پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع

باب 1 احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في القرآن

ج ۹، ص ۱۰۵–۱۳۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۵ از ۱۰

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۹

وثالثها: أنهم أهل الكتاب آمنوا بالله واليوم الآخر والتوراة والإنجيل، ثم أشركوا بإنكار القرآن ونبوة نبينا صلى الله عليه وآله، عن الحسن، وهذا القول مع ما تقدمه رواه دارم بن قبيصة، عن علي بن موسى الرضا، عن جده أبي عبد الله عليهم السلام.

ورابعها: أنهم المنافقون يظهرون الايمان ويشركون في السر، عن البلخي.

وخامسها: أنهم: المشبهة آمنوا في الجملة وأشركوا في التفصيل، وروي ذلك عن ابن عباس. وسادسها أن المراد بالاشراك شرك الطاعة لا شرك العبادة، أطاعوا الشيطان في المعاصي التي يرتكبونها مما أوجب الله عليها النار، فأشركوا بالله في طاعته ولم يشركوا بالله في عبادته عن أبي جعفر عليه السلام.

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: قول الرجل: لولا فلان لهلكت ولولا فلان لضاع عيالي جعل لله شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه، فقيل له: لو قال: لولا أن من الله علي بفلان لهلكت، قال: لا بأس بهذا. وفي رواية زرارة ومحمد بن مسلم وحمران عنهما عليهما السلام: إنه شرك النعم. وروى محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: إنه شرك لا يبلغ به الكفر.

" أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله " أي عقوبة تغشاهم وتحيط بهم.

وفي قوله: " يستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة " أي بالعذاب قبل الرحمة، عن ابن عباس وغيره. والمثلات: العقوبات .

" إنما أنت منذر ولكل قوم هاد " فيه أقوال: أحدها: إنما أنت مخوف وهاد لكل قوم، وليس إليك إنزال الآيات، فأنت مبتدأ، ومنذر خبره، وهاد عطف على منذر. والثاني: أن المنذر هو محمد صلى الله عليه وآله، والهادي هو الله. والثالث: أن معناه: ولكل قوم نبي يهديهم وداع يرشدهم. والرابع: أن المراد بالهادي كل داع إلى الحق، وعن ابن عباس قال: لما نزلت الآية قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا المنذر، وعلي الهادي من بعدي، يا علي بك يهتدي المهتدون. وروى مثله أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن أبي بردة الأسلمي. وفي قوله: " إلا كباسط كفيه " هذا مثل ضربه الله لكل من عبد غير الله ودعاه رجاء أن ينفعه، فمثله كمثل رجل بسط كفيه إلى الماء من مكان بعيد ليتناوله ويسكن به غلته وذلك الماء لا يبلغ فاه لبعد المسافة بينهما، فكذلك ما كان يعبده المشركون من الأصنام لا يصل نفعها إليهم فلا يستجاب دعاؤهم، عن ابن عباس، وقيل: كباسط كفيه إلى الماء أي كالذي يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده فلا يأتيه الماء، عن مجاهد، وقيل: كالذي يبسط كفيه إلى الماء فمات قبل أن يبلغ الماء فاه، وقيل: إنه يتمثل العرب لمن يسعى فيما لا يدركه فيقول: هو كالقابض على الماء.

" وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " أي ليس دعاؤهم الأصنام من دون الله إلا في ذهاب عن الحق والصواب، وقيل: في ضلال عن طريق الإجابة والنفع " ولله يسجد

من في السماوات والأرض " يعني الملائكة وسائر المكلفين " طوعا وكرها " أي يجب السجود لله تعالى إلا أن المؤمن يسجد له طوعا، والكافر كرها بالسيف، أو يخضعون له إلا أن الكافر يخضع له كرها لأنه لا يمكنه أن يمتنع عن الخضوع لله تعالى لما يحل به من الآلام والأسقام " وظلالهم " أي ويسجد ظلالهم لله " بالغدو والآصال " أي العشيات قيل: المراد بالظل الشخص، فإن من يسجد يسجد معه ظله، قال الحسن: يسجد ظل الكافر ولا يسجد الكافر، ومعناه عند أهل التحقيق أنه يسجد شخصه دون قلبه، لأنه لا يريد بسجوده عبادة ربه من حيث إنه يسجد للخوف، وقيل: إن الظلال على ظاهرها، والمعنى في سجودها تمايلها من جانب إلى جانب وانقيادها للتسخير بالطول والقصر " قل هل يستوي الأعمى والبصير " أي المؤمن والكافر " أم هل تستوي الظلمات والنور " أي الكفر والايمان، أو الضلالة والهدى، أو الجهل والعلم " أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه " أي هل جعل هؤلاء الكفار شركاء في العبادة خلقوا أفعالا مثل خلق الله تعالى من الأجسام والألوان والطعوم والروائح والقدرة والحياة وغير ذلك " فتشابه الخلق عليهم " أي فاشتبه لذلك عليهم ما الذي خلق الله، وما الذي خلق الأوثان، فظنوا أن الأوثان تستحق العبادة لان أفعالها مثل أفعال الله تعالى، فإذا لم يكن ذلك مشتبها إذ كان ذلك كله لله لم يبق شبهة أنه الاله لا تستحق العبادة سواه. وفي قوله تعالى: " فسالت أودية بقدرها " يعني فاحتمل الأنهار الماء كل نهر بقدره: الصغير على قدر صغره، والكبير على قدر كبره " فاحتمل السيل زبدا رابيا " أي طافيا عاليا فوق الماء، شبه سبحانه الحق والاسلام بالماء الصافي النافع للخلق، والباطل بالزبد الذاهب باطلا، وقيل: إنه مثل للقرآن النازل من السماء، ثم يحتمل القلوب حظها من اليقين والشك على قدرها، فالماء مثل لليقين: والزبد مثل للشك، عن ابن عباس، ثم ذكر المثل الآخر فقال: " ومما توقدون عليه في النار " وهو الذهب

والفضة والرصاص وغيره مما يذاب " ابتغاء حلية " أي طلب زينة يتخذ منه كالذهب و الفضة " أو متاع " معناه: ابتغاء متاع ينتفع به، وهو مثل جواهر الأرض يتخذ منه الأواني وغيرها " زبد مثله " أي مثل زبد الماء، فإن هذه الأشياء التي تستخرج من المعادن توقد عليها النار ليتميز الخالص من الخبيث لها أيضا زبد وهو خبثها " كذلك يضرب الله الحق والباطل " أي مثل الحق والباطل " فأما الزبد فيذهب جفاء " أي باطلا متفرقا بحيث لا ينتفع به " وأما ما ينفع الناس " وهو الماء الصافي والأعيان التي ينتفع بها " فيمكث في الأرض " فينتفع به الناس، فمثل المؤمن واعتقاده كمثل هذا الماء المنتفع به في نبات الأرض وحياة كل شئ به، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الأعيان المنتفع بها، ومثل الكافر وكفره كمثل هذا الزبد الذي يذهب جفاء، وكمثل خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الذهب والفضة التي لا ينتفع به " كذلك يضرب الله الأمثال للناس " في أمر دينهم، قال قتادة: هذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد:

شبه نزول القرآن بالماء الذي ينزل من السماء، وشبه القلوب بالأودية والأنهار فمن استقصى في تدبره وتفكر في معانيه أخذ حظا عظيما منه، كالنهر الكبير الذي يأخذ الماء الكثير، ومن رضي بما أداه إلى التصديق بالحق على الجملة كان أقل حظا منه، كالنهر الصغير فهذا مثل.

