پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع

باب 1 احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في القرآن

ج ۹، ص ۱۳۲–۱۵۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۶ از ۱۰

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۹

ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون، حرصا على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع من دندنتهم بذكر الله والتلاوة، أو تصرفك فيما بين المصلين بالقيام والركوع والسجود والقعود إذا أممتهم " تنزل على كل أفاك أثيم " لما بين أن القرآن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين أكد ذلك بأن بين أن محمدا لا يصلح أن يتنزلوا عليه من وجهين: أحدهما: أنه إنما يكون على شرير كذاب كثير الاثم، فإن اتصال الانسان بالغائبات لما بينهما من التناسب والتواد، وحال محمد - صلى الله عليه وآله - على خلاف ذلك.

وثانيهما: قوله: " يلقون السمع " أي الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنونا وأمارات لنقصان علمهم، فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها، ولا كذلك محمد صلى الله عليه وآله فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى، وقد طابق كلها، وقد فسر الأكثر بالكل لقوله: " على كل أفاك " والأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني ، وقيل:

الضمائر للشياطين، أي يلقون السمع إلى الملا الاعلى قبل أن رجموا فيخطفون منهم بعض المغيبات ويوحون به إلى أوليائهم، أو يلقون مسموعهم منهم إلى أوليائهم. وفي قوله: " بل هم قوم يعدلون " أي عن الحق الذي هو التوحيد. وفي قوله " لولا أن تصيبهم مصيبة " لولا الأولى امتناعية، والثاني تحضيضية، والمعنى:

لولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا يبلغنا آياتك فنتبعها ونكون من المصدقين ما أرسلناك " هو أهدى منهما " أي مما انزل على موسى وعلي " ولقد وصلنا لهم القول " أتبعنا بعضه بعضا في الانزال ليتصل التذكير، أو في النظم ليتقرر الدعوة بالحجة والمواعظ بالمواعيد والنصائح بالعبر. وفي قوله: " جعل فتنة الناس " أي ما يصيبهم من أذيتهم في الصرف عن الايمان " كعذاب الله " في الصرف عن الكفر " ولئن جاء نصر من ربك " فتح وغنيمة " ليقولن إنا كنا معكم " في الدين فأشركونا فيه، والمراد المنافقون، أو قوم ضعف إيمانهم فارتدوا من

أذى المشركين " وليحملن أثقالهم " أي أثقال ما اقترفته أنفسهم " وأثقالا مع أثقالهم " وأثقالا اخر معها لما تسببوا له بالاضلال والحمل على المعاصي من غير أن ينقص من أثقال من تبعهم شئ. وفي قوله: " مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء " فيما اتخذوه معتمدا و متكلا " كمثل العنكبوت اتخذت بيتا " فيما نسجه من الخور والوهن، بل ذلك أوهن، فان لهذا حقيقة وانتفاعا ما، أو مثلهم بالإضافة إلى الموحد كمثله بالإضافة إلى رجل يبني بيتا من حجر وجص، ويجوز أن يكون المراد ببيت العنكبوت دينهم، سماه به تحقيقا للتمثيل، فيكون المعنى: وإن أوهن ما يعتمد به في الدين دينهم. وفي قوله: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " أي بالخصلة التي هي أحسن، كمعارضة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، وقيل: منسوخ بآية السيف إذ لا مجادلة أشد منه، وجوابه أنه آخر الدواء، وقيل: المراد به ذوو العهد منهم، " إلا الذين ظلموا منهم " بالافراط في الاعتداء والعناد، أو بإثبات الولد، وقولهم:

يد الله مغلولة، أو بنبذ العهد ومنع الجزية " فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به " هم عبد الله بن سلام وأضرابه، أو من تقدم عهد الرسول من أهل الكتاب " ومن هؤلاء " أي ومن العرب، أو أهل مكة، أو ممن في عهد الرسول من أهل الكتاب. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " في صدور الذين أوتوا العلم ": هم النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنون به، لأنهم حفظوه ووعوه، وقيل: هم الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وآله عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام " ويتخطف الناس من حولهم " أي يقتل الناس بعضهم بعضا فيما حولهم وهم آمنون في الحرم " أفبالباطل يؤمنون " أي يصدقون بعبادة الأصنام وهي باطلة مضمحلة.

وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وأثاروا الأرض ": أي قلبوا وجهها لاستنباط المياه واستخراج المعادن وزرع البذور وغيرها. وفي قوله: " ضرب لكم مثلا " في عبادة الأصنام " من أنفسكم " أي منتزعا من أحواله التي هي أقرب الأمور إليكم " هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم " من الأموال وغيرها " فأنتم فيه سواء " فتكونون سواء أنتم وهم فيه شركاء يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنه بشر مثلكم وأنها معارة لكم " تخافون " هم إن تستبدوا بتصرف فيه " كخيفتكم أنفسكم " كما تخاف الأحرار بعضهم من بعض " كذلك نفصل الآيات " نبينها " لقوم يعقلون " يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال " ليكفروا بما آتيناهم " اللام فيه للعاقبة، وقيل: للامر بمعنى التهديد، كقوله:

" فتمتعوا " غير أنه التفت فيه مبالغة " فسوف تعلمون " عاقبة تمتعكم " أم أنزلنا عليهم سلطانا " أي حجة، وقيل: ذا سلطان، أي ملكا معه برهان " فهو يتكلم " تكلم دلالة، كقوله: " كتابنا ينطق عليكم بالحق " أو نطق " بما كانوا به يشركون " بإشراكهم و صحته، أو بالامر الذي بسببه يشركون في ألوهيته. وفي قوله: " فرأوه مصفرا " أي فرأوا الأثر أو الزرع، فإنه مدلول عليه بما تقدم، وقيل: السحاب، لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر " فإنك لا تسمع الموتى " و الكفار مثلهم لما سدوا عن الحق مشاعرهم " ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين " قيد الحكم به ليكون أشد استحالة، فإن الأصم المقبل وإن لم يسمع الكلام تفطن منه بواسطة الحركات شيئا " وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم " سماهم عميا لفقدهم المقصود الحقيقي من الابصار، أو لعمى قلوبهم " ولا يستخفنك " أي ولا يحملنك على الخفة والقلق " الذين لا يوقنون " بتكذيبهم. وقال الطبرسي رحمه الله: نزل قوله: " ومن الناس من يشتري لهو الحديث " في النضر بن الحارث، كان يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم ويحدث بها قريشا، ويقول لهم: إن محمدا صلى الله عليه وآله يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم

بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، عن الكلبي، وقيل: نزل في رجل اشترى جارية تغنيه ليلا ونهارا، عن ابن عباس، وأكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء، وهو قول ابن عباس و ابن مسعود وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله وأبي الحسن الرضا صلوات الله عليهم، قالوا: منه الغناء.

