پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

42 باب حقيقة النفس والروح وأحوالهما

ج ۵۷، ص ۳۹۱–۲۷ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۷

الاسراء: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.

الزمر: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون.

الواقعة: فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون.

الملك: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا.

تفسير: " ويسألونك عن الروح " قال الطبرسي - روح الله روحه - اختلف في الروح المسؤول عنه على أقوال: أحدها أنهم سألوه عن الروح الذي في بدن الانسان ما هو ولم يجبهم، وسأله عن ذلك قوم من اليهود، عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة، واختاره الجبائي، وعلى هذا فإنما عدل النبي صلى الله عليه وآله عن جوابهم لعلمه بأن ذلك أدعى لهم إلى الصلاح في الدين، ولأنهم كانوا بسؤالهم متعنتين لا مستفيدين، فلو صدر

الجواب لازدادوا عنادا وقيل: إن اليهود قالت لقريش: سلوا محمدا عن الروح، فإن أجابكم فليس بنبي، وإن لم يجبكم فهو نبي، فإنا نجد في كتبنا ذلك، فأمر الله سبحانه بالعدول عن جوابهم، وأن يكلمهم في معرفة الروح إلى ما في عقولهم، ليكون ذلك علما على صدقه ودلالة لنبوته.

وثانيها: أنهم سألوه عن الروح: أهي مخلوقة محدثة أم ليست كذلك؟ فقال سبحانه " قل الروح من أمر ربي " أي من فعله وخلقه، وكان هذا جوابا لهم عما سألوه عنه بعينه. وعلى هذا فيجوز أن يكون الروح الذي سألوه عنه هو الذي به قوام الجسد على قول ابن عباس وغيره، أم جبرئيل على قول الحسن وقتادة، أم ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، يسبح الله تعالى بجميع ذلك على ما روي عن علي عليه السلام، أم عيسى عليه السلام فإنه سمي بالروح.

وثالثها: أن المشركين سألوه عن الروح الذي هو القرآن كيف يلقاك به الملك؟

وكيف صار معجزا؟ وكيف صار نظمه وترتيبه مخالفا لأنواع كلامنا من الخطب و الاشعار؟ وقد سمى الله سبحانه القرآن روحا في قوله " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا " فقال سبحانه: قل يا محمد إن الروح الذي هو القرآن من أمر ربي، أنزله علي دلالة على نبوتي، وليس من فعل المخلوقين، ولا مما يدخل في إمكانهم. وعلى هذا فقد وقع الجواب أيضا موقعه، وأما على القول الأول فيكون معنى قوله " الروح من أمر ربي " هو الامر الذي يعلمه ربي ولم يطلع عليه أحدا.

واختلف العلماء في ماهية الروح، فقيل: إنه جسم رقيق هوائي متردد في مخارق الحيوان، وهو مذهب أكثر المتكلمين، واختاره المرتضى - قدس الله روحه -.

وقيل: هو جسم هوائي على بنية حيوانية في كل جزء منه حياة، عن علي بن عيسى، قال:

فلكل حيوان روح وبدن، إلا أن منهم من الأغلب عليه الروح، ومنهم من الأغلب

عليه البدن. وقيل: إن الروح عرض، ثم اختلف فيه، فقيل: هو الحياة التي يتهيأ بها المحل لوجود العلم والقدرة والاختيار، وهو مذهب الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان - رضي الله عنه - والبلخي وجماعة من المعتزلة البغدادين وقيل: هو معنى في القلب، عن الأسواري. وقيل: إن الروح الانسان، وهو الحي المكلف، عن ابن الأخشيد والنظام.

وقال بعض العلماء: إن الله خلق الروح منه ستة أشياء: من جوهر النور والطيب، والبقاء، والحياة، والعلم، والعلو. ألا ترى أنه ما دام في الجسد كان الجسد نورانيا، يبصر بالعينين، ويسمع بالأذنين، ويكون طيبا فإذا خرج من الجسد نتن البدن، ويكون باقيا فإذا فارقه الروح بلي وفنى، ويكون حيا وبخروجه يصير ميتا ويكون عالما فإذا خرج منه الروح لم يعلم شيئا، ويكون علويا لطيفا توجد به الحياة بدلالة قوله تعالى في صفة الشهداء " بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين " وأجسادهم قد بليت في التراب.

وقوله " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " قيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وغيره، إذ لم يبين له الروح، ومعناه: وما أوتيتم من العلم المنصوص عليه إلا قليلا، أي شيئا يسيرا، لان غير المنصوص عليه أكثر، فإن معلومات الله تعالى لا نهاية لها. وقيل:

خطاب لليهود الذين سألوه، فقالت اليهود عند ذلك: كيف وقد أعطانا الله التوراة؟

فقال: التوراة في علم الله قليل. وقال الرازي: للمفسرين في الروح المذكورة في هذه الآية أقوال وأظهرها أن المراد منه الروح الذي هو سبب الحياة، ثم ذكر رواية سؤال اليهود وإبهام النبي صلى الله عليه وآله قصة الروح، وزيفها بوجوه ضعيفة، ثم قال: بل المختار عندنا أنهم سألوه عن الروح وأنه صلى الله عليه وآله أجابهم عنه على أحسن الوجوه. وتقريره أن المذكور في الآية أنهم سألوه عن الروح، والسؤال عنه يقع على وجوه كثيرة أحدها أن يقال: ماهية الروح أهو

متحيز، أو حال في المتحيز، أو موجود غير متحيز ولا حال في المتحيز؟ وثانيها أن يقال:

الأرواح قديمة أو حادثة؟ وثالثها أن يقال: الأرواح هل تبقى بعد موت الأجساد أو تفنى؟ ورابعها أن يقال: ما هي حقيقة سعادة الأرواح وشقاوتها؟

وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة، وقول " ويسألونك عن الروح " ليس فيه ما يدل على أنهم عن أي هذه المسائل سألوا. إلا أن جوابه تعالى لا يليق إلا بمسألتين من المسائل التي ذكرناها: إحديهما السؤال عن ماهية الروح، والثانية عن قدمها وحدثها.

أما البحث الأول فهو أنهم قالوا: ما حقيقة الروح وماهيته؟ أهو عبارة عن أجسام موجودة في داخل هذا البدن متولدة من امتزاج الطبائع والاخلاط، أو عبارة عن نفس هذا المزج والتركيب، أو هو عبارة عن عرض آخر قائم بهذه الأجسام، أو هو عبارة عن موجود مغائر لهذه الأجسام ولهذه الاعراض؟ فأجاب الله عنه بأنه موجود مغائر لهذه الأجسام ولهذه الاعراض، وذلك لأن هذه الأجسام وهذه الاعراض أشياء تحدث من امتزاج الاخلاط والعناصر، وأما الروح فإنه ليس كذلك ، بل هو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث قوله كن فيكون: فقالوا: لم كان شيئا مغايرا لهذه الأجسام ولهذه الاعراض؟ فأجاب الله بأنه موجود يحدث بأمر الله وتكوينه وتأثيره في إفادة الحياة لهذا الجسد، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه، فإن أكثر حقائق الأشياء وماهياتها مجهولة، ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها، وهذا هو المراد بقوله " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ".