ثم شبه الخطرات ووساوس الشيطان بالزبد يعلو على الماء، وذلك من خبث التربة لا من الماء، وكذا الله ما يقع في النفس من الشكوك فمن ذاتها لا من ذات الحق، يقول: فكما يذهب الزبد باطلا ويبقى صفوة الماء كذلك يذهب مخائل الشك باطلا ويبقى الحق فهذا مثل ثان، والمثل الثالث: قوله: " ومما توقدون عليه " فالكفر مثل هذا الخبث الذي لا ينتفع به، والايمان مثل الصافي الذي ينتفع به. وفي قوله: " ولو أن قرآنا " جواب لو محذوف، أي لكان هذا القرآن، وقيل:

أي لما آمنوا " أفلم ييأس الذين آمنوا " أي أفلم يعلموا ويتبينوا، عن ابن عباس وغيره، وقيل: معناه: أولم يعلم الذين آمنوا علما يئسوا معه من أن يكون غير ما علموه؟

وقيل: معناه: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله بأنهم لا يؤمنون؟

" قارعة " أي نازلة وداهية تقرعهم من الحرب والجدب والقتل والأسر " أو تحل قريبا من دارهم " قيل: إن التاء في تحل للتأنيث، أي تحل تلك القارعة قريبا من دارهم فتجاورهم حتى تحصل لهم المخافة منها، وقيل: إن التاء للخطاب، أي تحل أنت يا محمد بنفسك قريبا من دارهم يعني مكة " حتى يأتي وعد الله " بفتح مكة، وقيل: أي بالاذن لك في قتالهم، وقيل: حتى يأتي يوم القيامة.

" فأمليت للذين كفروا " أي فأمهلتهم وأطلت مدتهم ليتوبوا أو ليتم عليهم الحجة " فكيف كان عقاب " تفخيم لذلك العقاب " أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت " أي أفمن هو قائم بالتدبير على كل نفس وحافظ على كل نفس أعمالها حتى يجازيها كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام؟ ويدل على المحذوف قوله تعالى: " وجعلوا لله شركاء قل سموهم " أي بما يستحقون من الصفات، وإضافة الافعال إليهم إن كانوا شركاء لله كما يوصف الله بالخالق والرازق والمحيي والمميت، وقيل: سموهم بالأسماء التي هي صفاتهم ثم انظروا هل تدل صفاتهم على جواز عبادتهم واتخاذهم آلهة؟ وقيل:

معناه إنه ليس لهم اسم له مدخل في استحقاق الإلهية، وذلك استحقار لهم، وقيل:

سموهم ماذا خلقوا؟ أو هل ضروا أو نفعوا؟ " أم تنبؤنه بما لا يعلم في الأرض " أي بل أتخبرون الله بشريك له في الأرض وهو لا يعلمه، على معنى أنه ليس ولو كان لعلم.

" أم بظاهر من القول " أي أم تقولون مجازا من القول وباطلا لا حقيقة له، فالمعنى أنه كلام ظاهر ليس له في الحقيقة باطن ومعنى فهو كلام فقط، وقيل: أم بظاهر كتاب أنزله الله سميتم الأصنام آلهة، فبين أنه ليس ههنا دليل عقلي ولا سمعي يوجب استحقاق الأصنام الإلهية " بل زين للذين كفروا مكرهم " أي دع ذكر ما كنا فيه زين الشيطان لهم الكفر، لان مكرهم بالرسول كفر منهم، وقيل: بل زين لهم الرؤساء والغواة كذبهم وزورهم. وفي قوله: " والذين آتيناهم الكتاب يفرحون " المراد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله

الذين أعطوا القرآن، أو مؤمنو أهل الكتاب. وفي قوله: " وإما نرينك بعض الذي نعدهم " أي من نصر المؤمنين عليهم و تمكينك منهم بالقتل والأسر واغتنام الأموال " أو نتوفينك " أي نقبضك إلينا قبل أن نريك ذلك، وبين بهذا أنه يكون بعض ذلك في حياته وبعضه بعد وفاته، أي فلا تنتظر أن يكون جميع ذلك في أيام حياتك " فإنما عليك " أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم، وعلينا حسابهم ومجازاتهم. وفي قوله : " ومن عنده علم الكتاب " قيل: هو الله تعالى، وقيل: مؤمنو أهل الكتاب، وقيل: إن المراد به علي بن أبي طالب عليه السلام وأئمة الهدى عليهم السلام عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام بأسانيد. وفي قوله: " مثل الذين كفروا بربهم " أي مثل أعمالهم " كرماد اشتدت به الريح " أي ذرته ونسفته " في يوم عاصف " أي شديد الريح، فكما لا يقدر أحد على جمع ذلك الرماد المتفرق والانتفاع به فكذلك هؤلاء الكفار " لا يقدرون مما كسبوا على شئ " أي على الانتفاع بأعمالهم. وفي قوله: " كلمة طيبة " هي كلمة التوحيد، وقيل: كل كلام أمر الله تعالى " كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء " أي شجرة زاكية نامية راسخة أصولها في الأرض، عالية أغصانها وثمارها في السماء، وأراد به المبالغة في الرفعة، و هذه الشجرة قيل: هي النخلة، وقيل: شجرة في الجنة.

وروى ابن عقدة عن أبي جعفر عليه السلام ان الشجرة رسول الله صلى الله عليه وآله، وفرعها علي عليه السلام، وغصن الشجرة فاطمة عليها السلام، وثمارها أولادها، وأوراقها شيعتنا. ثم قال عليه السلام: إن الرجل من شيعتنا ليموت فتسقط من الشجرة ورقة، وإن المولود من شيعتنا ليولد فيورق مكان تلك الورقة ورقة.

" تؤتي اكلها " أي تخرج هذه الشجرة ما يؤكل منها " كل حين " أي في كل ستة أشهر، عن ابن عباس وأبي جعفر عليه السلام، وقيل: أي كل سنة، وقيل: أي كل غداة وعشية، وقيل: في جميع الأوقات، وقيل: إنه سبحانه شبه الايمان بالنخلة لثبات الايمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها، وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وشبه ما يكسبه المؤمنون من بركة الايمان وثوابه كل وقت وحين بما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والتمر، وقيل: إن معنى قوله:

" تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها " ما يفتي به الأئمة من آل محمد شيعتهم في الحلال والحرام " ومثل كلمة خبيثة " هي كلمة الشرك والكفر، وقيل: كل كلام في معصية الله كشجرة خبيثة غير زاكية وهي شجرة الحنظل، وقيل: إنها شجرة هذه صفتها وهو أنه لا قرار لها في الأرض، وقيل: إنها الكشوث. وروى أبو الجارود عن أبي جعفر عليه السلام أن هذا مثل بني أمية " اجتثت من فوق الأرض " أي استوصلت واقتلعت جثته من الأرض " مالها من قرار " ما لتلك الشجرة من ثبات، فإن الريح تنسفها و تذهب بها، فكما أن هذه الشجرة لا ثبات لها ولا بقاء ولا ينتفع بها أحد فكذلك الكلمة الخبيثة لا ينتفع بها صاحبها. وفي قوله: " ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا " أي عرفوا نعمة الله بمحمد أي عرفوا محمدا ثم كفروا به فبدلوا مكان الشكر كفرا. وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: نحن والله نعمة الله التي أنعم بها على عباده وبنا يفوز من فاز.