وروي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: هو الطعن في الحق والاستهزاء به وما كان أبو جهل وأصحابه يجيؤون به، إذ قال: يا معشر قريش ألا أطعمكم من الزقوم الذي يخوفكم به صاحبكم؟ ثم أرسل إلى زبد وتمر وقال: هذا هو الزقوم الذي يخوفكم به، قال أبو عبد الله عليه السلام: ومنه الغناء، فعلى هذا فإنه يدخل فيه كل شئ يلهي عن سبيل الله وعن طاعته " ويتخذها " أي آيات القرآن أو سبيل الله " هزوا " يستهزئ بها " كأن في اذنيه وقرا " أي ثقلا يمنعه عن سماع الآيات. وفي قوله: " بغير عمد ترونها " إذ لو كان لها عمد لرأيتموها، لأنها لو كانت تكون أجساما عظاما حتى يصح منها أن تقل السماوات، ولو كانت كذلك لاحتاجت إلى عمد آخر، فكان يتسلسل، فإذا لا عمد لها، وقيل: إن المراد بغير عمد مرئية، والمعنى أن لها عمدا لا ترونها " وألقى في الأرض رواسي " أي جبالا ثابتة " أن تميد بكم " أي كراهة أن تميد بكم. وفي قوله: " أولو كان الشيطان يدعوهم " جواب لو محذوف، تقديره: أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير لاتبعوهم " ومن يسلم وجهه إلى الله " أي ومن يخلص دينه لله ويقصد في أفعاله التقرب إلى الله " وهو محسن " فيها فيفعلها على موجب العلم و مقتضى الشرع " فقد استمسك بالعروة الوثقى " أي فقد تعلق بالعروة الوثيقة التي لا انفصام لها " وإلى الله عاقبة الأمور " أي وإلى الله يرجع أواخر الأمور على وجه لا يكون لاحد التصرف فيها بالأمر والنهي.

وفي قوله: " كالظلل " شبه الموج بالسحاب الذي يركب بعضه على بعض، و قيل: يريد كالجبال " فمنهم مقتصد " أي عدل في الوفاء في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، روى السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وآله الناس إلا أربعة نفر قال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن أخطل، وقيس بن سبابة، و عبد الله بن أبي سرح، فأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم ريح عاصفة، فقال أهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا ههنا، فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الاخلاص ما ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه إني آتي محمدا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوا كريما، فجاء فأسلم. والختر: أقبح الغدر. وفي قوله: " ما أتاهم من نذير من قبلك " يعني قريشا، إذ لم يأتهم نبي قبل نبينا صلى الله عليه وآله، وإن أتى غيرهم من قبائل العرب مثل خالد بن سنان العبسي، وقيل: يعني أهل الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله لم يأتهم نبي قبله " في ستة أيام " أي فيما قدره ستة أيام " ثم استوى على العرش " بالقهر والاستعلاء. وفي قوله: " أولئك لهم عذاب من رجز " أي سئ العذاب " أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض " كيف أحاطت بهم وذلك أن الانسان حيثما نظر رأى السماء والأرض قدامه وخلفه وعن يمينه وشماله ، فلا يقدر على الخروج منها " كسفا " من السماء أي قطعة منها تغطيهم وتهلكهم. " وماله منهم من ظهير " أي ليس له سبحانه منهم معاون على خلق السماوات والأرض ولا على شئ من الأشياء " وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين " إنما قال ذلك على وجه الانصاف في الحجاج دون الشك، كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وإن كان هو عالما بالكاذب " ثم يفتح بيننا " أي يحكم بالحق.

وقال البيضاوي في قوله تعالى: " قل أروني الذين ألحقتم به شركاء ": أي لأرى بأي صفة ألحقتموهم بالله في استحقاق العبادة؟ وهو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجة عليهم زيادة في تبكيتهم " وما أرسلناك إلا كافة للناس " أي إلا رسالة عامة لهم، من الكف فإنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، أو إلا جامعا لهم في الابلاغ، فهي حال من الكاف والتاء للمبالغة " وما آتيناهم من كتب يدرسونها " فيها دليل على صحة الاشراك " وما أرسلنا إليهم من قبلك من نذير " يدعوهم إليه وينذرهم على تركه، و قد بان من قبل أن لا وجه له فمن أين وقع لهم هذه الشبهة؟ " قل إنما أعظكم بواحدة " أرشدكم وأنصح لكم بخصلة واحدة هي ما دل عليه " أن تقوموا لله " وهو القيام من مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله، أو الانتصاب في الامر خالصا لوجه الله معرضا عن المراء و التقليد " مثنى وفرادى " متفرقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا، فإن الازدحام يشوش الخاطر ويخلط القول " ثم تتفكروا " في أمر محمد صلى الله عليه وآله وما جاء به لتعلموا حقيقته " ما بصاحبكم من جنة " فتعلموا ما به جنون يحمله على ذلك، أو استيناف منبه لهم، على أن ما عرفوا من رجاحة عقله كاف في ترجيح صدقه، فإنه لا يدعه أن يتصدى لادعاء أمر خطير من غير وثوق ببرهان فيفتضح على رؤوس الاشهاد ويلقي نفسه إلى الهلاك، فكيف وقد انضم إليه معجزات كثيرة؟! وقيل: ما استفهامية، والمعنى: ثم تتفكروا أي شئ به من آثار الجنون؟ " قل ما سألتكم من أجر " أي شئ سألتكم من أجر على الرسالة " فهو لكم " والمراد نفي السؤال، وقيل: ما موصولة يراد بها ما سألهم بقوله: " ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا " وقوله:

" لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " واتخاذ السبيل ينفعهم، وقرباه قرباهم " قل إن ربي يقذف بالحق " يلقيه وينزله على من يجتبيه من عباده أو يرمي الباطل فيدمغه، أو يرمي به إلى أقطار الأرض فيكون وعدا بإظهار الاسلام " وما يبدئ الباطل وما يعيد " أي زهق الباطل أي الشرك بحيث لم يبق له أثر مأخوذ من هلاك الحي، فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة، وقيل: الباطل: إبليس أو الصنم، والمعنى: لا ينشئ خلقا