وأما البحث الثاني فهو أن لفظ الامر قد جاء بمعنى الفعل، قال تعالى " وما أمر فرعون برشيد " وقال " لما جاء أمرنا " أي فعلنا، فقوله " قل الروح من أمر ربي " من فعل ربي، وهذا الجواب يدل على أنهم سألوا أن الروح قديمة أو حادثة؟ فقال:

بل هي حادثة، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه وإيجاده. ثم احتج على حدوث الروح بقوله " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " بمعنى أن الأرواح في مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم، ثم تحصل فيها المعارف والعلوم، فهي لا تزال تكون في التغير من حال

إلى حال، وفي التبديل من نقصان إلى كمال، والتغير والتبدل من أمارات الحدوث.

فقوله " قل الروح من أمر ربي " يدل على أنهم سألوا أن الروح هل هي حادثة أم لا؟

فأجاب بأنها حادثة واقعة بتخليق الله وتكوينه، ثم استدل على حدوث الأرواح بتغيرها من حال إلى حال، فهذا ما نقوله في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.

أقول: ثم ذكر الأقوال الأخرى في تفسير الروح في هذه الآية فمنها أنه القرآن كما مر، ومنها أنه ملك من الملائكة هو أعظمهم قدرا وقوة، وهو المراد من قوله تعالى: " يوم يقوم الروح والملائكة صفا "، ونقلوا عن علي عليه السلام أنه قال: هو ملك له سبعون ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها، ويخلق الله من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. قالوا: ولم يخلق الله خلقا أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله يبتلع السماوات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة. ثم اعترض على هذا الوجه و على الرواية بوجوه سخيفة، ثم ذكر من الوجوه أنه جبرئيل عليه السلام، ووجها رابعا عن مجاهد: أنه خلق ليسوا بالملائكة على صورة بني آدم، يأكلون ولهم أيد وأرجل و رؤوس، وقال أبو صالح: يشبهون الناس وليسوا بالناس، ولم أجد في القرآن ولا في الأخبار الصحيحة شيئا يمكن التمسك به في إثبات هذا القول.

ثم قال في شرح مذاهب الناس في حقيقة الانسان: اعلم أن العلم الضروري حاصل بأن ههنا شيئا إليه يشير الانسان بقوله " أنا " وإذا قال الانسان " علمت وفهمت وأبصرت وسمعت وذقت وشممت ولمست وغضبت " فالمشار إليه لكل أحد بقوله " أنا " إما أن يكون جسما أو عرضا، أو مجموع الجسم والعرض، أو ما تركب من الجسم و العرض، وذلك الشئ الثالث، فهذا ضبط معقول. أما القسم الأول وهو أن يقال:

الانسان جسم، فذلك الجسم إما أن يكون هو هذه البنية، أو جسما داخلا في هذه

البنية أو جسما خارجا عنها. أما القائلون بأن الانسان عبارة عن هذه البنية المحسوسة وهذا الهيكل المجسم المحسوس، فإذا أبطلنا كون الانسان عبارة عن هذا الجسم وأبطلنا كون الانسان محسوسا فقد بطل كلامهم بالكلية.

والذي يدل على أنه لا يمكن أن يكون الانسان عبارة عن هذا الجسم وجوه:

الأول: أن العلم البديهي حاصل بأن أجزاء هذه الجثة متبدلة بالزيادة والنقصان تارة بحسب النمو والذبول، وتارة بحسب السمن والهزال، والعلم الضروري حاصل بأن المتبدل المتغير مغائر للثابت الباقي، ويحصل من مجموع هذه المقدمات الثلاث العلم القطعي بأنه ليس عبارة عن مجموع هذه الجثة.

الثاني: أن الانسان حال ما يكون مشتغل الفكر متوجه الهمة نحو أمر مخصوص، فإنه في تلك الحالة غير غافل عن نفسه المعينة، بدليل أنه في تلك الحالة قد يقول: غضبت واشتهيت وسمعت كلامك وأبصرت وجهك، و " تاء " الضمير كناية عن نفسه المخصوصة، فهو في تلك الحالة عالم بنفسه المخصوصة، وغافل عن جملة بدنه وعن كل واحد من أعضائه وأبعاضه.

الثالث: أن كل أحد يحكم بصريح عقله بإضافة كل واحد من هذه الأعضاء إلى نفسه، فيقول: رأسي، وعيني، ويدي، ورجلي، ولساني، وقلبي، وبدني.

والمضاف غير المضاف إليه، فوجب أن يكون الشئ الذي هو الانسان مغايرا لجملة هذا البدن ولكل واحد من هذه الأعضاء، فان قالوا: فقد يقول: نفسي وذاتي، فيضيف النفس والذات إلى نفسه، فيلزم أن نفس الشئ وذاته مغائرة لنفسه وذاته وذلك محال قلنا: قد يراد بنفس الشئ وذاته هذا البدن المخصوص، وقد يراد بنفس الشئ وذاته الحقيقة المخصوصة التي إليها يشير كل أحد بقوله " أنا " فإذا قال: نفسي و ذاتي، كان المراد منه البدن، وعندنا أنه مغائر لجوهر الانسان.

الرابع: أن كل دليل يدل على أن الانسان يمتنع أن يكون جسما فهو أيضا يدل على أنه يمتنع أن يكون عبارة عن هذا الجسم، وسيأتي تقرير تلك الدلائل.

الخامس: أن الانسان قد يكون حيا حال ما يكون البدن ميتا، فوجب

كون الانسان مغايرا لهذا البدن والدليل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " فهذا النص صريح في أن أولئك المقتولين أحياء، والحس يدل على أن هذا الجسد ميتة.

السادس: أن قوله تعالى: " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا وقوله:

" أغرقوا فادخلوا نارا " يدل على أن الانسان حي بعد الموت، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله " الأنبياء لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار " وكذلك قوله صلى الله عليه وآله: " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران " وكذلك قوله صلى الله عليه وآله: " من مات فقد قامت قيامته " [وإن] كل هذه النصوص يدل على أن الانسان حي يبقى بعد موت الجسد وبديهة العقل والفطرة شاهدتان بأن هذا الجسد ميت، ولو جوزنا كونه حيا كان يجوز مثله في جميع الجمادات، وذلك عين السفسطة، وإذا ثبت أن الانسان حي ما كان الجسد ميتا لزم أن الانسان شئ غير هذا الجسد.

السابع: قوله صلى الله عليه وآله في خطبة طويلة له " حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ويقول: يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال من حله ومن غير حله، فالمهنأ لغيري والتبعة على، فاحذروا مثل ما حل بي " وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وآله صرح بأن حال كون الجسد محمولا على النعش بقي هناك شئ ينادي ويقول " يا أهلي ويا ولدي جمعت المال من حله و غير حله.. " ومعلوم أن الذي كان الأهل أهلا له، وكان الولد ولدا له، وكان جامعا للمال من الحرام والحلال، والذي بقي في ربقته الوبال، ليس إلا ذلك الانسان فهذا تصريح بأن في الوقت الذي كان الجسد ميتا محمولا على النعش كان ذلك الانسان حيا باقيا فاهما، وذلك تصريح بأن الانسان شئ مغائر لهذا الجسد والهيكل.

