بحارالانوار · المجلد الرابع
باب 1 احتجاج الله تعالى على أرباب الملل المختلفة في القرآن
ج ۹، ص ۷۷–۱۰۵ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۴ از ۱۰
واعلم أن مذهب النصارى مجهول جدا، والذي يتحصل منهم أنهم أثبتوا ذاتا موصوفا بصفات ثلاثة، إلا أنهم وإن سموا تلك الصفات بأنها صفات فهي في الحقيقة ذوات، بدليل أنهم يجوزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم، ولولا أنها ذوات قائمة بأنفسها لما جوزوا عليها أن يحل في الغير وأن يفارق ذاتا إلى أخرى، فهم وإن كانوا يسمونها بالصفات إلا أنهم في الحقيقة يثبتون ذواتا متعددة قائمة بأنفسها، وذلك محض الكفر.
ثم قال: اختلفوا في تعيين المبتدأ لقوله: " ثلاثة " على أقوال: الأول: ما ذكرناه،
أي ولا تقولوا: الأقانيم ثلاثة، الثاني: قال الزجاج: ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، وذلك لان القرآن يدل على أن النصارى يقولون: إن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة، والدليل عليه قوله تعالى: " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " الثالث:
قال الفراء: ولا تقولوا هم ثلاثة كقوله: " سيقولون ثلاثة " وذلك لان ذكر عيسى ومريم مع الله بهذه العبارة يوهم كونهما إلهين: وبالجملة فلا نرى مذهبا في الدنيا أشد ركاكة وبعدا عن العقل من مذهب النصارى. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء ": أي بين اليهود والنصارى، وقيل: المراد بين أصناف النصارى خاصة لأهوائهم المختلفة في الدين، وذلك أن النسطورية قالت: إن عيسى ابن الله، واليعقوبية: إن الله هو
المسيح بن مريم، والملكانية وهم الروم قالوا: إن الله ثالث ثلاثة: الله، وعيسى، ومريم. وفي قوله: " نحن أبناء الله ": قيل: إن اليهود قالوا: نحن في القرب من الله بمنزلة الابن من أبيه، والنصارى كما قالوا: المسيح ابن الله جعلوا نفوسهم أبناء الله وأحباءه لأنهم تأولوا ما في الإنجيل من قول المسيح: " أذهب إلى أبي وأبيكم " عن الحسن، وقيل: إن جماعة من اليهود منهم: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وزيد بن التابوه وغيرهم قالوا لنبي الله حين حذرهم بنقمات الله وعقوباته: لا تخوفنا فإنا أبناء الله وأحباؤه، وإن غضب علينا فإنما يغضب كغضب الرجل على ولده، يعني أنه يزول عن قريب، عن ابن عباس، وقيل: إنه لما قال قوم: إن المسيح ابن الله أجرى ذلك على جميعهم كما تقول العرب: هذيل شعراء، أي فيهم شعراء. وفي قوله: " قالت اليهود يد الله مغلولة " أي مقبوضة عن العطاء، ممسكة عن الرزق فنسبوه إلى البخل، عن ابن عباس وغيره، قالوا: إن الله كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا، وأخصبهم ناحية، فلما عصوا الله في محمد صلى الله عليه وآله وكذبوه كف الله عنهم ما بسط عليهم من السعة فقال عند ذلك فنحاص بن عازوراء: يد الله مغلولة " ولم يقل: إلى عنقه. قال أهل المعاني إنما قال فنحاص ولم ينهه الآخرون ورضوا بقوله فأشركهم الله في ذلك، وقيل معناه: يد الله مكفوفة عن عذابنا، فليس يعذبنا إلا بما يبر به قسمه قدر ما عبد آباؤنا العجل، وقيل: إنه استفهام وتقديره:
أيد الله مغلولة عنا حيث قتر المعيشة علينا؟ وقال أبو القاسم البلخي: يجوز أن يكون اليهود قالوا قولا واعتقدوا مذهبا يؤدي إلى أن الله تعالى يبخل في حال، ويجود في حالة أخرى، فحكى ذلك عنهم على وجه التعجيب منهم والتكذيب لهم، ويجوز أن يكونوا قالوا ذلك على وجه الهزء من حيث لم يوسع على النبي صلى الله عليه وآله، وليس ينبغي أن يتعجب من قوم يقولون لموسى: " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " ويتخذون العجل
إلها أن يقولوا: إن الله يبخل تارة ويجود أخرى، وقال الحسن بن علي المغربي:
حدثني بعض اليهود بمصر أن طائفة منهم قال ذلك. أقول: قال الرازي: لعله كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة، وهو أن الله تعالى موجب لذاته وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد وسنن واحد وأنه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه التي عليها يقع، فعبروا عن عدم الاقتدار على التغيير والتبديل بغل اليد. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله: " غلت أيديهم ": فيه أقوال: أحدها: أنه على سبيل الاخبار، أي غلت أيديهم في جهنم. وثانيها: أن يكون خرج مخرج الدعاء كما يقال: قاتله الله. وثالثها: أن معناه: جعلوا بخلاء وألزموا البخل فهم أبخل قوم، فلم يلق يهودي أبدا غير لئيم بخيل.
" كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله " أي لحرب محمد صلى الله عليه وآله، وفي هذا دلالة ومعجزة، لان الله أخبر فوافق خبره المخبر، فقد كانت اليهود أشد أهل الحجاز بأسا، وأمنعهم دارا، حتى أن قريشا تعتضد بهم، والأوس والخزرج تستبق إلى مخالفتهم وتتكثر بنصرتهم ، فأباد الله خضراءهم، واستأصل شأفتهم، واجتث أصلهم فأجلى النبي صلى الله عليه وآله بني النضير وبني قينقاع، وقتل بني قريظة، وشرد أهل خيبر، وغلب على فدك، ودان أهل وادي القرى، فمحا الله سبحانه آثارهم صاغرين. وفي، قوله: " لقد كفر الذين قالوا " هذا مذهب اليعقوبية منهم لأنهم قالوا إن الله تعالى اتحد بالمسيح اتحاد الذات فصارا شيئا واحدا وصار الناسوت لاهوتا.
