثال للكافرين المجاهدين الدافعين لنبوة محمد صلى الله عليه وآله والمناصبين المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وآله الدافعين ما قاله محمد صلى الله عليه وآله في أخيه علي عليه السلام والدافعين أن يكون ما قاله عن الله عز وجل وهي آيات محمد صلى الله عليه وآله ومعجزاته لمحمد صلى الله عليه وآله مضافة إلى آياته التي بينها لعلي عليه السلام بمكة والمدينة ولم يزدادوا إلا عتوا وطغيانا قال الله تعالى لمردة أهل مكة وعتاة أهل مدينة: " إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا " حتى تجحدوا أن يكون محمد رسول الله أن يكون هذا المنزل عليه كلامي مع إظهاري عليه بمكة الباهرات من الآيات كالغمامة التي كان يظله بها في أسفاره، والجمادات التي كانت تسلم عليه من الجبال والصخور والأحجار والأشجار، وكدفاعه قاصديه بالقتل عنه وقتله إياهم، وكالشجرتين المتباعدتين اللتين تلاصقتا فقعد خلفهما لحاجته ثم تراجعتا إلى أمكنتهما كما كانتا، وكدعائه للشجرة فجاءته مجيبة خاضعة ذليلة ثم أمره لها بالرجوع فرجعت سامعة مطيعة قال: يا معاشر قريش واليهود ويا معاشر النواصب المنتحلين للاسلام الذين هم منه برآء، ويا معشر العرب الفصحاء البلغاء ذوي الألسن " فأتوا بسورة من مثله " من مثل محمد صلى الله عليه وآله، من مثل رجل منكم لا يقرء ولا يكتب، ولم يدرس كتابا، ولا اختلف إلى عالم، ولا تعلم من أحد، وأنتم تعرفونه في أسفاره وفي حضره، بقي كذلك أربعين سنة ثم أوتي جوامع العلم حتى علم علم الأولين و الآخرين.

" فإن كنتم في ريب " من هذه الآيات " فأتوا " من مثل هذا الرجل بمثل هذا الكلام ليبين أنه كاذب، لان كل ما كان من عند غير الله فسيوجد له نظير في سائر خلق الله " وإن كنتم " معاشر قراء الكتب من اليهود والنصارى " في شك " مما جاءكم به محمد صلى الله عليه وآله من شرائعه ومن نصبه أخاه سيد الوصيين وصيا بعد أن أظهر لكم معجزاته التي منها أن كلمته ذراع مسمومة، وناطقة ذئب، وحن إليه العود وهو على المنبر، ودفع الله عنه السم الذي دسته اليهود في طعامهم، وقلب عليهم البلاء وأهلكهم به، وكثر القليل من الطعام " فأتوا بسورة من مثله " يعني مثل القرآن من التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم والكتب الأربعة عشر فإنكم لا تجدون في سائر كتب الله سورة كسورة من هذا القرآن، وكيف يكون كلام محمد صلى الله عليه وآله المتقول أفضل من سائر كلام الله وكتبه يا معشر اليهود والنصارى؟ ثم قال لجماعتهم: " وادعوا شهداءكم من دون الله " ادعوا أصنامكم التي تعبدونها أيها المشركون، وادعوا شياطينكم يا أيها النصارى واليهود، وادعوا قرناءكم من الملحدين يا منافقي المسلمين من النصاب لآل محمد الطيبين عليهما السلام وسائر أعوانكم على إراداتكم " إن كنتم صادقين " بأن محمدا تقول هذا القرآن من تلقاء نفسه لم ينزله الله عليه، وأن ما ذكره من فضل علي على جميع أمته وقلده سياستهم ليس بأمر أحكم الحاكمين.

