پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

42 باب حقيقة النفس والروح وأحوالهما

ج ۵۸، ص ۸۲–۱۰۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۴ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۷

يسميه الفلاسفة " البسيط " وقد جاء في الحديث أن الأنبياء خاصة والأئمة من بعده ينقلون بأجسادهم وأرواحهم من الأرض إلى السماء، فيتنعمون في أجسادهم التي كانوا فيها عند مقامهم في الدنيا، وهذا خاص لحجج الله دون من سواهم من الناس وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من صلى علي من عند قبري سمعته، ومن صلى علي من بعيد بلغته وقال صلى الله عليه وآله: من صلى علي مرة صليت عليه عشرا، ومن صلى علي عشرا صليت عليه مائة مرة، فيلكثر امرؤ منكم الصلاة علي، أو فليقل. فبين أنه صلى الله عليه وآله بعد خروجه من الدنيا يسمع الصلاة عليه ولا يكون كذلك إلا وهو حي عند الله تعالى، وكذلك أئمة الهدى يسمعون سلام المسلم عليهم من قرب ويبلغهم سلامه من بعد، وبذلك جاءت الآثار الصادقة عنهم، وقد قال الله: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء - الآية - " إلى آخر ما مر في كتاب المعاد.

أقول: وقد تكلمنا عليه هناك فلا نعيده.

وقال المفيد - قدس الله روحه - في كتاب المسائل: القول في تنعم أصحاب القبور وتعذيبهم: على أي شئ يكون الثواب لهم والعقاب ومن أي وجه يصل إليهم ذلك وكيف تكون صورهم في تلك الأحوال:

وأقول: إن الله تعالى يجعل لهم أجساما كأجسامهم في دار الدنيا ينعم مؤمنيهم فيها، ويعذب كفارهم وفساقهم فيها، دون أجسامهم التي في القبور يشاهدها الناظرون تتفرق وتندرس وتبلى على مرور الأوقات، وينالهم ذلك في غير أماكنهم من القبور وهذا يستمر على مذهبي في النفس، ومعنى الانسان المكلف عندي، وهو الشئ المحدث القائم بنفسه الخارج عن صفات الجواهر والاعراض، ومضى به روايات عن الصادقين من آل محمد عليهم السلام ولست أعرف لمتكلم من الامامية قبلي فيه مذهبا فاحكمه ولا أعلم بيني وبين فقهاء الإمامية وأصحاب الحديث فيه اختلافا.

وقال السيد المرتضى - رضي الله عنه - في أجوبة المسائل العكبرية حين سئل عن

قول الله تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " وقال: فهل يكون الرزق لغير جسم؟ وما صورة هذه الحياة؟ فإنا مجمعون على أن الجواهر لا تتلاشى، فما الفرق حينئذ في الحياة بين المؤمن والكافر؟ فأجاب - قدس الله لطيفه -: إن الرزق لا يكون عندنا إلا للحيوان، والحيوان عندنا ليسوا بأجسام بل ذوات اخرجوا في هذه الدار إلى الأجساد، وتعذر عليهم كثير من الأفعال إلا بها وصارت آلتهم في الأفعال الأجساد، فإن اغنوا عنها بعد الوفاة جاز أن يرزقوا مع عدمها رزقا تحصل لهم اللذات، وإن ردوا إليها كان الرزق لهم حينئذ بحسبه في الدنيا على السواء.

فأما قوله " ما صورة هذه الحياة؟ " فالحياة لا صورة لها، لأنها عرض من الاعراض وهي تقوم بالذات الفعال دون الأجساد التي تقوم بها حياة النمو دون الحياة التي هي شرط في العلم والقدرة ونحو هما من الاعراض.

وقوله " إنا مجمعون على أن الجواهر لا تتلاشى " فليس ذلك كما ظن، ولو كان الامر فيه ما توهم لامتنع أن يوجد الحياة الجواهر ويرفع عن بعض، كما يوجد حياة النمو لبعض الأجساد ويرفع عن بعض على الاتفاق. ولو قلنا: إن الحياة بعد النقلة من هذه الدار يعم أهل الكفر والايمان لم يفسد ذلك علينا أصلا في الدين فكانت الحياة لأهل الايمان شرطا في وصول اللذات إليهم، والحياة لأهل الكفر شرطا في وصول الآلام إليهم بالعقاب.

وقال - رضي الله عنه - في أجوبة المسائل التي وردت عليه من الري حين سئل عن الروح: الصحيح عندنا أن الروح عبارة عن الهواء المتردد في مخارق الحي منا الذي لا يثبت كونه حيا إلا مع تردده، ولهذا لا يسمى ما يتردد في مخارق الجماد روحا فالروح جسم على هذه القاعدة.

أقول: وقد روى بعض الصوفية في كتبهم عن كميل بن زياد أنه قال: سألت

مولانا أمير المؤمنين عليا عليه السلام فقلت: يا أمير المؤمنين أريد أن تعرفني نفسي. قال:

يا كميل! وأي الأنفس تريد أن أعرفك؟ قلت: يا مولاي هل هي إلا نفس واحدة؟

قال: يا كميل إنما هي أربعة: النامية النباتية، والحسية الحيوانية، والناطقة القدسية، والكلية الإلهية، ولكل واحدة من هذه خمس قوى وخاصيتان، فالنامية النباتية لها خمس قوى: ماسكة، وجاذبة، وهاضمة، ودافعة، ومربية، ولها خاصيتان:

الزيادة والنقصان، وانبعاثها من الكبد. والحسية الحيوانية لها خمس قوى: سمع وبصر، وشم، وذوق، ولمس، ولها خاصيتان: الرضا والغضب، وانبعاثها من القلب.

والناطقة القدسية لها خمس قوى: فكر، وذكر، وعلم، وحلم، ونباهة، وليس لها انبعاث، وهي أشبه الأشياء بالنفوس الفلكية، ولها خاصيتان: النزاهة والحكمة.

والكلية الإلهية لها خمس قوى: بهاء في فناء، ونعيم في شقاء، وعز في ذل، وفقر في غناء، وصبر في بلاء، ولها خاصيتان: الرضا والتسليم، وهذه التي مبدؤها من الله وإليه تعود، قال الله تعالى: " ونفخت فيه من روحي " وقال تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية " والعقل في وسط الكل.

أقول: هذه الاصطلاحات لم تكد توجد في الأخبار المعتبرة المتداولة، وهي شبيهة بأضغاث أحلام الصوفية، وقال بعضهم في شرح هذا الخبر: النفسان الأوليان في كلامه عليه السلام مختصان بالجهة الحيوانية التي هي محل اللذة والا لم في الدنيا والآخرة والأخيرتان بالجهة الانسانية، وهما سعيدة في النشأتين وسيما الأخيرة، فإنها لاحظ لها من الشقاء، لأنها ليست من عالم الشقاء، بل هي منفوخة من روح الله فلا يتطرق إليها ألم هناك من وجه وليست هي موجودة في أكثر الناس، بل ربما لم يبلغ من ألوف كثيرة واحد إليها، وكذلك الأعضاء والجوارح بمعزل عن اللذة والألم، ألا ترى إلى المريض إذا نام وهو حي والحس عنده موجود والجرح الذي يتألم به في يقظته موجود في العضو ومع هذا لا يجد ألما؟ لان الواجد للا لم قد صرف وجهه عن عالم الشهادة

إلى البرزخ فما عنده خير، فإذا استيقظ المريض أي رجع إلى عالم الشهادة ونزل منزل الحواس قامت به الأوجاع والآلام، فإن كان في البرزخ في ألم كما في رؤيا مفزعة مؤلمة أو في لذة كما في رؤيا حسنة ملذة انتقل منه الا لم واللذة حيث انتقل، وكذلك حاله في الآخرة - انتهى -.