الثامن: قوله تعالى " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية " والخطاب بقوله: " ارجعي " إنما يتوجه إليها حال الموت، فدل هذا على أن الشئ الذي يرجع إلى الله بعد موت الجسد يكون راضيا مرضيا عند الله، والذي يكون راضيا مرضيا ليس إلا الانسان، فهذا يدل على أن الانسان بقي حيا بعد موت الجسد، والحي غير الميت، فالانسان مغائر لهذا الجسد.

التاسع: قوله تعالى " حتى إذا جاء أحدهم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم رد وا إلى الله موليهم الحق " أثبت كونهم مردودين إلى الله الذي هو موليهم الحق عند كون الجسد ميتا، فوجب أن يكون ذلك المردود إلى الله مغايرا لذلك الجسد الميت.

العاشر: ترى جميع فرق الدنيا من الهند والروم والعرب والعجم وجميع أرباب الملل والنحل من اليهود والنصارى والمجوس والمسلمين وسائر فرق العالم وطوائفهم يتصدقون عن موتاهم ويدعون لهم بالخير ويذهبون إلى زياراتهم، ولولا أنهم بعد موت الجسد بقوا أحياء لكان التصدق لهم عبثا، ولكان الدعاء لهم عبثا، ولكان الذهاب إلى زيارتهم عبثا، فإطباق الكل على هذه الصدقة والدعاء والزيارة يدل على أن فطرتهم الأصلية السليمة شاهدة بأن الانسان شئ غير هذا الجسد، وأن ذلك الشئ لا يموت بموت هذا الجسد.

الحادي عشر: أن كثيرا من الناس يرى أباه وابنه في المنام ويقول له: اذهب إلى الموضع الفلاني فإن فيه ذهبا دفنته لك، وقد يراه فيوصيه بقضاء دين عنه، ثم عند اليقظة إذا فتش عنه كان كما رآه في النوم من غير تفاوت، ولولا أن الانسان باق حي بعد الموت لما كان كذلك، ولما دل هذا الدليل على أن الانسان حي بعد الموت ودل الحس على أن الجسد ميت كان الانسان مغايرا لهذا الجسد.

الثاني عشر: أن الانسان إذا ضاع عضو من أعضائه مثل أن تقطع يداه ورجلاه

وتقلع عيناه، وتقطع أذناه، إلى غيرها من الأعضاء، فإن ذلك الانسان يجد من قلبه وعقله أنه هو عين ذلك الانسان من غير تفاوت البتة، حتى أنه يقول: أنا ذلك الانسان الذي كنت موجودا قبل ذلك، إلا أنهم قطعوا يدي ورجلي، وذلك برهان يقيني على أن ذلك الانسان شئ مغائر لهذه الأعضاء والأبعاض، وذلك يبطل قول من يقول:

الانسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة.

الثالث عشر: أن القرآن والأحاديث يدلان على أن جماعة من اليهود قد مسخهم الله، وجعلهم في صورة القردة والخنازير، فنقول: ذلك الانسان هل بقي حال ذلك المسخ أولم يبق؟ فإن لم يبق كان هذا إماتة لذلك الانسان وخلق خنزير أو قردة وليس هذا من المسخ في شئ وإن قلنا: إن ذلك الانسان بقي حال حصول ذلك المسخ فنقول: فعلى هذا التقدير الانسان باق وتلك البنية وذلك الهيكل غير باق، فوجب أن يكون ذلك الانسان شيئا مغايرا لتلك البنية.

الرابع عشر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يرى جبرئيل في صورة دحية الكلبي وكان يرى إبليس في صورة الشيخ النجدي، فهنا بنية الانسان وهيكله وشكله حاصل مع أن الحقيقة الانسانية غير حاصلة، وهذا يدل على أن الانسان ليس عبارة عن هذه البنية وهذا الهيكل.

الخامس عشر: أن الزاني يزني بفرجه ويضرب على ظهره، فوجب أن يكون الانسان شيئا آخر سوى الفرج وسوى الظهر، ويقال: إن ذلك الشئ يستعمل الفرج في عمل والظهر في عمل آخر، فيكون الملتذ والمتألم هو ذلك الشئ، إلا أنه يحصل اللذة بواسطة ذلك العضو ويتألم بواسطة الضرب على هذا العضو.

السادس عشر: أني إذا تكلمت مع زيد وقلت له: افعل كذا، ولا تفعل كذا!

فالمخاطب بهذا الخطاب والمأمور والمنهي ليس هو جبهة زيد ولا حدقته ولا أنفه ولا فمه ولا شئ من أعضائه بعينه، فوجب أن يكون المأمور والمنهي والمخاطب شيئا مغايرا لهذه الأعضاء، وذلك يدل على أن ذلك المأمور والمنهي غير هذا الجسد. فإن قالوا:

لم لا يجوز أن يكون المأمور والمنهي جملة هذا البدن لا شئ من أجزائه وأبعاضه؟

قلنا: توجيه التكليف إلى الجملة إنما يصح لو كانت الجملة فاهمة عالمة، فنقول:

لو كانت الجملة عالمة، فإما أن يقوم بمجموع البدن علم واحد، أو يقوم بكل واحد من أجزاء البدن علم على حدة، والأول يقتضي قيام العرض الواحد بالمحال الكثيرة وهو محال، والثاني يقتضي أن يكون كل واحد من أجزاء البدن عالما فاهما على سبيل الاستقلال، وقد بينا أن العلم الضروري حاصل بأن الجزء المعين من البدن ليس عالما فاهما مدركا بالاستقلال، فسقط هذا السؤال.

السابع عشر: الانسان يجب أن يكون عالما، والعلم لا يحصل إلا في القلب فيلزم أن يكون الانسان عبارة عن الشئ الموجود في القلب، وإذا ثبت هذا بطل القول بأن الانسان عبارة عن هذا الهيكل وهذه الجثة. إنما قلنا إن الانسان يجب أن يكون عالما، لأنه فاعل مختار، والفاعل المختار هو الذي يفعل بواسطة القصد إلى تكوينه، وهما مشروطان بالعلم، لان ما لا يكون متصورا امتنع القصد إلى تكوينه فثبت أن الانسان يجب أن يكون عالما بالأشياء. وإنما قلنا إن العلم لا يوجد إلا في القلب، للبرهان والقرآن، أما البرهان: فلانا نجد العلم الضروري بأنا نجد علومنا من ناحية القلب. وأما القرآن: فآيات نحو قوله تعالى: " لهم قلوب لا يفقهون بها " وقوله: " كتب في قلوبهم الايمان " وقوله: " نزل به الروح الأمين على قلبك " وإذا ثبت أن الانسان يجب أن يكون عالما، وثبت أن العلم ليس إلا في القلب، [ثبت أن الانسان شئ في القلب] أو شئ له تعلق بالقلب، وعلى التقديرين فإنه بطل قول من يقول: إن الانسان هو هذا الجسد وهذا الهيكل.

وأما البحث الثاني: وهو بيان أن الانسان غير محسوس، هو أن حقيقة الانسان شئ مغائر للسطح واللون، وكل ما هو مرئي فهو إما السطح وإما اللون، وهما مقدمتان

قطعيتان، ينتج هذا القياس أن حقيقة الانسان غير مرئية ولا محسوسة، وهذا برهان يقيني.