وقال الرازي: في تفسير قول النصارى: " ثالث ثلاثة " طريقان: الأول: قول المفسرين وهو أنهم أردوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة. والثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: جوهر واحد ثلاثة أقانيم: أب، وابن، وروح القدس، وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة، وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر والماء باللبن، وزعمت أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد، واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل فإن الثلاثة لا تكون واحدا، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا نرى في الدنيا مقالة أشد فسادا من مقالة النصارى. وقال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى: " ترى كثيرا منهم " أي من اليهود " يتولون الذين كفروا " يريد كفار مكة، يريد بذلك كعب بن الأشرف وأصحابه حين استحاشوا المشركين على رسول الله صلى الله عليه وآله كما مر، وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: يتولون الملوك الجبارين ويزينون لهم أهواءهم ليصيبوا من دنياهم. وفي قوله تعالى: " ما جعل الله من بحيرة " يريد: ما حرمها أهل الجاهلية، و البحيرة: هي الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا بحروا اذنها و امتنعوا من ركوبها ونحرها، ولا تطرد من ماء، ولا تمنع من مرعى، فإذا لقيها المعيي لم يركبها، وقيل: إنهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس فإن كان ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء جميعا، وإن كانت أنثى شقوا اذنها فتلك البحيرة، ثم لا يجز لها وبر، ولا يذكر عليها اسم الله إن ذكيت، ولا
حمل عليها، وحرم على النساء أن يذقن من لبنها شيئا، ولا أن ينتفعن بها، وكان لبنها ومنافعها للرجال خاصة دون النساء حتى تموت، فإذا ماتت اشترك الرجال والنساء في أكلها، عن ابن عباس، وقيل: إن البحيرة بنت السائبة.
" ولا سائبة " وهي ما كانوا يسيبونه، فإن الرجل إذا نذر لقدوم من سفر أو لبرء من علة أو ما أشبه ذلك فقال: ناقتي سائمة، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها وأن لا تخلا عن ماء، ولا تمنع من مرعى، عن الزجاج وعلقمة، وقيل: هي التي تسيب للأصنام أي تعتق لها، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجئ به إلى السدنة وهم خدمة آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل ونحو ذلك، عن ابن عباس وابن مسعود، وقيل: إن السائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهن ذكر سيبت فلم يركبوها، ولم يجزوا وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق اذنها ثم يخلى سبيلها مع أمها.
" ولا وصيلة " وهي في الغنم، كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، عن الزجاج، وقيل: كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كانت السابع جديا ذبحوه لآلهتهم، ولحمه للرجال دون النساء، وإن كانت عناقا استحيوها وكانت من عرض الغنم، وإن ولدت في البطن السابع جديا وعناقا قالوا: إن الأخت وصلت أخاها فمحرمة علينا فحرما جميعا، وكانت المنفعة واللبن للرجال دون النساء، عن ابن مسعود ومقاتل، وقيل: الوصيلة: الشاة إذا أتأمت عشر إناث في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت وصيلة، فقالوا: قد وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث، عن محمد بن إسحاق.
" ولا حام " وهو الذكر من الإبل، كانت العرب إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره، فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء، ولا من مرعى، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقيل: إنه الفحل إذا لقح ولد ولده قيل: حمى ظهره فلا يركب، عن الفراء.
أعلم الله سبحانه أنه لم يحرم من هذه الأشياء شيئا، وقال المفسرون: روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله أن عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف كان قد ملك مكة، وكان أول من غير دين إسماعيل، فاتخذ الأصنام، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
فلقد رأيته في النار تؤذي أهل النار ريح قصبه، ويروى: يجر قصبه في النار. وفي قوله: " ولو نزلنا عليك كتابا " نزلت في النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية و نوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله " ولو أنزلنا ملكا لقضي الامر ثم لا ينظرون " أي لما آمنوا به، فاقتضت الحكمة استيصالهم وأن لا يمهلهم " ولو جعلناه ملكا " أي الرسول، أو الذي ينزل عليه ليشهد بالرسالة " لجعلناه رجلا " لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته، لان أعين الخلق تحار عن رؤية الملائكة إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة " وللبسنا عليهم ما يلبسون " قال الزجاج: كانوا هم يلبسون على ضعفتهم في أمر النبي صلى الله عليه وآله فيقولون: إنما هذا بشر مثلكم، فقال:
لو أنزلنا ملكا فرأوهم الملك رجلا لكان يلحقهم من اللبس مثل ما لحق ضعفتهم منهم، وهذا احتجاج عليهم بأن الذي طلبوه لا يزيدهم بيانا، وقيل: معناه: ولو أنزلنا ملكا لما عرفوه إلا بالتفكر وهم لا يتفكرون، فيبقون في اللبس الذي كانوا فيه، وأضاف اللبس إلى نفسه لأنه يقع عند إنزاله الملائكة.
وفي قوله: " قل أي شئ أكبر شهادة " قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك؟ ما نرى أحدا يصدقك فيما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فأرنا من يشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وآله كما تزعم، فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية. وفي قوله: " ومن بلغ " في تفسير العياشي: قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام:
معناه: ومن بلغ أن يكون إماما من آل محمد صلى الله عليه وآله، فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي قوله: " كما يعرفون أبناءهم " قال أبو حمزة الثمالي: لما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام: إن الله أنزل على نبيه أن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فكيف هذه المعرفة؟ قال: نعرف نبي الله بالنعت الذي نعته الله إذا رأيناه فيكم، كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه بين الغلمان، وأيم الله الذي يحلف به ابن سلام لأنا بمحمد أشد معرفة مني بابني، فقال له كيف؟ قال عبد الله: عرفته بما نعته الله لنا في كتابنا فأشهد أنه هو، فأما ابني فإني لا أدري ما أحدثت أمه، فقال: قد وفقت وصدقت وأصبت. وفي قوله: " ومنهم من يستمع إليك " قيل: إن نفرا من مشركي مكة منهم النضر بن الحارث وأبو سفيان بن حرب والوليد بن مغيرة وعتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وغيرهم جلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقرء القرآن، فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟
فقال أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية. وأساطير الأولين أحاديثهم التي كانوا يسطرونها، وقيل: معنى الأساطير الترهات والبسابس مثل حديث رستم وإسفنديار وغيره مما لا فائدة فيه.
وفي قوله: " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون " أي ما يقولون إنك شاعر أو مجنون وأشباه ذلك " فإنهم لا يكذبونك " قرأ نافع والكسائي والأعشى عن أبي بكر: " لا يكذبونك " بالتخفيف، وهو قراءة علي عليه السلام والمروي عن الصادق عليه السلام، والباقون بفتح الكاف والتشديد. وفيه وجوه:
أحدها: لا يكذبونك بقلوبهم اعتقادا، وإن كانوا يظهرون بأفواههم التكذيب عنادا، وهو قول الأكثر، ويشهد له ما رواه سلام بن مسكين عن أبي يزيد المدني أن رسول الله صلى الله عليه وآله لقى أبا جهل فصافحه أبو جهل، فقيل له في ذلك فقال: والله إني لاعلم أنه صادق، ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال السدي:
التقى أخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال له: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد - صلى الله عليه وآله - أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل:
ويحك والله إن محمدا لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟. وثانيها: أن المعنى: لا يكذبونك بحجة، ولا يتمكنون من إبطال ما جئت به ببرهان ويدل عليه ما روي عن علي عليه السلام أنه كان يقرء " لا يكذبونك " ويقول: إن المراد بها أنهم لا يأتون بحق هو أحق من حقك.