ولا يعيده، أو لا يبدئ خيرا لأهله ولا يعيده، وقيل: ما استفهامية منتصبة بما بعده. وفي قوله: " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا " أي كمن لم يزين له بل وفق حتى عرف الحق واستحسن الاعمال واستقبحها على ما هي عليه، فحذف الجواب لدلالة " فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء " وقيل: تقديره: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة؟ فحذف الجواب لدلالة " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " عليه، ومعناه: فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب " ما يملكون من قطمير " هو لفافة النواة " ولو سمعوا " على سبيل الفرض " ما استجابوا لكم " لعدم قدرتهم على الانفاع، أو لتبريهم منكم مما تدعون لهم " ويوم القيمة يكفرون بشرككم " بإشراككم لهم يقرون ببطلانه، أو يقولون: ما كنتم إيانا تعبدون " ولا ينبئك مثل خبير " ولا يخبرك بالامر مخبر مثل خبير عالم به أخبرك و هو الله سبحانه، فإنه الخبير به على الحقيقة دون سائر المخبرين " وما يستوي الأعمى والبصير " الكافر والمؤمن، وقيل: مثلان للصنم ولله عز وجل " ولا الظلمات ولا النور " ولا الباطل ولا الحق " ولا الظل ولا الحرور " ولا الثواب ولا العقاب " وما يستوي الاحياء ولا الأموات " تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ من الأول ، ولذلك كرر الفعل، و قيل: للعلماء والجهلاء " إن الله يسمع من يشاء " هدايته فيوفقه لفهم آياته والاتعاظ بعظاته " وما أنت بمسمع من في القبور " ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات ومبالغة في إقناطه عنهم " بالبينات " بالمعجزات الشاهدة على نبوتهم " وبالزبر " كصحف إبراهيم " وبالكتاب المنير " كالتوراة والإنجيل على إرادة التفصيل دون الجمع، ويجوز أن يراد بهما واحد والعطف لتغاير الوصفين " أم آتيناهم كتابا ينطق " على أنا اتخذنا شركاء " فهم على بينة منه " على حجة من ذلك الكتاب بأن لهم شركة جعلية، ويجوز أن يكون (هم) للمشركين " ولا يحيق " أي لا يحيط " فهل ينظرون " ينتظرون " إلا سنة الأولين " سنة الله فيهم بتعذيب مكذبيهم " فلن تجد لسنة الله تبديلا " ولن

تجد لسنة الله تحويلا " أي لا يبدلها بجعل غير التعذيب تعذيبا ولا يحولها بأن ينقله من المكذبين إلى غيرهم. وفي قوله: " وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم " الوقائع التي خلت والعذاب المعد في الآخرة أو نوازل السماء ونوائب الأرض، كقوله: " أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض " أو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، أو عكسه، أو ما تقدم من الذنوب وما تأخر " وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله " على محاويجكم " قال الذين كفروا " بالصانع يعني معطلة كانوا بمكة " للذين آمنوا " تهكما بهم من إقرارهم به وتعليقهم الأمور بمشيته " أنطعم من لو يشاء الله أطعمه " على زعمكم وقيل: قاله مشركو قريش حين استطعمهم فقراء المؤمنين، إيهاما بأن الله لما كان قادرا أن يطعمهم ولم يطعمهم فنحن أحق بذلك، وهذا من فرط جهالتهم، فإن الله تعالى يطعم بأسباب منها حث الأغنياء على إطعام الفقراء وتوفيقهم له. " وما علمناه الشعر " رد لقولهم: إن محمدا صلى الله عليه وآله شاعر، أي ما علمناه الشعر بتعليم القرآن فإنه غير مقفى ولا موزون، وليس معناه ما يتوخاه الشعراء من التخيلات المرغبة والمنفرة " وما ينبغي له " وما يصح له الشعر ولا يتأتى له إن أراد قرضه على ما اختبرتم طبعه نحوا من أربعين سنة، وقوله:

أنا النبي لا كذب * وأنا ابن عبد المطلب وقوله:

هل أنت إلا إصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت اتفاقي من غير تكلف وقصد منه إلى ذلك، وقد يقع كثيرا في تضاعيف المنثورات، على أن الخليل ما عد المشطور من الرجز شعرا، هذا وقد روي أنه حرك البائين وكسر التاء الأولى بلا إشباع، وسكن الثانية، وقيل: الضمير للقرآن، أي وما يصح للقرآن أن يكون شعرا " إن هو إلا ذكر " عظة وإرشاد من الله " وقرآن

مبين " وكتاب سماوي يتلى في المعابد ظاهر أنه ليس كلام البشر لما فيه من الاعجاز " لينذر " القرآن أو الرسول " من كان حيا " عاقلا فهما، فإن الغافل كالميت، أو مؤمنا في علم الله، فإن الحياة الأبدية بالايمان، وتخصيص الانذار به لأنه المنتفع به " ويحق القول " ويجب كلمة العذاب على الكافرين " المصرين على الكفر " واتخذوا من دون الله آلهة " أشركوها به في العبادة " لعلهم ينصرون " رجاء أن ينصروهم فيما حزبهم من الأمور والامر بالعكس، لأنه " لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون " معدون لحفظهم والذب عنهم، أو محضرون أثرهم في النار. وفي قوله: " فاستفتهم " أي فاستخبرهم، والضمير لمشركي مكة، أو لبني آدم " أهم أشد خلقا أم من خلقنا " يعني ما ذكر من الملائكة والسماء والأرض وما بينهما و المشارق والكواكب والشهب الثواقب، ومن لتغليب العقلاء " إنا خلقناهم من طين لازب " والمراد إثبات المعاد ورد استحالتهم بأن استحالة ذلك إما لعدم قابلية المادة ومادتهم الأصلية هي الطين اللازب الحاصل من ضم الجزء المائي إلى الجزء الأرضي وهما باقيان قابلان للانضمام بعد، وقد علموا أن الانسان الأول إنما تولد منه، إما لاعترافهم بحدوث العالم، أو بقصة آدم على نبينا وآله وعليه السلام، وشاهدوا تولد كثير من الحيوانات منه بلا توسط مواقعة، فلزمهم أن يجوزوا إعادتهم كذلك، وإما لعدم قدرة الفاعل، فإن من قدر على خلق هذه الأشياء قدر على ما لا يعتد به بالإضافة إليها، سيما ومن ذلك بدأهم أولا، وقدرته ذاتية لا تتغير " بل عجبت " من قدرة الله وإنكارهم البعث " ويسخرون " من تعجبك وتقريرك للبعث. " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا " يعني الملائكة، ذكرهم باسم جنسهم وضعا

منهم أن يبلغوا هذه المرتبة، وقيل: قالوا: إن الله صاهر الجن فخرجت الملائكة، وقيل: قالوا: الله والشيطان أخوان " ولقد علمت الجنة أنهم " أن الكفرة أو الانس أو الجنة إن فسرت بغير الملائكة " لمحضرون " في العذاب " سبحان الله عما يصفون " من الولد والنسب " إلا عباد الله المخلصين " استثناء من المحضرين منقطع أو متصل إن فسر الضمير بما يعمهم وما بينهما اعتراض، أو من يصفون " فإنكم وما تعبدون " عود إلى خطابهم ما أنتم عليه " أي على الله " بفاتنين " مفسدين الناس بإغوائهم " إلا من هو صال الجحيم " إلا من سبق في علم الله تعالى أنه من أهل النار ويصلاها لا محالة، و (أنتم) ضمير لهم ولآلهتهم، غلب فيه المخاطب على الغائب، ويجوز أن يكون " وما تعبدون " لما فيه من معنى المقارنة سادا مسد الخبر، أي إنكم وآلهتكم قرناء لا تزالون تعبدونها ما أنتم على ما تعبدونه بفاتنين بباعثين على طريق الفتنة إلا ضالا مستوجبا للنار مثلكم " وما منا إلا له مقام معلوم " حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية للرد على عبدتهم، والمعنى: وما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة والعبادة والانتهاء إلى أمر الله في تدبير العالم، ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله: " سبحان الله " من كلامهم ليتصل بقوله: " ولقد علمت الجنة ".

