پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

42 باب حقيقة النفس والروح وأحوالهما

ج ۵۸، ص ۵۶–۸۱ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۷

وذلك أن خالق الحواس جعل لها قلبا احتج به على العباد، وجعل الحواس الدلالات على الظاهر الذي يستدل بها على الخالق سبحانه، فنظرت العين إلى خلق متصل بعضه ببعض فدلت القلب على ما عاينت، وتفكر القلب حين دلته العين على ما عاينت من ملكوت السماء وارتفاعها في الهواء بغير عمد يرى ولا دعائم تمسكها، لا تؤخر مرة فتنكشط، ولا تقدم أخرى فتزول، ولا تهبط مرة فتدنو، ولا ترتفع أخرى فتنأى، لا تتغير لطول الامل ولا تخلق لاختلاف الليالي والأيام، ولا يتداعى منها ناحية، ولا ينهار منها طرف، مع ما عاينت من النجوم الجارية السبعة المختلفة بمسيرها لدوران الفلك وتنقلها في البروج يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة، منها السريع ومنها البطئ ومنها المعتدل السير، ثم رجوعها واستقامتها وأخذها عرضا وطولا وخنوسها عند الشمس وهي مشرقة وظهورها إذا غربت، وجري الشمس والقمر في البروج دائبين لا يتغيران في أزمنتهما وأوقاتهما، يعرف ذلك من يعرف بحساب موضوع وأمر معلوم بحكمته، يعرف ذووا الألباب أنها ليست من حكمة الانس ولا تفتيش الأوهام ولا تقليب التفكر، فعرف القلب حين دلته العين على ما عاينت أن لذلك الخلق والتدبير والامر العجيب صانعا يمسك السماء المنطبقة أن تهوي إلى الأرض، وأن الذي جعل الشمس والنجوم فيها خالق السماء، ثم نظرت العين إلى ما استقلها من الأرض فدلت القلب على ما عاينت فعرف القلب بعقله أن ممسك الأرض الممهدة أن تزول أو تهوي في الهواء، أو هو يرى الريشة ترمى بها فتسقط مكانها وهي الخفة على ما هي عليه هو الذي يمسك السماء التي فوقها وأنه لولا ذلك لخسفت بما عليها من ثقلها وثقل الجبال والأنام والأشجار والبحور والرمال، فعرف القلب

بدلالة العين أن مدبر الأرض هو مدبر السماء. ثم سمعت الاذن صوت الرياح الشديدة العاصفة واللينة الطيبة، وعاينت العين ما يقلع من عظام الشجر ويهدم من وثيق البنيان وتسفي من ثقال الرمال تخلي منها ناحية وتصبها في أخرى بلا سائق تبصره العين ولا تسمعه الاذن ولا يدرك بشئ من الحواس، وليست مجسدة تلمس، ولا محدودة تعاين، فلم تزد العين والاذن وسائر الحواس على أن دلت القلب أن لها صانعا، وذلك أن القلب يفكر بالعقل الذي فيه، فيعرف أن الريح لم تتحرك من تلقائها، وأنها لو كانت هي المحركة لم يكفف عن التحرك، ولم تهدم طائفة وتعفي أخرى، ولم تقلع شجرة وتدع أخرى إلى جنبها، ولم تصب أرضا وتنصرف عن أخرى فلما تفكر القلب في أمر الريح علم أن لها محركا هو الذي يسوقها حيث يشاء ويسكنها إذا شاء ويصيب بها من يشاء ويصرفها عمن يشاء، فلما نظر القلب إلى ذلك وجدها متصلة بالسماء وما فيها من الآيات ، فعرف أن المدبر القادر على أن يمسك الأرض والسماء هو خالق الريح ومحركها إذا شاء وممسكها كيف شاء ومسلطها على من يشاء.

وكذلك دلت العين والاذن القلب على هذه الزلزلة، وعرف ذلك بغير هما من حواسه حين حركته، فلما دل الحواس على تحريك هذا الخلق العظيم من الأرض في غلظها وثقلها وطولها وعرضها وما عليها من ثقل الجبال والمياه والأنام وغير ذلك و إنما يتحرك في ناحية ولم يتحرك في ناحية أخرى وهي ملتحمة جسدا واحدا وخلقا متصلا بلا فصل ولا وصل تهدم ناحية وتخسف بها وتسلم أخرى، فعندها عرف القلب أن محرك ما حرك منها هو ممسك ما أمسك منها، وهو محرك الريح وممسكها، وهو مدبر السماء والأرض وما بينهما، وأن الأرض لو كانت هي المتزلزلة لنفسها لما تزلزلت ولما تحركت، ولكنه الذي دبرها وخلقها حرك منها ما شاء. ثم نظر العين إلى العظيم من الآيات من السحاب المسخر بين السماء والأرض بمنزلة الدخان لا جسد له يلمس بشئ من الأرض والجبال يتخلل الشجرة، فلا يحرك منها شيئا، ولا يهصر منها غصنا، ولا يعلق منها بشئ، يعترض الركبان فيحول بعضهم من بعض من ظلمته وكثافته، ويحتمل من

ثقل الماء وكثرته ما لا يقدر على صفته، مع ما فيه من الصواعق الصادعة، والبروق اللامعة والرعد والثلج والبرد والجليد مالا تبلغ الأوهام صفته، ولا تهتدي القلوب إلى كنه عجائبه، فيخرج مستقلا في الهواء يجتمع بعد تفرقه، ويلتحم بعد تزايله، تفرقه الرياح من الجهات كلها إلى حيث تسوقه بإذن الله ربها، يسفل مرة ويعلو أخرى متمسك بما فيه من الماء الكثير الذي إذا أزجاه صارت منه البحور، يمر على الأراضي الكثيرة والبلدان المتنائية لا تنقص منه نقطة حتى ينتهي إلى مالا يحصى من الفراسخ فيرسل ما فيه قطرة بعد قطرة، وسيلا بعد سيل، متتابع على رسله حتى ينقع البرك وتمتلئ الفجاج، وتعتلي الأودية بالسيول كأمثال الجبال غاصة بسيولها، مصمخة الآذان لدويها وهديرها، فتحيى بها الأرض الميتة فتصبح مخضرة بعد أن كانت مغبرة ومعيشة بعد أن كانت مجدبة، قد كسبت ألوانا من نبات عشب ناضرة زاهرة مزينة معاشا للناس والانعام. فإذا أفرغ الغمام ماءه أقلع وتفرق وذهب حيث لا يعاين ولا يدرى أين توارى، فأدت العين ذلك إلى القلب أن ذلك السحاب لو كان بغير مدبر وكان ما وصفت من تلقاء نفسه ما احتمل نصف ذلك من الثقل من الماء، وإن كان هو الذي يرسله لما احتمله ألفي فرسخ أو أكثر ولأرسله فيما هو أقرب من ذلك، ولما أرسله قطرة بعد قطرة بل كان يرسله إرسالا فكان يهدم البنيان، ويفسد النبات، ولما جاز إلى بلد وترك آخر دونه، فعرف القلب بالاعلام المنيرة الواضحة أن مدبر الأمور واحد، وأنه لو كان اثنين أو ثلاثة لكان في طول هذه الأزمنة والأبد والدهر اختلاف في التدبير، وتناقض في الأمور، ولتأخر بعض وتقدم بعض، ولكان تسفل بعض ما قد علا، ولعلا بعض ما قد سفل، ولطلع شئ وغاب فتأخر عن وقته أو تقدم ما قبله، فعرف القلب بذلك أن مدبر الأشياء ما غاب منها وما ظهر هو [الله] الأول خالق السماء وممسكها، وفارش الأرض وداحيها، وصانع ما بين ذلك مما عددنا وغير ذلك مما لم يحص.