وثالثها: أن المراد: لا يصادفونك كاذبا كما تقول العرب: قاتلناكم فما أجبناكم أي ما أصبناكم جبناء، ولا يختص هذا الوجه بالقراءة بالتخفيف، لان أفعلت وفعلت يجوزان في هذا الموضع، وأفعلت هو الأصل فيه.
ورابعها: أن المراد: لا ينسبونك إلى الكذب فيما أتيت به، لأنك كنت عندهم أمينا صدوقا، وإنما يدفعون ما أتيت به ويقصدون التكذيب بآيات الله، وروي أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وآله: لا نتهمك ولا نكذبك، ولكننا نتهم الذي جئت به و نكذبه.
وخامسها: أن المراد: لا يكذبونك بل يكذبونني، فإن تكذيبك راجع إلي ولست مختصا به، لأنك رسول، فمن رد عليك فقد رد علي. وفي قوله: " فان استطعت أن تبتغي " أي تطلب وتتخذ " نفقا في الأرض " أي سربا ومسكنا في جوف الأرض " أو سلما " أي مصعدا " إلى السماء فتأتيهم بآية " أي حجة تلجئهم إلى الايمان فافعل، وقيل: فتأتيهم بآية أفضل مما آتيناهم به فافعل " إنما يستجيب الذين يسمعون " أي يصغون إليك ويتفكرون في آياتك فإن من لم يتفكر ولم يستدل بالآيات بمنزلة من لم يسمع " والموتى يبعثهم الله " يريد: إن الذين لا يصغون إليك ولا يتدبرون بمنزلة الموتى فلا يجيبون إلى أن يبعثهم الله يوم القيامة. " وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه " أي ما اقترحوا عليه من مثل آيات الأولين كعصا موسى وناقة ثمود " ولكن أكثرهم لا يعلمون " ما في إنزالها من وجوب الاستيصال لهم إذا لم يؤمنوا عند نزولها، وما في الاقتصار بهم على ما أوتوه من الآيات من المصلحة. وفي قوله: " هل يهلك إلا القوم الظالمون " أي الذين يكفرون بالله ويفسدون في الأرض، فإن هلك فيه مؤمن أو طفل فإنما يهلك محنة، ويعوضه الله على ذلك أعواضا كثيرة يصغر ذلك في جنبها. وفي قوله: " هل يستوي الأعمى والبصير " أي العارف بالله سبحانه العالم بدينه، والجاهل به وبدينه، فجعل الأعمى مثلا للجاهل، والبصير مثلا للعارف بالله وبنبيه، وفي تفسير أهل البيت عليهم السلام: هل يستوي من يعلم ومن لا يعلم. وفي قوله: " الذين
يخافون أن يحشروا إلى ربهم " يريد: المؤمنين يخافون القيامة وأهوالها، وقيل: معناه:
يعلمون، وقال الصادق عليه السلام: أنذر بالقرآن من يرجون الوصول إلى ربهم برغبتهم فيما عنده، فإن القرآن شافع مشفع. وفي قوله: " ما تستعجلون به " قيل: معناه: الذي تطلبونه من العذاب كأن يقولون: يا محمد ائتنا بالذي تعدنا، وقيل: هي الآيات التي اقترحوها عليه استعجلوه بها، فأعلم الله سبحانه أن ذلك عنده. وفي قوله: " من فوقكم " قيل: عنى به الصيحة والحجارة والطوفان والريح " أو من تحت أرجلكم " عنى به الخسف، وقيل: " من فوقكم " أي من قبل كباركم " أو من تحت أرجلكم " من سفلتكم، وقيل: " من فوقكم " السلاطين الظلمة " ومن تحت أرجلكم " العبيد السوء ومن لا خير فيه وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام " أو يلبسكم شيعا " أي يخلطكم فرقا مختلفي الأهواء لا تكونون شيعة واحدة، وقيل:
هو أن يكلهم إلى أنفسهم ويخليهم من ألطافه بذنوبهم السالفة، وقيل: عنى به: يضرب بعضهم ببعض بما يلقيه بينهم من العداوة والعصبية وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام " ويذيق بعضكم بأس بعض " أي قتال بعض وحرب بعض، وقيل: هو سوء الجوار، عن أبي عبد الله عليه السلام.
وفي تفسير الكلبي: أنه لما نزلت هذه الآية قام النبي صلى الله عليه وآله فتوضأ، وأسبغ وضوءه، ثم قام وصلى فأحسن صلاته، ثم سأل الله سبحانه أن لا يبعث على أمته عذابا من فوقهم ولا من تحت أرجلهم ولا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله تعالى سمع مقالتك، وأنه قد أجارهم من خصلتين، ولم يجرهم من خصلتين: أجارهم من أن يبعث عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم، ولم يجرهم من الخصلتين الأخريين، فقال صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل فما بقاء أمتي مع قتل بعضهم بعضا؟ فقام وعاد إلى الدعاء فنزل " ألم أحسب الناس " الآيتين فقال: لا بد من فتنة تبتلي بها الأمة بعد نبيها ليتبين الصادق من الكاذب، لان الوحي انقطع، و بقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة.