" وإنا لنحن الصافون " في أداء الطاعة ومنازل الخدمة " وإنا لنحن المسبحون " المنزهون الله عما لا يليق به " وإن كانوا ليقولون " يعني مشركي قريش " لو أن عندنا ذكرا من الأولين " كتابا من الكتب التي نزلت عليهم " لكنا عباد الله المخلصين " لأخلصنا العبادة له ولم نخالف مثلهم " فكفروا به " أي لما جاءهم الذكر الذي هو أشرف الأذكار والمهيمن عليها " فسوف يعلمون " عاقبة كفرهم " فتول عنهم حتى حين " أي يوم بدر، وقيل: يوم الفتح " وأبصرهم " على ما ينالهم حينئذ " فسوف يبصرون " ما قضينا لك من التأييد والنصرة والثواب في الآخرة " أفبعذابنا يستعجلون " روي أنه لما نزل " فسوف يبصرون " قالوا: متى هذا؟ فنزل " فإذا نزل بساحتهم " فإذا نزل العذاب بفنائهم " فساء صباح المنذرين " أي فبئس صباح المنذرين صباحهم.

وفي قوله: " في عزة " أي استكبار عن الحق " وشقاق " خلاف لله ولرسوله " فنادوا " استغاثة أو توبة واستغفارا " ولات حين مناص " أي ليس الحين حين مناص و (لا) هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد، وقيل: هي النافية للجنس أي ولا حين مناص لهم، وقيل: للفعل والنصب بإضماره أي ولا أرى حين مناص. وقال الطبرسي رحمه الله: قال المفسرون: إن أشراف قريش وهم خمسة و عشرون. منهم: الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم وأبو جهل وأبي وأمية - ابنا خلف - وعتبة وشيبة - ابنا ربيعة - والنضر بن الحارث أتوا أبا طالب وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد أتيناك تقضي بيننا وبين ابن أخيك، فإنه سفه أحلامنا، وشتم آلهتنا، فدعا أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا بن أخي هؤلاء قومك يسألونك، فقال: ماذا يسألونني؟ قالوا:

دعنا وآلهتنا ندعك وإلهك، فقال صلى الله عليه وآله: أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب والعجم؟ فقال له أبو جهل: لله أبوك نعطيك ذلك وعشر أمثالها، فقال: قولوا: لا إله إلا الله، فقاموا وقالوا: " أجعل الآلهة إلها واحدا " فنزلت هذه الآيات.

وروي أن النبي صلى الله عليه وآله استعبر ثم قال: يا عم والله لو وضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا القول حتى أنفذه أو اقتل دونه، فقال له أبو طالب: امض لأمرك فوالله لا أخذلك أبدا. وقال البيضاوي: " وانطلق الملا منهم " أي وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب بعد ما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وآله " أن امشوا واصبروا " واثبتوا " على آلهتكم " على عبادتها " إن هذا لشئ يراد " إن هذا الامر لشئ من ريب الزمان يراد بنا فلا مرد له، أو إن هذا الرأي الذي يدعيه من التوحيد أو يقصده من الرياسة والترفع على العرب والعجم لشئ يتمنى أو يريده كل أحد، أو إن دينكم يطلب ليؤخذ منكم

" ما سمعنا بهذا " بالذي يقوله " في الملة الآخرة " في الملة التي أدركنا عليه آباءنا، أو في ملة عيسى التي هو آخر الملل، فإن النصارى يثلثون، ويجوز أن يكون حالا من هذا، أي ما سمعنا من أهل الكتاب ولا الكهان بالتوحيد كائنا في الملة المترقبة " إن هذا إلا اختلاق " كذب اختلقه " أم عندهم خزائن رحمة ربك " بل أعندهم خزائن رحمته وفي تصرفهم حتى يتخيروا للنبوة من شاؤوا " أم لهم ملك السماوات " أي ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه، فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها؟ " فليرتقوا في الأسباب " أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم فينزلوا الوحي إلى من يستصوبونه، والسبب في الأصل: هو الوصلة، وقيل: المراد بالأسباب السماوات لأنها أسباب الحوادث السفلية " جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب " أي هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل، مهزوم مكسور عما قريب، فمن أين لهم التدابير الإلهية؟ أو فلا تكترث بما يقولون. " قل هو نبأ عظيم " أي ما أنبأتكم به من أني نذير من عقوبة من هذه صفته و إنه واحد في الألوهية، وقيل: ما بعده من نبأ آدم " ما كان لي من علم بالملأ الاعلى إذ يختصمون " فإن إخباره عن تقاول الملائكة وما جرى بينهم على ما وردت في الكتب المتقدمة من غير سماع ومطالعة كتاب لا يتصور إلا بالوحي. " وما أنا من المتكلفين " المتصنعين بما لست من أهله على ما عرفتم من حالي فانتحل النبوة و أتقول القرآن " بعد حين " بعد الموت، أو يوم القيامة، أو عند ظهور الاسلام. وفي قوله: " والذين اتخذوا من دونه أولياء " يحتمل المتخذين من الكفرة، والمتخذين من الملائكة وعيسى والأصنام، على حذف الراجع، وإضمار المشركين من غير ذكر لدلالة المساق عليهم، وهو مبتدء خبره على الأول: " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " بإضمار القول، أو " إن الله يحكم بينهم " وهو متعين على الثاني،

وعلى هذا يكون القول المضمر بما في حيزه حالا أو بدلا من الصلة، وزلفى مصدر أو حال " لو أراد الله أن يتخذ ولدا " كما زعموا " لاصطفى مما يخلق ما يشاء " إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوقه لقيام الدلالة على امتناع وجود واجبين، ووجوب استناد ما عدا الواجب إليه، ومن البين أن المخلوق لا يماثل الخالق فيقوم مقام الولد له.

ثم قرر ذلك بقوله سبحانه: " هو الله الواحد القهار " فإن الألوهية الحقيقية تتبع الوجوب المستلزم للوحدة الذاتية، وهي تنافي المماثلة فضلا عن التولد، لان كل واحد من المثلين مركب من الحقيقة المشتركة والتعين المخصوص، والقهارية المطلقة تنافي قبل الزوال المحوج إلى الولد " نسي ما كان يدعو إليه " أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو ربه الذي كان يتضرع إليه. " أفمن شرح الله " خبره محذوف دل عليه قوله: " فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله " أي من أجل ذكره. " ضرب الله مثلا " للمشرك والموحد " رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل " مثل المشرك - على ما يدعيه مذهبه من أن يدعي كل واحد معبوديه عبوديته ويتنازعوا فيه - بعبد يتشارك فيه جمع يتجاذبونه ويتعاورونه في المهام المختلفة في تحيره وتوزع قلبه، والموحد بمن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ويخوفونك بالذين من دونه ": كانت الكفار تخيفه بالا وثان التي كانوا يعبدونها، قالوا: أما تخاف أن تهلكك آلهتنا؟ وقيل: إنه لما قصد خالد لكسر العزى بأمر النبي صلى الله عليه وآله قالوا: إياك يا خالد فبأسها شديد! فضرب خالد أنفها بالفأس فهشمها فقال:

كفرانك يا عزى لا سبحانك * سبحان من أهانك.

