پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

42 باب حقيقة النفس والروح وأحوالهما

ج ۵۸، ص ۱۰۸–۱۳۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۵ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۷

الثالث: أنها قديمة، فتكون متناهية العدد، لامتناع وجود ما لا يتناهى بالفعل بخلاف ما لا يتناهى من الحوادث كالحركات والأوضاع وما يستند إليها، فإنها إنما تكون على سبيل التعاقب دون الاجتماع، والأبدان مطلقا بل الأبدان الانسانية خاصة غير متناهية، لأنها من الحوادث المتعاقبة، المستندة إلى ما لا يتناهى من الدورات الفلكية وأوضاعها. فلو لم يتعلق كل نفس إلا ببدن واحد لزم توزع ما يتناهى على ما لا يتناهى، وهو محال بالضرورة.

ورد بمنع قدم النفوس، ومنع لزوم تناهي القدماء لو ثبت، فإن الأدلة إنما تمت فيما له وضع وترتيب، ومنع لا تناهي الأبدان وعللها، ومنع لزوم أن يتعلق بكل بدن نفس. وإن أريد الأبدان التي صارت إنسانا بالفعل اقتصر على منع لا تناهيها.

ثم قال: وقد يتوهم أن من شريعتنا القول بالتناسخ، فإن مسخ أهل المائدة قردة وخنازير رد لنفوسهم إلى أبدان حيوانات اخر، والمعاد الجسماني رد لنفوس الكل إلى أبدان اخر إنسانية، للقطع بأن الأبدان المحشورة لا تكون الأبدان الهالكة بعينها، لتبدل الصور والاشكال بلا نزاع.

والجواب: أن المتنازع هو أن النفوس بعد مفارقتها الأبدان تتعلق في الدنيا

بأبدان اخر للتدبير والتصرف والاكتساب، لا أن تتبدل صور الأبدان كما في المسخ أو أن تجتمع أجزاؤها الأصلية بعد الأصلية بعد التفرق، فترد إليها النفوس كما في المعادن على الاطلاق، وكما في إحياء عيسى عليه السلام بعض الاشخاص.

وقال السيد المرتضى - رضي الله عنه - حين سأله سائل: تأول سيدنا - أدام الله نعماءه - ما ورد في المسوخ مثل الدب والقرد والفيل والخنزير وما شاكل ذلك، على أنها كانت على خلق جميلة غير منفور عنها، ثم جعلت هذه الصور المسيئة على سبيل التنفير عنها والزيادة في الصد عن الانتفاع بها وقال: لان بعض الاحياء لا يجوز أن يصير حيا آخر غيره، إذا أريد بالمسخ هذا فهو باطل، وإن أريد غيره نظرنا فيه، فما جواب من سأل عند سماع هذا عن الأخبار الواردة عن النبي والأئمة عليهم السلام بأن الله تعالى يمسخ قوما من هذه الأمة قبل يوم القيامة كما مسخ في الأمم المتقدمة، وهي كثيرة لا يمكن الإطالة بحصرها في كتاب. وقد سلم الشيخ المفيد - رضي الله عنه - صحتها وضمن ذلك الكتاب الذي وسمه بالتمهيد، وأحال القول بالتناسخ، وذكر أن الاخبار المعول عليها لم ترد إلا بأن الله تعالى يمسخ قوما قبل يوم القيامة. وقد روى النعماني كثيرا من ذلك، ويحتمل النسخ والمسخ معا، فمما رواه ما أورده في كتاب " التسلي والتقوى " وأسنده إلى الصادق عليه السلام حديث طويل يقول في آخره: وإذا احتضر الكافر حضره رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وجبرئيل وملك الموت عليهما السلام، فيد نو إليه علي عليه السلام فيقول: يا رسول الله! إن هذا كان يبغضنا أهل البيت فأبغضه. فيقول رسول الله:

يا جبرئيل! إن هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأبغضه. فيقول جبرئيل لملك الموت: إن هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيته فأبغضه وأعنف به، فيد نو منه ملك الموت فيقول: يا عبد الله! أخذت فكاك رقبتك؟ أخذت أمان براءتك؟ تمسكت بالعصمة الكبرى في دار الحياة الدنيا؟ فيقول: وما هي؟ فيقول: ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام فيقول: ما أعرفها ولا أعتقد بها. فيقول له جبرئيل: يا عدو الله وما كنت تعتقد؟ فيقول: كذا وكذا، فيقول له جبرئيل: أبشر يا عدو الله بسخط الله وعذابه في النار! [و] أما ما كنت ترجو فقد فاتك، وأما الذي كنت تخافه فقد نزل بك، ثم يسل

نفسه سلا عنيفا، ثم يوكل بروحه مائة شيطان كلهم يبصق في وجهه ويتأذى بريحه، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب النار، يدخل عليه من فوح ريحها ولهبها. ثم إنه يؤتى بروحه إلى جبال برهوت، ثم إنه يصير في المركبات حتى أنه يصير في دودة بعد أن يجري في كل مسخ مسخوط عليه، حتى يقوم قائمنا أهل البيت فيبعثه الله ليضرب عنقه وذلك قوله: " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل " والله لقد اتي بعمر بن سعد بعد ما قتل، وإنه لفي صورة قرد في عنقه سلسلة فجعل يعرف أهل الدار وهم لا يعرفونه، والله لا يذهب الدنيا حتى يمسخ عدونا مسخا ظاهرا، حتى أن الرجل منهم ليمسخ في حياته قردا أو خنزيرا، ومن ورائهم عذاب غليظ ومن ورائهم جهنم وساءت مصيرا.

والاخبار في هذا المعنى كثيرة قد جازت عن حد الآحاد فإن استحال النسخ وعولنا على أنه الحق بها ودلس فيها وأضيف إليها فماذا يحيل المسخ وقد صرح به فيها وفي قوله " أفأنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير " " وقوله " فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " وقوله " ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم "؟

والاخبار ناطقة بأن معنى هذا المسخ هو إحالة التغيير عن بنية الانسانية إلى ما سواها. وفي الخبر المشهور عن حذيفة أنه كان يقول: أرأيتم لو قلت لكم إنه يكون فيكم قردة وخنازير أكنتم مصدقي؟ فقال رجل: يكون فينا قردة وخنازير؟!

قال: وما يؤمنك من ذلك لا أم لك. وهذا تصريح بالمسخ، وقد تواتر الاخبار بما يفيد أن معناه تغيير الهيئة والصورة. وفي الأحاديث أن رجلا قال لأمير المؤمنين عليه السلام

وقد حكم عليه بحكم: والله ما حكمت بالحق! فقال له: اخسأ كلبا، وإن الأثواب تطايرت عنه وصار كلبا يمصع بذنبه. وإذا جاز أن يجعل الله جل وعز الجماد حيوانا فمن ذا الذي يحيل جعل حيوان في صورة حيوان آخر؟.