ثم قال في شرح مذاهب القائلين بأن الانسان جسم موجود في داخل البدن:

اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفلي، إما أن يكون أحد العناصر الأربعة أو ما يكون متولدا من امتزاجها، ويمتنع أن يحصل في البدن الانساني جسم عنصري خالص، بل لابد وأن يكون الحاصل جسما متولدا من امتزاجات هذه الأربعة، فنقول:

أما الجسم الذي تغلب عليه الأرضية فهو الأعضاء الصلبة الكثيفة كالعظم والعصب و الوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا إن الانسان شئ مغائر لهذا الجسد، بأنه عبارة عن عضو معين من هذه الأعضاء، وذلك لأن هذه الأعضاء كثيفة ثقيلة ظلمانية، فلا جرم لم يقل أحد من العقلاء بأن الانسان عبارة عن أحد هذه الأعضاء وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية، فهو الاخلاط الأربعة، ولم يقع في شئ منها أنه الانسان إلا في الدم، فإن فيهم من قال: إنه الروح بدليل أنه إذا خرج لزمه الموت. أما الجسم الذي تغلب عليه الهوائية والنارية فهي الأرواح، وهي نوعان:

أحدهما أجسام هوائية مخلوطة بالحرارة الغريزية، متولدة إما في القلب أوفي الدماغ وقالوا: إنها هي الروح الانساني، ثم [إنهم] اختلفوا فمنهم من يقول: الانسان هو الروح الذي في القلب، ومنهم من يقول: إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: الروح عبارة عن أجزاء نارية مختلطة بهذه الأرواح القلبية والدماغية، وتلك الأجزاء النارية هي المسماة بالحرارة الغريزية، وهي الانسان. ومن الناس من يقول: الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة الجوهر، على طبيعة ضوء الشمس، وهي لا تقبل التحلل والتبدل ولا التفرق والتمزق، فإذا تكون البدن وثم استعداده - وهو المراد بقوله: " فإذا سويته " - نفذت تلك الأجسام الشريفة السماوية الإلهية في داخل أعضاء البدن نفاذ النار في الفحم، ونفاذ دهن السمسم في

السمسم، ونفاذ ماء الورد في جسم الورد، ونفاذ تلك الأجسام السماوية في جوهر البدن هو المراد بقوله " ونفخت فيه من روحي ". ثم إن البدن ما دام يبقى سليما قابلا لنفاذ تلك الأجسام الشريفة فيه بقي حيا، فإذا تولد في البدن أخلاط غليظة منعت تلك الاخلاط الغليظة من سريان تلك الأجسام الشريفة، فانفصلت عن هذا البدن فحينئذ يعرض الموت، فهذا مذهب قوي وقول شريف يجب التأمل فيه، فإنه شديد المطابقة لما ورد في الكتب الإلهية من أحوال الموت والحياة، فهذا تفصيل مذاهب القائلين بأن الانسان جسم موجود في داخل البدن، وأما أن الانسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف أحدا ذهب إلى هذا القول.

واما القسم الثاني: وهو أن يقال: الانسان عرض حال في البدن فهذا لا يقوله عاقل، لأنه من المعلوم بالضرورة أن الانسان جوهر لأنه موصوف بالعلم والقدرة والتدبير والتصرف، وكل من كان هذا شأنه كان جوهرا، والجوهر لا يكون عرضا، بل الذي يمكن أن يقال له عاقل هو الانسان بشرط أن يكون موصوفا بأعضاء مخصوصة. وعلى هذا التقدير فللناس فيه أقوال:

القول الأول: أن العناصر الأربعة إذا امتزجت وانكسرت سورة كل واحد منها بسورة أخرى حصلت كيفية معتدلة هي المزاج، ومراتب هذا المزاج غير متناهية، فبعضها هي الانسانية، وبعضها هي الفرسية، فالانسان عبارة عن أجسام موصوفة بكيفيات مخصوصة متولدة عن امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص، وهذا قول جمهور الأطباء ومنكري بقاء النفس، ومن المعتزلة قول أبي الحسين البصري.

والقول الثاني: أن الانسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة بصفة الحياة والعلم والقدرة، والحياة عرض قائم بالجسم، وهؤلاء أنكروا الروح والنفس

وقالوا: ليس ههنا إلا أجسام مؤتلفة موصوفة بصفة الحياة، وبهذه الاعراض المخصوصة وهي الحياة والعلم والقدرة، وهذا مذهب أكثر شيوخ المعتزلة.

والقول الثالث: أن الانسان عبارة عن أجسام مخصوصة بأشكال مخصوصة وبشرط أن تكون أيضا موصوفة بالحياة والعلم والقدرة، والانسان إنما يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه وأجزائه، إلا أن هذا مشكل، فإن الملائكة قد يتشبهون بصور الناس، فهنا صورة الانسان حاصلة مع عدم الانسانية، وفي صورة المسخ معنى الانسانية حاصلة مع أن هذه الصورة غير حاصلة، فقد بطل اعتبار هذا الشكل والصورة في حصول معنى الانسانية طردا وعكسا.

اما القسم الثالث: وهو أن يقال: الانسان موجود ليس بجسم ولا جسماني، وهذا قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة القائلين ببقاء النفس المثبتين للنفس معادا روحانيا وثوابا وعقابا روحانيا، ذهب إليه جماعة من علماء المسلمين، مثل الشيخ أبي القاسم الراغب الأصفهاني، والشيخ أبي حامد الغزالي، ومن قدماء المعتزلة معمر بن عباد السلمي، ومن الشيعة الملقب عندهم بالشيخ المفيد، ومن الكرامية جماعة.

واعلم أن القائلين بإثبات النفس فريقان: الأول وهم المحققون منهم قالوا:

الانسان عبارة عن هذا الجوهر المخصوص، وهذا البدن آلته ومنزله ومركبه، وعلى هذا التقدير فالانسان غير موجود في داخل العالم ولا في خارجه وغير متصل بالعالم ولا منفصل عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم إلا على سبيل التصرف والتدبير.

والفريق الثاني الذين قالوا: النفس إذا تعلقت بالبدن اتحدت بالبدن، فصارت النفس عين البدن والبدن عين النفس، ومجموعهما عند الاتحاد هو الانسان، فإذا جاء وقت الموت بطل هذا الاتحاد وبقيت النفس وفسد البدن. فهذا جملة مذاهب الناس في الانسان، وكان " ثابت بن قرة " يثبت النفس ويقول: إنها متعلقة بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للكون والفساد والتفرق والتمزق، وأن تلك الأجسام تكون سارية في البدن، وهن موجودات في داخل البدن. وأما أن

الانسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف أحدا ذهب إلى ذلك.

أقول: ثم ذكر حججا عقلية طويلة الذيل على إثبات النفس ومغارتها للبدن.

منها: أن النفس واحدة ومتى كانت واحدة وجب أن تكون مغائرة لهذا البدن ولكل واحد من أجزائه، أما كونها واحدة فتارة ادعى البداهة فيه، وتارة استدل عليه بوجوه: منها أنا إذا فرضنا جوهرين مستقلين، يكون كل واحد منهما مستقلا بفعله الخاص، امتنع أن يصير اشتغال أحدهما بفعله الخاص به مانعا لاشتغال الآخر بفعله الخاص به، وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان محل إلا دراك والفكر جوهرا ومحل الغضب جوهرا آخر ومحل الشهوة جوهرا ثالثا، وجب أن لا يكون اشتغال القوة الغضبية بفعلها مانعا للقوة الشهوانية من الاشتغال بفعلها ولا بالعكس، لكن التالي باطل، فإن اشتغال الانسان بالشهوة وانصبابه إليها يمنعه من الاشتغال بالغضب والانصباب إليه وبالعكس، فعلمنا أن هذه الأمور الثلاثة ليست مبادئ مستقلة، بل هي صفات مختلفة لجوهر واحد، فلا جرم كان اشتغال ذلك الجوهر بأحد هذه الأفعال عائقا له عن الاشتغال بالفعل الآخر.