وقال العلامة الحلي - نور الله مرقده - في كتاب معارج الفهم اختلف الناس في حقيقة النفس ما هي، وتحرير الأقوال الممكنة فيها أن النفس إما أن تكون جوهرا أو عرضا أو مركبا منهما، وإن كانت جوهرا فإما أن تكون متحيزة، أو غير متحيزة وإن كانت متحيزة فإما أن تكون منقسمة، أو لا تكون، وقد صار إلى كل من هذه الأقوال قائل والمشهور مذهبان: أحدهما أن النفس جوهر مجرد ليس بجسم ولا حال في الجسم، وهو مدبر لهذا البدن، وهو قول جمهور الحكماء، ومأثور عن شيخنا المفيد وبني نوبخت من أصحابنا. والثاني أنها جوهر أصلية في هذا البدن حاصلة فيه من أول العمر إلى آخره لا يتطرق إليها التغير ولا الزيادة ولا النقصان. وعند المعتزلة عبارة عن الهيكل المشاهد المحسوس، وههنا مذاهب أخرى. منها أن النفس هو الله تعالى، ومنها أنها هي المزاج، ومنها أنها النفس، ومنها أنها النار، ومنها أنها الهواء، وغير ذلك من المذاهب السخيفة - انتهى -.

وقال المحقق الطوسي - قدس الله روحه - في التجريد: هي جوهر مجرد. وقال العلامة - رفع الله مقامه - في شرحه: اختلف الناس في ماهية النفس وأنها هل هي جوهر أم لا، والقائلون بأنها جوهر اختلفوا في أنها هل هي مجردة أم لا، والمشهور عند الأوائل وجماعة من المتكلمين كبني نوبخت من الامامية والمفيد منهم والغزالي من الأشاعرة أنها جوهر مجرد ليس بجسم ولا جسماني، وهو الذي اختاره المصنف - انتهى -.

وقال المحقق الطوسي - رحمه الله - أيضا في كتاب الفصول: الذي يشير إليه الانسان حال قوله " أنا " لو كان عرضا لاحتاج إلى محل يتصف به، لكن لا يتصف بالإنسان شئ بالضرورة بل يتصف هو بأوصاف هي غيره، فيكون جوهرا، ولو كان

هو البدن أو شئ من جوارحه لم يتصف بالعلم، لكنه يتصف به بالضرورة فيكون جوهرا عالما والبدن وسائر الجوارح آلاته في أفعاله، ونحن نسميه ههنا الروح - انتهى.

وتوقف - رحمه الله - في رسالة " قواعد العقائد " واكتفى بذكر الأقوال حيث قال: المسألة الثانية في أقوال الناس في حقيقة الانسان وأنها أي شئ هي؟ اختلفوا في حقيقته، فبعضهم قالوا إن الانسان هو الهيكل المشاهد، وبعضهم قالوا: هو أجزاء أصلية داخلية في تركيب الانسان لا يزيد بالنمو ولا ينقص بالذبول، وقال النظام:

هو جسم لطيف في داخل الانسان سار في أعضائه، فإذا قطع منه عضو تقلص ما فيه إلى باقي ذلك الجسم، وإذا قطع بحيث انقطع ذلك الجسم مات الانسان. وقال ابن الراوندي: هو جوهر لا يتجزى في القلب. وبعضهم قالوا: هو الاخلاط الأربعة، و بعضهم قالوا: هو الروح، وهو جوهر مركب من بخارية الاخلاط ولطيفها، مسكنه الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والدماغ والكبد، ومنها ينفذ الروح في العروق والأعصاب إلى سائر الأعضاء، وجميع ذلك جواهر جسمانية، وبعضهم قالوا: هو المزاج المعتدل الانساني. وبعضهم قالوا: تخاطيط الأعضاء وتشكيل الانسان الذي لا يتغير من أول عمره إلى آخره. وبعضهم قالوا: العرض المسمى بالحياة، وجميع ذلك أعراض، والحكماء وجمع من المحققين من غير هم قالوا: إنه جوهر غير جسماني لا يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، وهذه هي المذاهب، وبعضها ظاهر الفساد - انتهى -.

وقال الشيخ السديد المفيد - طيب الله ترتبه حين سأله السائل في المسائل الرؤية:

ما قوله - أدام الله تعالى علوه - في الأرواح وماهيتها وحقيقة كيفياتها وما لها عند مفارقتها الأجساد - وهي حياة النمو وقبول الغذاء -؟ والحياة التي في الذوات الفعالة هي معنى أم لا؟. الجواب: أن الأرواح عندنا هي أعراض لابقاء لها وإنما عبد الله تعالى منها الحي حالا بحال، فإذا قطع امتداد المحيى بها جاءت الموت الذي هو ضد

الحياة، ولم يكن للأرواح وجود، فإذا أحيى الله تعالى الأموات ابتدأ فيهم الحياة التي هي الروح. والحياة التي في الذوات الفعالة هي معنى يصحح العلم والقدرة. وهي شرط في كون العالم عالما والقادر قادرا، وليست من نوع الحياة التي تكون ثم قال - قدس سره - حين سأل السائل: ما قوله - حرس الله تعالى عزه - في الانسان؟ أهو هذا الشخص المرئي المدرك على ما يذكره أصحاب أبي هاشم، أم جزء حال في القلب حساس دراك كما يحكى عن أبي بكر بن الأخشاد؟ والجواب: أن الانسان هو ما ذكره بنو نوبخت، وقد حكي عن هشام بن الحكم، والاخبار عن موالينا عليهم السلام تدل على ما أذهب إليه، وهي شئ قائم بنفسه لا حجم له ولا حيز، لا يصح عليه التركيب، ولا الحركة والسكون، ولا الاجتماع ولا الافتراق، وهو الشئ الذي كانت تسميه الحكماء الأوائل " الجوهر البسيط " وكذلك كل حي فعال محدث فهو جوهر بسيط، وليس كما قال الجبائي وابنه وأصحابهما أنه جملة مؤلفة، ولا كما قال ابن الأخشاد أنه جسم متخلخل في الجملة الظاهرة، ولا كما قال الأعوازي أنه جزء لا يتجزى.