فأجاب - قدس سره -: اعلم أنا لم نحل المسخ، وإنما أحلنا أن يصير الحي الذي كان إنسانا الحي الذي كان قردا أو خنزيرا، والمسخ أن يغير صورة الحي الذي كان إنسانا يصير بهيمة، لا أنه يتغير صورته إلى صورة إلى صورة البهيمة والأصل في المسخ قوله تعالى:

" كونوا قردة خاسئين " وقوله تعالى: " وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت " وقد تأول قوم من المفسرين آيات القرآن التي في ظاهرها المسخ على أن المراد بها أنا حكمنا بنجاستهم، وخسة منزلتهم، وإيضاع أقدارهم لما كفروا وخالفوا، فجروا بذلك مجرى القرود التي لها هذه الأحكام، كما يقول أحد نا لغيره: ناظرت فلانا وأقمت عليه الحجة حتى مسخته كلبا، على هذا المعنى. وقال آخرون: بل أراد بالمسخ أن الله تعالى غير صورهم وجعلهم على صور القرود على سبيل العقوبة لهم والتنفير عنهم وذلك جائز مقدور لا مانع له. وهو أشبه بالظاهر وأمر عليه، والتأويل الأول ترك الظاهر وإنما تترك الظواهر لضرورة، وليست ههنا.

فإن قيل: فكيف يكون ما ذكرتم عقوبة؟. قلنا: هذه الخلقة إذا ابتدئت لم تكن عقوبة، وإذا غير الحي المخلوق على الخلقة التامة الجميلة إليها كان ذلك عقوبة لان تغير الحال إلى ما ذكرناه يقتضي الغم والحسرة.

فإن قيل: فيجب أن يكون مع تغير الصورة ناسا قردة، وذلك متناف. قلنا:

متى تغيرت صورة الانسان إلى صورة القرد لم يكن في تلك الحال إنسانا، بل كان إنسانا مع البنية الأولى، واستحق الوصف بأنه قرد لما صار على صورته، وإن كان الحي واحدا في الحالين لم يتغير، ويجب فيمن مسخ قردا على سبيل العقوبة له أن يذمه مع تغير

الصورة على ما كان منه من القبائح، لان تغير الهيئة والصورة لا يوجب الخروج عن استحقاق الذم، كما لا يخرج المهزول إذا سمن عما كان يستحقه من الذم، وكذا السمين إذا هزل.

فإن قيل: فيقولون إن هؤلاء الممسوحين تناسلوا، وإن القردة في أزماننا هذه من نسل أولئك. قلنا: ليس يمتنع أن يتناسلوا بعد أن مسخوا، لكن الاجماع حاصل على أنه ليس شئ من البهائم من أولاد آدم، ولولا هذا الاجماع لجوزنا ما ذكر. وعلى هذه الجملة التي قررناها لا ينكر صحة الأخبار الواردة من طرقنا بالمسخ لأنها كلها يتضمن وقوع ذلك على من يستحق العقوبة والذم من الأعداء والمخالفين.

فإن قيل: أفتجوزون أن يغير الله تعالى صورة حيوان جميلة إلي صورة أخرى غير جميلة، بل مشوهة منفور عنها، أم لا تجوزون؟. قلنا: إنما أجزنا في الأول ذلك على سبيل العقوبة لصاحب هذه الخلقة التي كانت جميلة ثم تغيرت، لأنه يغتم بذلك ويتأسف، وهذا الغرض لا يتم في الحيوان التي ليس بمكلف، فتغيير صورهم عبث، فإن كان في ذلك غرض يحسن لمثله جاز (انتهى).

وظاهر كلامه - رحمه الله - أولا وآخرا أنه عند المسخ يخرج عن حقيقة الانسانية ويدخل في نوع آخر، فيه نظر، والحق أن امتياز نوع الانسان إذا كان بهذا الهيكل المخصوص وهذا الشكل والتخطيط والهيئة فلا يكون هذا إنسانا، بل قردة وخنزيرا وإن كان امتيازه بالروح المجرد أو الساري في البدن - كما هو الأصوب - كانت الانسانية باقية غير ذاهبة، وكان إنسانا في صورة حيوان، ولم يخرج من نوع الانسان ولم يدخل في نوع آخر. وقد روي عن أبي جعفر عليه السلام: أن الفرقة المعتزلة عن أهل السبت لما دخلوا قريتهم بعد مسخهم، عرفت القردة أنسابها من الانس، ولم يعرف الانس أنسابها من القردة، فقال القوم للقردة: ألم ننهكم؟. وفي تفسير العسكري عليه السلام: فمسخهم الله كلهم قردة وبقي باب المدينة مغلقا لا يخرج منهم أحد ولا يدخل إليهم أحد، وتسامع

بذلك أهل القرى، فقصدوهم وتسنموا حيطان البلد فاطلعوا عليهم، فإذا كلهم رجالهم ونساؤهم قردة يموج بعضهم في بعض، يعرف هؤلاء الناظرون معارفهم وقراباتهم وخلطاءهم يقول المطلع لبعضهم: أنت فلان، أنت فلان؟ فتدمع عينيه ويومئ برأسه، أي نعم.

فهذان الخبران يدلان على أنهم لم يتخلعوا من الانسانية، وكان فيهم العقل والشعور إلا أنهم كانوا لا يقدرون على التكلم.

قال النيسابوري في قوله سبحانه " كونوا قردة خاسئين ": عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم، بمعنى الطبع والختم، لا أنه مسخ صورهم، وهو مثل قوله " كمثل الحمار يحمل أسفارا ".

واحتج: بأن الانسان هو هذا الهيكل المحسوس، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الاعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنسانا وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قردا. وأيضا لو جوزنا ذلك لم نؤمن في كل ما نراه قردا وكلبا أنه كان إنسانا عاقلا، وذلك شك في المشاهدات.

وأجيب: بأن الانسان ليس هذا الهيكل، لتبدله بالسمن والهزال، فهو أمر وراء ذلك، إما جسماني سار في جميع البدن، أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ، أو مجرد كما تقوله الفلاسفة، وعلى التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشئ مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل، وهذا هو المسخ، وبهذا التأويل يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول صلى الله عليه وآله ولأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة والصورة، والعقل والفهم باق، فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية: من تغير الخلقة، وتشويه الصورة، وعدم القدرة على النطق، وسائر الخواص الانسانية، فيتألمون بذلك ويتعذبون. ثم أولئك القرود بقوا أو أفناهم الله؟ وإن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا؟ الكل سائر عقلا، إلا أن الرواية عن ابن عباس: أنهم

ما مكثوا إلا ثلاثة أيام، ثم هلكوا (انتهى).

أقول: قد ورد في أخبارنا أيضا موافقا لما روي عن ابن عباس، كما في تفسير العسكري عليه السلام: كانوا كذلك ثلاثة أيام، ثم بعث الله عليهم ريحا ومطرا فجر بهم إلى البحر وما بقي مسخ بعد ثلاثة أيام، وأما التي ترون من هذه المصورات بصورها فإنما هي أشباهها لاهي بأعيانها ولا من نسلها.