وكذلك عاينت العين اختلاف الليل والنهار دائبين جديدين لا يبليان في طول كرهما، ولا يتغيران لكثرة اختلافهما، ولا ينقصان عن حالهما، النهار في نوره وضيائه والليل في سواده وظلمته، يلج أحدهما في الآخر حتى ينتهي كل واحد منهما إلى غاية

محدودة معروفة في الطول والقصر على مرتبة واحدة ومجرى واحد، مع سكون من يسكن في الليل وانتشار من ينتشر في النهار، وانتشار من ينتشر في الليل وسكون من يسكن في النهار. ثم الحر والبرد وحلول أحدهما بعقب الآخر حتى تكون الحر بردا والبرد حرا في وقته وإبانه، فكل هذا مما يستدل به القلب على الرب سبحانه وتعالى، فعرف القلب بعقله أن مدبر هذه الأشياء هو الواحد العزيز الحكيم الذي لم يزل ولا يزال، وأنه لو كان في السماوات والأرضين آلهة معه سبحانه لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، ولفسد كل واحد منهم على صاحبه.

وكذلك سمعت الاذن ما أنزل المدبر من الكتب تصديقا لما أدركته القلوب بعقولها وتوفيق الله إياها، وما قاله من عرفه كنه معرفته بلا ولد ولا صاحبة ولا شريك فأدت الاذن ما سمعت من اللسان بمقالة الأنبياء إلى القلب.

فقال: قد أتيتني من أبواب لطيفة بما لم يأتني به أحد غيرك، إلا أنه لا يمنعني من ترك ما في يدي إلا الايضاح والحجة القوية بما وصفت لي وفسرت وقلت: أما إذا حجبت عن الجواب واختلف منك المقال فسيأتيك من الدلالة من قبل نفسك خاصة ما يستبين لك أن الحواس لا تعرف شيئا إلا بالقلب، فهل رأيت في المنام أنك تأكل و تشرب حتى وصلت لذة ذلك إلى قلبك؟ قال: نعم، قلت: فهل رأيت أنك تضحك و تبكي وتجول في البلدان التي لم ترها والتي قد رأيتها حتى تعلم معالم ما رأيت منها؟

قال: نعم، ما لا أحصي. قلت: فهل رأيت أحدا من أقاربك من أخ أو أب أو ذي رحم قد مات قبل ذلك حتى تعلمه وتعرفه كمعرفتك إياه قبل أن يموت؟ قال: أكثر من الكثير. قلت: فأخبرني أي حواسك أدرك هذه الأشياء في منامك حتى دلت قلبك على معاينة الموتى وكلامهم وأكل طعامهم والجولان في البلدان والضحك والبكاء وغير ذلك؟ قال: ما أقدر أن أقول لك أي حواسي أدرك ذلك أو شيئا منه، وكيف تدرك وهي بمنزلة الميت لا تسمع ولا تبصر؟! قلت: فأخبرني حيث استيقظت ألست قد ذكرت الذي رأيت في منامك تحفظه وتقصه بعد يقظتك على إخوانك لا تنسى منه حرفا؟ قال:

إنه كما تقول، وربما رأيت الشئ في منامي ثم لا أمسي حتى أراه في يقظتي كما

رأيته في منامي قلت: فأخبرني أي حواسك قررت علم ذلك في قلبك حتى ذكرته بعد ما استيقظت؟ قال: إن هذا الامر ما دخلت فيه الحواس. قلت: أفليس ينبغي لك أن تعلم حيث بطلت الحواس في هذا أن الذي عاين تلك الأشياء وحفظها في منامك قلبك الذي جعل الله فيه العقل الذي احتج به على العباد؟! قال: إن الذي رأيت في منامي ليس بشئ، إنما هو بمنزلة السراب الذي يعاينه صاحبه وينظر إليه لا يشك أنه ماء فإذا انتهى إلى مكانه لم يجده شيئا، فما رأيت في منامي فبهذه المنزلة.

قلت: كيف شبهت السراب بما رأيت في منامك من أكلك الطعام الحلو والحامض وما رأيت من الفرح والحزن؟ قال: لان السراب حيث انتهيت إلى موضعه صار لا شئ وكذلك صار ما رأيت في منامي حين انتبهت. قلت: فأخبرني إن أتيتك بأمر وجدت لذته في منامك وخفق لذلك قلبك ألست تعلم أن الامر على ما وصفت لك؟ قال: بلى قلت: فأخبرني هل احتلمت قط حتى قضيت في امرأة نهمتك عرفتها أم لم تعرفها؟

قال: بلى، مالا أحصيه. قلت: ألست وجدت لذلك لذة على قدر لذتك؟ في يقظتك فتنتبه وقد أنزلت الشهوة حتى يخرج منك بقدر ما يخرج في اليقظة؟ هذا كسر بحجتك في السراب.

قال: ما يرى المحتلم في منامه شيئا إلا ما كانت حواسه دلت عليه في اليقظة.

قلت: ما زدت على أن قويت مقالتي وزعمت أن القلب يعقل الأشياء ويعرفها بعد ذهاب الحواس وموتها، فكيف أنكرت أن القلب يعرف الأشياء وهو يقظان مجتمعة له حواسه؟ وما الذي عرفه إياها بعد موت الحواس وهو لا يسمع ولا يبصر؟ ولكنت حقيقا أن لا تنكر له المعرفة وحواسه حية مجتمعة إذا أقررت أنه ينظر إلى الامرأة بعد ذهاب حواسه حتى نكحها وأصاب لذته منها، فينبغي لمن يعقل حيث وصف القلب بما وصفه به من معرفته بالأشياء والحواس ذاهبة أن يعرف أن القلب مدبر الحواس وملكها ورأسها والقاضي عليها، فإنه ما جهل الانسان من شئ فما يجهل أن اليد لا تقدر على العين أن تقلعها ولا على اللسان أن تقطعه، وأنه ليس يقدر شئ من الحواس

أن يفعل بشئ من الجسد شيئا بغير إذن القلب ودلالته وتدبيره، لان الله تبارك وتعالى جعل القلب مدبرا للجسد، به يسمع، وبه يبصر، وهو القاضي والأمير عليه، لا يتقدم الجسد إن هو تأخر، ولا يتأخر إن هو تقدم، وبه سمعت الحواس وأبصرت، إن أمرها ائتمرت، وإن نهاها انتهت، وبه ينزل الفرح والحزن، وبه ينزل الألم، إن فسد شئ من الحواس بقي على حاله، وإن فسد القلب ذهب جميعها حتى لا يسمع ولا يبصر.

قال: لقد كنت أظنك لا تتخلص من هذه المسألة وقد جئت بشئ لا أقدر على رده! قلت: وأنا أعطيك تصاديق ما أنبأتك به وما رأيت في منامك في مجلسك الساعة قال: افعل، فإني قد تحيرت في هذه المسألة. قلت: أخبرني هل تحدث نفسك من تجارة أو صناعة أو بناء أو تقدير شئ تأمر به إذا أحكمت تقديره في ظنك؟ قال:

نعم. قلت: فهل أشركت قلبك في ذلك الفكر شيئا من حواسك؟ قال: لا. قلت: أفلا تعلم أن الذي أخبرك به قلبك حق؟ قال: اليقين هو، فزدني ما يذهب الشك عني ويزيل الشبهة من قلبي.

أقول: قد عرفت أن القلب يطلق في لسان الشرع في الآيات والاخبار على النفس الناطقة، ولما كان السائل منكرا لادراك ما سوى الحواس الظاهرة نبهه عليه السلام على خطائه بمدركات الحواس الباطنة التي هي من آلات النفس. وقد مر شرح الفقرات وتمام الحديث في كتاب التوحيد.