وقوله فيه قول معمر من المعتزلة وبني نوبخت من الشيعة على ما قدمت ذكره وهو شئ يحتمل العلم والقدرة والحياة والإرادة والكراهة والبغض والحب قائم بنفسه، محتاج في أفعاله إلى الآلة التي هي الجسد. والوصف له بأنه حي يصح عليه القول بأنه عالم قادر، وليس الوصف له بالحياة كالوصف للأجساد بالحياة حسب ما قد مناه، وقد يعبر عنه بالروح. وعلى هذا المعنى جاءت الاخبار أن الروح إذا فارقت الجسد نعمت وعذبت، والمراد الانسان الذي هو الجوهر البسيط يسمى الروح وعليه الثواب والعقاب، وإليه يوجه الأمر والنهي والوعد والوعيد، وقد دل القرآن على ذلك بقوله " يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك

في أي صورة ما شاء ركبك " فأخبر تعالى أنه غير الصورة وأنه مركب فيها، ولو كان الانسان هو الصورة لم يكن لقوله تعالى " في أي صورة ما شاء ركبك " معنى، لان المركب في الشئ غير الشئ المركب فيه، ومحال أن تكون الصورة مركبة في نفسها وعينها لما ذكرناه، وقد قال سبحانه في مؤمن آل يس " قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي " فأخبر أنه حي ناطق منعم وإن كان جسمه على ظهر الأرض أوفي بطنها، وقال تعالى: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين " فأخبر أنهم أحياء وإن كانت أجسادهم على وجه الأرض مواتا لا حياة فيها. وروي عن الصادقين عليهم السلام أنهم قالوا: إذا فارقت أرواح المؤمنين أجسادهم أسكنها الله تعالى في [مثل] أجسادهم التي فارقوها فينعمهم في جنة وأنكروا ما ادعته العامة من أنها تسكن في حواصل الطيور الخضر، وقالوا:

المؤمن أكرم على الله من ذلك، ولنا على المذهب الذي وصفناه أدلة عقلية لا يطعن المخالف فيها ، ونظائر لما ذكرناه من الأدلة السمعية، وبالله أستعين - انتهى كلامه رفع الله مقامه -.

وقال الغزالي في الأربعين: الروح هي نفسك وحقيقتك، وهي أخفى الأشياء عليك، وأعني بنفسك روحك التي هي خاصة الانسان، المضافة إلى الله تعالى بقوله " قل الروح من أمر ربي " وقوله: " ونفخت فيه من روحي " دون الروح الجسماني اللطيف الذي هو حامل قوة الحس والحركة، التي تنبعث من القلب و تنتشر في جملة البدن في تجويف العروق والضوارب، فيفيض منها نور حس البصر على العين ونور السمع على الاذن وكذلك سائر القوى والحركات والحواس، كما يفيض من السراج

نور على حيطان البيت إذا أدير في جوانبه، فإن هذه الروح تتشارك البهائم فيها وتنمحق بالموت، لأنه بخار اعتدال نضجه عند اعتدال مزاج الاخلاط، فإذا انحل المزاج بطل كما يبطل النور الفائض من السراج عند إطفاء السراج بانقطاع الدهن عنه أو بالنفخ فيه وانقطاع الغذاء عن الحيوان يفسد هذه الروح، لان الغذاء له كالدهن للسراج والقتل له كالنفخ في السراج، وهذه الروح هي التي يتصرف في تقويمها وتعديلها علم الطب، ولا تحمل هذه الروح المعرفة والأمانة، بل الحامل للأمانة الروح الخاصة للانسان، ونعني بالأمانة تقلد عهدة التكليف بأن تعرض لخطر الثواب والعقاب بالطاعة والمعصية.

وهذه الروح لا تفنى ولا تموت، بل تبقى بعد الموت، إما في نعيم وسعادة أو في جحيم وشقاوة، فإنه محل المعرفة، والتراب لا يأكل محل المعرفة والايمان أصلا، وقد نطقت به الاخبار، وشهدت له شواهد الاستبصار، ولم يأذن الشارع في تحقيق صفته - إلى أن قال - وهذه الروح لا تفنى ولا تموت، بل يتبدل بالموت حالها فقط ولا يتبدل منزلها، والقبر في حقها إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إذ لم يكن لها مع البدن علاقة سوى استعمالها للبدن، أو اقتناصها أوائل المعرفة بواسطة شبكة الحواس، فالبدن آلتها ومركبها وشبكتها، وبطلان الآلة والشبكة والمركب لا يوجب بطلان الصائد نعم إن بطلت الشبكة بعد الفراغ من الصيد فبطلانها غنيمة، إذ يتخلص من حمله وثقله ، ولذا قال عليه السلام " تحفة المؤمن الموت " وإن بطلت الشبكة قبل الصيد عظمت فيه الحسرة والندامة والألم، ولذلك يقول المقصر " رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا " بل من كان ألف الشبكة وأحبها وتعلق قلبه بحسن صورتها وصنعتها وما يتعلق بسببها كان له من العذاب ضعفين: أحدهما حسرة فوات الصيد الذي لا يقتنص إلا بشبكة البدن، والثاني زوال الشبكة مع تعلق القلب بها وإلفه لها وهذا مبدأ من مبادئ معرفة عذاب القبر - انتهى -.

أقول: لما كانت رسالة " الباب المفتوح إلى ما قيل في النفس والروح " للشيخ الفاضل الرضي علي بن يونس العاملي - روح الله روحه - جمة الفوائد، كثيرة العوائد مشتملة على جل ما قيل في هذا الباب من غير إسهاب وإطناب أوردت ههنا جميعا وهي هذه:

الحمد لله الذي خلق النفوس وحجب حقيقتها عنا، فإن العين تبصر غيرها ويتعذر إدراك نفسها منها، فأوجب ذلك خبط العلماء فيها، ولم يصل أكثرهم بدقيق الفكر إليها، وقد قال العالم الرباني الذي أوجب الله حقه " من عرف نفسه فقد عرف ربه " أشار بامتناع معرفة نفسه مع قربه إلى امتناع الإحاطة بكنه ربه، وما قيل في تفسيره:

من عرفها بالمخلوقية عرفه بالخالقية، لا يدفع ما قصد ناه، ولا يمتنع ما ذكرناه، إذ معرفتها بصفة حدوثها لا يستلزم معرفة عينها، فإن معرفتها ليست ضروريا بلا خلاف لوجود الخلاف فيها، ولا كسبية لامتناع صدق الجنس والفصل عليها، بل الاعتراف بالعجز عن وجدانها أسهل من الفحص عن كنهها وبرهانها، والانسان ضعيف القوة محدود الجملة، معلومه أقل من مظنونه، وتخمينه أكثر من يقينه، لكن من كان نظره أعلا، ونقده أجلا، ونوره أصنع، وفكره أشيع، كان من الشك أنجى، ومن الشبهة أنأى، وثاقب بصره الأسنى إلى النفس أدنى. وهذا الانسان الضعيف الصغير فيه ذلك البسيط اللطيف جزء يسير، فكيف يدرك بجزء منه كله، ويقبل منه جميعه وهذا يتعذر أن يكون معلوما، ويبعد وإن لم يكن معدوما، بل يكفي أن يعلم أنها قوة إلهية مسببة واسطة بين الطبيعة المصرفة والعناصر المركبة، والمثير لها، الطالع عليها، السائغ فيها، الممتزج بها، فالانسان ذو طبيعة لآثارها البادية في بدنه، وذو نفس لآثارها الظاهرة في مطلبه ومأربه، وذو عقل لتميزه وغضبه وشكه ويقينه، وها أنا ذا واضع لك في هذا المختصر المسمى ب‍ " الباب المفتوح إلى ما قيل في النفس والروح " ما بلغني من أقاويل الأوائل، وما أوردوا من الشبهات والدلائل، راج من واهب المواهب، الإشارة إلى مأخذ تلك المذاهب، مورد ما حضرني من دخل فيها.