وروى الصدوق في العلل بإسناده عن عبد الله بن الفضل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام قول الله عز وجل " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " قال: إن أولئك مسخوا ثلاثة أيام، ثم ماتوا ولم يتناسلوا، وإن القردة اليوم مثل أولئك، وكذلك الخنزير وسائر المسوخ ما وجد منها اليوم من شئ فهو مثله، لا يحل أن يؤكل لحمه (الخبر).

وروى في العيون بإسناده عن علي بن محمد بن الجهم قال: سمعت المأمون يسأل الرضا عليه السلام عما يرويه الناس من أمر الزهرة، وأنها كانت امرأة فتن بها هاروت وماروت، وما يروونه من أمر سهيل: أنه كان عشارا باليمن. فقال عليه السلام:

كذبوا في قولهم أنهما كوكبان، وإنهما كانتا دابتين من دواب البحر، فغلط الناس وظنوا أنهما الكوكبان، وما كان الله ليمسخ أعداءه أنوارا مضيئة، ثم يبقيهما ما بقيت السماء والأرض، وإن المسوخ لم يبق أكثر من ثلاثة أيام حتى ماتت، وما تناسل منها شئ، وما على وجه الأرض اليوم مسخ، وإن التي وقعت عليها اسم المسوخية مثل القرد والخنزير والدب وأشباهها، إنما هي مثل ما مسخ الله عز وجل على صورها قوما غضب الله عليهم ولعنهم، بإنكارهم توحيد الله وتكذيبهم رسله (الخبر).

أقول: فقد ثبت بهذه الاخبار أن هذه الحيوانات ليست من نسل هؤلاء المسوخ ولا من نوعهم، وإنما هي على صورهم. وقد عرفت أن المسخ ليس تناسخا، لان الروح لم ينتقل إلى بدن آخر، وإنما تغيرت صورة البدن، وأما التناسخ بمعنى انتقال

الروح من بدن إلى بدن غير الأبدان المثالية. فمما أجمع على نفيه جميع المسلمين وأما الاخبار الشاذة الواردة في ذلك فيشكل التعلق بظواهرها، كالخبر الذي أورده السائل، فهي إما مؤولة بالمسخ، أو بتصور الأجساد المثالية بتلك الصور، كما ذكرنا سابقا، وأما في الأجساد المثالية فقد تقدم القول فيها في كتاب المعاد، والله الهادي إلى الرشاد.

قال شارح المقاصد: القول بالتناسخ في الجملة محكي عن كثير من الفلاسفة إلا أنه حكاية لا تعضدها شبهة فضلا عن حجة، ومع ذلك فالنصوص القاطعة من الكتاب والسنة ناطقة بخلافها، وذلك أنهم ينكرون المعاد الجسماني، أعني حشر الأجساد وكون الجنة والنار داري ثواب وعقاب، ولذات وآلام حسية، ويجعلون المعاد عبارة عن مفارقة النفوس الأبدان، والجنة عن ابتهاجها بكمالاتها، والنار عن تعلقها بأبدان حيوانات اخر يناسبها فيما اكتسب من الأخلاق وتمكنت فيها من الهيئات، معذبة بما يلقى فيها من الذل والهوان، مثلا تتعلق نفس الحريص بالخنزير، والسارق بالفأر والمعجب بالطاووس، والشرير بالكلب، ويكون لها تدريج في ذلك بحسب الأنواع و الاشخاص، أي ينزل من بدن إلى بدن هو أدنى في تلك الهيئة المناسبة، مثلا يبتدئ نفس الحريص من التعلق ببدن الخنزير ثم إلى ما دونه في ذلك، حتى ينتهي إلى النمل ثم يتصل بعالم العقول عند زوال تلك الهيئة بالكلية.

ثم إن من المنتمين من التناسخية إلى دين الاسلام يروجون هذا الرأي بالعبارات المهذبة، والاستعارات المستعذبة، ويصرفون به إليه بعض الآيات الواردة في أصحاب العقوبات اجتراء على الله وافتراء على ما هو دأب الملاحدة والزنادقة، ومن يجري مجراهم من الغاوين المغوين، الذين هم شياطين الانس الذين يوحون إلى العوام والقاصرين من المحصلين زخرف القول غرورا.

فمن جملة ذلك ما قالوا في قوله تعالى " كلما نضجت جلودهم - أي بالفساد - بد لنا هم جلودا غيرها أي - بالكون - " وفي قوله تعالى " كلما أرادوا أن يخرجوا منها "

أي من دركات جهنم التي هي أبدان الحيوانات، وكذا في قوله " فهل إلى خروج من سبيل " وقوله تعالى " ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون " وفي قوله تعالى " وما من دابة في الأرض - الآية - " معناه: أنهم كانوا مثلكم في الخلق والعلوم والمعايش والصناعات، فانتقلوا إلى أبدان هذه الحيوانات، وفي قوله تعالى " كونوا قردة خاسئين " أي بعد المفارقة، وفي قوله تعالى " ونحشر هم يوم القيامة على وجوهم " أي على صور الحيوانات المتنكسة الرؤوس، إلى غير ذلك من الآيات. ومن نظر في كتب التفسير بل في سياق الآيات لا يخفى عليه فساد هذه الهذيانات.

وجوز بعض الفلاسفة تعلق النفوس المفارقة ببعض الاجرام السماوية للاستكمال وبعضهم على أن نفوس الكاملين تتصل بعالم المجردات، ونفوس المتوسطين تتخلص إلى عالم المثل المعلقة في مظاهر الاجرام العلوية على اختلاف مراتبهم في ذلك، ونفوس الأشقياء إلى هذا العالم في مظاهر الظلمانيات في الصور المستكرهة بحسب اختلاف مراتبهم في الشقاوة، فيبقى بعضهم في تلك الظلمات أبدا لكون الشقاوة في الغاية، وبعضهم ينتقل بالتدريج إلى عالم الأنوار المجردة.

الثالثة: أن النفس لا تفنى بفناء البدن. قال في شرح المقاصد: فناء البدن لا يوجب فناء النفس المغائرة له مجردة كانت أو مادية أي جسما حالا فيه، لان كونها مدبرة له متصرفة فيه لا يقتضي فناءها بفنائه، لكن مجرد ذلك لا يدل على كونها باقية البتة، فلهذا احتيج في ذلك إلى دليل، وهو عندنا النصوص من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهي من الكثرة والظهور بحيث لا يفتقر إلى الذكر. وقد أورد الامام في المطالب العالية من الشواهد العقلية والنقلية في هذا الباب ما يفضي ذكره إلى الاطناب وأما الفلاسفة فزعموا أنه يمتنع فناء النفس.

أقول: ثم ذكر بعض دلائلهم على ذلك، لا حاجة بنا إلى إيرادها.