ومنها: أن حقيقة الحيوان أنه جسم ذو نفس حساسة متحركة بالإرادة فالنفس لا يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي، ولا معنى للداعي إلا الشعور بخير يرغب في جذبه، أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن يكون المتحرك بالإرادة هو بعينه مدركا للخير والشر والملذ والمؤذي والنافع والضار، فثبت بما ذكرنا أن النفس الانسانية شئ واحد، وثبت أن ذلك الشئ هو المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتفكر، والمتذكر والمشتهي والغاضب، وهو الموصوف بجميع الادراكات لكل المدركات، وهو الموصوف بجميع الأفعال الاختيارية والحركات الإرادية.

ثم قال: وأما المقدمة الثانية فهي في بيان أنه لما كانت النفس شيئا واحدا وجب أن لا يكون النفس هذا البدن ولا شيئا من أجزائه، وأما امتناع كونها جملة هذا البدن فتقريره: أنا نعلم بالضرورة أن القوة الباصرة غير سارية في كل البدن

وكذا القوة السامعة وكذا سائر القوى كالتخيل والتذكر والتفكر، والعلم بأن هذه القوى غير سارية في جملة أجزاء البدن علم بديهي بل هومن أقوى العلوم البديهية، وأما بيان أنه يمتنع أن يكون النفس جزء من أجزاء البدن: فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس في البدن جزء واحد هو بعينه موصوف بالابصار والسماع والفكر والذكر، بل الذي يتبادر إلى الخاطر أن الابصار مخصوص بالعين لا بسائر الأعضاء، والسماع مخصوص بالاذن لا بسائر الأعضاء، والصوت مخصوص بالحلق لا بسائر الأعضاء، وكذلك القول في سائر الادراكات وسائر الأفعال، فأما أن يقال: إنه حصل في البدن جزء واحد موصوف بكل هذه الادراكات وكل هذه الأفعال، فالعلم الضروري حاصل أنه ليس الامر كذلك، فثبت بما ذكر ناه أن النفس الانسانية شئ ء واحد موصوف بجملة هذه الادراكات وبجملة هذه الأفعال، وثبت بالبديهة أن جملة البدن ليست كذلك، وثبت أيضا أن شيئا من أجزاء البدن ليس كذلك، فحينئذ يحصل اليقين بأن النفس شئ مغائر لهذا البدن ولكل واحد من أجزائه وهو المطلوب.

ولنقرر هذا البرهان بعبارة أخرى، نقول: إنا نعلم بالضرورة أنا إذا أبصرنا شيئا عرفناه، وإذا عرفناه اشتهيناه، وإذا اشتهيناه حركنا أبداننا إلى القرب منه، فوجب القطع بأن الذي أبصر هو الذي عرف، وأن الذي عرف هو الذي اشتهى، وأن الذي اشتهى هو الذي حرك إلى القرب منه، فيلزم القطع بأن المبصر لذلك الشئ والعارف به والمشتهي إليه والمحرك إلى القرب منه شئ واحد، إذ لو كان المبصر شيئا والعارف شيئا ثانيا والمشتهي شيئا ثالثا والمحرك شيئا رابعا، لكان الذي أبصر لم يعرف والذي عرف لم يشته والذي اشتهى لم يحرك، لكن من المعلوم أن كون شئ مبصرا لشئ لا يقتضي صيرورة شئ آخر عالما بذلك الشئ، وكذلك القول في سائر المراتب. وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أن الرائي للمرئيات " أنا " وإني لما رأيتها عرفتها، ولما عرفتها اشتهيتها، ولما اشتهيتها طلبتها وحركت الأعضاء إلى القرب منها، ونعلم أيضا بالضرورة أن الموصوف بهذه الرؤية وبهذا العلم وبهذه الشهوة وبهذا التحريك " أنا " لا غيري.

وأيضا العقلاء قالوا: الحيوان لابد وأن يكون حساسا متحركا بالإرادة،

فإن لم يحس بشئ لم يشعر بكونه ملائما وبكونه منافرا، وإذا لم يشعر بذلك امتنع كونه مريدا للجذب أو الدفع، فثبت أن الشئ الذي يكون متحركا بالإرادة فإنه بعينه يجب أن يكون حساسا، فثبت أن المدرك لجميع المدركات بجميع أنواع الادراكات وأن المباشر لجميع التحريكات الاختيارية شئ واحد.

وأيضا فإنا إذا تكلمنا بكلام لقصد تفهيم الغير معاني تلك الكلمات فقد عقلناها وأردنا تعريف غيرنا تلك المعاني، ولما حصلت هذه الإرادة في قلوبنا حاولنا إدخال تلك الحروف والأصوات في الوجود، لنتوسل بها إلى تعريف غيرنا تلك المعاني.

إذا ثبت هذا فنقول: إن كان محل العلم والإرادة ومحل تلك الحروف و الأصوات جسما واحد، لزم أن يقال: إن محل العلوم والإرادات هو الحنجرة و اللهاة واللسان، ومعلوم أنه ليس كذلك. وإن قلنا: إن محل العلوم والإرادات هو القلب لزم أن يكون محل الصوت هو القلب أيضا، وذلك باطل أيضا بالضرورة. وإن قلنا: إن محل الكلام هو الحنجرة واللهاة واللسان ومحل العلوم والإرادات هو القلب ومحل القدرة هو الأعصاب والأوتار والعضلات كنا قد وزعنا هذه الأمور على هذه الأعضاء المختلفة، لكنا أبطلنا ذلك وبينا أن المدرك لجميع الادراكات والإرادات والمحرك لجميع الأعضاء بجميع أنواع التحريكات يجب أن يكون شيئا واحدا، فلم يبق إلا أن يقال: محل الادراك والقدرة على التحريك شئ سوى هذا البدن وسوى أجزاء هذا البدن، وأن هذه الأعضاء جارية مجرى الآلات والأدوات، فكما أن النجار يفعل أفعالا مختلفة بواسطة آلات مختلفة، فكذلك النفس تبصر بالعين وتسمع بالاذن وتتفكر بالدماغ وتعقل بالقلب، فهذه الأعضاء آلات النفس وأدوات لها، وذات النفس جوهر مغائر لها مفارق عنها بالذات متعلق بها تعلق التصرف والتدبير، وهذا البرهان برهان شريف يقيني في هذا المطلوب وبالله التوفيق.