46 - الدر المنثور: عن ابن عباس في قوله: " الله يتوفى الأنفس - الآية - " قال: نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فيتوفى الله النفس في منامه ويدع الروح في جوفه يتقلب ويعيش، فإن بدا لله أن يقبضه قبض الروح فمات، وإن أخر أجله رد النفس إلى مكانها من جوفه.

47 - وعن ابن عباس في قوله: " الله يتوفى الأنفس - الآية - " قال: كل نفس لها سبب تجري فيه، فإذا قضى عليها الموت نامت حتى ينقطع السبب والتي لم تمت تترك.

48 - وعن ابن عباس في الآية قال: سبب ممدود ما بين المشرق والمغرب بين السماء والأرض، فأرواح الموتى وأرواح الاحياء تأوي إلى ذلك السبب، فتعلق النفس الميتة بالنفس الحية، فإذا اذن لهذه الحية بالانصراف إلى جسدها تستكمل رزقها أمسكت النفس الميتة وأرسلت الأخرى.

49 - وعن أبي جحيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعت الشمس، ثم قال: إنكم كنتم أمواتا فرد الله إليكم أرواحكم. 50 - شهاب الاخبار: قال النبي صلى الله عليه وآله: الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

ضوء الشهاب: هذا الحديث مما تسكب فيه العبرات، ولا تؤمن في تفسيره العثرات، وأنا مورد فيه بقدر ما رزقني الله تعالى من العلم به، فأقول: إن أصل كلمة " روح " موضوع للطيب والطهارة، فتسمى روح الانسان " روحا " والملائكة المطهرون " أرواحا " وروح القدس " جبرئيل " عليه السلام " والروح " اسم ملك آخر، قال تعالى: " يوم يقوم الروح والملائكة صفا " وعيسى عليه السلام " روح الله " والنسبة إلى الملائكة والجن " روحاني " بالضم وهم الروحانيون، ويقال لكل ذي روح: " روحاني " قاله أبو عبيدة والروح: الراحة، ومكان روحاني: طيب، والريح واحدة الرياح، والأرواح أصلها " روح " فقلبت الواو ياء لمكان كسرة الراء، والراح والرياح - بفتح الراء -:

الخمر، وروح وريحان: أي رحمة ورزق، والروح: النسيم، والريحان: المشموم ومن ذلك الروح التي يحيى بها الانسان، سميت بذلك لطهارتها وطيبها في الخلقة وفي مبدأ التكوين. وقال أصحاب الأصول: الروح النفس المتردد في مخارق الحي وعلى ذلك قال الشاعر.

فقلت له ارفعها إليك وأحيها * بروحك واجعلها له قبة قدرا

وما يقوله قوم من أن الأرواح قائمة بالأجساد، وأنها كانت قبل الأجساد بكذا وكذا عاما، وأنها غير داخلة في الأجساد ولا خارجة منها، وأنها تفنى إلى غير ذلك، فنحن مستغنون عن ذكره فيما نحن بصدده، وكتب الأصول والجدل أولى بذكر ذلك. فقال بعض من تكلم في هذا الحديث: إنه على حذف المضاف، والتقدير: ذووا الأرواح، وهذا قريب المأخذ، وعند جماعة من محققي أصحاب الأصول: أنه يجوز عقلا أن يكون الله تعالى إذا استشهد الشهيد أو توفي النبي أو الصالح من بني آدم ينتزع من جسده أجزاء بقدر ما تحل الحياة التي كانت الجملة بها حية فيها فيردها إلى تلك الأجزاء فتصير حيا وإن كانت جثه صغيرة، فيرفعه إلى حيث شاء فإنه لا اعتبار في الحي بالجثة، وظاهر الكتاب يشهد بصحة ذلك حيث يقول تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء - إلى قوله تعالى - ولا هم يحزنون " وفي الحديث: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق من ورق الجنة ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. وهذا [الحديث] مما يعضد هذه المقالة، فعلى هذا تتعارف هذه الأجساد اللطيفة بعد موت صاحبها، كما كانت في دار الدنيا تعرف بعضها بعضا فتتباشر فتأتلف وبالعكس.

وروت عائشة في سبب هذا الحديث. أن مخنثا قدم المدينة فنزل على مخنث من غير أن يعلم أنه مخنث، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله فقال: الأرواح جنود مجندة (الحديث). وروي عنه صلى الله عليه وآله: الأرواح جنود مجندة فتشام كما تشام الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. فلو أن مؤمنا جاء إلى مجلس فيه مائة منافق ليس فيهم إلا مؤمن واحد لجاء حتى يجلس إليه، أو كما قال، وروي عن عائشة أنها قالت: كانت امرأة بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهن فلما هاجرت إلى المدينة دخلت المدينة فدخلت علي قلت: فلانة! ما أقدمك؟ قالت: إليكن، قلت:

فأين نزلت؟ قالت: على فلانة امرأة مضحكة بالمدينة فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت:

يا رسول الله دخلت فلانة المضحكة. قال: صلى الله عليه وآله فعلى من نزلت؟ قلت: على فلانة. قال:

المضحكة؟ قلت: نعم، قال: الحمد لله، إن الأرواح جنود مجندة (الحديث).

وفى كلام بعضهم: الروح نقاب، أي يعلم بالأشياء، وهذه كناية عن العلم والفطنة والذكاء والمعرفة والدهاء، والعرب تعبر بالروح عن الحياة والله الموفق.

وأقول: إن تحقيق أمر الروح عسير، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا من خلقه وأوجده وركبه، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، ولو أراد الله تعالى أن يعلم حقيقته وماهيته بكنهه لأعلمناه، وقال: " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " فقال حتى نسكت عما أسكت الله عنه، وقد أوردت بعض ما سمعت فيه وعلمت وأنت محكم، فانظر فيه واحكم، والتوقف فيه فرض من لا فرض له، والله أعلم وأحكم ثم رسوله صلى الله عليه وآله وفائدة الحديث إعلام أن الجنس إلى الجنس أميل، وإليه أسوق وأشوق، والتعارف مما يجر الائتلاف وبالعكس، وراوية الحديث عائشة.

51 شهاب الاخبار: قال النبي صلى الله عليه وآله: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة.

الضوء: المعدن، مستقر الجوهر، من قولك: عدن بالمكان إذا أقام فيه، ومنه " جنات عدن " أي إقامة. والذهب: الجسد المعروف الذي ذهب الناس فيه، والقطعة ذهبة. وذهب الرجل: إذا رأي القطعة الكبيرة من الذهب في المعدن فدهش. والفضة:

أحد الثمنين، وهو أحد الأجساد أيضا، فيقول صلى الله عليه وآله: الناس متفاوتون كتفاوت المعادن متفاضلون كتفاضل الجواهر المجلوبة منها، فمنها الذهب والفضة والنحاس والحديد و الا سرب والرصاص والزرنيخ والفيروزج وغير ذلك. وكان الغرض النبوي أن يعلمك أن الناس متفاوتون أمثال الفلز والخرز ليسوا بأمثال وإن كانوا من جنس واحد، و مورد هذا الحديث على العكس من مورد الحديث الذي قبله يعني قوله صلى الله عليه وآله " الناس كأسنان المشط " - فكأنه صلى الله عليه وآله يقول: إذا صادفت أحدا فتعرف أحواله وتجسس أفعاله وأقواله، فإن كان صالحا فعليك به فهو من المعدن النفيس، فإن كان صالحا فالهرب الهرب منه فهو من المعدن الخسيس. وفائدة الحديث الاعلام بتفاوت الناس على أنهم بنوا الرجل، وراوي الحديث أبو هريرة، وتمام الحديث: حيارهم في الجاهلية خيارهم

في الاسلام إذا فقهوا. يعني أن الخيار منهم في الجاهلية إذا تفقهوا فهم الخيار في الاسلام والله أعلم.