فهنا مقصدان:

الأول في النفس مقدمة: اسم النفس مشترك بالاشتراك اللفظي بين معان: منها ذات الشئ " فعل ذلك بنفسه " ومنها الآنفة " ليس لفلان نفس " ومنها الإرادة " نفس فلان في كذا " ومنها العين، قال ابن القيس:

يتقي أهلها النفوس عليها * فعلى نحرها الرقي والتميم ومنها مقدار دبغة من الدباغ، تقول: أعطني نفسا، أي قدر ما أدبغ به مرة ومنها العيب " إني لا أعلم نفس فلان " أي عيبه، ومنها العقوبة " ويحذركم الله نفسه " ومنها ما يفوت الحياة بفواته كنفس الحيوان " كل نفس ذائقة الموت " وهذه هي المبحوث عنها المختلف فيها. واعلم أن الاحتمالات التي اقتضاها التقسيم بمناسبة إما جوهر مادي، أو جوهر مجرد، أو مادي وعرض، أو مجرد وعرض، أو مادي ومجرد وعرض.

المذهب الأول: الجوهر المادي قال به جماعة المعتزلة وكثير من المتكلمين ثم اختلفوا على مذاهب: ذهب جمهور المسلمين إلى أنه مجموع الهيكل المحسوس هذا كما ترى ليس هو جوهر فقط بل مضاف إليه عرض لان الجسم كذلك، واختاره القزويني. قال: لاجماع أهل اللغة أنهم عند إطلاق نفسه يشيرون إليه، واتفاق الأمة على وقوع الادراكات بالصبر عليه، ونصوص القرآن أيضا واردة فيه، مثل " إنا خلقنا الانسان من نطفة، خلق من ماء دافق، ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين إني خالق بشرا من صلصال " وإنه هو الذي يمات ويقبر في قوله " ثم أماته فأقبره " فمن يخرج عن هذه النصوص إلى غير مدلولاتها كيف يكون مسلما؟! وقد أجمعت الأمة على أن من رأى هذه البنية وحلف أنه ما رأى إنسانا حنث، ولكن اختلف في أن الانسان هل هو هذه الجملة، أو شئ له هذه الجملة؟ قال: الأقرب الثاني، والفائدة في الملك إذا جاء فيها فإنه ليس بإنسان، وكذلك المصور لها من خشب وغيره

وإنما جرى اسم الانسان على الهيكل تبعا لذلك الشئ الذي له الهيكل آدم وأولاده وهذا الذي قربه مخالف لما صوره.

وقال شارح النظم: أطبق العقلاء على بطلان هذا القول، لان مقطوع اليد باق ويمتنع بقاء الماهية عند عدم جزئها، ولأنها دائما تتحلل وتستخلف، فالفائت له ثواب وعليه عقاب، فإن حشرت كلها لزم المحال، وإن لم تحشر لزم الظلم والاضلال. ذهب أهل هذا التقسيم إلى أنه بعض الهيكل، ثم اختلفوا على أقوال:

قال ابن الراوندي، إنه جزء في القلب، قال النظام، إنه أجزاء لطيفة في القلب، وكأنهما نظرا إلى أن الانسان إذا رجع إلى نفسه وجد قلبه محل ذكره فظناها ذلك. وهو خطأ لعدم إنتاج الشكل الثاني من الموجبتين. قال الأطباء: إنه الروح الذي في القلب من الجانب الأيسر، نظرا إلى أن جانب الانسان الأيسر أخطر من الأيمن وهو ضعيف لجواز كون محله غير القلب، وسلامة القلب شرط فيه. قال بعضهم: إنه الدم لفوات الحياة بفواته، وعليه قول السموأل: " تسيل على حد الضباة نفوسنا " قلنا:

لا يلزم من عدم شئ عند عدم آخر اتحاد هما كالجوهر والعرض، ولا حجة في الشعر لاحتماله المجاز. وقيل: هو الاخلاط بشرط أن يكون لكل واحد منها قدر معين ومأخذ هذا وجوابه قريب مما سلف.

قال بعض الفلاسفة: إنه الجزء الناري، لان خاصة النار الاشراق والحركة وخاصة النفس الادراك والحركة، والادراك من جنس الاشراق، ولذلك قالت الأطباء:

إن مدبر هذا البدن الحرارة العزيزية. قلنا: لا يلزم من الاشتراك في الخاصة الاشتراك.

في ذي الخاصة، فإن العناصر مع اختلاف ماهياتها تشترك في كيفياتها.

قال الباقلاني: هو الجزء الهوائي، وهو النفس المتردد في المخارق، وإنه متى انقطع انقطعت الحياة، فالنفس هو النفس. قلنا: قد أسلفنا أن التلازم لا يستلزم الاتحاد.

قيل: هو الجزء المائي لأنه سبب النمو فالنفس كذلك. قلنا: وهذا من

موجبتين في الشكل الثاني فهو عقيم، ولا ينحصر النمو في الماء فإنه يوجد في الشمس والهواء.

قيل: هو أجزاء لطيفة سارية في البدن كسريان الدهن في السمسم، وماء الورد في ورقه. قلنا: هذا مجرد خيال خال عن دليل.

قال النظام وابن الأخشيد: إنه الروح الدماغي الصالح لقبول الحس والفكر والحفظ والذكر، وهو الحي المكلف الفاعل للأفعال، وهو مركب من بخارية الاخلاط ولطيفها، ومسكنه الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والدماغ والكبد وما ينفذ في العروق والأعصاب إلى سائر الأعضاء. قلنا: قد علمنا أن الاذن هي السامعة والعين هي الباصرة، والبدن راكع وساجد، فكيف يقال: الفاعل غيرها، ولم حد الزاني ولم قتل المرتد، إذا كان هو غير [هذا] المشاهد؟

قال النظام أيضا: إنه جزء لطيف داخل البدن، سار في أعضائه، فإذا قطع منه عضو تقلص ذلك اللطيف، فإذا قطع اللطيف معه مات الانسان. وهذا نظر إلى فقد الحياة بفقدانه، وقد عرفت ضعفه.

قال هشام بن الحكم: هو جسم لطيف يختص بالقلب وسماه نورا، وإن الجسد موات، وإن الروح هو الحي الفعال المدرك. وقد عرفت مأخذه وضعفه مما سلف.

قال ابن الأخشيد أيضا: إنه جسم منبث في الجملة وفيه ما فيما قبله.

قالت الصوفية: إنه جسم لطيف كهيئة الانسان ملبس كالثوب على الجسد، و كأنهم نظروا إلى الأفعال الصادرة عنه، وإلى أنه إذا قطع بعضه لم يمت، فجعلوه شيئا ملازما للجملة. وهذا خرص محض.