ويحتمل أن يكون المراد جميع نعم الله بدلوها أقبح التبديل، إذ جعلوا مكان شكرها الكفر بها، واختلف في المعني بالآية فروي عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس وابن جبير وغير هم أنهم كفار قريش كذبوا نبيهم ونصبوا له الحرب والعداوة.

وسأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام عن هذه الآية فقال: هما الأفجران من قريش:

بنو أمية وبنو المغيرة، فأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر. وقيل: إنهم جبلة بن الأيهم ومن تبعه من العرب تنصروا ولحقوا بالروم " و أحلوا قومهم دار البوار " أي دار الهلاك. وفي قوله: " ربما يود الذين كفروا " أي في الآخرة إذا صار المسلمون إلى الجنة والكفار إلى النار " ما ننزل الملائكة إلا بالحق " أي بالموت، أو بعذاب الاستيصال إن لم يؤمنوا، أو إلا بالرسالة " وما كانوا إذا " أي حين تنزل الملائكة " منظرين " أي لا يمهلون ساعة.

" إنا نحن نزلنا الذكر " أي القرآن " وإنا له لحافظون " عن الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف، وقيل: نحفظه من كيد المشركين فلا يمكنهم إبطاله ولا يندرس ولا ينسى، وقيل: المعنى: وإنا لمحمد حافظون.

" ولو فتحنا عليهم " أي على هؤلاء المشركين " بابا من السماء " ينظرون إليه " فظلوا فيه يعرجون " أي فظلت الملائكة تصعد وتنزل في ذلك الباب، وقيل: فظل هؤلاء المشركون يعرجون إلى السماء من ذلك الباب وشاهدوا ملكوت السماوات " لقالوا إنما سكرت أبصارنا " أي سدت وغطيت، وقيل: تحيرت وسكنت عن أن تنظر " بل نحن قوم مسحورون " سحرنا محمد فيخيل الأشياء إلينا على خلاف حقيقتها.

وفي قوله: " لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم " أي لا ترفعن عينيك من هؤلاء الكفار إلى ما متعناهم وأنعمنا عليهم به أمثالا من النعم من الا موال و الأولاد وغير ذلك من زهرات الدنيا، فيكون " أزواجا " منصوبا على الحال، والمراد به الأشياء والأمثال، وقيل: لا تنظرن ولا تعظمن في عينيك ولا تمدهما إلى ما متعنا به أصنافا من المشركين " ولا تحزن عليهم " إن لم يؤمنوا ونزل بهم العذاب " واخفض جناحك للمؤمنين " أي تواضع لهم.

" كما أنزلنا على المقتسمين " أي أنزلنا القرآن عليك كما أنزلنا على المقتسمين وهم اليهود والنصارى " الذين جعلوا القرآن عضين " جمع عضة، وأصله عضوة، والتعضية:

التفريق، أي فرقوا وجعلوه أعضاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، وقيل: سماهم مقتسمين لأنهم اقتسموا كتب الله فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها، وقيل: معناه: إني أنذركم عذابا كما أنزلنا على المقتسمين الذين اقتسموا طريق مكة، يصدون عن رسول الله صلى الله عليه وآله والايمان به، قال مقاتل: كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم يقولون لمن أتى مكة: لا تغتروا بالخارج منا والمدعي النبوة، فأنزل الله بهم عذابا فماتوا شر ميتة، ثم وصفهم فقال: " الذين جعلوا القرآن عضين " أجزاء أجزاء فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: مفترى، عن ابن عباس.

" فاصدع بما تؤمر " أي أظهر وأعلن وصرح بما أمرت به غير خائف " وأعرض عن المشركين " أي لا تخاصمهم إلى أن تؤمر بقتالهم، أو لا تلتفت إليهم ولا تخف منهم " حتى يأتيك اليقين " أي الموت. وفي قوله: " أموات غير أحياء " أي الأصنام أو الكفار " لاجرم " أي حقا وهو بمنزلة اليمين.

وفي قوله: " أو يأخذهم في تقلبهم " أي يأخذهم العذاب في تصرفهم في أسفارهم وتجاراتهم، وقيل: في تقلبهم في كل الأحوال ليلا ونهارا فيدخل فيه تقلبهم على الفراش يمينا وشمالا " فما هم بمعجزين " أي فليسوا بفائتين وما يريده الله بهم من الهلاك لا يمتنع عليه " أو يأخذهم على تخوف " قال الأكثر: أي على تنقص إما بقتل أو بموت، أي ينقص من أطرافهم ونواحيهم يأخذ منهم الأول فالأول حتى يأتي على جميعهم، وقيل: في حال تخوفهم من العذاب " يتفيؤ ظلاله " أي يتميل ظلاله عن جانب اليمين وجانب الشمال، ومعنى سجود الظل دورانه من جانب إلى جانب كما مر، وقيل:

المراد بالظل هو الشخص بعينه، ولهذا الاطلاق شواهد في كلام العرب " وهم داخرون " أي أذلة صاغرون، فنبه تعالى على أن جميع الأشياء تخضع له بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى واضعها ومدبرها، فهي في ذلك كالساجد من العباد " وله الدين واصبا " أي له الطاعة دائمة واجبة على الدوام، من وصب الشئ وصوبا: إذا دام، وقيل: أي خالصا " نصيبا مما رزقناهم " أي ما مر ذكره في سورة الأنعام من الحرث والانعام وغيرها " ولهم ما يشتهون " أي ويجعلون لأنفسهم ما يشتهونه ويحبونه من البنين " وهو كظيم " أي ممتلئ غيظا وحزنا " أيمسكه على هون أم يدسه في التراب " أي يدبر في أمر البنت المولود له: أيمسكه على ذل وهوان أم يخفيه في التراب ويدفنه حيا؟ وهو الوأد الذي كان من عادة العرب، وهو أن أحدهم كان يحفر حفيرة صغيرة فإذا ولد له أنثى جعلها فيها وحثا عليها التراب حتى تموت تحته، وكانوا يفعلون ذلك مخافة الفقر " ويجعلون لله ما يكرهون " أي البنات " أن لهم الحسنى " أي البنون أو المثوبة الحسنى في الآخرة " وأنهم مفرطون " أي مقدمون معجلون إلى النار. وفي قوله: " فما الذين فضلوا " فيه قولان: أحدهما أنهم لا يشركون عبيدهم في أموالهم وأزواجهم حتى يكونوا فيه سواء ويرون ذلك نقصا، فلا يرضون لأنفسهم به، وهم يشركون عبادي في ملكي وسلطاني ويوجهون العبادة والقرب إليهم كما