ومنها أنه لو كان الانسان عبارة عن هذا الجسد لكان إما أن يقوم بكل واحد من الاجزاء حياة وعلم وقدرة على حدة، أو يقوم بجميع الاجزاء حياة وعلم وقدرة واحدة والقسمان باطلان، أما الأول فلانه يقتضي كون كل واحد من أجزاء الجسد حيا

عالما قادرا على سبيل الاستقلال، فوجب أن لا يكون الانسان الواحد حيوانا واحدا، بل أحياء عالمين قادرين، وحينئذ لا يبقى فرق بين الانسان الواحد وبين أشخاص كثيرين من الناس ربط بعضهم بالبعض بالسلسلة، لكنا نعلم بالضرورة فساد هذا الكلام لأني أجد ذاتي ذاتا واحدة وحيوانا لا حيوانات كثيرين. وأيضا فبتقدير أن يكون كل واحد من أجزاء هذا الجسد حيوانا واحدا على حدة فحينئذ لا يكون لكل واحد منها خبر عن حال صاحبه، فلا يمتنع أن يريد هذا الجزء أن يتحرك إلى هذا الجانب ويريد الجزء الآخر أن يتحرك إلى الجانب الآخر، فحينئذ يقع التدافع بين أجزاء بدن الانسان الواحد كما يقع بين الشخصين، وفساد ذلك معلوم بالبديهة وأما الثاني فلانه يقتضي قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة وذلك معلوم البطلان بالضرورة، مع أنه يعود المحذور السابق أيضا.

ومنها أنا لما تأملنا في أحوال النفس رأينا أحوالها بالضد من أحوال الجسم وذلك يدل على أن النفس ليست جسما، وتقرير هذه المنافاة من وجوه:

الأول أن كل جسم حصلت فيه صورة فإنه لا يقبل صورة أخرى من جنس الصورة الأولى إلا بعد زوال الصورة الأولى عنه زوالا تاما، مثاله أن البصر إذا حصل فيه شكل التثليث امتنع أن يحصل فيه شكل التربيع والتدوير إلا بعد زوال الشكل الأول عنه. ثم إنا وجدنا الحال في قبول النفس لصور المعقولات بالضد من ذلك، فإن النفس التي لم تقبل صورة عقلية البتة يعسر قبولها لشئ من الصور العقلية، فإذا قبلت صورة واحدة كان قبولها للصورة الثانية أسهل، وإذا قبلت الصورة الثانية صار قبولها للصورة الثالثة أسهل، ثم إن النفس لا تزال تقبل صورة بعد صورة من غير أن تضعف البتة بل كلما كان قبولها للصور أكثر، كان قبولها للصور الآتية بعد ذلك أسهل وأسرع ولهذا السبب يزداد الانسان فهما وإدراكا كلما ازداد تخريجا وارتياضا للعلوم، فثبت أن قبول النفس للصورة العقلية على خلاف قبول الجسم للصورة، وذلك يوهم أن النفس ليست بجسم.

والثاني أن المواظبة على الأفكار الدقيقة لها أثر في النفس وأثر في البدن، أما

أثرها في النفس فهو تأثيرها في اخراج النفس عن القوة إلى الفعل في التعقلات والادراكات، وكلما كانت الأفكار أكثر كان حصول هذه الأحوال أكمل، وذلك غاية كمالها ونهاية شرفها وجلالتها. وأما أثرها في البدن فهو أنها توجب استيلاء اليبس على البدن واستيلاء الذبول عليه، وهذه الحالة لو استمرت لانتهت إلى الماليخوليا وموت البدن، فثبت بما ذكرنا أن هذه الأفكار توجب حياة النفس وشرفها، وتوجب نقصان البدن وموته فلو كانت النفس هي البدن لصار الشئ الواحد بالنسبة إلى الشئ الواحد سببا لكماله ونقصانه معا ولحياته وموته معا وإنه محال.

والثالث أنا شاهدنا أنه ربما كان بدن الانسان ضعيفا نحيفا، فإذا لاح نور من الأنوار القدسية وتجلى له سر من أسرار عالم الغيب حصل لذلك الانسان جرأة عظيمة وسلطنة قوية ولم يعبأ بحضور أكبر السلاطين ولم يقم له وزنا، ولولا أن النفس شئ سوى البدن، والنفس إنما تحيى وتبقى بغير ما به يقوى البدن ويحيى لما كان الامر كذلك.

والرابع أن أصحاب الرياضات والمجاهدات كلما أمعنوا في قهر القوى البدنية وتجويع الجسد قويت قواهم الروحانية وأشرقت أسرارهم بالمعارف الإلهية، وكلما أمعن الانسان في الأكل والشرب وقضاء الشهوات الجسدانية صار كالبهيمة وبقي محروما عن آثار النظر والعقل والفهم والمعرفة، ولولا أن النفس غير البدن لما كان الامر كذلك.

والخامس أنا نرى النفس تفعل أفاعيلها بآلات بدنية، فإنها تبصر بالعين وتسمع بالاذن، وتأخذ باليد، وتمشي بالرجل. أما إذا آل الامر إلى التعقل و الادراك فإنها مستقلة بذاتها في هذا الفعل من غير إعانة شئ من الآلات، ولذلك فإن الانسان يمكنه أن لا يبصر شيئا إذا غمض عينيه، وأن لا يسمع شيئا إذا سد أذنيه، ولا يمكنه البتة أن يزيل عن قلبه العلم بما كان عالما به، فعلمنا أن النفس

غنية بذاتها في العلوم والمعارف عن شئ من الآلات البدنية، فهذه الوجوه أمارات قوية في أن النفس ليست بجسم.

ثم ذكر في إثبات أن النفس ليست بجسم وجوها من الدلائل السمعية:

الأول قوله تعالى: " ولا تكونوا كالذين نسو الله فأنساهم أنفسهم " ومعلوم أن أحدا من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل المشاهد، فدل ذلك على أن النفس التي ينساها الانسان عند فرط الجهل شئ آخر غير هذا البدن.

الثاني قوله تعالى: " أخرجوا أنفسكم " وهذا صريح في أن النفس غير هذا الجسد.

الثالث أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين - إلى قوله - فكسونا العظام لحما " ولا شك أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانية، ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال " ثم أنشأناه خلقا آخر " وهذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغائر لما سبق ذكره من التغيرات الواقعة في الأحوال الجسمانية، وذلك يدل على أن الروح شئ مغائر للبدن.

فإن قالوا: هذه الآية حجة عليكم، لأنه تعالى قال " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " وكلمة " من " للتبعيض، وهذا يدل على أن الانسان بعض من أبعاض الطين قلنا: كلمة " من " أصلها لابتداء الغاية، كقولك: خرجت من البصرة إلى الكوفة فقوله تعالى " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين " يقتضي أن يكون ابتداء تخليق الانسان حاصلا من هذه السلالة، ونحن نقول بموجبه، لأنه تعالى يسوي المزاج أولا ثم ينفخ فيه الروح، فيكون ابتداء تخليقه من سلالة.

الرابع قوله " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " ميز تعالى بين التسوية وبين نفخ الروح، فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض والأعضاء، ثم أضاف الروح إلى نفسه بقوله " من روحي " دل ذلك على أن جوهر الروح شئ مغائر لجوهر الجسد.

الخامس قوله تعالى " ونفس وما سويها فألهمها فجورها وتقويها " وهذه الآية صريحة في وجود النفس موصوفة بالادراك والتحريك معا، لان الالهام عبارة عن الادراك، وأما الفجور والتقوى فهو فعل، وهذه الآية صريحة في أن الانسان شئ واحد وهو موصوف بالادراك والتحريك، وهو موصوف أيضا بفعل الفجور تارة وفعل التقوى أخرى، ومعلوم أن جملة البدن غير موصوف بهذين الوصفين، وليس في البدن عضو واحد موصوف بهذين الوصفين، فلا بد من إثبات جوهر واحد يكون موصوفا بكل هذه الأمور.