قالت الثنوية: هو جوهران ممتزجان: أحدهما خير هومن النور، والآخر شر هو من الظلمة، بناء منهم على قدم هذين وتدبير هما. وقد عرفت بطلان مبناه في الكلام.

قالت المرقونية: إنه ثلاثة جواهر: نور وظلمة وثالث بينهما، وهو الفاعل دونهما.

قالت الصابئة هو الحواس الخمس، لأنه شاعر وهذه مشاعر. وهو من موجبتين في الثاني، ويلزمهم أنه متى ذهب بعضها ذهب الانسان لبطلان المركب ببطلان جزئه والحس يكذبه.

قال قوم من الدهرية: هو الطبائع الأربع، فهذا الضرب من الاختلاف كان إنسانا. قال بعض الدهرية: هو الطبائع الأربع وخامس آخر هو المنطق والتمييز والفعل.

قال بعض أصحاب الهيولى: هو الجوهر الحي الناطق، وهو في هذا الجوهر شئ ليس بمماس ولا مبائن وهو المدبر له.

قالت الملكائية من النصارى: هو النفس والعقل والجرم.

قال معمر: هو عين من الأعيان لا يجوز عليه الانتقال، ولا يجوز له محل ولا مكان، يدبر هذا العالم ويحركه، ولا يجوز إدراكه ورؤيته. فقد قيل: إنه جعل الانسان بمثابة القديم غير أنه لما سئل: كيف يختص تدبيره بهذا البدن دون غيره؟

دهش وقال: إنه مدبر لسائر أبدان العالم، وهذه صفة الاله سبحانه فزعم حينئذ أنه ربه، وهذا هو الذي عناه شارح نظم البراهين بقوله " وقيل: إن النفس هو الاله ".

قالوا: يجوز كون النفس مختلفة بالحقيقة، والأبدان مختلفة بالمزاج، فتعلق كل نفس بما يناسبها من المزاج. قلنا: الأبدان الانسانية قريبة المزاج، وربما اتحد أكثرها في المزاج، فيلزم أن يتعلق بالجميع. وهذه الأقوال لادراكها مأخذ إلا أنها عند تحرير المبحث، منها ما يرجع إلى الجوهر المجرد، ومنها ما يرجع إلى الأجزاء الأصلية.

قال أكثر المحققين كأبي الحسين البصري وجمال الدين الحلي وكمال الدين البحراني وسالم بن عزيزة السوراوي، إن الانسان أجزاء أصلية في البدن باقية من أول العمر إلى آخره، لا يجوز عليها التبدل والتغير، لا مجموع البدن، لأنه دائما في التبدل والاستخلاف مع بقاء النفس، والباقي غير الزائل. ولو كان هو جملة البدن

لزم الظلم، حيث إن المعدوم منه لا يمكن إعادته، لما عرفت من امتناع إعادة المعدوم فلا يصل إليه ما يستحقه، ولأنا متى استحضرنا العلوم وجدناها في ناحية صدورنا، فلو كان محل علومنا شئ خارج عن شئ من أجسامنا لزم قيام صفاتنا بغيرنا، ولان الانسان لو كان مجردا - كما قيل - لزم أن لا يعلم الانسان الآخر، لأنه لو علم الانسان الآخر علم ذلك المجرد وهو ظاهر البطلان، ولأنا نعلم هذا الانسان والانسان المطلق جزء منه، فلو لم نعلم الجزء لم نعلم الكل، وينعكس إلى أنا لما علمنا الكل علمنا الجزء ، والمجرد لا يعلم فليس بجزء، ولأنا ندرك الألم بأجسامنا عند تقريبنا إلى النار مثلا ونحكم عليها به، والمحكوم عليه هو الانسان، فهو معلوم والمجرد غير معلوم.

قالوا: الانسان يدرك الكليات لامتناع حصر الكل الذي لا ينحصر في الجسم المنحصر فيكون هو المجرد. قلنا: إن العلم ليس صورة حالة في العالم، وإنما هو الوصول إلى المعلوم والنظر إليه، ولا نسلم له أن العلم بالكل كلي، إنما الكلي في الحقيقة هو المعلوم، وإن أطلق عليه فبالمجاز، لان عروض جميع الافراد مستحيلة على القوة العقلية، وإنما يحصل لها لقيامها بالجسم بعوارض محصورة، لأنها صور جزئية في نفس جزئية موصوفة بالحدوث في وقت مخصوص، وإذا كانت في النفس بهذه العوارض فهي ليست كلية.

قالوا: القوة العقلية تقوى من الأفعال على ما لا يتناهى، والجسمية لا تقوى على مالا يتناهى، أنتج من الشكل الثاني: القوة العقلية ليست جسمية. قلنا: لا نسلم أن القوة العقلية تقوى على فعل، فضلا عن أن يقوى على ما لا يتناهى، لان تعلقها بالمعقول عندكم حصول صورة فيها، وذلك انفعال لا فعل، ولو سلمنا أصل قوتها منعنا عدم تناهيها، لأنكم إن أردتم أنها تقوى في الوقت الواحد على ما لا يتناهى منعناه فإنا نجد في أنفسنا تعذر ذلك علينا، وإن أردتم بعدم النهاية أنه ما من وقت إلا و يمكننا أن نفعل فيه، فالقوة الجسمية تقوى لذلك، إذ ما من آن يفرض إلا ويمكن أو يجب أن يحصل لها فيه فعل فيقوى على مالا يتناهى، فتكون القوة العاقلة جسمية.

قالوا: لو قويت الجسمية على مالا يتناهى وكان جزؤها يقوى على مالا يتناهى.

ساوى الجزء الكل، وإن قوي على ما يتناهى تناهي الكل، لان نسبة الكل إلى الجزء معلومة، فيكون نسبة تأثيره إلى تأثير الجزء معلومة، ونسبة تأثير الجزء متناهية فنسبة تأثير الكل متناهية. قلنا: لا يلزم من كون تأثير الجزء أقل تناهيه، فإن الجزء المؤثر الدائم الأثر له تأثير دائم، ولا يلزم من دوامه مساواته الكل، لان له تأثيرا دائما لكنه ضعيف قليل لأنه واقف على حد.

قال جمهور الفلاسفة، ومعمر بن عباد السلمي من قدماء المعتزلة، والغزالي، و أبو القاسم الراغب، والشيخ المفيد، وبنو نوبخت، والأسواري، ونصير الدين الطوسي:

إنه جوهر مجرد عن المكان والجهة والمحل، متعلق بالبدن تعلق العاشق بمعشوقه، و الملك بمدينته، ويفعل أفعاله بواسطته، وإن النفس تدرك حقائق الموجودات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وإن النفس الفلكية تفيض على الاشخاص، كالشمس تدخل عند طلوعها كل كوة. بل قال الغزالي: لا هو داخل البدن ولا خارج عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه، لان مصحح ذلك الجسمية والتحيز المنفيان عنه، كما أن الجماد لا عالم ولا جاهل، لنفي المصحح عنه وهو الحياة. قال: ومن نفاه نفاه لغلبة العامية على طبعه. ولهذا إن الكرامية والحنبلية جعلوا الا له جسما موجودا، إذ لم يعقلوا إلا جسما يشار إليه، ومن ترقى عن ذلك قليلا نفى الجسمية ولم يطق ينظر في عوارضها، فأثبت الجهة لله سبحانه، فإذا منعوا ذلك في صفات الله كيف يجيزونه في غيره؟! قالوا: لو تجرد شئ شاركه القديم في أخص صفاته فيشاركه في ذاته. قلنا:

نمنع كون التجرد أخص الصفات، بل كونه قيوما لقيامه بذاته وقيام غيره به.