يوجهونها إلي. والثاني: أن معناه: فهؤلاء الذين فضلهم الله في الرزق من الأحرار لا يرزقون مماليكهم، بل الله رازق الملاك والمماليك، فإن الذي ينفقه المولى على مملوكه إنما ينفقه مما يرزقه الله، فهم سواء في ذلك. وفي قوله: " ومن رزقناه منا رزقا حسنا " يريد حرا رزقناه وملكناه مالا ونعمة " فهو ينفق منه سرا وجهرا " لا يخاف من أحد " هل يستون " يريد أن الاثنين المتساويين في الخلق إذا كان أحدهما مالكا قادرا على الانفاق دون الآخر لا يستويان فكيف يسوى بين الحجارة التي لا تعقل ولا تتحرك وبين الله عز اسمه القادر على كل شئ والرازق لجميع خلقه؟! وقيل: إن هذا المثل للكافر والمؤمن، فإن الكافر لا خير عنده والمؤمن يكسب الخير " وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ " من الكلام، لأنه لا يفهم ولا يفهم عنه، وقيل: معناه: لا يقدر أن يميز أمر نفسه " وهو كل على مولاه " أي ثقل ووبال على وليه الذي يتولى أمره " أينما يوجهه لا يأت بخير " أي لا منفعة لمولاه فيه أينما يرسله في حاجة لا يرجع بخير ولا يهتدي إلى منفعة " هل يستوي هو " أي هذا الأبكم " ومن يأمر بالعدل " أي ومن هو فصيح يأمر بالحق و الصواب " وهو على صراط مستقيم " أي على دين قويم وطريق واضح فيما يأتي ويذر.

وفيه أيضا وجهان: أحدهما: أنه مثل ضربه الله تعالى فيمن يؤمل الخير من جهته ومن لا يؤمل منه، وأصل الخير كله من الله، فكيف يسوي بينه وبين شئ سواه في العبادة؟.

والآخر أنه مثل للكافر والمؤمن: فالأبكم: الكافر، والذي يأمر بالعدل:

المؤمن، عن ابن عباس، وقيل إن الأبكم أبي بن خلف، ومن يأمر بالعدل حمزة و عثمان بن مظعون، عن عطاء، وقيل: إن الأبكم هاشم بن عمرو بن الحارث القرشي وكان قليل الخير يعادي رسول الله صلى الله عليه وآله.

وفي قوله: " ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها " نزلت في الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله على الاسلام، فقال سبحانه للمسلمين الذين بايعوه: لا يحملنكم قلة المسلمين وكثرة المشركين على نقض البيعة، فإن الله حافظكم، أي أثبتوا على ما عاهدتم عليه الرسول وأكدتموه بالايمان، وقيل: نزلت في قوم حالفوا قوما فجاءهم قوم وقالوا: نحن أكثر منهم وأعز وأقوى فانقضوا ذلك العهد وحالفونا. " ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها " أي لا تكونوا كالمرأة التي غزلت ثم نقضت غزلها من بعد إمرار وفتل للغزل، وهي امرأة حمقاء من قريش، كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن، ولا تزال ذلك دأبها، واسمها ريطة بنت عمرو بن كعب، وكان تسمى خرقاء مكة " أنكاثا " جمع نكث، وهو الغزل من الصوف والشعر يبرم ثم ينكث وينقض ليغزل ثانية " تتخذون أيمانكم دخلا بينكم " أي دغلا وخيانة ومكرا " أن تكون أمة هي أربى من أمة " أي بسبب أن يكون قوم أكثر من قوم وأمة أعلى من أمة " فتزل قدم بعد ثبوتها " أي فتضلوا عن الرشد بعد أن تكونوا على هدى. وفي قوله: " وإذا بدلنا آية مكان آية " يعني إذا نسخنا آية وآتينا مكانها أخرى " قالوا إنما أنت مفتر " قال ابن عباس: كانوا يقولون: يسخر محمد بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وغدا يأمرهم بأمر وإنه لكاذب، ويأتيهم بما يقول من عند نفسه. " ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر " قال ابن عباس: قالت قريش: إنما يعلمه بلعام وكان قينا بمكة روميا نصرانيا، وقال الضحاك: أرادوا به سلمان الفارسي، قالوا: إنه يتعلم القصص منه، وقال مجاهد وقتادة: أرادوا به عبدا لبني الحضرمي روميا يقال له يعيش أو عائش صاحب كتاب، وأسلم وحسن إسلامه، وقال عبد الله بن مسلم: كان غلامان في الجاهلية نصرانيان من أهل عين التمر، اسم أحدهما يسار، والآخر جبير، وكانا صيقلين يقرءان كتابا لهما بلسانهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله ربما مر بهما واستمع قراءتهما فقالوا: إنما يتعلم منهما، ثم ألزمهم الله الحجة وأكذبهم بأن قال:

" لسان الذي يلحدون إليه أعجمي " أي لغة الذي يضيفون إليه التعليم ويميلون إليه القول أعجمية، والأعجمي هو الذي لا يفصح وإن كان عربيا " وهذا لسان عربي مبين " أي ظاهر بين لا يتشكل، يعني إذا كانت العرب تعجز عن الاتيان بمثله و هو بلغتهم فكيف يأتي به الأعجمي. وفي قوله: " ولا تجعل مع الله إلها آخر " الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به غيره ليكون أبلغ في الزجر. " مدحورا " أي مطرودا مبعدا عن رحمة الله. وفي قوله: " إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا " أي لطلبوا طريقا يقربهم إلى مالك العرش لعلمهم بعلوه عليهم وعظمته، وقال أكثر المفسرين: معناه: لطلبوا سبيلا إلى معازة مالك العرش ومغالبته، فإن الشريكين في الإلهية يكونان متساويين في صفات الذات، ويطلب أحدهما مغالبة صاحبه ليصفو له الملك فيكون إشارة إلى دليل التمانع. وفي قوله: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة " قال الكلبي: هم أبو سفيان والنضر بن الحارث وأبو جهل وأم جميل امرأة أبي لهب، حجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، فكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه " حجابا مستورا " أي ساترا، وقيل: مستورا عن الأعين لا يبصر إنما هو من قدرة الله " وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده " أي ذكرت الله بالتوحيد وأبطلت الشرك " ولوا على أدبارهم نفورا " أي أعرضوا عنك مدبرين نافرين، والمعني بذلك كفار قريش، وقيل: هم الشياطين، وقيل: إذا سمعوا بسم الرحمن الرحيم ولوا، وقيل: إذا سمعوا قول لا إله إلا الله.

" نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك " أي ليس يخفى علينا حال هؤلاء المشركين وغرضهم في الاستماع إليك " وإذ هم نجوى " أي متناجون، والمعنى: إنا نعلمهم في حال ما يصغون إلى سماع قراءتك، وفي حال يقومون من عندك ويتناجون فيما بينهم، فيقول بعضهم: هو ساحر، وبعضهم: هو كاهن، وبعضهم: هو شاعر، وقيل: يعني به أبا جهل وزمعة بن الأسود وعمرو بن هشام وخويطب بن عبد العزى، اجتمعوا وتشاوروا في أمر النبي صلى الله عليه وآله، فقال أبو جهل: هو مجنون، وقال زمعة: هو شاعر، وقال خويطب:

هو كاهن، ثم أتوا الوليد بن المغيرة وعرضوا ذلك عليه فقال: هو ساحر " إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا " أي سحر فاختلط عليه أمره، وقيل: المراد بالمسحور المخدوع والمعلل، وقيل: أي ذا سحر، أي رئة خلقه الله بشر أمثلكم، وقيل:

المسحور بمعنى الساحر كالمستور بمعنى الساتر. وفي قوله: " قل ادعوا الذين زعمتم " أي الملائكة والمسيح وعزير، وقيل: هم الجن لان قوما من العرب كانوا يعبدون الجن، عن ابن مسعود، قال: وأسلم أولئك النفر وبقي الكفار على عبادتهم. وفي قوله: " إن ربك أحاط بالناس " أي أحاط علما بأحوالهم وما يفعلونه من طاعة أو معصية " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك " فيه أقوال: أحدها: أن المراد بالرؤيا رؤية العين، والمراد الاسرى وما رآه في المعراج. وثانيها: أنها رؤيا نوم رآها أنه سيدخل مكة وهو بالمدينة فقصدها فصده المشركون في الحديبية حتى شك قوم. و ثالثها: أن ذلك رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وآله في منامه أن قرودا تصعد منبره وتنزل، فساءه ذلك واغتم به، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقالوا على هذا التأويل أن الشجرة الملعونة في القرآن هي بنو أمية، أخبره الله تعالى بتغلبهم على مقامه وقتلهم ذريته، وقيل: إن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، وإنما سميت فتنة لان المشركين

قالوا: إن النار تحرق الشجر، فكيف تنبت الشجرة في النار؟ وصدق به المؤمنون. وفي قوله: " وقالوا لن نؤمن لك " قال ابن عباس: إن جماعة من قريش وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن الحرب والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وعبد الله بن أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل، وبنيه ومنبه ابنا الحجاج والنضر بن الحارث وأبو البختري بن هشام اجتمعوا عند الكعبة، وقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك، فبادر - عليه وآله صلوات الله وسلامه - إليهم ظنا منه أنه بدا لهم من أمره، وكان حريصا على رشدهم، فجلس إليهم فقالوا: يا محمد إنا دعوناك لنعتذر إليك، فلا نعلم قوما أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، شتمت الآلهة، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فإن كنت جئت بهذا لتطلب مالا أعطيناك، وإن كنت تطلب الشرف سودناك علينا، وإن كانت علة غلبت عليك طلبنا لك الأطباء! فقال صلى الله عليه وآله: ليس شئ من ذلك، بل بعثني الله إليكم رسولا وأنزل كتابا، فإن قبلتم ما جئت به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه أصبر حتى يحكم الله بيننا، قالوا: فإذا ليس أحد أضيق بلدا منا، فاسأل ربك أن يسير هذه الجبال ويجري لنا أنهارا كأنهار الشام والعراق، وأن يبعث لنا من مضى، وليكن فيهم قصي فإنه شيخ صدوق لنسألهم عما تقول أحق أم باطل؟ فقال: ما بهذا بعثت، قالوا: فإن لم تفعل ذلك فاسأل ربك أن يبعث ملكا يصدقك، ويجعل لنا جنات وكنوزا وقصورا من ذهب، فقال: ما بهذا بعثت وقد جئتكم بما بعثني الله تعالى به فإن قبلتم وإلا فهو يحكم بيني وبينكم، قالوا فأسقط علينا السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك، قال: ذاك إلى الله إن شاء فعل، وقال قائل منهم: لا نؤمن لك حتى

تأتي بالله والملائكة قبيلا، فقام النبي صلى الله عليه وآله وقام معه عبد الله بن أمية المخزومي ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال: يا محمد - صلى الله عليه وآله - عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله، ثم سألوك لأنفسهم أمورا فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به فلم تفعل، فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ سلما إلى السماء ثم ترقى فيه وأنا أنظر، وتأتي معك نفر من الملائكة يشهدون لك وكتاب يشهد لك. وقال أبو جهل: إنه أبى إلا سب الآلهة وشتم الآباء، وإني أعاهد الله لأحملن حجرا فإذا سجد ضربت به رأسه، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله حزينا لما رأى من قومه فأنزل الله سبحانه الآيات.

" حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " أي تشقق لنا من أرض مكة عينا ينبع منه الماء في وسط مكة " أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا " أي قطعا قد تركب بعضها على بعض، ومعنى كما زعمت أي كما خوفتنا به من انشقاق السماء وانفطارها، أو كما زعمت أنك نبي تأتي بالمعجزات " أو تأتي بالله والملائكة قبيلا " أي كفيلا ضامنا لنا بما تقول، وقيل: هو جمع القبيلة، أي بالملائكة قبيلة قبيلة، وقيل: أي مقابلين لنا، وهذا يدل على أن القوم كانوا مشبهة مع شركهم " أو يكون لك بيت من زخرف " أي من ذهب، وقيل: الزخرف: النقوش " أو ترقى في السماء " أي تصعد " ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " أي ولو فعلت ذلك لم نصدقك حتى تنزل على كل واحد منا كتابا من السماء شاهدا بصحة نبوتك نقرؤه " قل سبحان ربي " أي تنزيها له من كل قبيح وسوء، وفي ذلك من الجواب: إنكم تتخيرون الآيات وهي إلى الله سبحانه، فهو العالم بالتدبير، الفاعل لما توجبه المصلحة، فلا وجه لطلبكم إياها مني، وقيل: أي تعظيما له عن أن يحكم عليه عبيده، لان له الطاعة عليهم، وقيل: إنهم لما قالوا: أو تأتي بالله أو ترقى في السماء إلى عند الله لاعتقادهم أنه سبحانه جسم، قال: قل: سبحان ربي عن كونه بصفة الأجسام حتى يجوز عليه المقابلة والنزول، وقيل: معناه: تنزيها له عن أن يفعل المعجزات تابعا للاقتراحات " هل كنت إلا بشرا رسولا " أي هذه الأشياء ليست في طاقة البشر فلا أقدر

بنفسي أن آتي بها " قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين " أي ساكنين قاطنين " لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا " منهم، وقيل: معناه: مطمئنين إلى الدنيا ولذاتها غير خائفين ولا متعبدين بشرع، وقيل: معناه: لو كان أهل الأرض ملائكة لبعثنا إليهم ملكا ليكونوا إلى الفهم إليه أسرع، وقيل: إن العرب قالوا: كنا ساكنين مطمئنين فجاء محمد فأزعجنا وشوش علينا أمرنا، فبين الله سبحانه أنهم لو كانوا ملائكة مطمئنين لأوجبت الحكمة إرسال الرسل إليهم، فكذلك كون الناس مطمئنين لا يمنع من إرسال الرسل إليهم إذ هم إليه أحوج من الملائكة. وفي قوله: " خشية الانفاق " أي الفقر والفاقة " وكان الانسان قتورا " أي بخيلا. وفي قوله: " وقرآنا فرقناه " أي وأنزلنا عليك قرآنا فصلناه سورا وآيات، أو فرقنا به الحق عن الباطل، أو جعلنا بعضه خبرا وبعضه أمرا وبعضه نهيا وبعضه وعدا وبعضه وعيدا، أو أنزلناه متفرقا لم ننزله جميعا، إذ كان بين أوله وآخره نيف و عشرون سنة " لتقرأه على الناس على مكث " أي على تثبت وتؤدة ليكون أمكن في قلوبهم، وقيل: لتقرأه عليهم مفرقا شيئا بعد شئ " ونزلناه تنزيلا " على حسب الحاجة ووقوع الحوادث " قل آمنوا به أولا تؤمنوا " به فإن إيمانكم ينفعكم ولا ينفع غيركم، وهذا تهديد لهم " إن الذين أوتوا العلم من قبله " أي أعطوا علم التوراة قبل نزول القرآن كعبد الله بن سلام وغيره، وقيل: إنهم أهل العلم من أهل الكتاب وغيرهم، وقيل: إنهم أمة محمد صلى الله عليه وآله " إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا " أي يسقطون على الوجوه ساجدين، وإنما خص الذقن لان من سجد كان أقرب شئ منه إلى الأرض ذقنه. وفى قوله: " قيما " أي معتدلا مستقيما لا تناقض فيه، أو قيما على سائر الكتب