بيان: قال الطيبي: هو تشبيه بليغ، فكمعادن الذهب تأكيد أو مجاز عن التفاوت أي الناس متفاوتون في النسب بالشرف والضعة كتفاوت المعدن في الذهب والفضة وما دونهما وتفاوتهم في الاسلام بالقبول لفيض الله بحسب العلم والحكمة على مراتب وعدم قبوله.

وقيد " إذا فقهوا " يفيد أن الايمان يرفع تفاوت الجاهلية، فإذا تحلى بالعلم استجلب النسب الأصلي فيجتمع شرف النسب والحسب، وفيه أن الوضيع العالم أرفع من الشريف الجاهل.

52 الشهاب: الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة واحدة.

الضوء: الناس أصله " أناس " فخفف وليس الألف واللام عوضا من الهمزة المحذوفة، لأنهما تجتمعان مع الهمزة كقوله " إن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا " والناس بن مضر بن نزار اسم قيس عيلان. والا بل: البعران الكثيرة، ولا واحد له من لفظه، وأبل الوحشي يأبل أبولا، وأبل يأبل أبلا: اجتزء عن الماء، شبهت بالإبل في الصبر عن الماء، وتأبل الرجل عن امرأته: إذا ترك مقاربتها، ورجل إبل [وابل]:

حسن القيام على إبله، وإبل مأبلة: [أي] مجموعة. والراحلة: البعير الذي يصلح للارتحال، وراحله: عاونه على رحلته، والمعنى والله أعلم: أنه ذم للناس، وأنه قلما يقع فيهم من هو كامل في بابه وقال أبو عبيد: يعني أنهم متساوون ليس لأحد منهم فضل على أحد في النسب، ولكنهم أشباه وأمثال كإبل مائة ليس فيها راحلة تتبين فيها وتتميز منها بالتمام وحسن المنظر. والراحلة عند العرب تكون الجمل النجيب والناقة النجيبة يختارها الرجل لمركبه، ودخول الهاء في الراحلة للمبالغة، كما تقول:

رجل داهية، وراوية للشعر، وعلامة ونسابة. ويقال: إنها إنما سميت راحلة لأنها ترحل، كما قال تعالى: " في عيشة راضية " أي مرضية. وكما قال تعالى: " من ماء دافق " أي مدفوق، قال: ويقال: لفلان إبل إذا كانت له مائة من الإبل. وإبلان:

إذا كانت له مائتان، ويقال للمائة منها " هنيدة " معرفة لا تنصرف. وقال أبو سليمان الخطابي: يقال للمأتين " هنيد " بغير هاء والعهدة عليه وقال ابن قتيبة: الراحلة هي التي تختارها الرجل لمركبة ورحله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت، يقول: الناس متساوون ليس لأحد منهم فضل في النسب ولكنهم أشباه كإبل مائة ليس فيها راحلة، وقد خطأه أبو منصور الأزهري لفظا ومعنى أما اللفظة فمن حيث جعل الناقة هي الراحلة، قال: وليس الجمل عنده راحلة، و الراحلة عند العرب تكون الجمل النجيب والناقة النجيبة، وأما المعنى أنه يعز فيهم الكامل الفاضل زاهدا في الدنيا ورغبة في الآخرة. هذا معنى كلام الأزهري. وفائدة الحديث ذم الناس وأن الكامل فيهم قلما يوجد. وراوي الحديث عبد الله بن عمر.

بيان: قال في النهاية: يعني أن المرضي المنتجب من الناس في عزة وجوده كالنجيب من الإبل القوي على الأحمال والاسفار الذي لا يوجد في كثير من الإبل.

قال الأزهري: الذي عندي فيه أن الله تعالى ذم الدنيا وحذر العباد سوء مغبتها.

وضرب لهم فيها الأمثال ليعتبروا ويحذروا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحذرهم ما حذرهم الله ويزهدهم فيها، فرغب أصحابه بعده فيها وتنافسوا عليها، حتى كان الزهد في النادر القليل منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: تجدون الناس من بعدي كإبل مائة ليس فيها راحلة، أي أن الكامل في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة قليل كقلة الراحلة في الإبل، والراحلة:

هي البعير القوي على الاسفار والاحمال النجيب التام الخلق الحسن المنظر، ويقع على الذكر والأنثى، والهاء فيه للمبالغة (انتهى). وقال الكرماني: وقيل: أي الناس في أحكام الدين سواء، لا فضل فيها لشريف على مشروف، ولا لرفيع على وضيع، كإبل لا راحلة فيها، وهي التي ترحل لتركب، أي كلها تصلح للحمل لا للركوب.

أقول: قد مر بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب في أبواب المعاد وأبواب خلق أرواح النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام، وسيأتي بعضها في الأبواب الآتية إن شاء الله [تعالى].

تذييل وتفصيل في بيان أقوال الحكماء والصوفية والمتكلمين من الخاصة والعامة في حقيقة النفس والروح، ثم بيان ما ظهر من الآيات والاخبار في ذلك.

قال شارح المقاصد في بيان آراء الحكماء والمتكلمين في النفس: لما عرفت أن الجوهر المجرد إن تعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف فنفس، وإلا فعقل. وقد يطلق لفظ النفس على ما ليس بمجرد بل مادي كالنفس النباتية التي هي مبدأ أفاعيله من التغذية والتنمية والتوليد، والنفس الحيوانية التي هي مبدأ الحس والحركة الإرادية ويجعل النفس الأرضية اسما لها، والنفس الناطقة الانسانية، فيفسر بأنها كمال أول لجسم طبيعي إلى ذي حياة بالقوة ثم قال: مقتضى قواعدهم أي الفلاسفة أن يكون في الانسان نفس هي مبدأ تعقل الكليات، وأخرى مبدأ الحركات والإحساسات وأخرى مبدأ التغذية والتنمية وتوليد المثل. لكن ذكر في شرح الإشارات وغيره:

أن ليس الامر كذلك، بل المركبات منها ما له صورة معدنية يقتصر فعلها على حفظ المواد المجتمعة من الأسطقسات المتضادة بكيفياتها المتداعية إلى الانفكاك، لاختلاف ميولها إلى أمكنتها المختلفة. ومنها: ما له صورة تسمى نفسا نباتية يصدر عنها مع الحفظ المذكور جمع أجزاء اخر من الأسطقسات وإضافتها إلى مواد المركب وصرفها في وجوه التغذية والانماء والتوليد. ومنها: ماله صورة تسمى نفسا حيوانية يصدر عنها مع الأفعال النباتية والحفظ المذكور، الحس والحركة الإرادية. ومنها ماله نفس مجردة يصدر عنها مع الأفعال السابقة كلها النطق وما يتبعه.

ثم قال: ولما لم يثبت عند المتكلمين اختلاف أنواع الأجسام واستناد الآثار إليها ليحتاج إلى فصول منوعة ومباد مختلفة، بنوا إثبات النفس على الأدلة السمعية

والتنبهات العقلية، مثل أن البدن وأعضاءه الظاهرة والباطنة دائما في التبدل والتحلل والنفس بحالها، وأن الانسان الصحيح العقل قد يغفل عن البدن وأجزائه، ولا يغفل بحال عن وجود ذاته، وأنه قد يريد ما يمانعه البدن مثل الحركة إلى العلو.