" أولو كانوا لا يملكون شيئا " من الشفاعة " ولا يعقلون " جواب هذا الاستفهام محذوف، أي أولو كانوا بهذه الصفة تتخذونهم شفعاء وتعبدونهم راجين شفاعتهم؟

" قل لله الشفاعة جميعا " أي لا يشفع أحد إلا بإذنه " وإذا ذكر الله وحده اشمأزت " أي نفرت، وقيل: انقبضت. وقال البيضاوي: " واتبعوا أحسن ما انزل إليكم من ربكم " أي القرآن، أو المأمور به دون المنهي عنه، أو العزائم دون الرخص، أو الناسخ دون المنسوخ، و لعله ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة على الطاعة. " إن الذين يجادلون في آيات الله " عام في كل مجادل مبطل وإن نزلت في مشركي مكة أو اليهود حين قالوا:

لست صاحبنا، بل هو المسيح بن داود، يبلغ سلطانه البر والبحر، وتسير معه الأنهار " إن في صدورهم إلا كبر " إلا تكبر عن الحق، وتعظم عن التفكر والتعلم، أو إرادة الرياسة، أو أن النبوة والملك لا يكون إلا لهم " ما هم ببالغيه " ببالغي دفع الآيات أو المراد " لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس " فمن قدر على خلقها أولا من غير أصل قدر على خلق الانسان ثانيا من أصل. " فإذا جاء أمر الله " أي بالعذاب في الدنيا والآخرة " قضي بالحق " بإنجاء المحق وتعذيب المبطل " وخسر هنالك المبطلون " المعاندون باقتراح الآيات بعد ظهور ما يغنيهم عنها. وفي قوله: قلوبنا أكنة " أي في أغطية، وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك ما يدعوهم إليه واعتقاده، ومج أسماعهم له، وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول " فاعمل " على دينك، أو في إبطال أمرنا " إننا عاملون " على ديننا، أو في إبطال أمرك.

وقال الطبرسي رحمه الله: قيل: إن أبا جهل رفع ثوبه بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله

فقال: يا محمد أنت من ذاك الجانب، ونحن من هذا الجانب، فاعمل أنت على دينك و مذهبك، إننا عاملون على ديننا ومذهبنا. " فاستقيموا إليه " أي لا تميلوا عن سبيله وتوجهوا إليه بالطاعة. وفي قوله: " والغوا فيه " أي عارضوه باللغو والباطل وبما لا يعتد به من الكلام.

" لعلكم تغلبون " أي لتغلبوه باللغو والباطل، ولا يتمكن أصحابه من الاستماع، وقيل: ألغوا فيه بالتخليط في القول والمكاء والصفير، وقيل: معناه: ارفعوا أصواتكم في وجهه بالشعر والرجز، عن ابن عباس والسدي: لما عجزوا عن معارضة القرآن احتالوا في اللبس على غيرهم وتواصوا بترك استماعه والالغاء عند قراءته. وقال البيضاوي في قوله: " وما يلقيها ": أي ما يلقى هذه السجية وهي مقابلة الإساءة بالاحسان " إلا الذين صبروا " فإنها تحبس النفس عن الانتقام " وما يلقيها إلا ذو حظ عظيم " من الخير وكمال النفس، وقيل: الحظ العظيم: الجنة. " ولو جعلناه قرآنا أعجميا " جواب لقولهم: هلا نزل القرآن بلغة العجم " لقالوا لولا فصلت آياته " بينت بلسان نفقهه " أأعجمي وعربي " أكلام أعجمي ومخاطب عربي؟

إنكار مقرر للتخصيص " أولئك ينادون من مكان بعيد " هو تمثيل لهم في عدم قبولهم و استماعهم له بمن تصيح به من مسافة بعيدة. " شرع لكم من الدين " أي شرع لكم دين نوح - على نبينا وآله وعليه السلام - ومحمد صلى الله عليه وآله ومن بينهما من أرباب الشرائع عليهم الصلاة والسلام، وهو أصل المشترك فيما بينهم المفسر بقوله: " أن أقيموا الدين " وهو الايمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله " ولا تتفرقوا فيه " ولا تختلفوا في هذا الأصل، أما فروع الشرائع فمختلفة " وما تفرقوا " يعني الأمم السالفة، وقيل: أهل الكتاب " وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم " يعني أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، أو المشركين الذين أورثوا القرآن من بعد أهل الكتاب " فلذلك " أي فلأجل ذلك التفرق، أو الكتاب

أو العلم الذي أوتيته " لا حجة بيننا وبينكم " أي لا حجاج بمعنى لا خصومة، إذ الحق قد ظهر ولم يبق للمخاصمة مجال " والذين يحاجون في الله " في دينه " من بعد ما استجيب له " من بعد ما استجاب له الناس ودخلوا فيه، أو من بعد ما استجاب الله لرسوله فأظهر دينه بنصره يوم بدر، أو من بعد ما استحاب له أهل الكتاب بأن أقروا بنبوته واستفتحوا به " حجتهم داحضة " زائلة باطلة. " فإن يشأ الله يختم على قلبك " استبعاد للافتراء عن مثله بالاشعار على أنه إنما يجترئ عليه من كان مختوما على قلبه، جاهلا بربه، وكأنه قال: إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك لتجترئ بالافتراء عليه، وقيل: " يختم على قلبك " يمسك القرآن والوحي عنه أو يربط عليه بالصبر فلا يشق عليك أذاهم. " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا " يعني ما أوحى إليه وسماه روحا لان القلوب تحيى به، وقيل: جبرئيل عليه السلام، والمعنى: أرسلناه إليك بالوحي " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " أي قبل الوحي، وهو دليل على أنه لم يكن متعبدا قبل النبوة بشرع، وقيل: المراد هو الايمان بما لا طريق إليه إلا السمع " ولكن جعلناه نورا " أي الروح، أو الكتاب، أو الايمان. وفي قوله: " وإنه " عطف على إنا " في أم الكتاب " في اللوح المحفوظ، فإنه أصل الكتب السماوية " لدينا " محفوظا عندنا عن التغيير " لعلي " رفيع الشأن في الكتب السماوية، لكونه معجزا من بينها " حكيم " ذو حكمة بالغة، أو محكم لا ينسخه غيره " أفنضرب عنكم الذكر صفحا " أفنذوده ونبعده عنكم، مجاز من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض، والفاء للعطف على محذوف، أي أنهملكم فنضرب عنكم الذكر؟