المتقدمة يصدقها ويحفظها وينفي الباطل عنها وهو الناسخ لشرائعها، وقيل: قيما لا مور الدين يلزم الرجوع إليه فيها، وقيل: دائما لا ينسخ " فلعلك باخع نفسك على آثارهم " أي مهلك وقاتل نفسك على آثار قومك الذين قالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، تمردا منهم على ربهم " إن لم يؤمنوا بهذا الحديث " أي بالقرآن " أسفا " أي حزنا وتلهفا ووجدا بإدبارهم عنك وإعراضهم عن قبول ما آتيتهم به، وقيل: " على آثارهم " أي بعد موتهم. وفي قوله: " إلا أن تأتيهم سنة الأولين " أي إلا طلب أن تأتيهم العادة في الأولين من عذاب الاستيصال " أو يأتيهم العذاب قبلا " أي مقابلة من حيث يرونها، وتأويله أنهم بامتناعهم عن الايمان بمنزلة من يطلب هذا حتى يؤمن كرها. وفي قوله: " أفحسب الذين كفروا " أي أفحسب الذين جحدوا توحيد الله " أن يتخذوا عبادي من دوني " أربابا ينصرونهم ويدفعون عنهم عقابي، والمراد بالعباد المسيح والملائكة، وقيل: معناه: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا من دوني آلهة وإني لا أغضب لنفسي عليهم ولا أعاقبهم؟ " فمن كان يرجو لقاء ربه " أي يطمع لقاء ثوابه. وفي قوله: " فاختلف الأحزاب من بينهم " أي الأحزاب من أهل الكتاب في أمر عيسى على نبينا وآله وعليه السلام كما مر. وفي قوله: " قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين " أي أنحن أم أنتم " خير مقاما " أي منزلا ومسكنا، أو موضع إقامة " وأحسن نديا " أي مجلسا " هم أحسن أثاثا ورءيا " قال ابن عباس: الأثاث: المتاع وزينة الدنيا، والرئي: المنظر و الهيئة، وقيل: المعني بالآية النضر بن الحارث وذووه، وكانوا يرجلون شعورهم و يلبسون أفخر ثيابهم ويفتخرون بشارتهم وهيئتهم على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله " فليمدد

له الرحمن مدا " أمر معناه الخبر، أي جعل الله جزاء ضلالته أن يمد له بأن يتركه فيها. وفي قوله: " أفرأيت الذي كفر بآياتنا " أفرأيت كلمة تعجيب. وهو العاص ابن وائل، وقيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: هو عام " وقال لأوتين مالا وولدا " أي في الجنة استهزاء، أو إن أقمت على دين آبائي وعبادة آلهتي أعطى في الدنيا مالا وولدا " ونمد له من العذاب مدا " أي نصل له بعض العذاب بالبعض فلا ينقطع أبدا " ونرثه ما يقول " أي ما عنده من المال والولد. وفي قوله: " لقد جئتم شيئا إدا " الإد: الامر العظيم، أي لقد جئتم بشئ منكر عظيم شنيع " تكاد السماوات يتفطرن منه " أي أرادت السماوات تنشق لعظم فريتهم وإعظاما لقولهم " وتخر الجبال " أي تسقط " هدا " أي كسرا شديدا، وقيل: معناه:

هدما " وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا " أي لا يليق به، وليس من صفته اتخاذ الولد لأنه يقتضي حدوثه واحتياجه. وفي قوله: " قوما لدا " أي شدادا في الخصومة. وفي قوله: " أو يحدث لهم ذكرا " أي يجدد القرآن لهم عظة واعتبارا، وقيل: يحدث لهم شرفا بإيمانهم به.

" ولا تعجل بالقرآن " فيه وجوه: أحدها أن معناه: لا تعجل بتلاوته قبل أن يفرغ جبرئيل عليه السلام من إبلاغه، فإنه صلى الله عليه وآله كان يقرء معه ويعجل بتلاوته مخافة نسيانه، أي تفهم ما يوحى إليك إلى أن يفرغ الملك من قراءته ولا تقرأ معه. وثانيها:

أن معناه: لا تقرء به أصحابك ولا تمله حتى يتبين لك معانيه. وثالثها: أن معناه: ولا تسأل إنزال القرآن قبل أن يأتيك وحيه، لأنه تعالى إنما ينزله بحسب المصلحة وقت الحاجة.

وفي قوله: " أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى " أي أولم يأتهم في القرآن بيان ما في كتب الأولى من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما اقترحوا الآيات ثم كفروا بها " قل كل متربص " أي كل واحد منا ومنكم منتظر، فنحن ننتظر وعد الله لنا فيكم وأنتم تتربصون بنا الدوائر. وفي قوله: " بل قالوا أضغاث أحلام " أي قالوا: القرآن المجيد تخاليط أحلام رآها في المنام " ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها " أي لم يؤمن قبل هؤلاء الكفار من أهل قرية جاءتهم الآيات التي طلبوها، فأهلكناهم مصرين على الكفر " أفهم يؤمنون " عند مجيئها " فاسئلوا أهل الذكر " قال علي عليه السلام: نحن أهل الذكر. وقيل: أهل التوراة والإنجيل، وقيل: أهل العلم بأخبار الأمم، وقيل: أهل القرآن " فيه ذكركم " أي شرفكم إن تمسكتم به، أو ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم و دنياكم. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين " وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدايع تبصرة للنظار، وتذكرة لذوي الاعتبار " لو أردنا أن نتخذ لهوا " ما يتلهى به ويلعب " لاتخذناه من لدنا " من جهة قدرتنا أو من عندنا مما يليق بحضرتنا من المجردات، لا من الأجسام المرفوعة، والاجرام المبسوطة، كعادتكم في رفع السقوف وتزويقها وتسوية الفروش وتزيينها، وقيل:

اللهو: الولد بلغة اليمن، وقيل: الزوجة، والمراد الرد على النصارى " بل نقذف بالحق على الباطل " الذي من عداده اللهو " فيدمغه " فيمحقه.