الرابعة: في كيفية تعقل النفس وإدراكها. قال في التجريد: وتعقل بذاتها و تدرك بالآلات. وقال شارح المقاصد: لا نزاع في أن مدرك الكليات من الانسان هو النفس، وأما مدرك الجزئيات على وجه كونها جزئيات فعندنا النفس وعند الفلاسفة الحواس. ثم قال بعد إيراد الحجج من الجانبين: لما كان إدراك الجزئيات مشروطا عند الفلاسفة بحصول الصورة في الآلات، فعند مفارقة النفس وبطلان الآلات لا تبقى مدركة للجزئيات، ضرورة، انتفاء المشروط بانتفاء الشرط. وعندنا لما لم تكن الآلات شرطا في إدراك الجزئيات، إما لأنه ليس بحصول الصورة لا في النفس ولا في الحس، وإما لأنه لا يمتنع ارتسام صورة الجزئي في النفس، بل الظاهر من قواعد الاسلام أنه يكون للنفس بعد المفارقة إدراكات متجددة جزئية، واطلاع على بعض جزئيات أحوال الاحياء، سيما الذين كان بينهم وبين الميت تعارف في الدنيا، ولهذا ينتفع بزيارة القبور والاستعانة بنفوس الأخيار من الأموات، في استنزال الخيرات، واستدفاع الملمات فان النفس بعد المفارقة تعلقا ما بالبدن، وبالتربة التي دفنت فيها، فإذا زار الحي تلك التربة وتوجهت تلقاءه نفس الميت حصل بين النفسين علاقات وإفاضات.

الخامسة: في كمالات النفس ومراتبها. قال في شرح المقاصد: قد سبق أن لفظ القوة كما يطلق على مبدأ التغيير والفعل فكذا يطلق على مبدأ التغير والانفعال، فقوة النفس باعتبارها تأثرها عما فوقها من المبادئ للاستكمال بالعلوم والادراكات يسمى عقلا نظريا، وباعتبار تأثيرها في البدن لتكميل جوهره - وإن كان ذلك أيضا عائدا إلى

تكميل النفس من جهة أن البدن آلة لها في تحصيل العلم والعمل - يسمى عقلا عمليا والمشهور أن مراتب النفس أربع، لأنه إما كمال، وإما استعداد نحو الكمال قوي أو متوسط، أو ضعيف. فالضعيف وهو محض قابلية النفس للادراكات يسمى عقلا هيولانيا، تشبيها بالهيولى الأولى الخالية في نفسها عن جميع الصور القابلة لها، بمنزلة قوة الطفل للكتابة. والمتوسط وهو استعدادها لتحصيل النظريات بعد حصول الضروريات تسمى عقلا بالملكة، لما حصل لها من ملكة الانتقال إلى النظريات، بمنزلة الشخص المستعد لتعلم الكتابة. وتختلف مراتب الناس في ذلك اختلافا عظيما بحسب اختلاف درجات الاستعدادات. والقوي وهو الاقتدار على استحضار النظريات متى شاءت من غير افتقار إلى كسب جديد لكونها مكتسبة مخزونة تحضر بمجرد الالتفات، بمنزلة القادر على الكتابة حين لا يكتب، وله أن يكتب متى شاء، ويسمى عقلا بالفعل لشدة قربه من الفعل. وأما الكمال فهو أن يحصل النظريات مشاهدة بمنزلة الكاتب حين يكتب، ويسمى عقلا مستفادا، أي من خارج هو العقل الفعال الذي يخرج نفوسنا من القوة إلى الفعل فيما له من الكمالات، ونسبته إلينا نسبة الشمس إلى أبصارنا. وتختلف عبارات القوم في أن المذكورات أسام لهذه الاستعدادات والكمال، أو للنفس باعتبار اتصافها بها، أو لقوى في النفس هي مبادئها، مثلا يقال تارة: إن العقل الهيولاني هو استعداد النفس لقبول العلوم الضرورية. وتارة: إنها قوة استعدادية، أو قوة من شأنها الاستعداد المحض. وتارة: إنه النفس في مبدأ الفطرة من حيث قابليتها للعلوم وكذا في البواقي. وربما يقال: إن العقل بالملكة هو حصول الضروريات من حيث يتأدى إلى النظريات.

وقال ابن سينا: هو صورة المعقولات الأولى، وتتبعها القوة على كسب غيرها بمنزلة الضوء للابصار، والمستفاد هو المعقولات عند حصولها بالفعل.

وقال في كتاب " المبدأ والمعاد ": إن العقل بالفعل والعقل المستفاد واحد بالذات مختلف بالاعتبار، فإنه من جهة تحصيله للنظريات عقل بالفعل، ومن جهة حصولها

فيه بالفعل عقل مستفاد، وربما قيل: هو عقل بالفعل بالقياس إلى ذاته، ومستفاد بالقياس إلى فاعله.

واختلفوا أيضا في أن المعتبر في المستفاد هو حصول النظريات الممكنة للنفس بحيث لا يغيب أصلا، حتى قالوا: إنه آخر المراتب البشرية، وأول منازل الملكية وأنه يمتنع أو يستبعد جدا ما دامت النفس متعلقة بالبدن، أو مجرد الحضور حتى يكون قبل العقل بالفعل بحسب الوجود - على ما صرح به الامام - وإن كان بحسب الشرف هو الغاية والرئيس المطلق الذي يخدمه سائر القوى الانسانية والحيوانية والنباتية ولا يخفى أن هذا أشبه بما اتفقوا عليه من حصر المراتب في الأربع، نعم حضور الكل بحيث لا يغيب أصلا هو كمال مرتبة المستفاد.

ثم قال أما العملي فهو قوة بها يتمكن الانسان من استنباط الصناعات والتصرفات في موضوعاتها التي هي بمنزلة المواد، كالخشب للنجار، وتميز مصالحه التي يجب الاتيان بها من المفاسد التي يجب الاجتناب عنها لينتظم بذلك أمر معاشه ومعاده، وبالجملة هي مبدأ حركة بدن الانسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة بالرؤية على مقتضى آراء تخصها صلاحيته، ولها نسبة إلى القوة النزوعية، ومنها يتولد الضحك والخجل والبكاء ونحوها، ونسبة إلى الحواس الباطنة وهي استعمالها في استخراج أمور مصلحة وصناعات وغيرها، ونسبة إلى القوة النظرية وهي أن أفاعليه أعني أعماله الاختيارية تنبعث عن آراء جزئية تستند إلى آراء كلية تستنبط من مقدمات أولية أو تجربية أو ذائعة أو ظنية تحكم بها القوة النظرية، مثلا يستنبط من قولنا: بذل الدرهم جميل والفعل الجميل ينبغي أن يصدر عنا، ينتج أن بذل الدرهم ينبغي أن يصدر عنا، ثم يحكم بأن هذا الدرهم ينبغي أن أبذله لهذا المستحق، فينبعث من ذلك شوق وإرادة إلى بذله، فتقدم القوة المحركة على دفعه إلى المستحق.