وقال أبو جعفر عليه السلام: لما نزل " فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " قال المسلمون: كيف نصنع إن كان كلما استهزأ المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم فلا ندخل إذا المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت الحرام، فأنزل الله تعالى: " وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ " أم بتذكيرهم وتبصيرهم ما استطاعوا. وفي قوله: " كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران " استهوته من قولهم:
هوى من حالق: إذا تردى، ويشبه به الذي زل عن الطريق المستقيم، وقيل: استغوته الغيلان في المهامه، وقيل: دعته الشياطين إلى اتباع الهوى، وقيل: أهلكته، وقيل:
ذهبت به " له أصحاب يدعونه إلى الهدى " أي إلى الطريق الواضح، يقولون له: " ائتنا " ولا يقبل منهم ولا يصير إليهم لأنه قد تحير لاستيلاء الشيطان عليه. وفي قوله: " وما قدروا الله حق قدره " جاء رجل من اليهود يقال له: مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وآله، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله سبحانه يبغض الحبر السمين؟ - وكان سمينا - فغضب وقال:
والله ما أنزل الله على بشر من شئ، فقالوا له أصحابه: ويحك ولا موسى؟ فنزلت الآية، عن سعيد بن جبير، وفي رواية أخرى عنه: إنها نزلت في الكفار أنكروا قدرة الله عليهم، فمن أقر أن الله على كل شئ قدير فقد قدر الله حق قدره، وقيل: نزلت في مشركي قريش، عن مجاهد، وقيل: إن الرجل كان فنحاص بن عازوراء وهو قائل هذه المقالة، عن السدي، وقيل: إن اليهود قالت: يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟ قال:
نعم، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا فنزلت، عن ابن عباس " تجعلونه قراطيس " أي كتبا وصحفا متفرقة، أو ذا قراطيس، أي تودعونه إياها " تبدونها وتخفون كثيرا " أي تبدون بعضها وتكتمون بعضها وهو ما في الكتب من صفات الرسول صلى الله عليه وآله والإشارة إليه " وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم " قيل: إنه خطاب للمسلمين، وقيل: هو
خطاب لليهود، أي علمتم التوراة فضيعتموه، أو علمتم بالقرآن ما لم تعلموا " قل الله " أي الله أنزل ذلك " ثم ذرهم في خوضهم " أي فيما خاضوا فيه من الباطل واللعب، وهذا الامر على التهديد. وفي قوله: " وجعلوا لله شركاء الجن " أراد بالجن الملائكة لاستتارهم عن الأعين، وقيل: إن قريشا كانوا يقولون: إن الله صاهر الجن فحدث بينهم الملائكة، فالمراد الجن المعروف، وقيل: أراد بالجن الشياطين، لأنهم أطاعوا الشيطان في عبادة الأوثان " وخلقهم " الهاء والميم عائدة عليهم، أي جعلوا للذي خلقهم شركاء لا يخلقون، أو على الجن فالمعنى: والله خالق الجن فكيف يكونون شركاء؟ ويجوز أن يكون المعنى:
وخلق الجن والإنس جميعا، وقيل: إن المراد بالآية المجوس إذ قالوا: يزدان وأهرمن وهو الشيطان عندهم، فنسبوا خلق المؤذيات والشرور والأشياء الضارة إلى أهرمن، و مثلهم الثنوية القائلون بالنور والظلمة " وخرقوا له بنين وبنات " أي اختلقوا وموهوا وافتروا الكذب على الله ونسبوا البنين والبنات إليه، فإن المشركين قالوا: الملائكة بنات الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله " بغير علم " أي بغير حجة. وفي قوله: " وليقولوا درست " ذلك يا محمد، أي تعلمته من اليهود، وهذه اللام لام الصيرورة، أي أن السبب الذي أداهم إلى أن قالوا: درست هو تلاوة الآيات. وفي قوله: " وأقسموا بالله " قالت قريش: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب به الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت له ناقة فأتنا بآية من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أي شئ تحبون أن آتيكم به؟ قالوا: اجعل لنا الصفا ذهبا، وابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك: أحق ما تقول أم باطل؟ وأرنا الملائكة يشهدون لك، أو ائتنا بالله و الملائكة قبيلا، فقال رسول الله: فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني؟ قالوا: نعم والله لئن
فعلت لنتبعنك أجمعين، وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وآله أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول الله يدعو أن يجعل الصفا ذهبا، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال له: إن شئت أصبح الصفا ذهبا، ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال عليه السلام: بل يتوب تائبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، عن الكلبي ومحمد بن كعب.
" جهد أيمانهم " أي مجدين مجتهدين مظهرين الوفاء به " إنما الآيات عند الله " أي هو مالكها والقادر عليها فلو علم صلاحكم لأنزلها " ونقلب أفئدتهم وأبصارهم " أي في جهنم عقوبة لهم، أو في الدنيا بالحيرة " وحشرنا " أي جمعنا " عليهم كل شئ " أي كل آية، وقيل: أي كل ما سألوه " قبلا " أي معاينة ومقابلة " إلا أن يشاء الله " أي أن يجبرهم على الايمان وهو المروي عن أهل البيت عليهم السلام. وفي قوله: " فلا تكونن من الممترين " أي من الشاكين في ذلك، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به الأمة، وقيل: الخطاب لغيره، أي فلا تكن أيها الانسان أو أيها السامع. " وإن هم إلا يخرصون " أي ما هم إلا يكذبون ، أو لا يقولون عن علم ولكن عن خرز وتخمين، وقال ابن عباس: كانوا يدعون النبي صلى الله عليه وآله و المؤمنين إلى أكل الميتة، ويقولون: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ فهذا إضلالهم. وفي قوله: " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم " يعني علماء الكافرين و رؤساءهم " ليجادلوكم " في استحلال الميتة كما مر، وقال عكرمة: إن قوما من مجوس فارس كتبوا إلى مشركي قريش - فكانوا أولياءهم في الجاهلية -: إن محمدا و أصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله ثم يزعمون أن ما ذبحوه حلال وما قتله الله حرام فوقع ذلك في نفوسهم، فذلك إيحاؤهم إليهم، وقال ابن عباس: هم إبليس وجنوده
ليوحون إلى أوليائهم من الانس بإلقاء الوسوسة في قلوبهم. وفي قوله: " وهذا لشركائنا " يعني الأوثان، وإنما جعل الأوثان شركاءهم لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم.
" فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله " فيه أقوال: أحدها: أنهم كانوا يزرعون لله زرعا وللأصنام زرعا، فكان إذا زكا الزرع الذي زرعوه لله ولم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه إليها، ويقولون: إن الله غني والأصنام أحوج، وإن زكا الزرع الذي جعلوه للأصنام ولم يزك الزرع الذي زرعوه لله لم يجعلوا منه شيئا لله تعالى، وقالوا: هو غني، وكانوا يقسمون النعم فيجعلون بعضه لله وبعضه للأصنام، فما كان لله أطعموه الضيفان، وما كان للصنم انفق على الصنم.
وثانيها: أنه إذا كان اختلط ما جعل للأصنام بما جعل لله تعالى ردوه، وإذا اختلط ما جعل لله بما جعل للأصنام تركوه، وقالوا: الله أغنى، وإذا تخرق الماء من الذي لله في الذي للأصنام لم يسدوه، وإذا تخرق من الذي للأصنام في الذي لله سدوه، وقالوا: الله أغنى، عن ابن عباس وقتادة وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام.