وصفحا مصدر من غير لفظه، فإن تنحية الذكر عنهم إعراض، أو مفعول له، أو حال بمعنى صافحين " وأصله أن تولي الشئ صفحة عنقك، وقيل: إنه بمعنى الجانب فيكون ظرفا " إن كنتم " أي لئن كنتم " فأهلكنا أشد منهم بطشا " أي من القوم المسرفين،

لأنه صرف الخطاب عنهم إلى الرسول صلى الله عليه وآله مخبرا عنهم " ومضى مثل الأولين " وسلف في القرآن قصتهم العجيبة، وفيه وعد للرسول صلى الله عليه وآله، ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين " وجعلوا له من عباده جزء " أي ولدا فقالوا: الملائكة بنات الله، ولعله سماه جزء كما سمي بعضا لأنه بضعة من الوالد، دلالة على استحالته على الواحد الحق في ذاته " وهو كظيم " مملوء قلبه من الكرب " أو من ينشؤ في الحلية " أي أو جعلوا له، أو اتخذ من يتربى في الزينة يعني البنات " وهو في الخصام " في المجادلة " غير مبين " مقرر لما يدعيه من نقصان العقل وضعف الرأي " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " كفر آخر تضمنه مقالهم شنع به عليهم، وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله أنقصهم رأيا وأخسهم صنفا " أشهدوا خلقهم " أحضروا خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثا؟ فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة. " كتابا من قبله " أي من قبل القرآن " قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم " أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم، وهو حكاية أمر ماض أوحي إلى النذير، أو خطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله، ويؤيد الأول أنه قرأ ابن عامر وحفص قال: وقوله: " قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ": أي وإن كان أهدى إقناطا للنذير من أن ينظروا ويتفكروا فيه " بل متعت هؤلاء " المعاصرين للرسول من قريش " وآباءهم " بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بذلك وانهمكوا في الشهوات. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " يعنون بالقريتين مكة والطائف، وبالرجل منهما الوليد بن المغيرة من مكة وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، وقيل: عتبة بن ربيعة من مكة وابن عبد ياليل من الطائف، وقيل: الوليد بن المغيرة من مكة وحبيب بن عمرو الثقفي من الطائف، عن ابن عباس، وإنما قالوا: ذلك لان الرجلين كانا عظيمين في قومهما وذوي الأموال الجسيمة فيهما، فدخلت الشبهة عليهم حتى اعتقدوا أن من كان كذلك كان أولى بالنبوة، فقال سبحانه ردا عليهم: " أهم يقسمون رحمة ربك "

يعني النبوة بين الخلق، ثم قال: " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " أي نحن قسمنا الرزق في المعيشة على حسب ما علمنا من مصالح عبادنا، فليس لأحد أن يتحكم في شئ من ذلك، فكما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق فكذلك اصطفينا للرسالة من شئنا " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات " أي أفقرنا البعض وأغنينا البعض ولم نفوض ذلك إليهم مع قلة خطره فكيف نفوض اختيار النبوة إليهم مع عظم محلها وشرف قدرها؟ " ليتخذ بعضهم بعضا سخريا " معناه أن الوجه في اختلاف الرزق بين العباد في الضيق والسعة زيادة على ما فيه من المصلحة أن في ذلك تسخيرا من بعض العباد لبعض بإحواجهم إليهم، ليستخدم بعضهم بعضا فينتفع أحدهم بعمل الآخر له فينتظم بذلك قوام أمر العالم، وقيل: معناه: ليملك بعضهم بعضا بمالهم فيتخذونهم عبيدا و مماليك " ورحمة ربك خير مما يجمعون " أي الثواب، أو الجنة، أو النبوة. " فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون " أي فإما نتوفينك فإنا منتقمون من أمتك بعدك " أو نرينك الذي وعدناهم " أي في حياتك ما وعدناهم من العذاب " فإنا عليهم مقتدرون أي قادرون على الانتقام منهم وعقوبتهم في حياتك وبعد وفاتك، قال الحسن وقتادة: إن الله أكرم نبيه بأن لم يره تلك النقمة ولم ير في أمته إلا ما قرت به عينه، وقد كان بعده نقمة شديدة.

وقد روي أنه صلى الله عليه وآله أري ما يلقى أمته بعده فما زال منقبضا ولم ينبسط ضاحكا حتى لقى الله تعالى.

وروى جابر بن عبد الله الأنصاري قال: إني لأدناهم من رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بمنى قال: لا ألفينكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنني في الكتيبة التي تضاربكم، ثم التفت إلى خلفه فقال: أو علي أو علي ثلاث مرات، فرأينا أن جبرئيل عليه السلام غمزه فأنزل الله تعالى على أثر ذلك " فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون " بعلي بن أبي طالب عليه السلام.

وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله أري الانتقام منهم، وهو ما كان من نقمة الله من

المشركين يوم بدر بعد أن أخرجوه من مكة " وإنه لذكر لك ولقومك " أي شرف " وسوف تسألون " عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف، وقيل: عن القرآن وعما يلزمكم من القيام بحقه " واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا " أي سل مؤمني أهل الكتاب، والتقدير: سل أمم من أرسلنا، وقيل: معناه: وسل الأنبياء وهم الذين جمعوا له ليلة الاسرى وكانوا سبعين نبيا منهم موسى وعيسى - على نبينا وآله وعليهما السلام - ولم يسألهم لأنه كان أعلم بالله منهم. وفي قوله تعالى: " ولما ضرب ابن مريم مثلا " اختلف في المراد على وجوه:

أحدها أن معناه: ولما وصف ابن مريم شبها في العذاب بالآلهة، أي فيما قالوه وعلى زعمهم، وذلك أنه لما نزل قوله: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " قال المشركون: قد رضينا أن تكون آلهتنا حيث يكون عيسى، وذلك قوله: " إذا قومك منه يصدون " أي يضجون ضجيج المجادلة حيث خاصموك، وهو قوله: " وقالوا أآلهتنا خير أم هو " أي ليست آلهتنا خيرا من عيسى فإن كان عيسى في النار بأنه يعبد من دون الله فكذلك آلهتنا، عن ابن عباس ومقاتل.

وثانيها: أن معناه: لما ضرب الله المسيح مثلا بآدم في قوله: " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب " اعترض على النبي صلى الله عليه وآله بذلك قوم من كفار قريش فنزلت.

وثالثها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما مدح المسيح وأمه وأنه كآدم في الخاصية قالوا: إن محمدا يريد أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى، عن قتادة.