ثم قال: وكمال القوة النظرية معرفة أعيان الموجودات وأحوالها وأحكامها كما هي أي على الوجه الذي هي عليه في نفس الامر بقدر الطاقة البشرية، وسمي حكمة نظرية، وكمال القوة العملية القيام بالأمور على ما ينبغي، أي على الوجه الذي

يرتضيه العقل الصحيح بقدر الطاقة البشرية، وسمي حكمة عملية. وفسروا الحكمة على ما يشمل القسمين بأنها خروج النفس من القوة إلى الفعل في كمالها الممكن علما وعملا. إلا أنه لما كثر الخلاف وفشا الباطل والضلال في شأن الكمال، وفي كون الأشياء كما هي والأمور على ما ينبغي، لزم الاقتداء في ذلك بمن ثبت بالمعجزات الباهرة أنهم على هدى من الله تعالى، وكانت الحكمة الحقيقية هي الشريعة، لكن لا بمعنى مجرد الاحكام العملية، بل بمعنى معرفة النفس مالها وما عليها والعمل بها، على ما ذهب إليه أهل التحقيق: من أن المشار إليها في قوله " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " هو الفقه، وأنه اسم للعلم والعمل جميعا.

وقد تقسم الحكمة المفسرة بمعرفة الأشياء كما هي إلى النظرية والعملية، لأنها إن كانت علما بالأصول المتعلقة بقدرتنا واختيارنا فعملية، وغايتها العمل وتحصيل الخير، وإلا فنظرية وغايتها إدراك الحق وكل منهما ينقسم بالقسمة الأولية إلى ثلاثة أقسام، فالنظرية إلى الإلهي والرياضي والطبيعي، والعملية إلى علم الأخلاق وعلم تدبير المنزل وعلم سياسة المدينة. لان النظرية إن كان علما بأحوال الموجودات من حيث يتعلق بالمادة تصورا وقواما فهي العلم الطبيعي، وإن كان من حيث يتعلق بها قواما لا تصورا فالرياضي، كالبحث عن الخطوط والسطوح وغيرهما مما يفتقر إلى المادة في الوجود لا في التصور، وإن كان من حيث لا يتعلق بها لا قواما ولا تصورا فالإلهي ويسمى العلم الأعلى وعلم ما بعد الطبيعة، كالبحث عن الواجب والمجردات وما يتعلق بذلك.

والحكمة العملية إن تعلقت بآراء ينتظم بها حال الشخص وذكاء نفسه فالحكمة الخلقية، وإلا فإن تعلقت بانتظام المشاركة الانسانية الخاصة فالحكمة المنزلية والعامة فالحكمة المدنية والسياسة.

ثم قال: للانسان قوة شهوية هي مبدأ جذب المنافع ودفع المضار من المآكل والمشارب وغيرها، وتسمى القوة البهيمية والنفس الامارة، وقوة غضبية هي

مبدأ الاقدام على الأهوال والشوق إلى التسلط والترفع، وتسمى السبعية والنفس اللوامة، وقوة نطقية هي مبدأ إدراك الحقائق والشوق إلى النظر في العواقب ليتميز بين المصالح والمفاسد. ويحدث من اعتدال حركة الأولى العفة، وهي أن تكون تصرفات البهيمية على وفق اقتضاء النطقية، ليسلم عن أن تستعبدها الهوى، وتستخدمها اللذات ولها طرف إفراط هي الخلاعة والفجور، أي الوقوع في ازدياد اللذات على مالا ينبغي وطرف تفريط هي الخمود، أي السكون عن طلب ما رخص فيه العقل والشرع من اللذات إيثارا لا خلقة. ومن اعتدال حركة السبعية الشجاعة، وهي انقيادها للنطقية ليكون إقدامها على حسب الروية من غير اضطراب في الأمور الهائلة، ولها طرف إفراط هو التهور أي الاقدام على مالا ينبغي، وتفريط هو الجبن أي الحذر عما لا ينبغي.

ومن اعتدال حركة النطقية وهي معرفة الحقائق على ما هي بقدر الاستطاعة، و طرف إفراطها الجربزة، وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي، وطرف تفريطها الغباوة وهي تعطيل الفكر بالإرادة والوقوف على اكتساب العلوم، فالأوساط فضائل والأطراف رذائل، وإذا امتزجت الفضائل حصل من اجتماعها حال متشابهة هي العدالة. فأصول الفضائل: العفة، والشجاعة، والحكمة، والعدالة. ولكل منها شعب وفروع مذكورة في كتب الأخلاق، وكذا الرذائل الستة (انتهى).

تتميم قال الرازي في " المطالب العالية " في تعديد خواص النفس الانسانية: ونحن نذكر منها عشرة: القسم الأول من الخواص النطق وفيه أبحاث:

الأول: أن الانسان الواحد لو لم يكن في الوجود إلا هو وإلا الأمور الموجودة في الطبيعة لهلك أو ساءت معيشته، بل الانسان محتاج إلى أمور أزيد مما في الطبيعة مثل الغذاء المعمول، فإن الأغذية الطبيعية لا يلائم الانسان، والملابس أيضا لا يصلح للانسان إلا بعد صيرورتها صناعية، فكذلك يحتاج الانسان إلى جملة من الصناعات حتى تنتظم أسباب معيشته، والانسان الواحد لا يمكنه القيام بمجموع تلك الصناعات

بل لا بد من المشاركة حتى يخبز هذا لذاك، وينسج ذاك لهذا، فلهذه الأسباب احتاج الانسان إلى أن تكون له قدرة على أن يعرف الاخر الذي هو شريكه ما في نفسه بعلامة وضعية، وهي أقسام: فالأول أصلحها وأشرفها الأصوات المركبة، والسبب في شرفها أن بدن الانسان لا يتم ولا يكمل إلا بالقلب الذي هو معدن الحرارة الغريزية، ولا بد من وصول النسيم البارد إليه ساعة فساعة حتى يبقى على اعتداله ولا يحترق، فخلقت آلات في بدنه بحيث يقدر الانسان على استدخال النسيم البارد في قلبه، فإذا مكث ذلك النسيم لحظة تسخن وفسد فوجب اخراجه ، فالصانع الحكيم جعل النفس الخارج سببا لحدوث الصوت، فلا جرم سهل تحصيل الصوت بهذا الطريق، ثم إن ذلك الصوت سهل تقطيعه في المحابس المختلفة فحصلت هيئات مخصوصة بسبب تقطيع ذلك الصوت في تلك المحابس، وتلك الهيئات المخصوصة هي الحروف، فحصلت الحروف والأصوات بهذا الطريق، ثم تركب الحروف فحصلت الكلمات بهذا الطريق، ثم جعلوا كل كلمة مخصوصة معرفة لمعنى مخصوص، فلا جرم صار تعريف المعاني المخصوصة بهذا الطريق في غاية السهولة من وجوه: الأول: أن إدخالها في الوجود في غاية السهولة. والثاني أن تكون الكلمات الكثيرة الواقعة في مقابلة المعلومات الكثيرة في غاية السهولة. والثالث:

أن عند الحاجة إلى التعريف تدخل في الوجود وعند الاستغناء عن ذكرها تعدم، لان الأصوات لا تبقى.