وثالثها: أنه إذا هلك ما جعل للأصنام بدلوه مما جعل لله، وإذا هلك ما جعل لله لم يبدلوه مما جعل للأصنام. وفي قوله: " قتل أولادهم شركاؤهم " يعني الشياطين الذين زينوا لهم قتل البنات ووأدهن أحياء خيفة العيلة والفقر والعار، وقيل: كان السبب في تزيين قتل البنات أن النعمان بن المنذر أغار على قوم فسبى نساءهم، وكان فيهن بنت قيس بن عاصم، ثم اصطلحوا فأرادت كل امرأة منهن عشيرتها غير ابنة قيس فإنها أرادت من سباها، فحلف قيس لا تولد له بنت إلا وأدها، فصار ذلك سنة فيما بينهم قوله: " حجر " أي حرام، عنى بذلك الانعام والزرع اللذين جعلوهما لآلهتهم وأوثانهم " لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم " أي لا يأكلها إلا من نشاء أن نأذن له في
أكلها، وأعلم سبحانه أن هذا التحريم زعم منهم لا حجة لهم فيه، وكانوا لا يحلون ذلك إلا لمن قام بخدمة أصنامهم من الرجال دون النساء " وأنعام حرمت ظهورها " أي الركوب عليها، وهي السائبة والبحيرة والحام " وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها " قيل:
كانت لهم من أنعامهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شئ من شأنها، وقيل:
إنهم كانوا لا يحجون عليها، وقيل: هي التي إذا ذكوها أهلوا عليها بأصنامهم فلا يذكرون اسم الله عليها " افتراء عليه " لأنهم كانوا يقولون: إن الله أمرهم بذلك " وقالوا ما في بطون هذه الانعام " يعني ألبان البحائر والسيب، عن ابن عباس وغيره، وقيل:
يعني أجنة البحائر والسيب ما ولد منها حيا فهو خالص للذكور دون النساء، وما ولدت ميتا أكله الرجال والنساء، وقيل: المراد به كلاهما " ومحرم على أزواجنا " أي إناثنا. وفي قوله: " فإن شهدوا فلا تشهد معهم " معناه: فإن لم يجدوا شاهدا يشهد لهم على تحريمها غيرهم فشهدوا بأنفسهم فلا تشهد أنت معهم. قوله: " على طائفتين من قبلنا " أي اليهود والنصارى " وإن كنا عن دراستهم لغافلين " أي إنا كنا غافلين عن تلاوة كتبهم. وفي قوله: " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا " قرأ حمزة والكسائي:
" فارقوا " وهو المروي عن علي عليه السلام.
واختلف في المعنيين بهذه الآية على أقوال: أحدها: أنهم الكفار وأصناف المشركين، ونسختها آية السيف، وثانيها: أنهم اليهود والنصارى لأنهم يكفر بعضهم بعضا. وثالثها: أنهم أهل الضلالة وأصحاب الشبهات والبدع من هذه الأمة، رواه أبو هريرة وعائشة وهو المروي عن الباقر عليه السلام: جعلوا دين الله أديانا لاكفار بعضهم بعضا، وصاروا أحزابا وفرقا " لست منهم في شئ " هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وإعلام له أنه ليس منهم في شئ، وأنه على المباعدة التامة من أن يجتمع معهم في
معنى من مذاهبهم الفاسدة، وقيل: أي لست من مخالطتهم في شئ، وقيل: لست من قتالهم في شئ فنسختها آية القتال. وفي قوله تعالى: " فلا يكن في صدرك حرج منه " فيه أقوال: أحدها: أن معنى الحرج: الضيق، أي لا يضيق صدرك لتشعب الفكر، خوفا من أن لا تقوم بتبليغ ما انزل إليك حق القيام، فليس عليك أكثر من الانذار.
وثانيها: أن معنى الحرج الشك، أي لا يكن في صدرك شك فيما يلزمك من القيام بحقه.
وثالثها: أن معناه: فلا يضيقن صدرك من قومك أن يكذبوك ويجبهوك (يجهموك خ ل) بالسوء فيما انزل إليك، وقد روي أن الله تعالى لما أنزل القرآن على رسول الله قال: إني أخشى أن يكذبني الناس ويثلغوا رأسي فيتركوه كالخبزة فأزال الله تعالى الخوف عنه بهذه الآية. وفي قوله تعالى: " وإذا فعلوا فاحشة " كني به عن المشركين الذين كانوا يبدون سوآتهم في طوافهم، فكان يطوف الرجال والنساء عراة يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، ولا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب، وهم الحمس. قال الفراء كانوا يعملون شيئا من سيور مقطعة يشدونه على حقويهم يسمى حوفا، وإن عمل من صوف سمي رهطا، وكان تضع المرأة على قبلها النسعة فتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله * وما بدا منه فلا أحله تعني الفرج، لان ذلك لا يستر سترا تاما وفي قوله: " في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم " أي في أصنام صنعتموها أنتم وآباؤكم واخترعتم لها أسماء سميتموها آلهة وما فيها من معنى الإلهية شئ، و قيل: معناه: تسميتهم لبعضها أنه يسقيهم المطر، والآخر أنه يأتيهم بالرزق، والآخر أنه يشفي المرضى، والآخر أنه يصحبهم في السفر " ما نزل الله بها من سلطان " أي حجة وبرهان " فانتظروا " عذاب الله فإنه نازل بكم. وفي قوله: " وكلماته " أي الكتب المتقدمة والقرآن والوحي. وفي قوله:
" أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة " معناه: أولم يتفكروا هؤلاء الكفار المكذبون بمحمد صلى الله عليه وآله فيعلموا أنه ليس بمجنون، إذ ليس في أقواله وأحواله ما يدل على الجنون، ثم ابتدأ بالكلام فقال: " ما بصاحبهم من جنة " أي ليس به جنون، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله صعد الصفا وكان يدعو قريشا فخذا فخذا إلى توحيد الله ويخوفهم عذاب الله، فقال المشركون: إن صاحبهم قد جن، بات ليلا يصوت إلى الصباح، فنزلت. وفي قوله تعالى: " قل ادعوا شركاءكم " معناه أن معبودي ينصرني ويدفع كيد الكائدين عني، ومعبودكم لا يقدر على نصركم، فإن قدرتم لي على ضر فاجتمعوا أنتم مع أصنامكم وتظاهروا على كيدي ولا تمهلوني في الكيد والاضرار، فإن معبودي
يدفع كيدكم عني " وإن تدعوهم " أي الأصنام أو المشركين " خذ العفو " أي ما عفا وفضل من أموالهم، أو العفو من أخلاق الناس واقبل الميسور منها، وقيل: هو العفو في قبول العذر من المعتذر وترك المؤاخذة بالإساءة " وأمر بالعرف " أي بالمعروف " وأعرض عن الجاهلين " أي أعرض عنهم عند قيام الحجة عليهم والاياس من قبولهم ولا تقابلهم بالسفه.
ولا يقال: هي منسوخة بآية القتال، لأنها عامة خص عنها الكافر الذي يجب قتله بدليل. قال ابن زيد: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله: كيف يا رب والغضب؟
فنزل. قوله: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ " أي إن نالك من الشيطان وسوسة و نخسة في القلب أو عرض لك من الشيطان عارض. وفي قوله: " وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها " أي إذا جئتهم بآية كذبوا بها وإذا أبطأت عنهم يقترحونها ويقولون: هلا جئتنا من قبل نفسك، فليس كل ما تقوله وحيا من السماء، وقيل: إذا لم تأتهم بآية مقترحة قالوا: هلا اخترتها من قبل نفسك فتسأل ربك أن يأتيك بها. وفي قوله: " كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون " السماع هنا بمعنى القبول وهؤلاء هم المنافقون، وقيل: هم أهل الكتاب من اليهود وقريظة والنضير، وقيل: إنهم مشركو العرب، لأنهم قالوا: قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون " يعني هؤلاء المشركين الذين لم ينتفعوا بما يسمعون من الحق ولا يتكلمون به ولا يعتقدونه ولا يقرون به فكأنهم صم بكم لا يعقلون كالدواب قال الباقر عليه السلام: نزلت الآية في بني عبد الدار لم يكن أسلم منهم غير مصعب بن عمير وحليف لهم يقال له: سويبط.