احتجوا على اثبات المجرد بأن هنا معلومات بسيطة كالوحدة والنقطة، فالعلم بها بسيط، إذ لو تركب فإن تعلق جزؤه به أجمع ساوى الجزء الكل، ولزم وجود العلم قبل وجوده، وإن تعلق ببعضه لزم تركب ما فرض بساطته، وإن لم يتعلق بشئ ظهر أنه ليس بعلم، إذ الكلام في باقي الاجزاء كالكلام فيه، فعند الجمع بينهما إن لم تحصل هيئة جديدة كان العلم المفروض محض ما ليس بعلم، وإن حصلت الهيئة المفروضة علما فإن كانت من الجزئين فالتركيب في فاعلهما، وإن حصلت عند هما قائمة بهما فالتركيب

في قابلهما لا فيهما، إذا لو كانت مركبة عاد الكلام في أجزائها، فمحل هذه المفروضة علما هو النفس وهي بسيطة، لأنها لو تركبت فإن حل العلم البسيط في مجموعها انقسم العلم، إذ الحال في أحد الجزئين غير الحال في الآخر، ولو كان هو الحال في الآخر لزم حلول العرض الواحد في محلين، وإن حل في أحد الجزئين فإن كان هو النفس فالمطلوب، وإن كان هو جزؤها فالجزء الآخر خال منه، فلزم أن نعلم شيئا ونجهله في وقت واحد، فظهر أن المحل وهو النفس بسيط. ولا شئ من الجسم والجسماني ببسيط ينتج من الشكل الثاني أن محل العلم ليس بجسم ولا جسماني.

والجواب: أما المقدمة الأولى وهي أن هنا معلوما بسيطا فمسلم، أما الباقيات فممنوعات، أما الثانية فلان الجزء يجوز مساواته للكل في التعلق وإن لم يساوه في الحقيقة كالأدلة المتواترة على شئ واحد وإن واحدها تعلق بما تعلق به مجموعها.

وفيه نظر، لان الجزء الثاني من العلم إن زاد المعلوم به انكشافا تعلق بغير ما تعلق به الأول، وإن لم يزد كان وجوده مثل عدمه. والأصوب في المنع أن قولهم:

إن لم يتعلق الجزء بشئ ظهر أنه ليس بعلم فعند الجمع إن لم يحصل هيئة كان المفروض علما محض ما ليس بعلم وإن حصلت منه - إلخ - نفي كل مركب، فيقال في الحيوان مثلا ليس بمركب لان جزءه إما حيوان فيتقدم الحيوان على نفسه وساوى الجزء الكل، أوليس بحيوان فبعد الجمع بالجزء الآخر إن لم تحصل هيئة كان الحيوان محض ما ليس بحيوان، وإن حصلت فهي بسيطة، لأنه لو كان لها جزء عاد التقسيم المذكور فيكون التركيب في فاعلها أو قابلها لا فيها، وليس لهم عن هذه المعارضة مذهب. وأما الثالثة وهو أنه يلزم من بساطة الحال بساطة المحل، فلانا لا نسلم أن العلم على هيئة الحلول والصورة، وإنما هو إدراك ووصول ونظر إلى المعلوم، ولو سلم لم يلزم من بساطة الحال بساطة المحل، فإن النقطة والوحدة موجودتان في الجسم المركب.

نعم إنما يلزم ذلك إذا كان الحلول على نعت السريان، ولم يقم على السريان في محل النزاع برهان.

ويلزم مما قالوا كون النفس جسما أو جسمانية، لأنها تعلم المركب في صورة

المركبة مركبة، فيلزم كون محلها مركبا لامتناع حلول المركب في البسيط، وهذه معارضة أخرى لا محيص عنها. وأما الرابعة فنمنع انقسام كل جسم وجسماني، لما ثبت في الكلام جواهر لا تقبل الانقسام.

المذهب الثاني: أنها عرض، فذهب جالينوس إلى أنه المزاج الذي هو اعتدال الأركان. وهذا نظر إلى فوات الحياة بفواته وقد سلف جوابه.

وقيل: إنه تشكيل البدن وتخطيطه. وهذا قول سخيف جدا منقوض بمقطوع اليد مثلا، فإن فوات تخطيطها يلزم منه عدم النفس، لعدم الكل بعدم الجزء.

وقيل: إنه الحياة، وهذا مأخوذ من التلازم بينهما وقد عرفت أنه لا يوجب الاتحاد.

وقيل: إنه النسبة الواقعة بين الأركان في الكميات والكيفيات.

أما تركبه من الجسم والمجرد، أو من العرض والمجرد أو من الجسم والعرض والمجرد فقال سديد الدين محفوظ: لا أعلم به قائلا، إلا أن تفسير الفلاسفة لحقيقة الانسان بأنه الحيوان الناطق يقتضي كون الانسان عبارة عن البدن والنفس معا، لان الحياة جنس حلته أعراض والناطق هو النفس، فعلى هذا يكون الانسان مركبا من هذه تركيبا ثلاثيا وهذا مذهب تاسع وعشرون.

والثلاثون: قال بشر بن معتمر وهشام النوطي: إنه الجسم والروح الذي هو الحياة، وإنهما الفاعلان للا فعال، وعلى هذا قيل: في الانسان نفس وروح، فإذا نام خرجت نفسه، وإذا مات خرجتا معا، وهذا يؤدي إلى أن النفس والروح غير الانسان.

خاتمة قوله عليه السلام: " من عرف نفسه فقد عرف ربه " قال بعض العلماء: الروح لطيفة لاهوتية في صفة ناسوتية، دالة من عشرة أوجه على وحدانية ربانية:

1 - لما حركت الهيكل ودبرته علمنا أنه للعالم من محرك ومدبر.

2 - دلت وحدتها على وحدته.

3 - دل تحريكها للجسد على قدرته.

4 - دل اطلاعها على ما في الجسد على علمه.

5 - دل استواؤها إلى الأعضاء على استوائه إلى خلقه.

6 - دل تقدمها عليه وبقاؤها بعده على أزله وأبده.

7 - دل عدم العلم بكيفيتها على عدم الإحاطة به.

8 - دل عدم العلم بمحلها من الجسد على عدم أينيته.

9 - دل عدم مسها على امتناع مسه.

10 - دل عدم إبصارها على استحالة رؤيته.

المقصد الثاني: الروح فزعمت الفلاسفة أن في البدن أرواحا وأنفسا يعبرون عنها بالقوى: منها الروح الطبيعي التي يشترك فيها جميع الأجساد النامية، ومحلها الكبد. منها الروح الحيواني وهي التي يشترك فيها الحيوانات، ومحلها من الانسان القلب. ومنها النفساني وهي من فيض النفس الناطقة أو العقل، ومحلها الدماغ، وهي المدبرة للبدن.