والقسم الثاني من طرق التعريف الإشارة، والنطق أفضل بوجوه: الأول:

أن الإشارة إنما تكون إلى موجود حاضر عند المشير محسوس، وأما النطق فإنه يتناول المعدوم يتناول مالا يصح الإشارة إليه، ويتناول ما يصح الإشارة إليه أيضا. والثاني: أن الإشارة عبارة عن تحريك الحدقة إلى جانب معين، فالإشارة نوع واحد. أو نوعان فلا يصح لتعريف الأشياء المختلفة، بخلاف النطق، فإن الأصوات والحروف البسيطة والمركبة كثيرة. والثالث: أنه إذا أشار إلى شئ فذلك الشئ ذات قامت به صفات كثيرة، فلا يعرف بسبب تلك الإشارة أن المراد تعريف الذات وحدها أو الصفة الفلانية

أو الصفة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو المجموع، وأما النطق فإنه واف بتعريف كل واحدة من هذه الأحوال بعينها.

والقسم الثالث: الكتابة، وظاهر أنه المؤنة في إدخالها في الوجود صعبة، ومع ذلك فإنها مفرعة على النطق، وذلك لأنا لو افتقرنا إلى أن نصنع لتعريف كل معنى من المعاني البسيطة والمركبة نقشا لافتقرنا إلى حفظ نقوش غير متناهية، وذلك غير ممكن، فدبروا فيه طريقا لطيفا وهو أنهم وضعوا بإزاء كل واحد من الحروف النطقية البسيطة نقشا خاصا، ثم جعلوا النقوش المركبة في مقابلة الحروف المركبة فسهلت المؤونة في الكتابة بهذا الطريق، إلا أن على هذا التقدير صارت الكتابة مفرعة على النطق، إلا أنه حصل في الكتابة منفعة عظيمة، وهي أن عقل الانسان الواحد لا يفي باستنباط العلوم الكثيرة، فالانسان الواحد إذا استنبط مقدارا من العلم وأبثته في الكتاب بواسطة الكتابة فإذا جاء بعده انسان آخر ووقف عليه قدر على استنباط أشياء اخر زائدة على ذلك الأول، فظهر أن العلوم إنما كثرت بإعانة الكتابة، فلهذا قال عليه السلام: قيدوا العلم بالكتابة. فهذا بيان حقيقة النطق و الإشارة والكتابة.

البحث الثاني مما يتعلق بهذا الباب أن المشهور أنه يقال في حد الانسان:

إنه حيوان ناطق فقال بعضهم: إن هذا التعريف باطل طردا وعكسا. أما الطرد فلان بعض الحيوانات قد تنطق، وأما العكس فهو بعض الناس لا ينطق، فأجيب عنه:

بأن المراد منه النطق العقلي، ولم يذكروا لهذا النطق العقلي تفسيرا ملخصا، فنقول الحيوان نوعان: منه ما إذا عرف شيئا فإنه لا يقدر على أن يعرف غيره حال نفسه مثل البهائم وغيرها، فإنها إذا وجدت من نفسها أحوالا مخصوصة لا تقدر على أن تعرف غيرها تلك الأحوال، وأما الانسان فإذا وجد من نفسه حالة مخصوصة قدر على أن يعرف غيره تلك الحالة الموجودة في نفسه، فالناطق الذي جعل فصلا مقوما هو هذا المعنى، والسبب فيه أن أكمل طرق التعريف هو النطق، فعبر عن هذه القدرة بأكمل الطرق الدالة عليها، وبهذا التقرير فإن تلك السؤال لا يتوجه والله أعلم بالصواب.

البحث الثالث: أن هذه الألفاظ والكلمات لها أسماء كثيرة، فالأول اللفظ، وفيه وجهان أحدهما أن هذه الألفاظ إنما تولد بسبب أن ذلك الانسان لفظ ذلك الهواء من حلقه، فلما كان سبب حدوث هذه الأصوات هو لفظ ذلك الهواء لا جرم سميت باللفظ. والثاني أن تلك المعاني كانت كامنة في قلب ذلك الانسان فلما ذكر هذه الألفاظ صارت تلك المعاني الكامنة معلومة، فكان ذلك الانسان لفظها من الداخل إلى الخارج.

والاسم الثاني: الكلام، واشتقاق هذه اللفظة من الكلم وهو الجرح، والسبب أن الانسان إذا سمع تلك اللفظة تأثر جسمه بسماعها، وتأثر عقله بفهم معناها فلهذا السبب سمي بالكلمة.

والاسم الثالث: العبارة، وهي مأخوذة من العبور والمجاوزة، وفيه وجهان:

الأول: أن ذلك النفس لما خرج منه فكأن جاوزه وعبر عليه. الثاني: أن ذلك المعنى عبر من القائل إلى فهم المستمع.

والاسم الرابع: القول، وهذا التركيب يفيد الشدة والقوة، ولا شك أن تلك اللفظة لها قوة، إما لسبب خروجها إلى الخارج، وإما لسبب أنها تقوى على التأثير في السمع وعلى التأثير في العقل، والله أعلم.

النوع الثاني من خواص الانسان قدرته على استنباط الصنائع العجيبة، ولهذه القدرة مبدءا وآلة. أما المبدأ فهو الخيال القادر على تركيب الصور بعضها ببعض، و أما الآلة فهي اليدان، وقد سماهما الحكيم أرسطاطاليس " الآلة المباحة " وسنذكر هذه اللفظة في علم التشريح إن شاء الله، وقد يحصل ما يشبه هذه الحالة للحيوانات الاخر كالنحل في بناء البيوت المسدسة، إلا أن ذلك لا يصدر من استنباط وقياس، بل إلهام وتسخير، ولذلك لا يختلف ولا يتنوع. هكذا قاله الشيخ، وهو منقوض بالحركة الفلكية وسنفرد لهذا البحث فصلا على الاستقصاء.

النوع الثالث من خواص الانسان الاعراض النفسانية المختلفة، وهي على أقسام: فأحدها أنه إذا رأى شيئا لم يعرف سببه حصلت حالة مخصوصة في نفسه مسماة

بالتعجب. وثانيها: أنه إذا أحس بحصول الملائم حصلت حالة مخصوصة وتتبعها أحوال جسمانية، وهي تمدد في عضلات الوجه مع أصوات مخصوصة وهي الضحك، فإن أحس بحصول المنافي والمؤذي حزن فانعصر دم قلبه في الداخل فينعصر أيضا دماغه، وتنفصل عنه قطرة من الماء وتخرج من العين وهي البكاء. وثالثها: أن الانسان إذا اعتقد في غيره أنه اعتقد فيه أنه أقدم على شئ من القبائح حصلت حالة مخصوصة تسمى بالخجالة.