ثم قال عز وجل: " فإن لم تفعلوا " أي لم تأتوا يا أيها المقرعون بحجة رب العالمين " ولن تفعلوا " أي ولا يكون هذا منكم أبدا " فاتقوا النار التي وقودها الناس " أي حطبها " والحجارة " توقد تكون عذابا على أهلها " أعدت للكافرين " المكذبين بكلامه وبنبيه صلى الله عليه وآله الناصبين العداوة لوليه ووصيه، قال: فاعلموا بعجزكم عن ذلك أنه من قبل الله ولو كان من قبل المخلوقين لقدرتم على معارضته، فلما عجزوا بعد التقريع والتحدي قال الله: " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله

ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا "

5 - تفسير الإمام العسكري: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " الآية: قال الباقر عليه السلام: فلما قال الله: " يا أيها الناس ضرب مثل " وذكر الذباب في قوله: " إن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا " الآية، ولما قال: " مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت " الآية، وضرب مثلا في هذه السورة بالذي استوقد نارا وبالصيب من السماء قالت الكفار والنواصب: وما هذا من الأمثال فيضرب؟ يريدون به الطعن على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال الله: يا محمد " إن الله لا يستحيي " لا يترك حياء " أن يضرب مثلا " للحق يوضحه به عند عباده المؤمنين " ما بعوضة " ما هو بعوضة المثل " فما فوقها " فوق البعوضة وهو الذباب، يضرب به المثل إذا علم أن فيه صلاح عباده ونفعهم " فأما الذين آمنوا " بالله وبولاية محمد وعلي وآلهما الطيبين، وسلم لرسول الله صلى الله عليه وآله وللأئمة أحكامهم وأخبارهم وأحوالهم، ولم يقابلهم في أمورهم، ولم يتعاط الدخول في أسرارهم، ولم يفش شيئا مما يقف عليه منها إلا بإذنهم " فيعلمون " يعلم هؤلاء المؤمنون الذين هذه صفتهم " أنه " المثل المضروب " الحق من ربهم " أراد به الحق وإبانته والكشف عنه وإيضاحه " وأما الذين " كفروا بمحمد بمعارضتهم له في علي بلم وكيف وتركهم الانقياد له في سائر ما أمر به " فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " يقول الذين كفروا: إن الله يضل بهذا المثل كثيرا ويهدي به كثيرا، أي فلا معنى للمثل لأنه وإن نفع به من يهديه فهو يضر به من يضله، فرد الله تعالى عليهم قيلهم فقال: " وما يضل به " أي وما يضل الله بالمثل " إلا الفاسقين " الجانين على أنفسهم بترك تأمله وبوضعه على خلاف ما أمر الله بوضعه عليه.

بيان: قوله عليه السلام: ما هو بعوضة ظاهره أنه عليه السلام قرأ بالرفع كما قرئ به في الشواذ، فكلمة " ما " إما موصولة حذف صدر صلتها، أو موصوفة كذلك و محلها النصب بالبدلية، أو استفهامية هي المبتدأ، والأظهر في الخبر الوجهان الأولان.

6 - تفسير الإمام العسكري: " يا بني إسرائيل اذكروا " الآية، قال الإمام عليه السلام: قال الله عز وجل " يا بني إسرائيل " ولد يعقوب إسرائيل " اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم " لما بعثت محمدا، وأقررته بمدينتكم، ولم أجشمكم الحط والترحال إليه، وأوضحت علاماته ودلائل صدقه لئلا يشتبه عليكم حاله " وأوفوا بعهدي " الذي أخذته على أسلافكم أنبياؤكم، وأمروهم أن يؤدوه إلى أخلافهم ليؤمنن بمحمد العربي القرشي الهاشمي المتأتي بالآيات المؤيد بالمعجزات التي منها: أن كلمته ذراع مسمومة، وناطقة ذئب، وحن إليه عود المنبر، وكثر الله له القليل من الطعام، وألان له الصلب من الأحجار وصبت له المياه السيالة، ولم يؤيد نبيا من أنبيائه بدلالة إلا جعل له مثلها أو أفضل منها، والذي جعل من آياته علي بن أبي طالب عليه السلام شقيقه ورفيقه، عقله من عقله، وعلمه من علمه، وحلمه من حلمه، مؤيد دينه بسيفه الباتر بعد أن قطع معاذير المعاندين بدليله القاهر وعلمه الفاضل وفضله الكامل " أوف بعهدكم " الذي أوجبت به لكم نعيم الأبد في دار الكرامة ومستقر الرحمة " وإياي فارهبون " في مخالفة محمد صلى الله عليه وآله فإني القادر على صرف بلاء من يعاديكم على موافقتي، وهم لا يقدرون على صرف انتقامي عنكم إذا آثرتم مخالفتي.

" وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به " الآية، قال الإمام عليه السلام: قال الله عز وجل لليهود: " وآمنوا " أيها اليهود " بما أنزلت " على محمد صلى الله عليه وآله من ذكر نبوته، وإنباء إمامة أخيه علي وعترته الطاهرين " مصدقا لما معكم " فإن مثل هذا في كتابكم أن محمدا النبي سيد الأولين والآخرين المؤيد بسيد الوصيين وخليفة رسول رب العالمين فاروق الأمة، وباب مدينة الحكمة، ووصي رسول الرحمة " ولا تشتروا بآياتي " المنزلة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وإمامة علي عليه السلام والطيبين من عترته " ثمنا قليلا " بأن تجحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وآله وإمامة الإمام عليه السلام تعتاضوا منها عرض الدنيا ، فإن ذلك وإن كثر فإلى نفاد أو خسار وبوار.

وقال عز وجل: " وإياي فاتقون " في كتمان أمر محمد صلى الله عليه وآله وأمر وصيه، فإنكم إن تتقوا لم تقدحوا في نبوة النبي ولا في وصية الوصي، بل حجج الله عليكم قائمة، وبراهينه لذلك واضحة، وقد قطعت معاذيركم، وأبطلت تمويهكم، وهؤلاء يهود المدينة جحدوا نبوة محمد وخانوه وقالوا: نحن نعلم أن محمدا نبي، وأن عليا وصيه، ولكن لست أنت ذاك ولا هذا - يشيرون إلى علي - فأنطق الله ثيابهم التي عليهم، وخفافهم التي في أرجلهم، يقول كل واحد منها للابسه: كذبت يا عدو الله، بل النبي محمد صلى الله عليه وآله هذا، والوصي علي هذا، ولو أذن لنا ضغطناكم وعقرناكم وقتلناكم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يمهلهم لعلمه بأنه سيخرج من أصلابهم ذريات طيبات مؤمنات، لو تزيلوا لعذب هؤلاء عذابا أليما، إنما يعجل من يخاف الفوت.

7 - تفسير علي بن إبراهيم: " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم " الآية، فإنها نزلت في اليهود قد كانوا

أظهروا الاسلام، وكانوا منافقين، وكانوا إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا: إنا معكم، وإذا لقوا اليهود قالوا: نحن معكم، وكانوا يخبرون المسلمين بما في التوراة من صفة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه: فقال لهم كبراؤهم وعلماؤهم: " أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون " فرد الله عليهم فقال: " أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ".

" ومنهم " أي من اليهود " أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون " وكان قوم منهم يحرفون التوراة وأحكامه ثم يدعون أنه من عند الله فأنزل الله تعالى فيهم: " فويل للذين يكتبون الكتاب " الآية.

" وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة " قال بنو إسرائيل لن نعذب إلا الأيام المعدودات التي عبدنا فيها العجل، فرد الله عليهم فقال الله تعالى: " قل " يا محمد " أتخذتم عند الله عهدا " الآية: " وقولوا للناس حسنا " نزلت في اليهود ثم نسخت بقوله: " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ".

8 - تفسير الإمام العسكري: " وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم " الآية: قال الإمام عليه السلام: أي واذكروا يا بني إسرائيل حين أخذ ميثاقكم، أي أخذ الميثاق على أسلافكم وعلى كل من يصل إليه الخبر بذلك من أخلافهم الذين أنتم منهم " لا تسفكون دماءكم " لا يسفك بعضكم دماء بعض " ولا تخرجون أنفسكم من دياركم " أي لا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم " ثم أقررتم " بذلك الميثاق كما أقر به أسلافكم، والتزمتموه كما التزموه " وأنتم تشهدون " بذلك الميثاق على أسلافكم وأنفسكم " ثم أنتم " معاشر اليهود " تقتلون أنفسكم " يقتل بعضكم بعضا " وتخرجون فريقا منكم من ديارهم " غضبا وقهرا " تظاهرون عليهم " يظاهر بعضكم بعضا على إخراج من تخرجونه من ديارهم، وقتل من تقتلونهم بغير حق " بالاثم والعدوان " بالتعدي تتعاونون وتتظاهرون " وإن يأتوكم " يعني