" ومن عنده " يعني الملائكة المنزلين منه لكرامتهم بمنزلة المقربين عند الملوك " ولا يستحسرون " أي ولا يتعبون منه " أفإن مت فهم الخالدون " نزلت حين قالوا:

نتربص به ريب المنون " حتى طال عليهم العمر " أي طالت أعمارهم فحسبوا أن لا يزالوا كذلك وإنه بسبب ما هم فيه. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها " أي يأتيها أمرنا فينقصها من أطرافها بتخريبها وبموت أهلها، وقيل: بموت العلماء، و روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نقصانها: ذهاب عالمها. وقيل: معناه: ننقصها من أطرافها بظهور النبي صلى الله عليه وآله على من قاتله أرضا فأرضا وقوما فقوما، فيأخذ قراهم وأرضيهم. وفي قوله: " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر " قيل: الزبور: كتب الأنبياء، والذكر: اللوح المحفوظ، وقيل: الزبور: الكتب المنزلة بعد التوراة، والذكر:

التوراة، وقيل: الزبور: زبور داود، والذكر: التوراة " أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " قيل: يعني أرض الجنة يرثها عبادي المطيعون، وقيل: هي الأرض المعروفة يرثها أمة محمد بالفتوح، وقال أبو جعفر عليه السلام: هم أصحاب المهدي عجل الله فرجه في آخر الزمان " فقل آذنتكم على سواء " أي أعلمتكم بالحرب إعلاما يستوي نحن وأنتم في علمه، أو على سواء في الايذان لم أبين الحق لقوم دون قوم " وإن أدري " أي ما أدري " أقريب أم بعيد ما توعدون " يعني أجل القيامة، أو الاذن في حربكم " وإن أدري " أي ما أدري " لعله فتنة " أي لعل ما آذنتكم به اختبار لكم، أو لعل هذه الدنيا فتنة لكم، أو لعل تأخير العذاب محنة واختبار لكم، لترجعوا عما أنتم عليه " ومتاع إلى حين " أي تتمتعون به إلى وقت انقضاء آجالكم. وفي قوله تعالى: " ومن الناس من يجادل " قيل: المراد به النضر بن الحارث، والمراد بالشيطان شيطان الانس، لأنه كان يأخذ من الأعاجم واليهود ما يطعن به على المسلمين.

وفي قوله: " ثاني عطفه " أي متكبرا في نفسه، تقول العرب: ثنى فلان عطفه:

إذا تكبر وتجبر، وعطفا الرجل: جانباه، وقيل: معناه: لاوى عنقه إعراضا وتكبرا " ومن الناس من يعبد الله على حرف " أي على ضعف في العبادة كضعف القائم على حرف، أي على طرف جبل ونحوه، وقيل: أي على شك، وقيل: يعبد الله بلسانه دون قلبه قيل: نزلت في جماعة كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة، فكان أحدهم إذا صح جسمه ونتجت فرسه وولدت امرأته غلاما وكثرت ماشيته رضي به واطمأن إليه، و إن أصابه وجع وولدت امرأته جارية قال: ما أصبت في هذا الدين إلا شرا " وإن أصابته فتنة " أي اختبار بجدب وقلة مال " انقلب على وجهه " أي رجع عن دينه إلى الكفر. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا و الآخرة " المعنى أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان يظن خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه، وقيل: المراد بالنصر الرزق والضمير لمن " فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع " أي فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه، بأن يفعل كل ما يفعله الممتلئ غضبا أو المبالغ جزعا حتى يمد حبلا إلى سماء بيته فيختنق، من قطع: إذا اختنق فإن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، وقيل: فليمدد حبلا إلى سماء الدنيا ثم ليقطع به المسافة حتى يبلغ عنانه فيجتهد في دفع نصره أو تحصيل رزقه " فلينظر " فليتصور في نفسه " هل يذهبن كيده " فعله ذلك، وسماه على الأول كيدا لأنه منتهى ما يقدر عليه " ما يغيظ " غيظه، أو الذي يغيظ من نصر الله، وقيل: نزلت في قوم مسلمين استبطؤوا نصر الله لاستعجالهم وشدة غيظهم على المشركين " يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا " أي يثبون ويبطشون بهم " ضعف الطالب والمطلوب " أي عابد الصنم ومعبوده، أو الذباب يطلب ما يسلب عن الصنم من الطيب، والصنم يطلب منه الذباب السلب، أو الصنم والذباب كأنه يطلبه ليستنقذ منه ما يسلبه، فلو حققت وجدت الصنم أضعف منه بدرجات " ما قدروا الله حق قدره " أي ما عرفوه حق معرفته " فذرهم في غمرتهم "

أي في جهالتهم، شبهها بالماء الذي يغمر القامة، لأنهم مغمورون فيها، أو لاعبون فيها " حتى حين " أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا " أيحسبون أنما نمدهم به " إن ما نعطيهم و نجعله مددا لهم " من مال وبنين " بيان لما وليس خبرا له، بل خبره " نسارع لهم في الخيرات " والراجع محذوف، والمعنى: أن الذي نمدهم به نسارع به فيما فيه خيرهم و إكرامهم؟ " بل لا يشعرون " أن ذلك الامداد استدراج " ولدينا كتاب " يعني اللوح أو صحيفة الاعمال " بل قلوبهم في غمرة " في غفلة غامرة لها من هذا الذي وصف به هؤلاء، أو من كتاب الحفظة " ولهم أعمال " خبيثة " من دون ذلك " متجاوزة لما وصفوا به أو منحطة عما هم عليه من الشرك " هم لها عاملون " معتادون فعلها.

" حتى إذا أخذنا مترفيهم " متنعميهم بالعذاب، يعني القتل يوم بدر، أو الجوع حين دعا عليهم الرسول صلى الله عليه وآله فقال: " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " فقحطوا حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحترقة " إذا هم يجأرون " فاجاءوا الصراخ بالاستغاثة فقيل لهم: " لا تجأروا اليوم فكنتم على أعقابكم تنكصون " النكوص: الرجوع القهقرى " مستكبرين به " الضمير للبيت، و شهرة استكبارهم وافتخارهم بأنهم قوامه أغنى عن سبق ذكره، أو لآياتي فإنها بمعنى كتابي " سامرا " أي يسمرون بذكر القرآن والطعن فيه " تهجرون " من الهجر بفتح الهاء، إما بمعنى القطيعة أو الهذيان، أي تعرضون عن القرآن أو تهذون في شأنه، أو الهجر بالضم: الفحش " أفلم يدبروا القول " أي القرآن ليعلموا أنه الحق " أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين " من الرسول والكتاب، أو من الامن من عذاب الله، فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون " ولو اتبع الحق أهواءهم " بأن كان في الواقع آلهة " لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن " كما سبق في قوله تعالى:

" ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ".