ورابعها: أنه إذا اعتقد في فعل مخصوص أنه قبيح فامتنع عنه لقبحه حصلت حالة مخصوصة هي الحياء. وبالجملة فاستقصاء القول في تعديد الأحوال النفسانية مذكور في باب الكيفيات النفسانية.

والنوع الرابع من خواص الانسان الحكم بحسن بعض الأشياء وقبح بعضها إما لان صريح العقل يوجب ذلك عند من يقول به، وإما لأجل أن المصلحة الحاصلة بسبب المشاركة الانسانية اقتضت تقريرها، لتبقى مصالح العالم مرعية. وأما سائر الحيوانات فإنها إن تركت بعض الأشياء مثل الأسد فإنه لا يفترس صاحبه فليس ذلك مشابها للحالة الحاصلة للانسان، بل هيئة أخرى، لان كل حيوان فهو يحب بالطبع كل من ينفعه، فلهذا السبب الشخص الذي أطعمه محبوب عنده، فيصير ذلك مانعا له عن افتراسه.

النوع الخامس من خواص الانسان تذكر الأمور الماضية، وقيل: إن هذه الحالة لا تحصل لسائر الحيوانات، والجزم في هذا الباب بالنفي والاثبات مشكل.

والنوع السادس: الفكر والروية، وهذا الفكر على قسمين: أحدهما أن يتفكر لأجل أن يعرف حاله. وهذا النوع من الفكر ممكن في الماضي والمستقبل والحاضر.

والنوع الثاني: التفكر في كيفية إيجاده وتكوينه. وهذا النوع من الفكر لا يمكن في الواجب والممتنع، وإنما يمكن في الممكن، ثم لا يمكن في الممكن الماضي والحاضر، وإنما يمكن في الممكن المستقبل، وإذا حكمت هذه القوة تبع حكمها حصول الإرادة الجازمة، ويتبعها تأثير القوة والقدرة في تحريك البدن. وهل لشئ من الحيوانات شئ من الكيفيات؟ المشهور إنكاره، وفيه موضع بحث، فإنها راغبة في

كل ما يكون لذيذا عندها نافرة عن كل ما يكون مؤلما عندها، فوجب أن يتقرر عندها أن كل لذيذ مطلوب، وأن كل مؤلم مكروه. فأجيب عنه: بأن رغبتها إنما يكون في هذا اللذيذ، فكل لذيذ حضر عنده فإنه يرغب فيه من حيث إنه ذلك الشئ، فأما أن يعتقد أن كل لذيذ فهو مطلوب فهذا ليس عنده.

واعلم أن الحكم في هذه الأشياء بالنفي والاثبات حكم على الغيب، والعلم بها ليس إلا لله العلي العليم، والله أعلم.

الفصل الثاني والعشرون في بيان أن اللذات العقلية أشرف وأكمل من اللذات الحسية. اعلم أن الغالب على الطباع العامية أن أقوى اللذات وأكمل السعادات لذة المطعم والمنكح، ولذلك فإن جمهور الناس لا يعبدون الله إلا ليجدوا المطاعم اللذيذة في الآخرة، وإلا ليجدوا المناكح الشهية هناك. وهذا القول مردود عند المحققين من أهل الحكمة وأرباب الرياضة، ويدل عليه وجوه:

الحجة الأولى: لو كانت سعادة الانسان متعلقة بقضاء الشهوة وإمضاء الغضب لكان الحيوان الذي يكون أقوى في هذا الباب من الانسان أشرف منه، لكن الجمل أكثر أكلا من الناس، والذئب أقوى في الايداء من الانسان، والعصفور أقوى على السفاد من الانسان، فوجب كون هذه الأشياء أشرف من الانسان، لكن التالي معلوم البطلان بالضرورة، فوجب الجزم بأن سعادة الانسان غير متعلقة بهذه الأمور.

الحجة الثانية: كل شئ يكون سببا لحصول السعادة والكمال فكلما كان ذلك الشئ أكثر حصولا كانت السعادة والكمال أكثر حصولا، فلو كان قضاء شهوة البطن والفرج سببا لكمال حال الانسان ولسعادته لكان الانسان كلما أكثر اشتغالا بقضاء شهوة البطن والفرج وأكثر استغراقا فيه كان أعلى درجة وأكمل فضيلة، لكن التالي باطل، لان الانسان الذي جعل عمره وقفا على الأكل والشرب والبعال يعد من البهيمة ويقضى عليه بالدناءة والخساسة، وكل ذلك يدل على أن الاشتغال بقضاء هاتين الشهوتين ليس من باب السعادات والكمالات، بل من باب دفع الحاجات والآفات.

الحجة الثالثة أن الانسان يشاركه في لذة الأكل والشرب جميع الحيوانات

الخسيسة، فإنه كما أن الانسان يلتذ بأكل السكر فكذلك الجعل يلتذ بتناول السرقين، فلو كانت هذه اللذات البدنية هي السعادة الكبرى للانسان لوجب أن لا يكون للانسان فضيلة على هذه الحيوانات الخسيسة، بل نزيد ونقول: لو كانت سعادة الانسان متعلقة بهذه اللذات الخسيسة لوجب أن يكون الانسان أخس الحيوانات، والتالي باطل فالمقدم مثله. وبيان وجه الملازمة أن الحيوانات الخسيسة مشاركة للانسان في هذه اللذات الخسيسة البدنية، إلا أن الانسان يتنغص عليه المطالب بسبب العقل فإن العقل سمي عقلا لكونه عقالا له وحبسا له عن أكثر ما يشتهيه ويميل طبعه إليه فإذا كان التقدير أن كمال السعادة ليس إلا في هذه اللذات الخسيسة ثم بينا أن هذه اللذات الخسيسة حاصلة على سبيل الكمال والتمام للبهائم والسباع من غير معارض و مدافع وهي حاصلة للانسان مع المنازع القوي والمعارض الكامل وجب أن يكون الانسان أخس الحيوانات، ولما كان هذا معلوم الفساد بالبديهة ثبت أن هذه اللذات الخسيسة ليست موجبة للبهجة والسعادة.

الحجة الرابعة أن هذه اللذات الخسيسة إذا بحث عنها فهي في الحقيقة ليست لذات، بل حاصلها يرجع إلى دفع الألم، والدليل عليه أن الانسان كلما كان أكثر جوعا كان التذاذه بالأكل أكمل، وكلما كان ألم الجوع أقل كان الالتذاذ بالأكل أقل وأيضا إذا طال عهد الانسان بالوقاع واجتمع المني الكثير في أوعية المني حصلت في تلك الأوعية دغدغة شديدة وتمدد وثقل، وكلما كانت هذه الأحوال المؤذية أكثر كانت اللذة الحاصلة عند اندفاع ذلك المني أقوى، ولهذا السبب فإن لذة الوقاع في حق من طال عهده بالوقاع يكون أكمل منها في حق من قرب عهده به. فثبت أن هذه الأحوال التي يظن أنها لذات جسمانية فهي في الحقيقة ليست إلا دفع الألم، و هكذا القول في اللذة الحاصلة بسبب لبس الثياب، فإنه لا حاصل لتلك اللذة إلا دفع ألم الحر والبرد. وإذا ثبت أنه لا حاصل لهذه اللذات إلا دفع الآلام فنقول: ظهر أنه ليس فيها سعادة، لان الحالة السابقة هي حصول الألم، والحالة الحاضرة عدم الألم، وهذا العدم كان حاصلا عند العدم الأصلي، فثبت أن هذه الأحوال ليست

سعادات ولا كمالات البتة.