ورابعها: ما رواه سادة أهل البيت عليهم السلام عن علي عليه السلام أنه قال: جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فوجدته في ملا من قريش فنظر إلي ثم قال: يا علي إنما مثلك في هذه الأمة كمثل عيسى بن مريم، أحبه قوم فأفرطوا في حبه فهلكوا، وأبغضه قوم وأفرطوا في بغضه فهلكوا، واقتصد فيه قوم فنجوا، فعظم ذلك عليهم وضحكوا

وقالوا: يشبهه بالأنبياء والرسل فنزلت: " وقالوا أآلهتنا خير أم هو " أي المسيح، أو محمد صلى الله عليه وآله، أو علي عليه السلام " لجعلنا منكم " أي بدلا منكم معاشر بني آدم " ملائكة في الأرض يخلفون " بني آدم. " أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون " أي بل أبرموا أمرا في كيد محمد صلى الله عليه وآله والمكر به " فإنا مبرمون " أي محكمون أمرا في مجازاتهم " أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم و نجويهم " السر: ما يضمره الانسان في نفسه ولا يظهره لغيره. والنجوى: ما يحدث به المحدث غيره في الخفية. وقال البيضاوي: " قل إن كان للرحمن ولد " فإن النبي صلى الله عليه وآله يكون أعلم بالله وبما يصح له وما لا يصح له، وأولى بتعظيم ما يوجب تعظيمه ، ومن حق تعظيم الوالد تعظيم ولده، ولا يلزم من ذلك صحة كينونة الولد وعبادته له، إذ المحال قد يستلزم المحال، وقيل: معناه: إن كان له ولد في زعمكم " فأنا أول العابدين " لله الموحدين له، أو الآنفين منه أو من أن يكون له ولد، من عبد يعبد: إذا اشتد أنفه، أو ما كان له ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة " فأنى يؤفكون " يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره " وقيله " وقول الرسول، ونصبه للعطف على " سرهم " أو على محل الساعة، أو لاضمار فعله أي قال قيله، وجره عاصم وحمزة عطفا على الساعة " فاصفح عنهم " فأعرض عن دعوتهم آيسا عن إيمانهم " وقل سلام " تسلم منكم ومتاركة. وفي قوله سبحانه: " فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون " أي بعد آيات الله،

وتقديم اسم الله للمبالغة والتعظيم كما في أعجبني زيد وكرمه، أو بعد حديث الله وهو القرآن، وآياته: دلائله المتلوة أو القرآن، والعطف لتغائر الوصفين " قل للذين آمنوا يغفروا " أي يعفوا ويصفحوا " للذين لا يرجون أيام الله " لا يتوقعون وقائعه بأعدائه، من قولهم: أيام العرب: لوقائعهم، أولا يأملون الأوقات التي وقتها الله لنصر المؤمنين وثوابهم ووعدهم بها، وقيل: إنها منسوخة بآية القتال " ليجزي قوما " علة للامر " ثم جعلناك على شريعة " أي طريقة " من الامر " أي أمر الدين " هذا " أي القرآن أو اتباع الشريعة " بصائر للناس " بينات تبصرهم وجه الفلاح. " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه " أي ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى فكأنه يعبده، وقرئ " آلهة هواه " لأنه كان أحدهم يستحسن حجرا فيعبده، فإذا رأى أحسن منه رفضه إليه " وقالوا ما هي " ما الحياة أو الحال " إلا حياتنا الدنيا " التي نحن فيها " نموت ونحيى " نكون أمواتا ونطفا وما قبلها ونحيى بعد ذلك، أو نموت بأنفسنا و نحيى ببقاء أولادنا، أو يموت بعضنا ويحيى بعض، أو يصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة، ويحتمل أنهم أرادوا به التناسخ فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان " وما يهلكنا إلا الدهر " إلا مرور الزمان " وما لهم بذلك من علم " يعني نسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلق بها على الاستقلال، أو إنكار البعث أو كليهما " إن هم إلا يظنون " إذ لا دليل لهم عليه، وإنما قالوه بناء على التقليد والانكار لما لم يحسوا به. وفي قوله: " وأجل مسمى " وبتقدير الأجل ينتهي إليه الكل وهو يوم القيامة، أو كل واحد وهو آخر مدة بقائه المقدر له " أو أثارة من علم " أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين، هل فيها ما يدل على استحقاقهم للعبادة، أو الامر بها " ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له " إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين حيث تركوا عبادة السميع المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم، فضلا أن يعلم، سرائرهم ويراعي مصالحهم " إلى يوم القيامة "

ما دامت الدنيا " وهم عن دعائهم غافلون " لأنهم إما جمادات، وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم " قل إن افتريته " على الفرض " فلا تملكون لي من الله شيئا " أي إن عاجلني الله بالعقوبة فلا تقدرون على دفع شئ منها، فكيف أجترئ عليه وأعرض نفسي للعقاب من غير توقع نفع ولا دفع ضر من قبلكم؟ " هو أعلم بما تفيضون فيه " تندفعون فيه من القدح في آياته " قل ما كنت بدعا من الرسل " بديعا منهم أدعوكم إلى ما لا يدعون إليه، أو أقدر على ما لم يقدروا عليه وهو الاتيان بالمقترحات كلها " وشهد شاهد من بني إسرائيل " أي عبد الله بن سلام، وقيل: موسى - على نبينا وآله وعليه السلام - وشهادته ما في التوراة من نعت الرسول صلى الله عليه وآله " على مثله " مثل القرآن، وهو ما في التوراة من المعاني المصدقة للقرآن المطابقة لها، أو مثل ذلك وهو كونه من عند الله " إن الله لا يهدي القوم الظالمين " استيناف مشعر بأن كفرهم به لضلالهم المسبب عن ظلمهم، ودليل على الجواب المحذوف مثل ألستم ظالمين " وقال الذين كفروا للذين آمنوا " لأجلهم " لو كان خيرا " الايمان، أو ما أتى به محمد صلى الله عليه وآله " ما سبقونا إليه " وهم سقاط، إذ عامتهم فقراء وموال ورعاة، وإنما قاله قريش، وقيل: بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لما أسلم جهينة ومزنة وأسلم غفار، أو اليهود حين أسلم ابن سلام وأصحابه " بلاغ " أي هذا الذي وعظتم به، أو هذه السورة بلاغ، أي كفاية، أو تبليغ من الرسول. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " من قريتك التي أخرجتك " أي أخرجك أهلها، والمعنى: كم من رجال هم أشد من أهل مكة " أفمن كان على بينة من ربه " أي على يقين من دينه وعلى حجة واضحة من اعتقاده في التوحيد والشرائع " كمن زين له سوء عمله " هم المشركون، وقيل: هم المنافقون وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام " ومنهم من يستمع إليك " يعني المنافقين " قالوا للذين أوتوا العلم " يعني الذين أتاهم الله العلم والفهم من المؤمنين، عن الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام قال:

إنا كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فيخبرنا بالوحي فأعيه أنا ومن يعيه، فإذا خرجنا قالوا:

" ماذا قال آنفا " أي أي شئ قال الساعة، وإنما قالوا استهزاء وإظهارا أنا لم نشتغل بوعيه وفهمه، وقيل: إنما قالوا ذلك لأنهم لم يفهموا معناه ولم يعلموا ما سمعوه، وقيل: بل قالوا ذلك تحقيرا لقوله صلى الله عليه وآله: أي لم يقل شيئا فيه فائدة، ويحتمل أيضا أن يكونوا سألوا رياء ونفاقا، أي لم يذهب عني من قوله إلا هذا، فماذا قال؟ أعده علي لأحفظه. وفي قوله: " وتعزروه " أي تنصروه بالسيف واللسان " إن الذين يبايعونك " المراد بيعة الحديبية وهي بيعة الرضوان. وفي قوله: " لعنتم " أي لوقعتم في عنت وهو الاثم والهلاك. " قالت الاعراب آمنا " هم قوم من بني أسد أتوا النبي صلى الله عليه وآله في سنة جدبة وأظهروا الاسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر، إنما كانوا يطلبون الصدقة، فأمره الله سبحانه أن يخبرهم بذلك ليكون آية معجزة له فقال: " قل لم تؤمنوا " أي لم تصدقوا على الحقيقة في الباطن " ولكن قولوا أسلمنا " أي استسلمنا مخافة السبي والقتل " لا يلتكم من أعمالكم " أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم " شيئا " قالوا: فلما نزلت الآيتان أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله يحلفون أنهم مؤمنون صادقون في دعواهم الايمان، فأنزل الله سبحانه: " قل أتعلمون الله بدينكم " أي أتخبرون الله بالدين الذي أنتم عليه، والمعنى أنه سبحانه عالم بذلك فلا يحتاج إلى إخباركم به، وكان هؤلاء يقولون: آمنا بك من غير قتال وقاتلك بنو فلان، فقال سبحانه: " يمنون عليك أن أسلموا " أي بأن أسلموا. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " وكم أهلكنا قبلهم ": قبل قومك " من قرن هم أشد منهم بطشا " أي قوة كعاد وثمود " فنقبوا في البلاد " فخرقوا في البلاد و تصرفوا فيها، أو جالوا في الأرض كل مجال حذر الموت، وأصل التنقيب التنقير عن الشئ والبحث عنه " هل من محيص " أي لهم من الله، أو من الموت، وقيل: الضمير في " نقبوا "

لأهل مكة، أي ساروا في أسفارهم في بلاد القرون فهل رأوا لهم محيصا حتى يتوقعوا مثله لأنفسهم " لمن كان له قلب " أي قلب واع يتفكر في حقائقه " أو ألقى السمع " وأصغى لاستماعه " وهو شهيد " حاضر بذهنه ليفهم معانيه، أو شاهد بصدقه فيتعظ بظواهره وينزجر بزواجره " وما أنت عليهم بجبار " أي بمسلط تقهرهم على الايمان أو تفعل بهم ما تريد وإنما أنت داع. " أتواصوا به " أي كأن الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضا بهذا القول حتى قالوه جميعا " بل هم قوم طاغون " إضراب عن أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه " فتول عنهم " فأعرض عن مجادلتهم " فما أنت بملوم " على الاعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ. " فما أنت بنعمة ربك " بحمد الله وإنعامه " بكاهن ولا مجنون " كما يقولون " أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون " ما يقلق النفوس من حوادث الدهر، وقيل:

المنون: الموت " قل تربصوا فإني معكم من المتربصين " أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي " أم تأمرهم أحلامهم " عقولهم " بهذا التناقض في القول فإن الكاهن يكون ذا فتنة ودقة نظر، والمجنون مغطى عقله، والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق مخيل، ولا يتأتى ذلك من المجنون " أم هم قوم طاغون " مجاوزون الحد في العناد " أم يقولون تقوله " اختلقه من تلقاء نفسه " بل لا يؤمنون " فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم " أم خلقوا من غير شئ " أم أحدثوا وقدروا من غير محدث ومقدر فلذلك لا يعبدونه؟ أو من أجل لا شئ من عبادة ومجازاة " أم هم الخالقون " يؤيد الأول فإن معناه: أم خلقوا أنفسهم؟ ولذلك عقبه بقوله: " أم خلقوا السماوات والأرض " وأم في هذه الآيات منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الانكار " بل لا يوقنون " أي إذا سئلوا: من خلقكم ومن خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، إذ لو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته " أم عندهم خزائن ربك " خزائن رزقه حتى يرزقوا النبوة من شاؤوا، أو خزائن علمه

حتى يختاروا لها من شاؤوا " أم هم المصيطرون " الغالبون على الأشياء يدبرونها كيف شاؤوا " أم لهم سلم " مرتقى إلى السماء " أم تسئلهم أجرا " على تبليغ الرسالة " فهم من مغرم " من التزام غرم " مثقلون " محملون الثقل فلذلك زهدوا في اتباعك " وإن يروا كسفا " قطعة " من السماء ساقطا يقولوا " من فرط طغيانهم وعنادهم " سحاب مركوم " هذا سحاب تراكم بعضها على بعض " فإنك بأعيننا " في حفظنا بحيث نراك ونكلأك. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ": أي أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله وتعبدون معها الملائكة وتزعمون أن الملائكة بنات الله، وقيل: معناه: أفرأيتم أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومنات بنات الله؟ لأنه كان منهم من يقول: إنما نعبد هؤلاء لأنهم بنات الله، وقيل: زعموا أن الملائكة بنات الله وصوروا أصنامهم على صورهم وعبدوها من دون الله، واشتقوا لها أسماء من أسماء الله فقالوا: اللات من الله، والعزى من العزيز، وقيل: إن اللات صنم كانت ثقيف تعبده، والعزى صنم أيضا، وقيل: إنها كانت شجرة سمرة عظيمة لغطفان يعبدونها فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وآله خالد بن الوليد فقطعها، وقال:

يا عز كفرانك لا سبحانك * إني رأيت الله قد أهانك عن مجاهد، وقال قتادة: كانت مناة صنما لهذيل بين مكة والمدينة، وقال الضحاك والكلبي: كانت في الكعبة لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة، وقيل: اللات والعزى ومنات أصنام من حجارة كنت في الكعبة يعبدونها، ومعنى الآية: أخبروني عن هذه الأصنام هل ضرت أو نفعت أو فعلت ما يجب أن يعدل بالله؟ ثم قال سبحانه منكرا على كفار قريش قولهم: الملائكة بنات الله وكذلك الأصنام: " ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى " أي جائرة غير معتدلة، يعني أن القسمة التي قسمتم من نسبة الإناث إلى الله وإيثاركم بالبنين قسمة غير عادلة.

وفي قوله: أفرأيت الذي تولى ": ونزلت الآيات السبع في عثمان بن عفان كان يتصدق وينفق ماله، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك أن لا يبقى لك شئ، فقال عثمان: إن لي ذنوبا وإني أطلب بما أصنع رضى الله وأرجو عفوه، فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الصدقة فنزلت: " أفرأيت الذي تولى " أي يوم أحد حين ترك المركز وأعطى قليلا ثم قطع نفقته. إلى قوله: " سوف يرى " فعاد عثمان إلى ما كان عليه، عن ابن عباس وجماعة من المفسرين.

وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وآله على دينه فعيره المشركون وقالوا: تركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت أنهم في النار، قال:

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.