وبالجملة قد اختلفت كلمة الفريقين في حقيقة النفس، فقيل: هي النار السارية في الهيكل المحسوس، وقيل الهواء، وقيل: الماء، وقيل: العناصر الأربعة والمحبة والغلبة أي الشهوة والغضب، وقيل: الاخلاط الأربعة وقيل: الدم، وقيل: نفس كل شخص مزاجه الخاص، وقيل: جزء لا يتجزأ في القلب، وكثير من المتكلمين على أنها الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره، وكأن هذا مراد من قال: هي هذا الهيكل المخصوص والبنية المحسوسة، أي التي من شأنها أن يحس بها، وجمهور هم على أنه جسم مخالف بالماهية للجسم الذي يتولد منه الأعضاء، نوراني علوي خفيف حي لذاته، نافذ في جواهر الأعضاء، سار فيها سريان ماء الورد في الورد والنار في الفحم، لا يتطرق إليه تبدل ولا انحلال، بقاؤه في الأعضاء حياة، وانتقاله عنها إلى عالم الأرواح موت. وقيل: إنها أجسام لطيفة متكونة في القلب سارية في الأعضاء من طريق الشرايين - أي العروق الضاربة - أو متكونة في الدماغ نافذة في الأعصاب الثابتة منه إلى جملة البدن.

واختار المحققون من الفلاسفة وأهل الاسلام إلى أنها جوهر مجرد في ذاته متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، ومتعلقه أولا هو ما ذكره المتكلمون من الروح القلبي المتكون في جوفه الأيسر من بخار الأغذية ولطيفه، ويفيده قوة بها يسري في جميع البدن، فيفيد كل عضو قوة بها يتم نفعه من القوى المذكورة فيما سبق.

احتج القائلون بأنها من قبيل الأجسام بوجوه: الأول: أن المدرك للكليات - أعني النفس - هو بعينه المدرك للجزئيات، لأنا نحكم بالكلي على الجزئي كقولنا:

هذه الحرارة حرارة، والحاكم بين الشيئين لابد أن يتصورهما، والمدرك للجزئيات جسم، لأنا نعلم بالضرورة أنا إذا لمسنا النار كان المدرك لحرارتها هو العضو اللامس

ولان غير الانسان من الحيوانات يدرك الجزئيات مع أن الاتفاق على أنا لا نثبت لها نفوسا مجردة.

ورد بأنا لا نسلم أن المدرك لهذه الحرارة هو العضو اللامس، بل النفس بواسطته ونحن لا ننازع في أن المدرك للكليات والجزئيات هو النفس، لكن للكليات بالذات وللجزئيات بالآلات. وإذا لم نجعل العضو مدركا أصلا لا يلزم أن يكون الادراك مرتين والانسان مدركين على ما قيل.

ويمكن دفعه بأنه يستلزم إما إثبات النفوس المجردة للحيوانات الاخر، وإما جعل احساساتها للقوى والأعضاء، وإحساسات الانسان للنفس بواسطتها، مع القطع بعدم التفاوت.

الثاني: أن كل واحد منا يعلم قطعا أن المشار إليه ب‍ " أنا " وهو النفس يتصف بأنه حاضر هناك وقائم وقاعد وماش وواقف ونحوذ لك من خواص الأجسام، و المتصف بخاصة الجسم جسم. وقريب من ذلك ما يقال: إن للبدن إدراكات هي بعينها إدراكات المشار إليه بأنا أعني النفس، مثل إدراك حرارة النار وبرودة الجمد وحلاوة العسل وغير ذلك من المحسوسات، فلو كانت النفس مجردة أو مغائرة للبدن امتنع أن تكون صفتها غير صفته.

والجواب : أن المشار إليه ب‍ " أنا " وإن كان هو النفس على الحقيقة، لكن كثيرا ما يشار به إلى البدن أيضا لشدة ما بينهما من التعلق، فحيث يوصف بخواص الأجسام

كالقيام والقعود وكادراك المحسوسات عند من يجعل المدرك نفس الأعضاء والقوى لا النفس بواسطتها، فالمراد به البدن، وليس معنى هذا الكلام أنها لشدة تعلقها بالبدن واستغراقها في أحواله يغفل فيحكم عليها بما هو من خواص الأجسام كما فهمه صاحب الصحائف ليلزم كونها في غاية الغفلة.

الثالث: أنها لو كانت مجردة لكانت نسبتها إلى جميع البدن على السواء فلم يتعلق ببدن دون آخر، وعلى تقدير التعلق جاز أن ينتقل من بدن إلى بدن آخر وحينئذ لم يصح الحكم بأن زيدا الآن هو الذي كان بالأمس.

ورد بأنا لا نسلم أن نسبتها إلى الكل على السواء، بل لكل نفس بدن لا يليق بمزاجه واعتداله إلا لتلك النفس الفائضة عليه، بحسب استعداده الحاصل باعتداله الخاص.

الرابع: النصوص الظاهرة من الكتاب والسنة تدل على أنها تبقى بعد خراب البدن وتتصف بما هو من خواص الأجسام كالدخول في النار وعرضها عليها، وكالترفرف حول الجنازة، وككونها في قناديل من نور أو في جوف طيور خضر وأمثال ذلك. ولا خفاء في احتمال التأويل وكونها على طريق التمثيل، ولهذا تمسك بها القائلون بتجرد النفوس زعما منهم أن مجرد مغايرتها للبدن يفيد ذلك.

وقد يستدل: بأنه لا دليل على تجردها فيجب أن لا تكون مجردة، لان الشئ إنما يثبت بدليل. وهو مع ابتنائه على القاعدة الواهية معارض بأنه لا دليل على كونها جسما أو جسمانيا، فيجب أن لا يكون كذلك.

ثم قال: واحتج القائلون بتجرد النفس بوجوه:

الأول: أنها تكون محلا لأمور يمتنع حلولها في الماديات، وكل ما هو كذلك يكون مجردا بالضرورة. أما بيان كونها محلا لأمور هذا شأنها فلأنها تتعقلها وقد سبق أن التعقل إنما يكون بحلول الصورة وانطباع المثال، والمادي لا يكون

صورة لغير المادي ومثالا له.

وأما بيان تلك الأمور وامتناع حلولها في المادة فهو أن من جملة معقولاتها الواجب وإن لم تعقله بالكنه، والجواهر المجردة وإن لم نقل بوجودها في الخارج إذ ربما تعقل المعنى فتحكم عليه بأنه موجود أوليس بموجود ولا خفاء في امتناع حلول صورة المجرد في المادي.

ومنها المعاني الكلية التي لا تمنع نفس صورها الشركة، كالانسانية المتناولة لزيد وعمرو، فإنها يمتنع اختصاصها بشئ من المقادير والأوضاع والكيفيات وغير ذلك مما لا ينفك عنه الشئ المادي في الخارج، بل يجب تجردها عن جميع ذلك وإلا لم تكن متناولة لما ليس له ذلك. والحاصل أن الحلول في المادة يستلزم الاختصاص بشئ من المقادير والأوضاع والكيفيات، والكلية تنافي ذلك، فلو لم تكن النفس مجردة لم تكن محلا للصورة الكلية، عاقلة لها. واللازم باطل.

ومنها المعاني التي لا تقبل الانقسام كالوجود والوحدة والنقطة وغير ذلك، و إلا لكان كل معقول مركبا من أجزاء غير متناهية بالفعل وهو محال، ومع ذلك فالمطلوب وهو وجود ما لا ينقسم حاصل، لان الكثرة عبارة عن الوحدات، وإذا كان من المعقولات ما هو واحد غير منقسم لزم أن يكون محله العاقل له غير جسم بل مجردا، لان الجسم والجسماني منقسم، وانقسام المحل مستلزم لانقسام الحال فيما يكون الحلول لذات المحل كحلول السواد والحركة والمقدار في الجسم لا لطبيعة تلحقه كحلول النقطة في الخط لتناهيه، وكحلول الشكل في السطح لكونه ذا نهاية أو أكثر، وكحلول المحاذاة في الجسم من حيث وجود جسم آخر على وضع ما منه وكحلول الوحدة في الاجزاء من حيث هي مجموع.