الحجة الخامسة: أن الانسان من حيث يأكل ويشرب ويجامع ويؤذي يشاركه سائر الحيوانات، وإنما يمتاز عنها بالإنسانية، وهي مانعة من تكميل تلك الأحوال وموجبة لنقصانها وتقليلها، فلو كانت هذه الأحوال عين السعادة لكان الانسان من حيث إنه انسان ناقصا شقيا خسيسا، ولما حكمت البديهة بفساد هذا التالي ثبت فساد المقدم.

الحجة السادسة: أن العلم الضروري حاصل بأن بهجة الملائكة وسعادتهم أكمل وأشرف من بهجة الحمار وسعادته ومن بهجة الديدان والذباب وسائر الحيوانات والحشرات، ثم لا نزاع أن الملائكة ليس لها هذه اللذات، فلو كانت السعادة القصوى ليست إلا هذه اللذات لزم كون هذه الحيوانات الخسيسة أعلى حالا وأكمل درجة من الملائكة المقربين، ولما كان هذا التالي باطلا كان المقدم مثله، بل ههنا ما هو أعلى وأقوى مما ذكرناه، وهو أنه لا نسبة لكمال واجب الوجود وجلاله وشرفه وعزته إلى أحوال غيره، مع أن هذه اللذات الحسية ممتنعة عليه، فثبت أن الكمال والشرف قد يحصلان سوى هذه اللذات الجسمية. فإن قالوا: ذلك الكمال لأجل حصول الإلهية، وذلك في حق الخلق محال. فنقول: لا نزاع أن حصول الإلهية في حق الخلق محال، إلا أنه قال عليه السلام. " تخلقوا بأخلاق الله " والفلاسفة قالوا: " الفلسفة عبارة عن التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية " فيجب عليه أن يعرف تفسير هذا التخلق وهذا التشبه، ومعلوم أنه لا معنى لهما إلا تقليل الحاجات وإضافة الخيرات والحسنات لا بالاستكثار من اللذات والشهوات.

الحجة السابعة: أن هؤلاء الذين حكموا بأن سعادة الانسان ليس إلا في تحصيل هذه اللذات البدنية والراحات الجسمانية إذا رأوا إنسانا أعرض عن طلبها مثل أن يكون مواظبا للصوم مكتفيا بما جاءت الأرض عظم اعتقادهم فيه، وزعموا أنه ليس من جنس الانسان بل من زمرة الملائكة، ويعدون أنفسهم بالنسبة إليه أشقياء أراذل، وإذا رأوا إنسانا مستغرق الفكر والهمة في طلب الأكل والشرب والوقاع، مصروف الهمة إلى تحصيل أسباب هذه الأحوال معرضا عن العلم والزهد والعبادة قضوا بالبهيمية

والخزي والنكال، ولولا أنه تقرر في عقولهم أن الاشتغال بتحصيل هذه اللذات الجسدانية نقص ودناءة، وأن الترفع عن الالتفات إليها كمال وسعادة لما كان الامر على ما ذكرنا، ولكان يجب أن يحكموا على المعرض عن تحصيل هذه اللذات بالخزي والنكال، وعلى المستغرق فيها بالسعادة والكمال، وفساد التالي يدل على فساد المقدم.

الحجة الثامنة: كل شئ يكون في نفسه كمالا وسعادة وجب أن لا يستحيى من إظهاره، بل يجب أن يفتخر بإظهاره ويتبجح بفعله، ونحن نعلم بالضرورة أن أحدا من العقلاء لا يفتخر بكثرة الأكل، ولا بكثرة المباشرة، ولا بكونه مستغرق الوقت و الزمان في هذه الاعمال، وأيضا فالعاقل لا يقدر على الوقاع إلا في الخلوة، فأما عند حضور الناس فإن أحدا من العقلاء لا يجد في نفسه تجويز الاقدام عليه، وذلك يدل على أنه تقرر في عقول الخلق أنه فعل خسيس وعمل قبيح فيجب إخفاؤه عن العيون، وأيضا فقد جرت عادة السفهاء بأنه لا يشتم بعضهم بعضا إلا بذكر ألفاظ الوقاع، وذلك يدل على أنه مرتبة خسيسة ودرجة قبيحة، وأيضا لو أن واحدا من السفهاء أخذ يحكي عند حضور الجمع العظيم فلانا كيف يواقع زوجته، فإن ذلك الرجل يستحيي من ذلك الكلام ويتأذى من ذلك القائل، وكل هذا يدل على أن ذلك الفعل ليس من الكمالات والسعادات، بل هو عمل باطل وفعل قبيح.

الحجة التاسعة: كل فرس وحمار كان ميله إلى كل والشرب والايذاء أكثر وكان قبوله للرياضة أقل، كان قيمته أقل، وكل حيوان كان أقل رغبة في الا كل والشرب وكان أسرع قبولا للرياضة كانت قيمته أكثر. ألا ترى أن الفرس الذي يقبل الرياضة في الكر والفر والعدو الشديد فإنه يشترى بثمن رفيع، وكل فرس لا يقبل هذه الرياضة يوضع على ظهره الاكاف، ويسوى بينه وبين الحمار، ولا يشترى إلا بثمن قليل، فلما كانت الحيوانات التي هي غير ناطقة لا تظهر فضائلها بسبب الأكل والشرب والوقاع، بل بسبب تقليلها وبسبب قبول الأدب وحسن الخدمة لمولاه، فما ظنك بالحيوان الناطق العاقل؟

الحجة العاشرة: أن سكان أطراف الأرض لما لم تكمل عقولهم ومعارفهم و

أخلاقهم لا جرم كانوا في غاية الخسة والدناءة، أن سكان الإقليم السابع وهم الصقالبة لما قل نصيبهم من المعارف الحقيقة والاخلاق الفاضلة فلا جرم تقرر في عقول العقلاء خسة درجاتهم ودناءة مراتبهم. وأما سكان وسط المعمورة لما فازوا بالمعارف الحقيقة والاخلاق الفاضلة لا جرم أقر كل أحد بأنهم أفضل طوائف البشر وأكملهم وذلك يدل على أن فضيلة الانسان وكماله لا يظهر إلا بالعلوم الحقيقة والاخلاق الفاضلة.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.