هؤلاء الذين تخرجونهم، أي ترومون إخراجهم وقتلهم ظلما إن يأتوكم " أسارى " قد أسرهم أعداؤكم وأعداؤهم " تفادوهم " من الأعداء بأموالكم " وهو محرم عليكم إخراجهم " أعاد قوله: " إخراجهم " ولم يقتصر على أن يقول: " وهو محرم عليكم " لأنه لو قال ذلك لرئي أن المحرم إنما هو مفاداتهم، ثم قال الله: " أفتؤمنون ببعض الكتاب " وهو الذي أوجب عليهم المفادات " وتكفرون ببعض " وهو الذي حرم قتلهم وإخراجهم، فقال: فإذا كان قد حرم الكتاب قتل النفوس والاخراج من الديار كما فرض فداء الاسراء فما بالكم تطيعون في بعض وتعصون في بعض؟ كأنكم (فإنكم خ ل) ببعض كافرون، وببعض مؤمنون، ثم قال: " فما جزاء من يفعل ذلك منكم " يا معشر اليهود " إلا خزي " ذل في الحياة الدنيا جزية تضرب عليه يذل بها " ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب " إلى جنس أشد العذاب، يتفاوت ذلك على قدر تفاوت معاصيهم " وما الله بغافل عما يعملون " يعمل هؤلاء اليهود ثم وصفهم فقال تعالى: " أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة " رضوا بالدنيا وحطامها بدلا من نعيم الجنان المستحق بطاعات الله " فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون " لا ينصرهم أحد يدفع عنهم العذاب.

9 - تفسير الإمام العسكري: " ولما جاءهم كتاب من عند الله " الآية قال الإمام عليه السلام: ذم الله تعالى اليهود فقال: " ولما جاءهم " يعني هؤلاء اليهود الذين تقدم ذكرهم وإخوانهم من اليهود جاءهم " كتاب من عند الله " القرآن " مصدق " ذلك الكتاب " لما معهم " التوراة التي بين فيها أن محمدا الأمين (الأمي خ ل) من ولد إسماعيل المؤيد بخير خلق الله بعده علي ولي الله " وكانوا " يعني هؤلاء اليهود " من قبل " ظهور محمد صلى الله عليه وآله بالرسالة " يستفتحون " يسألون (الله خ ل) الفتح والظفر " على الذين كفروا " من أعدائهم والمناوين لهم وكان الله يفتح لهم وينصرهم، قال الله تعالى: " فلما جاءهم " أي هؤلاء اليهود " ما

عرفوا " من نعت محمد صلى الله عليه وآله وصفته " كفروا به " جحدوا نبوته حسدا له وبغيا عليه. أقول: سيأتي تمامه في كتاب أحوال النبي صلى الله عليه وآله.

10 - تفسير الإمام العسكري: " بئسما اشتروا به أنفسهم " الآية قال الإمام عليه السلام: ذم الله تعالى اليهود وعاب فعلهم في كفرهم بمحمد صلى الله عليه وآله فقال: " بئسما اشتروا به أنفسهم " أي اشتروها بالهدايا والفضول التي كانت تصل إليهم، وكان الله أمرهم بشرائها من الله بطاعتهم له ليجعل لهم أنفسهم والانتفاع بها دائما في نعيم الآخرة فلم يشتروها، بل اشتروها بما أنفقوه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وآله ليبقى لهم عزهم في الدنيا ورياستهم على الجهال، وينالوا المحرمات وأصابوا الفضولات من السفلة وصرفوهم عن سبيل الرشاد، ووقفوهم على طرق الضلالات، ثم قال عز وجل: " أن يكفروا بما أنزل الله بغيا " أي بما أنزل على موسى من تصديق محمد صلى الله عليه وآله بغيا " أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده " قال: وإنما كان كفرهم لبغيهم وحسدهم له لما أنزل الله من فضله عليه وهو القرآن الذي أبان فيه نبوته وأظهر به آيته ومعجزته، ثم قال: " فباءوا بغضب على غضب " يعني رجعوا وعليهم الغضب من الله على غضب في أثر غضب، والغضب الأول حين كذبوا بعيسى بن مريم، والغضب الثاني حين كذبوا بمحمد صلى الله عليه وآله ، قال: والغضب الأول أن جعلهم قردة خاسئين ولعنهم على لسان عيسى عليه السلام، والغضب الثاني حين سلط عليهم سيوف محمد وآله وأصحابه وأمته حتى ذللهم بها، فإما دخلوا في الاسلام طائعين، وإما أدوا الجزية صاغرين داخرين.