ومنها: المعاني التي لا يمكن اجتماعها إلا في المجردات دون الجسم كالضدين وكعدة من الصور والاشكال، فإنه لا تزاحم بينها في التعقل، بل يتصورها ويحكم فيما بينها بامتناع الاجتماع في محل واحد من المواد الخارجية حكما ضروريا. وهذا الوجه

من الاحتجاج يمكن أن يجعل وجوها أربعة: بأن يقال: لو كانت النفس جسما لما كانت عاقلة للمجردات، أو للكليات، أو للبسائط، أو للمتمانعين.

والجواب: أن مبنى هذا الاحتجاج على مقدمات غير مسلمة عند الخصم. منها أن تعقل الشئ يكون بحلول صورة في العاقل لا بمجرد إضافة بين العاقل والمعقول.

ومنها: أن النفس لو لم تكن مجردة لكانت منقسمة ولم يجز أن يكون جوهرا وضعيا غير منقسم كالجزء الذي لا يتجزى. ومنها: أن الشئ إذا كان مجردا كانت صورته الادراكية مجردة يمتنع حلولها في المادي، ولم يجز أن تكون حالة في جسم عاقل لكنها إذا وجدت في الخارج كانت ذلك الشئ المجرد ومنها: أن صورة الشئ إذا اختصت بوضع ومقدار وكيفية بحلولها في جسم كذلك كان الشئ أيضا مختصا بذلك، ولم يجز أن يكون في ذاته غير مختص بشئ من الأوضاع والكيفيات و المقادير. ومنها: أن الشئ إذا لم يقبل الانقسام كانت صورته الحاصلة في العاقل كذلك ولم يجز أن تكون منقسمة بانقسام [المحل] العاقل مع كون الشئ غير منقسم لذاته ولا لحلوله في منقسم. ومنها. أن الشيئين إذا كانا بحيث يمتنع اجتماعهما في محل كالسواد والبياض كانت الصورتان الحاصلتان منهما في الجوهر العاقل كذلك، وقد سبق أن صورة الشئ قد تخالفه في كثير من الاحكام. ومنها: أن اجتماعهما في العاقل لا يجوز أن يكون بقيام كل منهما بجزء منه. ومنها: أن انقسام المحل يستلزم انقسام الحال فيه لذاته ليمتنع حلول البسيط في العاقل الجسماني المنقسم البتة بناء على نفي الجزء الذي لا يتجزى. ولا يخفى أن بعض هذه المقدمات مما قامت عليه الحجة.

أقول: ثم ذكر حججا أخرى لهم أعرضنا عنها وعن أجوبتها حذرا من الاطناب.

وقال شارح المواقف: مذاهب المنكرين لتجرد النفس الناطقة كثيرة، لكن المشهور منها تسعة:

الأول: لابن الراوندي: أنه جزء لا يتجزى في القلب، بدليل عدم الانقسام مع نفي المجردات الممكنة.

الثاني للنظام: أنه أجزاء هي أجسام لطيفة سارية في البدن سريان ماء الورد في الورد، باقية من أول العمر إلى آخره لا يتطرق إليها تحلل وتبدل. حتى إذا قطع جزء من البدن انقبض ما فيه من تلك الأجزاء إلى سائر الأعضاء، إنما المتحلل والمتبدل من البدن فضل ينضم إليه وينفصل عنه، إذ كل أحد يعلم أنه باق من أول عمره إلى آخره، ولا شك أن المتبدل ليس كذلك.

الثالث: أنه قوة في الدماغ، وقيل في القلب.

الرابع: أنه ثلاث قوى: إحديها في القلب وهي الحيوانية، والثانية في الكبد وهي النباتية، والثالثة في الدماغ وهي النفسانية.

الخامس: أنه الهيكل المخصوص، وهو المختار عند جمهور المتكلمين.

السادس: أنها الاخلاط الأربعة المعتدلة كما وكيفا.

السابع: أنه اعتدال المزاج النوعي.

الثامن: أنه الدم المعتدل، إذ بكثرته واعتداله تقوى الحياة وبالعكس.

التاسع: أنه الهواء، إذ بانقطاعها طرفة عين تنقطع الحياة، فالبدن بمنزلة الزق المنفوخ فيه.

ثم قال: واعلم أن شيئا من ذلك لم يقم عليه دليل، وما ذكروه لا يصلح للتعويل عليه ثم قال: تعلق النفس بالبدن ليس تعلقا ضعيفا يسهل زواله بأدنى سبب مع بقاء المتعلق بحاله كتعلق الجسم بمكانه، وإلا تمكنت النفس من مفارقة البدن بمجرد المشيئة من غير حاجة إلى أمر آخر، وليس أيضا تعلقا في غاية القوة بحيث إذا زال التعلق بطل المتعلق، مثل تعلق الاعراض والصور المادية بمحالها، لما عرفت من أنها مجردة بذاتها غنية عما يحل فيه، بل هو تعلق متوسط بين بين كتعلق الصانع بالآلات التي يحتاج إليها في أفعاله المختلفة، ومن ثم قيل: هو تعلق العاشق بالمعشوق عشقا جليا إلهاميا، فلا ينقطع ما دام البدن صالحا لان يتعلق به النفس، ألا ترى أنه

تحبه ولا تمله مع طول الصحبة وتكره مفارقته، وذلك لتوقف كمالاتها ولذاتها العقلية والحسية عليه، فإنها في مبدأ خلقتها خالية عن الصفات الفاضلة كلها، فاحتاجت إلى آلات تعينها على اكتساب تلك الكمالات، وإلى أن تكون تلك الآلات مختلفة فيكون لها بحسب كل آلة فعل خاص، حتى إذا حاولت فعلا خاصا كالا بصار مثلا التفتت إلى العين فتقوى بها على الابصار التام، وكذا الحال في سائر الأفعال، ولو اتحدت الآلة لاختلطت الأفعال ولم يحصل لها شئ منها على الكمال. وإذا حصلت لها الإحساسات توصلت منها إلى الادراكات الكلية، ونالت حظها من العلوم والاخلاق المرضية، وترقت إلى لذاتها العقلية ، بعد احتظائها باللذات الحسية، فتعلقها بالبدن على وجه التدبير كتعلق العاشق في القوة بل أقوى منه بكثير. وإنما تتعلق من البدن أولا بالروح القلبي المتكون في جوفه الأيسر من بخار الغذاء ولطيفه، فإن القلب له تجويف في جانبه الأيسر يجذب إليه لطيف الدم فيبخره بحرارته المفرطة فذلك البخار هو المسمى بالروح عند الأطباء، وعرف كونه أول متعلق للنفس بأن شد الأعصاب يبطل قوى الحس والحركة عما وراء موضع الشد، ولا يبطلهما مما يلي جهة الدماغ. وأيضا التجارب الطبية تشهد بذلك وتفيد النفس الروح بواسطة التعلق قوة بها يسري الروح إلى جميع البدن، فيفيد الروح الحامل لتلك القوة كل عضو قوة بها يتم نفعه من القوى التي فصلناها فيما قبل، وهذا كله عندنا للقادر المختار ابتداء ولا حاجة إلى إثبات القوى كما مر مرارا (انتهى).