السادس قوله تعالى " إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا " فهذا تصريح بأن الانسان شئ ء واحد وذلك الشئ الواحد هو المبتلى بالتكاليف الإلهية والأمور الربانية، وهو الموصوف بالسمع والبصر، ومجموع البدن ليس كذلك، وليس عضو من أعضاء البدن كذلك، فالنفس شئ مغائر جملة البدن ومغائر أجزاء البدن وهو الموصوف بهذه الصفات.

واعلم أن الأحاديث الواردة في صفة الأرواح قبل تعلقها بالأجساد وبعد انفصالها من الأجساد كثيرة، وكل ذلك يدل على أن النفس غير هذا الجسد، والعجب ممن يقرأ هذه الآيات الكثيرة ويروي هذه الأخبار الكثيرة ثم يقول: توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وما كان يعرف ما الروح! وهذا من العجائب.

ثم استدل بهذه الآية التي بصدد تفسيرها على هذا المذهب، وتقريره: أن الروح لو كان جسما منتقلا من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة لكان مساويا للبدن في كونه متولدا من أجسام اتصفت بصفات مخصوصة بعد أن كانت موصوفة بصفات اخر، فإذا سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الروح وجب أن يبين أنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا حتى صار روحا، مثل ما ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة، فلما لم يقل ذلك بل قال " إنه من أمر ربي " بمعنى أنه لا يحدث ولا يدخل في الوجود إلا لأجل أن الله تعالى قال له " كن فيكون " دل ذلك على أنه جوهر ليس

من جنس الأجسام، بل هو جوهر قدسي مجرد. واعلم أن أكثر العارفين الكاملين من أصحاب الرياضات وأصحاب المكاشفات والمشاهدات مصرون على هذا القول جازمون بهذا المذهب.

ثم قال: واحتج المنكرون بوجوه:

الحجة الأولى: لو كانت مساوية لذات الله تعالى في كونه ليس بجسم ولا عرض لكان مساويا له في تمام الماهية، وذلك محال.

الثانية قوله تعالى " قتل الانسان ما أكفره من أي شئ خلقه - إلى قوله - ثم إذا شاء أنشره " وهذا تصريح بأن الانسان شئ مخلوق من نطفة، وأنه يموت ودخل القبر ، ثم إنه تعالى يخرجه من القبر، ولو لم يكن الانسان عبارة عن هذه الجثة لم تكن الأحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة.

الثالثة قوله تعالى " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا - إلى قوله - يرزقون فرحين " وهذا يدل على أن الروح جسم، لان الارتزاق والفرح من صفات الأجسام.

والجواب عن الأول: أن المساواة في أنه ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز مساواة في صفات سلبية، والمساواة في الصفات السلبية لا توجب المماثلة. واعلم أن جماعة من الجهال يظنون أنه لما كان الروح موجودا ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز وجب أن يكون مثلا للإله أو جزء من الاله، وذلك جهل فاحش وغلط قبيح، و تحقيقه ما ذكرنا من أن المساواة في السلوب لو أوجبت المماثلة لوجب القول باستواء كل المختلفات، فإن كان ماهيتين مختلفتين لابد وأن يشتركا في سلب كل ما عداهما عنهما.

والجواب عن الثاني: أنه لما كان الانسان في العرف والظاهر عبارة عن هذه الجثة أطلق عليه اسم الانسان، وأيضا فلقائل أن يقول: هب أنا نجعل اسم الانسان عبارة عن هذه الجثة إلا أنا قد دللنا على أن محل العلم والقدرة ليس هو هذه الجثة.

والجواب عن الثالث: أن الرزق المذكور في الآية محمول على ما يقوي حالهم ويكمل كمالهم، وهو معرفة الله ومحبته. بل نقول: هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا، لان أبدانهم قد بليت تحت التراب والله تعالى يقول: إن أرواحهم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش. فهذا يدل على أن الروح غير البدن.

وقال في قوله سبحانه " نزل به الروح الأمين على قلبك ": فيه قولان:

الأول أنه إنما قال " على قلبك " وإن كان إنما أنزله عليه، ليؤكد به أن ذلك المنزل محفوظ والمرسول متمكن في قلبه لا يجوز عليه التغير، فيوثق [عليه] بالانذار الواقع مع الذي بين الله تعالى أنه المقصود، ولذلك قال " لتكون من المنذرين ".

الثاني أن القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختيار، وأما سائر الأعضاء فمسخرة له، والدليل عليه القرآن والحديث والمعقول، أما القرآن فآيات: إحداها في سورة البقرة " نزله على قلبك "، وقال ههنا " نزل به الروح الأمين على قلبك " وقال: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ". وثانيها أن استحقاق الجزاء ليس إلا على ما في القلب من المساعي، فقال: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " وقال: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم " والتقوى في القلب لأنه تعالى قال: أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " وقال تعالى: " وحصل ما في الصدور ". وثالثها قوله حكاية عن

أهل النار: " لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير " ومعلوم أن العقل في القلب والسمع منفذ إليه، وقال: " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " ومعلوم أن السمع والبصر لا يستفاد منهما إلا ما يؤديانه إلى القلب، فكان السؤال عنهما في الحقيقة سؤالا عن القلب. وقال: " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور " ولم تخن الأعين إلا بما تضمر القلوب عند التحديق بها. ورابعها قوله: " وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة قليلا ما تشكرون " فخص هذه الثلاثة بإلزام الحجة واستدعاء الشكر عليها، وقد قلنا لا طائل في السمع والابصار إلا بما يؤديانه إلى القلوب ليكون القلب هو القاضي والمتحكم عليه. وقال تعالى: " ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ " فجعل هذه الثلاثة تمام ما ألزمهم من حجة، والمقصود من ذلك هو الفؤاد القاضي فيما يؤدي إلى السمع والبصر.

وأما الحديث فما روى النعمان بن بشير قال: سمعته صلى الله عليه وآله يقول: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.

وأما المعقول فوجوه: أحدها أن القلب إذا غشي عليه فلو قطع سائر الأعضاء لم يحصل الشعور به، وإذا أفاق القلب فإنه يشعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات، فدل ذلك على أن الأعضاء تبع القلب ، ولذلك فإن القلب إذا فرح أو حزن فإنه يتغير حال الأعضاء عند ذلك، وكذا القول في سائر الاعراض النفسانية.

وثانيها أن القلب منبع المشيئات الباعثة على الأفعال الصادرة من سائر الأعضاء وإذا كانت المشيئات مبادئ الأفعال ومنبعها هو القلب فالآمر المطلق هو القلب.

وثالثها أن معدن العقل هو القلب، وإذا كان كذلك كان الآمر المطلق هو القلب، أما المقدمة الأولى ففيها النزاع، فإن طائفة من القدماء ذهبوا إلى أن معدن العقل هو الدماغ، والذي يدل على قولنا وجوه:

الأول قوله تعالى " أولم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها " وقوله " لهم قلوب لا يفقهون بها " وقوله " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " أي عقل، أطلق على العقل لما أنه معدن له.