وقيل: لو اتبع الحق أهواءهم وانقلب باطلا لذهب ما قام به العالم فلا يبقى، أو لو اتبع الحق الذي جاء به محمد أهواءهم وانقلب شركا لجاء الله بالقيامة وأهلك

العالم من فرط غضبه، أو لو اتبع الله أهواءهم بأن أنزل ما يشتهونه من الشرك و والمعاصي لخرج عن الألوهية، ولم يقدر أن يمسك السماوات والأرض " أم تسألهم خرجا " أجرا على أداء الرسالة " فخراج ربك " رزقه في الدنيا وثوابه في العقبى " خير " لسعته ودوامه " ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر " يعني القحط، روي أنهم قحطوا حتى أكلوا العلهز، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أنشدك الله والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع، فنزلت:

" ولقد أخذناهم بالعذاب " يعني القتل يوم بدر " ذا عذاب شديد " يعني الجوع، فإنه أشد من القتل والأسر " إذا هم فيه مبلسون " متحيرون آيسون من كل خير حتى جاءك أعتاهم يستعطفك " قل من بيده ملكوت كل شئ " أي ملكه غاية ما يمكن، وقيل: خزائنه " وهو يجير " يغيث من يشاء ويحرسه " ولا يجار عليه " ولا يغاث أحد ولا يمنع منه، وتعديته بعلى لتضمين معنى النصرة " إذا لذهب كل إله بما خلق " أي لو كان معه آلهة كما يقولون لذهب كل إله منهم بما خلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخرين، ووقع بينهم التحارب والتغالب، كما هو حال ملوك الدنيا، فلم يكن بيده وحده ملكوت كل شئ، واللازم باطل بالاجماع والاستقراء، وقيام البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجب. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله: " ويقولون آمنا بالله " قيل: نزلت الآيات في رجل من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود حكومة، فدعاه اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، وحكى البلخي أنه كانت بين علي عليه السلام وعثمان منازعة في أرض اشتراها من علي عليه السلام، فخرجت فيها أحجار وأراد ردها بالعيب فلم يأخذها، فقال: بيني وبينك رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال الحكم بن أبي العاص: إن حاكمته إلى ابن عمه حكم له فلا تحاكمه إليه، فنزلت

الآيات، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام أو قريب منه " وإن يكن لهم الحق " أي وإن علموا أن الحق يقع لهم " يأتوا إليه " أي إلى النبي صلى الله عليه وآله مذعنين مسرعين طائعين " أفي قلوبهم مرض " أي شك في نبوتك ونفاق؟ " أم ارتابوا في عدلك " أي رأوا منك ما رابهم لأجله أمرك؟. وفي قوله: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم " لما بين الله سبحانه كراهتهم لحكمه قالوا للنبي صلى الله عليه وآله: والله لو أمرتنا بالخروج من ديارنا وأموالنا لفعلنا فنزلت، والمعنى:

حلفوا بالله أغلظ أيمانهم وقدر طاقتهم إنك إن أمرتنا بالخروج إلى غزواتك لخرجنا " قل لهم لا تقسموا " أي لا تحلفوا، وتم الكلام " طاعة معروفة " أي طاعة حسنة للنبي صلى الله عليه وآله خالصة صادقة أفضل وأحسن من قسمكم، وقيل: معناه: ليكن منكم طاعة " فإنما عليه ما حمل " أي كلف وامر. وفي قوله: " وأعانه عليه قوم آخرون " قالوا: أعان محمدا على هذا القرآن عداس مولى خويطب بن عبد العزى، ويسار غلام العلاء بن الحضرمي، وحبر مولى عامر، وكانوا من أهل الكتاب، وقيل: إنهم قالوا: أعانه قوم من اليهود " فقد جاءوا ظلما وزورا " أي شركا وكذبا، وإنما اكتفى بذلك في جوابهم لتقدم ذكر التحدي وعجزهم عن الاتيان بمثله " وقالوا أساطير الأولين " أي هذه أحاديث المتقدمين وما سطروه في كتبهم " اكتتبها " انتسخها، وقيل: استكتبها " فهي تملى عليه بكرة و أصيلا " أي تملى عليه طرفي نهاره حتى يحفظها وينسخها. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات و الأرض " لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته، وتضمنه أخبارا عن مغيبات مستقبلة، وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الاسرار، فكيف يجعلونه أساطير الأولين؟ " وقالوا

مال هذا الرسول يأكل الطعام " كما نأكل " ويمشي في الأسواق " لطلب المعاش كما نمشي، وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات، فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية، وإنما هو بأحوال نفسانية. وفي قوله: " وجعلنا بعضكم " أي الناس " لبعض فتنة " أي ابتلاء، ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء، والمرسلين بالمرسل إليهم " أتصبرون " علة للجعل، والمعنى:

وجعلنا بعضكم لبعض فتنة لنعلم أيكم يصبر؟. وفي قوله: " كذلك لنثبت به فؤادك " أي كذلك أنزلناه متفرقا لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه، لان حاله يخالف حال موسى وداود وعيسى حيث كان أميا وكانوا يكتبون، فلو القي إليه جملة لتعيى بحفظه، ولان نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وخوض في المعني، ولأنه إذا نزل منجما وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه، ولأنه إذا نزل به جبرئيل عليه السلام حالا بعد حال يثبت به فؤاده، ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ، ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على البلاغة " ورتلناه ترتيلا " أي وقرأناه عليك شيئا بعد شئ على تؤدة وتمهل في عشرين سنة، أو في ثلاث وعشرين سنة، " ولا يأتونك بمثل " بسؤال عجيب " إلا جئناك بالحق " الدامغ له في جوابه " وأحسن تفسيرا " أي ما هو أحسن بيانا أو معنى من سؤالهم، أو لا يأتونك بحال عجيبة يقولون:

هلا كانت هذه حاله؟ إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا وما هو أحسن كشفا لما بعثت له. وفي قوله: " وكان الكافر على ربه ظهيرا " يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك " إلا من شاء " أي إلا فعل من شاء " أن يتخذ إلى ربه سبيلا " أن يتقرب إليه، فصور ذلك بصورة الاجر من حيث إنه مقصود فعله، واستثناه منه قلعا لشبهة الطمع و إظهارا لغاية الشفقة، حيث اعتد بإنفاعك نفسك بالتعرض للثواب والتخلص عن

العقاب أجرا وافيا مرضيا به مقصورا عليه، وقيل: الاستثناء منقطع، معناه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعل. وفي قوله: " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية " أي دلالة ملجئة إلى الايمان أو بلية قاسرة إليه " فظلت أعناقهم لها خاضعين " أقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع وترك الخبر على أصله، وقيل: لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم، وقيل: المراد بها الرؤساء أو الجماعات " من كل زوج " صنف " كريم " محمود كثير المنفعة. وفي قوله: " وإنه لفي زبر الأولين " أي وإن ذكره أو معناه لفي الكتب المتقدمة " أولم يكن لهم آية " على صحة القرآن أو نبوة محمد صلى الله عليه وآله " أن يعلمه علماء بني إسرائيل " أن يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم " ولو نزلناه على بعض الأعجمين " كما هو زيادة في إعجازه، أو بلغة العجم " فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين " لفرط عنادهم واستكبارهم، أو لعدم فهمهم واستنكافهم من اتباع العجم " كذلك سلكناه " أي أدخلنا القرآن " وما تنزلت به " أي بالقرآن " الشياطين " كما يزعمه بعض المشركين " وما ينبغي لهم " إنزال ذلك ولا يقدرون عليه إنهم مصروفون عن استماع القرآن ممنوعون بالشهب. " وأنذر عشيرتك الأقربين " الأقرب منهم فالأقرب، فإن الاهتمام بشأنهم أهم، وروي أنه لما نزلت صعد الصفا وناداهم فخذا فخذا حتى اجتمعوا إليه، فقال: لو أخبرتكم أن يسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقي؟ قالوا:

نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " لين جانبك لهم، مستعار من خفض الطائر جناحه إذا أراد أن ينحط " الذي يراك حين تقوم " إلى التهجد " وتقلبك في الساجدين " وترددك في تصفح أحوال المجتهدين، كما روي أنه عليه السلام لما نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.