وفي قوله: " لو نشاء لقلنا مثل هذا " إنما قالوا ذلك مع ظهور عجزهم عن الاتيان بمثله عداوة وعنادا، وقيل: إنما قالوا ذلك قبل ظهور عجزهم وكان قائل هذا النضر بن الحارث بن كلدة، واسر يوم بدر فقتله رسول الله صلى الله عليه وآله، وعقبة بن أبي معيط وقتله أيضا يوم بدر " وإذ قالوا اللهم " القائل لذلك النضر بن الحارث أيضا، وقيل: أبو جهل. وفي قوله: " إلا مكاء وتصدية " المكاء: الصفير، والتصدية: ضرب اليد على اليد، قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون، وصلاتهم معناه: دعاؤهم أي يقيمون المكاء والتصدية مكان الدعاء والتسبيح، وقيل: أراد: ليس لهم صلاة ولا عبادة وإنما يحصل منهم ما هو ضرب من اللهو واللعب، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا صلى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه فيصفران، ورجلان عن يساره يصفقان بأيديهما، فيخلطان عليه صلاته، فقتلهم الله جميعا ببدر، ولهم يقول ولبقية بني عبد الدار: " فذوقوا العذاب " يعني عذاب السيف يوم بدر، وقيل: عذاب الآخرة. وفي قوله تعالى: " فقد مضت سنة الأولين " أي في نصر المؤمنين وكبت أعداء الدين. وفي قوله: " وقالت اليهود عزير ابن الله " قال ابن عباس: القائل لذلك جماعة منهم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وآله منهم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك، وقيل: إنما قال ذلك جماعة منهم من قبل وقد انقرضوا، وإن عزيرا أملى التوراة من ظهر قلبه علمه جبرئيل عليه السلام فقالوا: إنه ابن الله، إلا أن الله أضاف ذلك إلى جميعهم وإن كانوا لا يقولون ذلك اليوم، كما يقال: إن الخوارج يقولون بتعذيب أطفال المشركين، وإنما يقوله الأزارقة منهم خاصة، ويدل على أن هذا مذهب اليهود أنهم لم ينكروا ذلك لما سمعوا هذه الآية مع شدة حرصهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وآله " يضاهؤن قول الذين كفروا " أي عباد الأصنام في عبادتهم لها، أو في عبادتهم للملائكة، وقولهم: إنهم بنات الله " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: أما والله ما
صاموا لهم ولا صلوا لهم، ولكنهم أحلوا لهم حراما، وحرموا عليهم حلالا فاتبعوهم فعبدوهم من حيث لا يشعرون. وروى الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرء هذه الآية حتى فرغ منها، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟
قال: فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم. وفي قوله: " إنما النسئ زيادة في الكفر " يعني تأخير الأشهر الحرم عما رتبها الله سبحانه عليه، وكانت العرب تحرم الأشهر الأربعة، وذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم وإسماعيل، وهم كانوا أصحاب غارات وحروب، فربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم فيمكثون بذلك زمانا، ثم يزول التحريم إلى المحرم ولا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة وقال ابن عباس: معنى قوله: " زيادة في الكفر " أنهم كانوا أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله، قال الفراء: والذي كان يقوم به رجل من كنانة يقال له نعيم بن تغلبة وكان رئيس الموسم، فيقول: أنا الذي لا أعاب ولا أخاب، ولا يرد لي قضاء، فيقولون: نعم صدقت أسئنا شهرا وأخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر وأحل المحرم، فيفعل ذلك، والذي كان ينسؤها حين جاء الاسلام جنادة بن عوف بن أمية الكناني، قال ابن عباس: وأول من سن النسئ عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، وقال أبو مسلم: بل رجل من بني كنانة يقال له القلمس، وقال مجاهد: كان المشركون يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور حتى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذي القعدة، ثم حج النبي
صلى الله عليه وآله في العام القابل حجة الوداع فوافقت في ذي الحجة، فذلك حين قال النبي صلى الله عليه وآله في خطبته: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مفطر الذي بين جمادى وشعبان " وأراد عليه السلام بذلك أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها وأعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسئ " ليواطؤا عدة ما حرم الله " أي إنهم لم يحلوا شهرا من الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام ليكون موافقة في العدد. وفي قوله: " أنهم يفتنون " أي يمتحنون " في كل عام مرة أو مرتين " بالأمراض والأوجاع، أو بالجهاد مع رسوله الله صلى الله عليه وآله، وما يرون من نصرة الله رسوله، وما ينال أعداءه من القتل والسبي، وقيل: بالقحط والجوع، وقيل:
بهتك أستارهم وما يظهر من خبث سرائرهم " وإذا ما أنزلت سورة " أي من القرآن وهم حضور مع النبي صلى الله عليه وآله كرهوا ما يسمعونه، و " نظر بعضهم إلى بعض " نظرا يؤمون به: " هل يراكم من أحد " وإنما يفعلون ذلك لأنهم منافقون يحذرون أن يعلم بهم، فكأنهم يقول بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد؟ ثم يقومون فينصرفون، وإنما يفعلون ذلك مخافة أن تنزل آية تفضحهم، وكانوا لا يقولون ذلك بألسنتهم ولكن ينظرون نظرة من يقول لغيره ذلك، وقيل: إن المنافقين كان ينظر بعضهم إلى بعض نظر تعنت وطعن في القرآن، ثم يقولون: هل يرانا أحد من المسلمين؟ فإذا تحقق لهم أنه لا يراهم أحد من المسلمين بالغوا فيه، وإن علموا أنه يراهم واحد كفوا عنه " ثم انصرفوا " عن المجلس، أو عن الايمان " صرف الله قلوبهم " عن رحمته وثوابه، وقيل:
إنه دعاء عليهم.