الثاني أنه تعالى أضاف أضداد العقل إلى القلب، فقال: " في قلوبهم مرض " " ختم الله على قلوبهم "، " وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم "، " يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم "، " يقولون بأفواهم ما ليس في قلوبهم "، " كلا بل ران على قلوبهم "، " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها "، " فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " فدلت هذه الآيات على أن موضع الجهل والغفلة هو القلب، فوجب أن يكون موضع العقل والفهم أيضا هو القلب.

الثالث أنا إذا جربنا أنفسنا وجدنا علومنا حاصلة في ناحية القلب، ولذلك فإن الواحد منا إذا أمعن في الفكر والروية أحس من قلبه ضيقا وضجرا حتى كأنه يتألم بذلك، وكل ذلك يدل على أن موضع العقل هو القلب، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون المكلف هو القلب، لان التكليف مشروط بالعقل والفهم.

الرابع أن القلب هو أول الأعضاء تكونا وآخرها موتا، وقد ثبت ذلك بالتشريح ولأنه متمكن في الصدر الذي هو الأوسط في الجسد، ومن شأن الملوك المحتاجين إلى الخدم أن يكونوا في وسط المملكة، لتكتنفهم الحواشي من الجوانب ليكونوا أبعد من الآفات.

واحتج من قال: العقل في الدماغ، بوجوه: أحدها أن الحواس التي هي الآلات للادراك نافذة إلى الدماغ دون القلب. وثانيها أن الأعضاء التي هي آلات الحركات الاختيارية نافذة من الدماغ دون القلب. وثالثها أن الآفة إذا دخلت في الدماغ اختل العقل. ورابعها أن في العرف كل من أريد وصفه بقلة العقل يقال: إنه خفيف الدماغ خفيف العقل. وخامسها أن العقل أشرف فيكون مكانها أشرف، و الأعلى هو الأشرف وذلك هو الدماغ لا القلب، فوجب أن يكون محل العقل الدماغ لا القلب.

والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال: الحواس تؤدي آثارها إلى الدماغ، ثم إن الدماغ يؤدي تلك الآثار إلى القلب، والدماغ آلة قريبه للقلب والحواس آلة بعيدة، والحس يخدم الدماغ، والدماغ يخدم القلب؟ وتحقيقه أنا ندرك من أنفسنا أنا إذا عقلنا أن الامر الفلاني يجب فعله أو يجب تركه، فإن الأعضاء تتحرك عند ذلك، ونحن عند التعقلات نحس من جانب الدماغ.

وعن الثاني: أنه لا يبعد أن يتأدى الأثر من القلب إلى الدماغ، ثم الدماغ يحرك الأعضاء بواسطة الأعصاب النابتة منه.

وعن الثالث: لا يبعد أن تكون سلامة الدماغ شرطا لوصول تأثير القلب إلى سائر الأعضاء.

وعن الرابع: أن ذلك العرف إنما كان لان القلب إنما يعتدل مزاجه بما يستمده من الدماغ من برودته، فإذا لحق الدماغ خروج عن الاعتدال خرج القلب عن الاعتدال أيضا، إما لزيادة حرارته عن القدر الواجب، أو لنقصان حرارته عن ذلك القدر، فحينئذ يختل العقل.

وعن الخامس: أنه لو صح ما قالوه لوجب أن يكون موضع القلب هو القحف ولما بطل ذلك ثبت فساد قولهم - انتهى -.

وأقول بعد تسليم مقدمات دلائله وعدم التعرض لتزييفها ومنعها إنما تدل على أن الروح غير البدن وأجزائه والحواس الظاهرة والباطنة، ولا تدل على تجردها، لم لا يجوز أن تكون جسما لطيفا من عالم الملكوت تتعلق بالبدن أو تدخله وتخرج عند الموت وتبقى محفوظة إلى النشور؟ كما سنحققه إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى " الله يتوفى الأنفس حين موتها " قال الطبرسي - قدس الله سره - أي يقبضها إليه وقت موتها وانقضاء آجالها، والمعنى: حين موت أبدانها وأجسادها على حذف المضاف " والتي لم تمت في منامها " أي يتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها والتي تتوفى عند النوم هي النفس التي يكون بها العقل والتمييز، فهي التي تفارق النائم فلا يعقل، والتي تتوفى عند الموت هي نفس الحياة التي إذا زالت زال معها النفس والنائم يتنفس، فالفرق بين قبض النوم وقبض الموت أن قبض النوم يضاد اليقظ وقبض الموت يضاد الحياة، وقبض النوم يكون الروح معه، وقبض الموت يخرج الروح من البدن " فيمسك التي قضى عليها الموت " إلى يوم القيامة " ويرسل الأخرى " يعني الأنفس التي لم يقض على موتها، يريد نفس النائم " إلى أجل مسمى " قد سمي لموته " إن في ذلك لآيات " أي دلالات واضحات على توحيد الله وكمال قدرته " لقوم يتفكرون " في الأدلة، إذ لا يقدر على قبض النفوس تارة بالنوم وتارة بالموت غير الله تعالى. قال ابن عباس: في بني آدم نفس و

روح، وبينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها النفس والتحريك، فإذا نام قبض الله نفسه ولم يقبض روحه، وإذا مات قبض الله نفسه وروحه. ويؤيده ما رواه العياشي بالاسناد عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن ثابت أبي المقدام، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما من أحد ينام إلا عرجت نفسه إلى السماء وبقيت روحه في بدنه وصار بينهما سبب كشعاع الشمس، فإذا أذن الله في قبض الأرواح أجابت الروح والنفس، وإن أذن الله في رد الروح أجابت النفس والروح وهو قوله سبحانه: " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها " فمهما رأت في ملكوت السماوات فهو مما له تأويل، وما رأت فيما بين السماء والأرض فهو مما يخيله الشيطان ولا تأويل له.

وقال الرازي: النفس الانسانية عبارة عن جوهر مشرق روحاني إذا تعلق بالبدن حصل ضوؤه في جميع الأعضاء وهو الحياة، فنقول: إن وقت الموت ينقطع تعلقه عن ظاهر البدن وعن باطنه وذلك هو الموت، وأما في وقت النوم فإنه ينقطع تعلقه عن ظاهر البدن، فثبت أن النوم والموت من جنس واحد إلا أن الموت انقطاع تام كامل، والنوم انقطاع ناقص من بعض الوجوه، إذا ثبت هذا ظهر أن القادر العالم القديم الحكيم دبر تعلق جوهر النفس بالبدن على ثلاثة أوجه: أحدها أن يقع ضوء النفس على جميع أجزاء البدن ظاهره وباطنه، وذلك هو اليقظة. وثانيها أن ينقطع ضوء النفس عن البدن بالكلية، وهو الموت. وثالثها أن ينقطع ضوء النفس عن ظاهر البدن دون باطنه وهو النوم.

" فلولا إذا بلغت الحلقوم " قال الطبرسي - رحمه الله -: أي فهلا إذا بلغت النفس الحلقوم عند الموت " وأنتم " يا أهل الميت " حينئذ تنظرون " أي ترون تلك الحال و

قد صار إلى أن تخرج نفسه، وقيل: معناه تنظرون لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئا.

" الذي خلق الموت والحياة " قال الرازي: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر، واختلفوا في الموت فقال قوم: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة، وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة، و احتجوا بهذه الآية لان العدم لا يكون مخلوقا.

[الاخبار].

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.