وقال المحقق القاساني في روض الجنان: اعلم أن المذاهب في حقيقة النفس كما هي الدائرة في الألسنة والمذكورة في الكتب المشهورة أربعة عشر مذهبا:

الأول: هذا الهيكل المحسوس المعبر عنه بالبدن. الثاني: أنها القلب أعني العضو الصنوبري اللحماني المخصوص.

الثالث: أنها الدماغ.

الرابع: أنها أجزاء لا تتجزأ في القلب، وهو مذهب النظام ومتابعيه.

الخامس: أنها الأجزاء الأصلية المتولدة من المني.

السادس: أنها المزاج.

السابع: أنها الروح الحيواني، ويقرب منه ما قيل: إنها جسم لطيف سار في البدن سريان الماء في الورد والدهن في السمسم.

الثامن: أنها الماء.

التاسع: أنها النار والحرارة الغريزية.

العاشر: أنها النفس.

الحادي عشر: أنها هي الواجب تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

الثاني عشر: أنها الأركان الأربعة.

الثالث عشر: أنها صورة نوعية قائمة بمادة البدن وهو مذهب الطبيعيين.

الرابع عشر: أنها جوهر مجرد عن المادة الجسمية وعوارض الجسم، لها تعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، والموت إنما هو قطع هذا التعلق، وهذا هو مذهب الحكماء الإلهيين وأكابر الصوفية والاشراقيين، وعليه استقر رأي المحققين المتكلمين كالرازي والغزالي والمحقق الطوسي وغيرهم من الاعلام، وهو الذي أشارت إليه الكتب السماوية وانطوت عليه الانباء النبوية، وقادت عليه الامارات الحدسية والمكاشفات الذوقية (انتهى).

وقال في الصحائف الإلهية: النفس إما أن يكون جسما، أو جسمانيا، أولا هذا ولا ذاك. فإن كان جسما فإما أن يكون هذا الهيكل المحسوس ومال إليه كثير من المتكلمين وهو ضعيف، وإما يكون جسما داخلا فيه، وفيه عشرة أقوال:

الأول: قول " أفلوطرخس " أنه النار السارية فيه، لان خاصية النار الاشراق والحركة، وخاصية النفس الحركة والادراك، والادراك إشراق، ويتأيد بقول الأطباء: مدبر البدن الحرارة الغريزية.

الثاني: قول " ديوجامس " أنه الهواء، لأنه لطيف نافذ في المنافذ الضيقة قابل للاشكال المختلفة، ويحرك الجسم الذي هو فيه كالزق المنفوخ فيه، والنفس كذلك فالنفس الهواء.

الثالث: قول " ثاليس الملطي " أنه الماء، لأن الماء سبب النمو والنشوء والنفس كذلك وهذه الوجوه ضعيفة، لأنها مركبة من موجبتين في الشكل الثاني.

الرابع: قول " أنباذ قلس " أنه العناصر الأربعة والمحبة والغلبة.

الخامس: قول طائفة من الطبيعيين: أنه الاخلاط الأربعة، لان بقاءها بكيفياتها وكمياتها المخصوصة سبب لبقاء الحياة بالدوران. وهو ضعيف إذ الدوران لا يفيد اليقين.

السادس: أنه الدم، لأنه أشرف الاخلاط.

السابع: أنه أجسام لطيفة حية لذواتها سارية في الأعضاء والاخلاط لا يتطرق إليها انحلال وتبدل، وبقاؤها فيها هو الحياة، وانفصالها عنها هو الموت.

الثامن: أنه أجسام لطيفة متكونة في البطن يشوب القلب وينفذ من الشرايين إلى جملة البدن.

التاسع: أنه أرواح متكونة في الدماغ تصلح لقبول قوى الحس والحركة تنفذ في الأعصاب إلى جملة البدن.

العاشر: أنه أجزاء أصلية باقية من أول العمر إلى آخره، وهو اختيار محققي المتكلمين.

وإن كان جسمانيا ففيها أقوال:

الأول: أنه المزاج وهو قول أكثر الأطباء.

الثاني: أنه صفة للحياة.

الثالث: أنه الشكل والتخطيط.

الرابع: أنه تناسب الأركان والاخلاط.

وإن لم يكن جسما ولا جسمانيا فهو إما متحيز وهو قول ابن الراوندي، لأنه قال: إنه جزء لا يتجزى في القلب، أو غير متحيز وهو قول جمهور الفلاسفة، ومعمر من قدماء المعتزلة، وأكثر الامامية، والغزالي، والراغب. وذهب فرفوريوس إلى اتحاد النفس بالبدن.

ثم قال بعد إيراد بعض الدلائل والأجوبة من الجانبين: فالحق أنها جوهر لطيف نوراني مدرك للجزئيات والكليات، حاصل في البدن، متصرف فيه، غني عن الاغتذاء، برئ عن التحلل والنماء، ولم يبعد أن يبقى مثل هذا الجوهر بعد فناء البدن ويلتذ بما يلائمه، ويتألم بما يباينه. هذا تحقيق ما تحقق عندي من حقيقة النفس (انتهى).

وقال الصدوق - رضي الله عنه - في رسالة العقائد: اعتقادنا في النفوس أنها الأرواح التي بها الحياة، وأنها الخلق الأول لقول النبي صلى الله عليه وآله: " أول ما أبدع الله سبحانه وتعالى هي النفوس المقدسة المطهرة فأنطقها بتوحيده، ثم خلق بعد ذلك سائر خلقه " واعتقادنا فيها خلقت للبقاء ولم تخلق للفناء لقول النبي صلى الله عليه وآله: " ما خلقتم للفناء بل خلقتم للبقاء، وإنما تنقلون من دار إلى دار " وأنها في الأرض غريبة وفي الأبدان مسجونة. واعتقادنا فيها أنها إذا فارقت الأبدان فهي باقية منها منعمة ومنها معذبة إلى أن يردها الله عز وجل بقدرته إلى أبدانها. وقال عيسى بن مريم للحواريين:

بحق أقول لكم إنه لا يصعد إلى السماء إلا ما نزل منها. وقال الله جل ثناؤه: " ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه " فما لم ترفع منها إلى الملكوت بقي هو في الهاوية، وذلك لان الجنة درجات، والنار دركات، وقال الله عز وجل:

" تعرج الملائكة والروح إليه " وقال عز وجل: " إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر " وقال الله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون " وقال الله تعالى: " ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون " وقال النبي صلى الله عليه وآله

" الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف " وقال الصادق عليه السلام: إن الله تعالى آخى بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأبدان بألفي عام، فلو قد قام قائمنا أهل البيت لورث الأخ الذي آخى بينهما في الأظلة ولم يرث الأخ من الولادة. وقال الصادق عليه السلام: إن الأرواح لتلتقي في الهواء فتتعارف وتساءل، فإذا أقبل روح من الأرض قالت الأرواح: دعوه، فقد أفلت من هول عظيم، ثم سألوه ما فعل فلان؟ وما فعل فلان؟ فكلما قال: قد بقي، رجوه أن يلحق بهم، وكلما قال:

قد مات، قالوا: هوى، هوى.

ثم قال قدس سره: والاعتقاد في الروح أنه ليس من جنس البدن، فإنه خلق آخر لقوله تعالى: " ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ". واعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة عليهم السلام أن فيهم خمسة أرواح: روح القدس، وروح الايمان وروح القوة، وروح الشهوة، وروح المدرج، وفي المؤمنين أربعة أرواح: روح الايمان وروح القوة، وروح الشهوة، وروح المدرج، وفي الكافرين والبهائم ثلاثة أرواح:

روح القوة، وروح الشهوة، وروح المدرج. وأما قوله تعالى " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " فإنه خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومع الأئمة عليهم السلام وهو من الملكوت.