11 - تفسير الإمام العسكري: " وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله " الآية، قال الإمام عليه السلام: " وإذا قيل " لهؤلاء اليهود الذين تقدم ذكرهم " آمنوا بما أنزل الله " على محمد من القرآن المشتمل على الحلال والحرام والفرائض والاحكام " قالوا نؤمن بما انزل " علينا من التوراة ويكفرون بما وراءه " يعني ما سواه لا يؤمنون به " وهو الحق " والذي يقول

هؤلاء اليهود أنه وراءه هو الحق، لأنه هو الناسخ للمنسوخ الذي تقدمه، قال الله تعالى: " قل فلم تقتلون " ولم كان يقتل أسلافكم " أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين " بالتوراة، أي ليس في التوراة الامر بقتل الأنبياء، فإذا كنتم تقتلون الأنبياء فما آمنتم بما انزل عليكم من التوراة لان فيها تحريم قتل الأنبياء، وكذلك إذا لم تؤمنوا بمحمد وبما انزل عليه وهو القرآن وفيه الامر بالايمان به فأنتم ما آمنتم بعد بالتوراة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخبر الله تعالى أن من لا يؤمن بالقرآن فما آمن بالتوراة فإن الله تعالى أخذ عليهم الايمان بهما، لا يقبل الايمان بأحدهما إلا مع الايمان بالآخر.

12 - تفسير الإمام العسكري: " أم تريدون أن تسألوا رسولكم " الآية، قال الإمام عليه السلام: قال علي بن محمد بن علي بن موسى عليهم السلام: " أم تريدون " بل تريدون يا كفار قريش و اليهود " أن تسألوا رسولكم " ما تقترحونه من الآيات التي لا تعلمون هل فيها صلاحكم أو فسادكم " كما سئل موسى من قبل " واقترح عليه لما قيل له: " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة " " ومن يتبدل الكفر بالايمان " بعد جواب الرسول له أن ما سأله لا يصلح اقتراحه على الأنبياء، وبعد ما يظهر الله له ما اقترح إن كان صوابا " ومن يتبدل الكفر بالايمان " بأن لا يؤمن عن مشاهدة ما اقترح من الآيات، أو لا يؤمن إذا عرف أن ليس له أن يقترح وأنه يجب أن يكتفي بما قد أقامه الله من الدلالات وأوضح من البينات فيتبدل الكفر بالايمان بأن يعاند ويلتزم الحجة القائمة عليه " فقد ضل سواء السبيل " أخطأ قصد الطرق المؤدية إلى الجنان، وأخذ في الطرق المؤدية إلى النيران.

13 - تفسير الإمام العسكري: " ود كثير من أهل الكتاب " الآية، قال الإمام عليه السلام: " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا " بما يوردونه عليكم من الشبه " حسدا من عند أنفسكم " لكم بأن أكرمكم بمحمد وعلي وآلهما الطيبين " من بعد ما تبين لهم الحق " المعجزات الدالات على صدق محمد صلى الله عليه وآله وفضل علي وآلهما " فاعفوا واصفحوا " عن جهلهم وقابلوهم بحجج الله وادفعوا بها أباطيلهم " حتى يأتي الله بأمره " فيهم بالقتل يوم مكة، فحينئذ تجلونهم من بلد مكة ومن جزيرة العرب ولا تقرون بها كافرا " إن الله على كل شئ قدير " ولقدرته على الأشياء قدر على ما هو أصلح لكم في تعبده إياكم من مداراتهم ومقابلتهم بالجدال بالتي هي أحسن. أقول: وسيأتي تمامه في أبواب أحوال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.