وعندنا أن هذه الأرواح معان يخلقها الله تعالى في هذه المحال، ثم أثبتوا قوى اخر في المعدة: الماسكة، والهاضمة، والجاذبة، والدافعة. وعندنا أيضا أنها معان وليست جواهر، لتماثل الجواهر، ولو كان بعض الجواهر روحا لنفسه لكان كل جوهر كذلك فيستغني كل جزء عن أن يكون له روح غير نفسه، فبطل بذلك كون روح الجسد من نفسه.

إن قالوا الروح الباقي عرض واعتراض في الروح الأول. قلنا: فلم لا يجوز أن يكون روح هذا الجسد الظاهر عرضا هو الحياة؟ والله خالق الموت والحياة، فإن كانت جوهرا والموت عرض امتنع أن يبطل حكمها، لان العرض لا يضاد الجوهر، وعند معظم أهل الفلاسفة والطب: أن الروح من بخار الدم تتصاعد فتبقى ببقائها.

واعلم أن اسم الروح مشترك باللفظ بين عشر معان: الوحي (ب) جبرئيل (ج) عيسى (د) الاسم الأعظم (ه‍) ملك عظيم الجثة (و) الرحمة (ز) الراحة (ح) الإنجيل (ط) القرآن (ى) الحياة أو سببها.

وقال الباقلاني والإسفراني وابن كيال وغيرهم: إن الروح هي الحياة، وهي عرض خاص، وليست شيئا من بقية الاعراض المعتدلة والمحسوسة، لجواز زوالها مع بقاء الروح.

ان قيل: فكيف يكون الروح هو الحياة والله له حياة وليس له روح؟

قلنا: أسماء الله تعالى سبحانه توقيفية لا تبلغ من الآراء، فإن الله تعالى عليم ولا يسمى داريا ولا شاعرا ولا فقيها ولا فهيما، والله تعالى قادر مبين ولا يسمى شجاعا ولا مستطيعا.

ان قيل: كيف يكون الروح هو الحياة وفي الاخبار أن الأرواح تنتقل إلى عليين وإلى سجين وإلى قناديل تحت العرش وإلى حواصل طير خضر، والحياة لا تنتقل؟

قلنا: يجوز أن تنتقل أجزاء أحياء وتسمى أرواحا لأنها محال الروح وهي الحياة تسمية للمحل باسم معنى فيه، كما يسمى المسجد صلاة في قوله تعالى: " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " أو نقول: المنتقل أمثال الأرواح، يخلقها الله وتسمى " أرواحا نورانية " إن كانت قائمة بذوات المطيعين طيبة تصلي عليها الملائكة، و " ظلمانية منتنة " إن كانت قائمة بذوات المسيئين تلعنها الملائكة، مثل ما ورد في الاخبار: تصعد صلاة المحسن طيبة مضيئة، وصلاة المسئ منتنة مظلمة، وأن سورة البقرة وآل عمران تأتيان كأنهما غمامتان، والله تبعث الأيام على هيئتها، وتبعث يوم الجمعة أزهر، وأنه يؤتى بكبش أملح فيذبح ويقال: هذا الموت، وإن الاعمال توزن. وإنما هي أمثلة يخلقها الله.

ان قيل: إن الله وصف النفس التي هي الروح بالارسال والامساك في قوله

تعالى: " يتوفى الأنفس " - الآية - والحياة لا توصف بذلك.

قلنا: قد سلف أن النفس يقال على معان منها الروح، ومنها العقل والتمييز وهذان هما المراد من قوله: " يتوفى الأنفس - الآية - " وأطلق على النائم لعدم الدفع والنفع، ومنه سمى الله الكفار أمواتا في قوله: " إنك لا تسمع الموتى " لعدم النفع.

ان قيل: في الحديث: ان الأرواح جنود في الهواء، والحياة لا تكون في الهواء.

قلنا: محمول على الذرية التي خرجت من آدم. وفي هذا نظر لمخالفة ظاهر الآية، إذ فيها: " وإذ أخذ ربك من بني آدم ". أو أن الأرواح هنا القلوب، لان التعارف والتساكن فيها.

ان قيل: في الحديث: خلق الله الأرواح قبل الأجساد، ولا يصح ذلك في الحياة.

قلنا: لا يعلم صحته، أو المراد بالأرواح الملائكة، فإن جبرئيل روح والملك العظيم الجثة روح، والروحانيون صنف منهم أيضا.

والظاهر من كلام أبي الحسن وجماعة أن الروح أجسام لطيفة. فقيل: ليست معينة. وقال الجويني: في ماسكة الأجسام المحسوسة، أجرى الله العادة باستمرار الحياة ما استمرت. وكان ابن فورك يقول: هو ما يجري في تجاويف الأعضاء، ولهذا جوز " أبو منصور البغدادي " قيام الحياة بالشعر، إذ لا يشترط في محلها التجويف، ولم يجوز قيام الروح لاشتراط التجويف، وليس في الشعر تجويف. واستدلوا على كونها جسما بوصف الله لها ببلوغ الحلقوم، وبالارسال، وبالرجوع ، وبالفزع، وبقوله: من نام على وضوء يؤذن لروحه أن تسجد عند العرش. وعلى هذا اختلف في تكليفها: فقيل:

ليست مكلفة، وقيل: بل مكلفة بأفعال غير أفعال البدن: المحبة وضدها، وأن له

حياة وأفعالها اقتناء الأفعال الحميدة واجتناب الذميمة، وأوردوا في ذلك ما أورده الخيري في تفسيره قوله تعالى: " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها " أن النفس والروح يجيئان بين يدي الله فيختصمان، فتقول النفس: كنت كالثوب لم اقترف ذنبا ما لم تدخل في، ويقول الروح: كنت مخلوقا قبلك بدهور ولم أدرما الذنب إلى أن دخلت فيك، فيمثل الله لهما أعمى ومقعدا وكرما على الجدار ويأمرهما بالاقتطاف، فيقول الأعمى: لا أبصر، ويقول المقعد: لا أمشي. فيقول له: اركب الأعمى واقتطف.

فيقول: هذا مثالكما، فكما صار العنب بكما مقطوفا صار الذنب بكما معروفا. ومن قال الروح هي الحياة قال المراد بالروح في هذا القول القلب، لأنه به حياة الجسد.

وقد روى في حلية الأولياء عن سلمان - رضي الله عنه - أنه قال: مثل القلب والجسد مثل الأعمى والمقعد، قال المقعد: أرى ثمرة ولا أستطيع القيام فاحملني، فحمله فأكل وأطعمه. وهذا أولى لان فعل الجسد إنما يكون طاعة ومعصية بعزيمة القلب، ولهذا قال عليه السلام: إن في الجسم لمضغة إذا صلحت صلح سائره، وإذا فسدت فسد سائره و هي القلب.

تذنيب قوله تعالى: " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " إن قيل: كيف أبهم الله الجواب؟ قلنا: فيه وجوه:

قال الكتابيون للمشركين: اسألوا محمدا عنه فإن توقف فيه فهو نبي فسألوه فأجاب بذلك، وقوله: " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " عنى اليهود، قالوا:

أوتينا التوراة وفيها علم كل شئ.