وفي قوله: " قال الذين لا يرجون لقاءنا " أي لا يؤمنون بالبعث والنشور " ائت بقرآن غير هذا " الذي تتلوه علينا " أو بدله " فاجعله على خلاف ما تقرؤه، والفرق بينهما أن الاتيان بغيره قد يكون معه، وتبديله لا يكون إلا برفعه، وقيل: معنى قوله: " بدله " غير أحكامه من الحلال والحرام، أرادوا بذلك زوال الحظر عنهم و سقوط الامر منهم وأن يخلى بينهم وبين ما يريدون " ولا أدراكم به " أي ولا أعلمكم الله به بأن لا ينزله علي " فقد لبثت فيكم عمرا من قبله " أي أقمت بينكم دهرا طويلا من قبل إنزال القرآن فلم أقرأه عليكم ولا ادعيت نبوة حتى أكرمني الله به " و يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا: إنا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند الله، وإن الله أذن لنا في عبادتها، وأنه سيشفعها فينا في الآخرة، وتوهموا أن عبادتها أشد في تعظيم الله سبحانه من قصده تعالى بالعبادة، فجمعوا بين قبيح القول وقبيح الفعل وقبيح التوهم، وقيل: معناه هؤلاء شفعاؤنا في الدنيا لاصلاح معاشنا، عن الحسن، قال: لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث بدلالة قوله تعالى: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ". " قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض " أي تخبرون الله بما لا يعلم من حسن عبادة الأصنام وكونها شافعة، لان ذلك لو كان صحيحا لكان تعالى به عالما، ففي نفي علمه بذلك نفي المعلوم. وفي قوله تعالى: " فسيقولون الله " فيها دلالة على أنهم كانوا يقرون بالخالق وإن كانوا مشركين، فإن جمهور العقلاء يقرون بالصانع سوى جماعة قليلة من ملحدة الفلاسفة، ومن أقر بالصانع على هذا صنفان: موحد يعتقد أن الصانع واحد لا يستحق العبادة غيره، ومشرك وهم ضربان: فضرب جعلوا لله شريكا في ملكه يضاده ويناويه وهم الثنوية والمجوس، ثم اختلفوا فمنهم من يثبت لله شريكا قديما كالمانوية، ومنهم من يثبت لله شريكا محدثا كالمجوس، وضرب آخر لا يجعل لله شريكا في حكمه
وملكه، ولكن يجعل له شريكا في العبادة يكون متوسطا بينه وبين الصانع وهم أصحاب المتوسطات، ثم اختلفوا فمنهم من جعل الوسائط من الاجرام العلوية كالنجوم والشمس والقمر، ومنهم من جعل المتوسط من الأجسام السفلية كالأصنام ونحوها، تعالى الله عما يقول الزائغون عن سبيله علوا كبيرا. وفي قوله تعالى: " أم من لا يهدي إلا أن يهدى " الأصنام لا تهتدي ولا تهدي أحدا وإن هديت، لأنها موات من حجارة ونحوها، ولكن الكلام نزل على أنها إن هديت اهتدت لأنهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها كما يعبر عمن يعقل ووصفت بصفة من يعقل وإن لم تكن في الحقيقة كذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى: " إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم " وقوله: " فادعوهم فليستجيبوا لكم ألهم أرجل يمشون بها " الآية وكذا قوله: " إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم " فأجري عليه اللفظ كما يجري على من يعلم، وقيل: المراد بذلك الملائكة والجن، وقيل: الرؤساء والمضلون الذين يدعون إلى الكفر، وقيل: إن المعنى في قوله: " لا يهدي إلا أن يهدى " لا يتحرك إلا أن يحرك " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه " أي بما لم يعلموه من جميع وجوهه لان في القرآن ما يعلم المراد منه بدليل ويحتاج إلى الفكر فيه، أو الرجوع إلى الرسول في معرفة مراده مثل المتشابه، فالكفار لما لم يعرفوا المراد بظاهره كذبوا به، وقيل: أي لم يحيطوا بكيفية نظمه وترتيبه، وهذا كما أن الناس يعرفون ألفاظ الشعر والخطب ومعانيها وما يمكنهم إبداعها لجهلهم بنظمها وترتيبها، وقال الحسن: معناه: بل كذبوا بالقرآن من غير علم ببطلانه، وقيل: معناه: بل كذبوا بما في القرآن من الجنة والنار والبعث والنشور والثواب والعقاب. وفي قوله: " ماذا يستعجل منه المجرمون " هذا الاستفهام معناه التفظيع والتهويل كما يقول الانسان لمن هو في أمر يستوخم عاقبته: ماذا تجني على نفسك؟ وقال
أبو جعفر الباقر عليه السلام: يريد بذلك عذابا ينزل من السماء على فسقة أهل القبلة في آخر الزمان. " أثم إذا ما وقع آمنتم به " هذا استفهام إنكار وتقديره: أحين وقع بكم العذاب المقدر الموقت آمنتم به أي بالله أو بالقرآن أو بالعذاب الذي كنتم تنكرونه؟
فيقال لكم: الآن تؤمنون به " وقد كنتم به " أي بالعذاب " تستعجلون " من قبل مستهزئين وفي قوله: " قل بفضل الله وبرحمته " قيل: فضل الله الاسلام ورحمته القرآن، وقيل:
بالعكس، وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام: فضل الله رسول الله صلى الله عليه وآله ورحمته علي بن أبي طالب عليه السلام، وروى ذلك الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وفي قوله: " فجعلتم منه حراما وحلالا " يعنى ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأمثالها. وفي قوله: " ولا يحزنك قولهم " أي أقوالهم المؤذية كقولهم: إنك ساحر أو مجنون " وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء " يحتمل (ما) ههنا وجهين: أحدهما أن يكون بمعنى أي شئ، تقبيحا لفعلهم، والآخر أن يكون نافية أي وما يتبعون شركاء في الحقيقة، ويحتمل وجها ثالثا وهو أن يكون بمعنى الذي ويكون منصوبا بالعطف على (من) و يكون التقدير: والذي يتبع الأصنام الذين يدعونهم من دون الله شركاء. وفي قوله: " وما أنا عليكم بوكيل " أي ما أنا بحفيظ لكم عن الاهلاك إذا لم تنظروا أنتم لأنفسكم، والمعنى أنه ليس علي إلا البلاغ ولا يلزمني أن أجعلكم مهتدين وأن أنجيكم من النار كما يجب على من وكل على متاع أن يحفظه من الضرر. وفي قوله: " يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى " يعني يمتعكم في الدنيا بالنعم السابغة في الخفض والدعة والامن والسعة إلى الوقت الذي قدر لكم أجل الموت فيه " ويؤت كل ذي فضل فضله " أي ذي إفضال على غيره بمال أو كلام أو عمل جزاء إفضاله أو كل ذي عمل صالح ثوابه على قدر عمله " ألا إنهم يثنون