وقال الشيخ المفيد - نور الله ضريحه - في شرحه على العقائد: كلام أبي جعفر في النفس والروح على مذهب الحدس دون التحقيق، ولو اقتصر على الاخبار ولم يتعاط ذكر معانيها كان أسلم له من الدخول في باب يضيق عنه سلوكه ثم قال - رحمه الله -:

النفس عبارة عن معان أحدها ذات الشئ، والآخر الدم السائل، والآخر النفس الذي هو الهواء، والرابع هو الهوى وميل الطبع، فأما شاهد المعنى الأول فهو قولهم:

هذا نفس الشئ، أي ذاته وعينه، وشاهد الثاني قولهم: كلما كانت النفس سائلة فحكمه كذا وكذا، وشاهد الثالث قولهم: فلان هلكت نفسه إذا انقطع نفسه ولم يبق

في جسمه هواء يخرج من حواسه، وشاهد الرابع قول الله تعالى: " إن النفس لامارة بالسوء " يعني الهوى داع إلى القبيح، وقد يعبر عن النفس بالنقم قال الله تعالى:

" ويحذركم الله نفسه " يريد نقمته وعقابه. فأما الروح فعبارة عن معان: أحدها الحياة ، والثاني القرآن، والثالث ملك من ملائكة الله تعالى، والرابع جبرئيل عليه السلام فشاهد الأول قولهم: كل ذي روح فحكمه كذا، يريدون كل ذي حياة، وقولهم فيمن مات: قد خرجت منه الروح، يعنون الحياة، وقولهم في الجنين: صورة لم يلجه الروح، يريدون لم تلجه الحياة، وشاهد الثاني قوله تعالى: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا " يعني القرآن، وشاهد الثالث قوله " يوم يقوم الروح والملائكة - الآية - " وشاهد الرابع قوله تعالى " قل نزله روح القدس " يعني جبرئيل عليه السلام. وأما ما ذكره أبو جعفر ورواه: أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد بألفي عام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فهو حديث من أحاديث الآحاد وخبر من طرق الافراد، وله وجه غير ما ظنه من لا علم له بحقائق الأشياء، وهو أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بألفي عام، فما تعارف منها قبل خلق البشر ائتلف عند خلق البشر، وما لم يتعارف منها إذ ذاك اختلف بعد خلق البشر، وليس الامر كما ظنه أصحاب التناسخ ودخلت الشبهة فيه على حشوية الشيعة، فتوهموا أن الذوات الفعالة المأمورة المنهية كانت مخلوقة في الذر وتتعارف وتعقل وتفهم وتنطق ثم خلق الله لها أجسادا من بعد ذلك فركبها فيها، ولو كان ذلك كذلك لكنا نعرف نحن ما كنا عليه، وإذا ذكرنا به ذكرناه، ولا يخفى علينا الحال فيه. ألا ترى أن من نشأ ببلد من البلاد فأقام فيه حولا ثم انتقل إلى غيره لم يذهب عنه علم ذلك وإن خفي

عليه لسهوه عند فيذكر به ذكره، ولولا أن الامر كذلك لجاز أن يولد منا انسان ببغداد وينشأ بها ويقيم عشرين سنة فيها ثم ينتقل إلى مصر آخر فينسى حاله ببغداد ولا يذكر منها شيئا، وإن ذكر به وعدد عليه علامات حاله ومكانه ونشوئه، وهذا مالا يذهب إليه عاقل. والذي صرح به أبو جعفر - رحمه الله - في معنى الروح والنفس هو قول التناسخية بعينه من غير أن يعلم أنه قولهم، فالجناية بذلك على نفسه وغيره عظيمة.

فأما ما ذكره من أن الأنفس باقية فعبارة مذمومة ولفظ يضاد ألفاظ القرآن، قال الله تعالى " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام " والذي حكاه من ذلك وتوهمه هو مذهب كثير من الفلاسفة الملحدين الذين زعموا أن الأنفس لا يلحقها الكون والفساد، وأنها باقية وإنما تفنى وتفسد الأجسام المركبة، وإلى هذا ذهب بعض أصحاب التناسخ، وزعموا أن الأنفس لم تزل تتكرر في الصور والهياكل لم تحدث ولم تفن ولن تعدم وأنها باقية غير فانية، وهذا من أخبث قول وأبعده من الصواب وما دونه في الشناعة والفساد شنع به الناصبة على الشيعة ونسبوهم به إلى الزندقة، ولو عرف مثبته ما فيه لما تعرض له، لكن أصحابنا المتعلقين بالاخبار أصحاب سلامة وبعد ذهن وقلة فطنة، يمرون على وجوههم فيما سمعوه من الأحاديث، ولا ينظرون في سندها ولا يفرقون بين حقها وباطلها، ولا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها، ولا يحصلون معاني ما يطلقونه منها والذي ثبت من الحديث في هذا الباب أن الأرواح بعد موت الأجساد على ضربين: منها ما ينقل إلى الثواب والعقاب، ومنها ما يبطل فلا يشعر بثواب ولا عقاب وقد روي عن الصادق عليه السلام ما ذكرنا في هذا المعنى وبيناه، وسئل عمن مات في هذه الدار:

أين تكون روحه؟ فقال: من مات وهو ماحض للايمان محضا أو ماحض للكفر محضا نقلت روحه من هيكله إلى مثله في الصورة وجوزي بأعماله إلى يوم القيامة، فإذا بعث الله من في القبور أنشأ جسمه ورد روحه إلى جسده وحشره ليوفيه أعماله، فالمؤمن ينتقل روحه من جسده إلى مثل جسده في الصورة، فيجعل في جنان من جنان الله يتنعم

فيها إلى يوم المآب، والكافر ينتقل روحه من جسده إلى مثله بعينه ويجعل في النار فيعذب بها إلى يوم القيامة. وشاهد ذلك في المؤمن قوله تعالى " قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي " وشاهد ما ذكرناه في الكافر قوله تعالى " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا " فأخبر سبحانه أن مؤمنا قال بعد موته وقد ادخل الجنة: يا ليت قومي يعلمون، وأخبر أن كافرا يعذب بعد موته غدوا وعشيا، ويوم يقوم الساعة يخلد في النار.

والضرب الآخر من يلهى عنه ويعدم نفسه عند فساد جسمه فلا يشعر بشئ حتى يبعث، وهو من لم يمحض الايمان محضا ولا الكفر محضا، وقد بين الله ذلك عند قوله:

" إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما " فبين أن قوما عند الحشر لا يعلمون مقدار لبثهم في القبور حتى يظن بعضهم أن ذلك كان عشرا، ويظن بعضهم أن ذلك كان يوما وليس يجوز أن يكون ذلك من وصف من عذب إلى بعثه ونعم إلى بعثه، لان من لم يزل منعما أو معذبا لا يجهل عليه حاله فيما عومل به ولا يلتبس عليه الامر في بقائه بعد وفاته، وقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إنما يسأل في قبره من محض الايمان محضا أو محض الكفر محضا، فأما ما سوى هذين فإنه يلهى عنه. وقال في الرجعة: إنما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم من محض الايمان أو محض الكفر محضا، فأما ما سوى هذين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب.

وقد اختلف أصحابنا فيمن ينعم ويعذب بعد موته، فقال بعضهم: المعذب والمنعم هو الروح التي توجه إليها الأمر والنهي والتكليف، سموها جوهرا. وقال آخرون: بل الروح الحياة، جعلت في جسد كجسده في دار الدنيا. وكلا الامرين يجوزان في العقل، والأظهر عندي قول من قال: إنها الجوهر المخاطب، وهو الذي

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.