صدورهم " قيل: نزلت في الأخنس بن شريق وكان حلو الكلام يلقى رسول الله صلى الله عليه وآله بما يحب وينطوي بقلبه على ما يكره، عن ابن عباس، وروى العياشي بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: أخبرني جابر بن عبد الله أن المشركين إذا مروا برسول الله صلى الله عليه وآله طأطأ أحدهم رأسه وظهره هكذا - وغطى رأسه بثوبه - حتى لا يراه رسول الله فأنزل الله تعالى هذه الآية. " ألا إنهم " يعني الكفار والمنافقين " يثنون صدورهم " أي يطوونها على ما هم عليه من الكفر، عن الحسن، وقيل: معناه: يخفون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله وذكره، وقيل: يثنونها على عداوة النبي صلى الله عليه وآله، وقيل: إنهم كانوا إذا قعدوا مجلسا على معاداة النبي صلى الله عليه وآله والسعي في أمره بالفساد انضم بعضهم إلى بعض وثنى بعضهم صدره إلى صدر بعض يتناجون " ليستخفوا منه " أي ليخفوا ذلك من الله تعالى على القول الأخير، وعلى الأقوال الأخر: ليستروا ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله " ألا حين يستغشون ثيابهم " أي يتغطون بثيابهم ثم يتفاوضون فيما كانوا يدبرونه على النبي صلى الله عليه وآله و على المؤمنين ويكتمونه، وقيل: كنى باستغشاء ثيابهم عن الليل لأنهم يتغطون بظلمته. وفي قوله: " إلى أمة معدودة " أي إلى أجل مسمى ووقت معلوم، عن ابن عباس ومجاهد، وقيل: أي إلى جماعة يتعاقبون فيصرون على الكفر ولا يكون فيهم من يؤمن كما فعلنا بقوم نوح، وقيل: إن الأمة المعدودة هم أصحاب المهدي عجل الله فرجه في آخر الزمان، ثلاث مائة وبضعة عشر رجلا كعدة أهل بدر يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع الخريف، وهو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام. وفي قوله: " فلعلك تارك " روي عن ابن عباس أن رؤساء مكة من قريش أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا محمد إن كنت رسولا فحول لنا جبال المكة ذهبا، أو ائتنا بملائكة يشهدون لك بالنبوة، فأنزل الله تعالى: " فلعلك تارك " الآية، وروى العياشي
بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: إني سألت ربي أن يواخي بيني وبينك ففعل، فسألت ربي أن يجعلك وصيي ففعل، فقال بعض القوم: والله لصاع من تمر في شن بال أحب إلينا مما سأل محمد ربه، فهلا سأله ملكا يعضده على عدوه؟ أو كنزا يستعين به على فاقته؟! فنزلت الآية " فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك " وهو ما فيه سب آلهتهم فلا تبلغهم إياه خوفا منهم " وضائق به صدرك " أي ولعلك يضيق صدرك بما يقولون وبما يلحقك من أذاهم وتكذيبهم، وقيل:
باقتراحاتهم " أن يقولوا " أي كراهة أو مخافة أن يقولوا " لولا انزل عليه كنز " من المال " أو جاء معه ملك " يشهد له، وليس قوله: " فلعلك " على وجه الشك، بل المراد به النهي عن ترك أداء الرسالة والحث عليه كما يقول أحدنا لغيره وقد علم من حاله أنه يطيعه ولا يعصيه ويدعوه غيره إلى عصيانه: لعلك تترك بعض ما آمرك به لقول فلان، وإنما يقول ذلك ليؤنس من يدعوه إلى ترك أمره.
" قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات " أي إن كان هذا مفترى على الله كما زعمتم فأتوا بعشر سور مثله في النظم والفصاحة، مفتريات على زعمكم، فإن القرآن نزل بلغتكم، وقد نشأت أنا بين أظهركم، فإن لم يمكنكم ذلك فاعلموا أنه من عند الله، وهذا صريح في التحدي، وفيه دلالة على جهة إعجاز القرآن وأنها هي الفصاحة والبلاغة في هذا النظم المخصوص، لأنه لو كان جهة الاعجاز غير ذلك لما قنع في المعارضة بالافتراء والاختلاق، لان البلاغة ثلاث طبقات، فأعلى طبقاتها معجز، وأدناها و أوسطها ممكن، فالتحدي في الآية إنما وقع في الطبقة العلياء منها، ولو كان وجه الاعجاز الصرفة لكان الركيك من الكلام أبلغ في باب الاعجاز، والمثل المذكور في الآية لا يجوز أن يكون المراد به مثله في الجنس، لان مثله في الجنس يكون حكايته فلا يقع بها التحدي، وإنما يرجع ذلك إلى ما هو متعارف بين العرب في تحدي بعضهم بعضا كما اشتهر من مناقضات امرئ القيس وعلقمة وعمرو بن كلثوم والحارث بن حلزه وجرير والفرزدق وغيرهم.
" وادعوا من استطعتم من دون الله " أي ليعينوكم على معارضة القرآن " إن
كنتم صادقين " في قولكم: إني افتريته، فهذا غاية ما يمكن في التحدي والمحاجة، وفيه الدلالة الواضحة على إعجاز القرآن، لأنه إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه و آله تحداهم به وأوعدهم بالقتل والأسر بعد أن عاب دينهم وآلهتهم وثبت أنهم كانوا أحرص الناس على إبطال أمره حتى بذلوا مهجهم وأموالهم في ذلك، فإذا قيل لهم: افتروا أنتم مثل هذا القرآن وأدحضوا حجته فذلك أيسر وأهون عليكم من كل ما تكلفتموه فعدلوا عن ذلك وصاروا إلى الحرب والقتل وتكلف الأمور الشاقة فذلك من أدل الدلائل على عجزهم، إذ لو قدروا على معارضته مع سهولة ذلك عليهم لفعلوه، لان العاقل لا يعدل عن الامر السهل إلى الصعب الشاق مع حصول الغرض بكل واحد منهما، فكيف ولو بلغوا غاية أمانيهم في الامر الشاق وهو قتله عليه السلام لكان لا يحصل غرضهم، من إبطال أمره فإن المحق قد يقتل.
فإن قيل: لم ذكر التحدي مرة بعشر سور، ومرة بسورة، ومرة بحديث مثله؟ فالجواب أن التحدي إنما يقع بما يظهر فيه الاعجاز من منظور الكلام، فيجوز أن يتحدى مرة بالأقل، ومرة بالأكثر " فإن لم يستجيبوا لكم " قيل: إنه خطاب للمسلمين، وقيل: للكفار، أي فإن لم يستجب لكم من تدعونهم إلى المعاونة، وقيل: للرسول صلى الله عليه وآله، وذكره بلفظ الجمع تفخيما. وفي قوله: " ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا " أي إن هذه الأخبار لم تكن تعلمها أنت ولا قومك من العرب يعرفونها من قبل إيحائنا إليك، لأنهم لم يكونوا من أهل كتاب وسير.
وفي قوله: " ما نثبت به فؤادك " أي ما نقوي به قلبك، ونطيب به نفسك، و نزيدك به ثباتا على ما أنت عليه من الانذار والصبر على أذى قومك. وفي قوله: " وما يؤمن أكثر هم بالله إلا وهم مشركون " فيه أقوال: أحدها:
أنهم مشركو قريش كانوا يقرون بالله خالقا ومحييا ومميتا، ويعبدون الأصنام و يدعونها آلهة، عن ابن عباس والجبائي.
وثانيها: أنها نزلت في مشركي العرب إذا سئلوا: من خلق السماوات والأرض وينزل القطر؟ قالوا: الله، ثم هم يشركون وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، عن الضحاك.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.