(ب) كان قصد هم بالسؤال تخجيل النبي صلى الله عليه وآله فإن الروح لما قيل على معان

مختلفة كما سلف، حتى لو أجاب بواحد منها قالوا. ما نريد هذا، فأبهموا السؤال فأبهم الجواب بما ينطبق على الجميع بأنه من أمر الله، أي إنه أحدثه بقوله " كن " أو هو من شأنه وخلفه.

(ج) عن ابن عباس أنهم سألوا عن جبرئيل لأنهم كانوا يدعون معاداته.

(د) عن علي عليه السلام: أنهم سألوا عن الملك العظيم الجثة.

(ه‍) لو أريد الروح التي في البدن لم يكن في الآية دليل على أنه لا يعلمها إلا الله.

هذا آخر ما وجدنا من الرسالة، ولم نتكلم على ما فيها إحالة على أفهام الناظرين فخذ منها ما صفي، ودع ما كدر.

تتمة أقول: بعد ما أحطت خبرا بما قيل في هذا الباب من الأقوال المتشتتة، والآراء المتخالفة، وبعض دلائلهم عليها، لا يخفى عليك أنه لم يقم دليل عقلي على التجرد ولا على المادية، وظواهر الآيات والاخبار تدل على تجسم الروح والنفس وإن كان بعضها قابلا للتأويل، وما استدلوا به على التجرد لا يدل دلالة صريحة عليه وإن كان في بعضها إيماء إليه، فما يحكم به بعضهم من تكفير القائل بالتجرد إفراط وتحكم كيف وقد قال به جماعة من علماء الإمامية ونحارير هم؟! وجزم القائلين بالتجرد أيضا بمحض شبهات ضعيفة مع أن ظواهر الآيات والاخبار تنفيه أيضا جرأة وتفريط فالامر مردد بين أن يكون جسما لطيفا نورانيا ملكوتيا داخلا في البدن، تقبضه الملائكة عند الموت، وتبقى معذبا أو منعما بنفسه أو بجسد مثالي يتعلق به كما مر في الاخبار، أو يلهى عنه إلى أن ينفخ في الصور - كما في المستضعفين - ولا استبعاد في أن يخلق الله جسما لطيفا يبقيه أزمنة متطاولة، كما يقول المسلمون في الملائكة والجن، ويمكن أن يرى في بعض الأحوال بنفسه أو بجسده المثالي، ولا يرى في بعض الأحوال بنفسه أو بجسده بقدرة الله سبحانه. أو يكون مجردا يتعلق بعد قطع تعلقه عن جسده الأصلي بجسد مثالي، ويكون قبض الروح وبلوغها الحلقوم وأمثال ذلك تجوزا عن

قطع تعلقها، أو أجري عليها أحكام ما تعلقت أولا به - هو الروح الحيواني البخاري - مجازا.

ثم الظاهر من الاخبار أن النفس الانساني. غير الروح الحيواني، وغير سائر أجزاء البدن المعروفة وأما كونها جسما لطيفا خارجا من البدن محيطا به أو متعلقا به فهو بعيد، ولم يقل به أحد، وإن كان يستفاد من ظواهر بعض الأخبار كما عرفت.

وقد يستدل على بطلان القول بوجود مجرد سوى الله بقوله سبحانه " ليس كمثله شئ " وهو ضعيف، إذ يمكن أن يكون تجرده سبحانه مبائنا لتجرد غيره، كما قول في السمع والبصر والقدرة وغيرها.

وقد يستدل على نفيه بما سبق من الأخبار الدالة على أن الوحدة مختصة به تعالى، وأن غيره سبحانه متجزئ كخبر فتح بن يزيد، عن أبي الحسن عليه السلام وقال في آخره: والانسان واحد في الاسم، لا واحد في المعنى، والله جل جلاله هو واحد لا واحد غيره، ولا اختلاف فيه ولا تفاوت، ولا زيادة ولا نقصان، وأما الانسان المخلوق المصنوع المؤلف من أجزاء مختلفة وجواهر شتى، غير أنه بالاجتماع شئ واحد. وعن أبي جعفر الثاني عليه السلام في حديث طويل: ولكنه القديم في ذاته، وما سوى الواحد متجزئ، والله الواحد لا متجزئ ولا متوهم بالقلة والكثرة، وكل متجزئ أو متوهم بالقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له. وعن أمير المؤمنين عليه السلام: لا تشبه صورة، ولا يحس بالحواس، ولا يقاس بالناس، قريب في بعده، بعيد في قربه، فوق كل شئ، ولا يقال شئ فوقه، أمام كل شئ ولا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشئ داخل، وخارج من الأشياء لا كشئ خارج، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره. فإن هذه الأخبار وغيرها مما مر في كتاب التوحيد تدل على اختصاص تلك الصفات بالله تعالى، وعلى القول بوجود مجرد سوى الله كانت مشتركة مع الله سبحانه فيها، لا سيما في العقول التي ينفون عنها التغير والتبدل. ولا يخلو من قوة، لكن

للكلام فيه مجال والله يعلم حقائق الأمور وحججه عليهم السلام.

وأقول: لما انتهى الكلام في هذا الباب إلي بعض الاطناب لكونه من أهم المطالب وأقصى المآرب فلا بأس بأن نذكر بعض المطالب المهمة من أحوال النفس وشؤونها في فوائد:

الأولى: في بيان اتحاد حقيقة النفوس البشرية بالنوع. قال نصير الملة والدين - رحمه الله - في التجريد: ودخولها تحت حد واحد يقتضي وحدتها. وقال العلامة - رفع الله مقامه -: اختلف الناس في ذلك فذهب الأكثر إلى أن النفوس البشرية متحدة في النوع، متكثرة بالشخص، وهو مذهب أرسطو، وذهب جماعة من القدماء إلى أنها مختلفة بالنوع، واحتج المصنف على وحدتها بأنها يشملها حد واحد والأمور المختلفة يستحيل اجتماعها تحت حد واحد، وعندي في هذا نظر. وقال شارح المقاصد: ذهب جمع من قدماء الفلاسفة إلى أن النفوس الحيوانية والانسانية متماثلة متحدة الماهية، واختلاف الأفعال والادراكات عائد إلى اختلاف الآلات، وهذا لازم على القائلين بأنها أجسام، والأجسام متماثلة، إذ لا تختلف إلا بالعوارض. وأما القائلون بأن النفوس الانسانية مجردة فذهب الجمهور منهم إلى أنها متحدة الماهية، وإنما تختلف في الصفات والملكات واختلاف الأمزجة والأدوات، وذهب بعضهم إلى أنها مختلفة بالماهية، بمعنى أنها جنس تحته أنواع مختلفة، تحت كل نوع أفراد متحدة الماهية، متناسبة الأحوال، بحسب ما يقتضيه الروح العلوي، المسمى بالطباع التام لذلك النوع. ويشبه أن يكون قوله عليه السلام " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " وقوله عليه السلام " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " إشارة إلى هذا. وذكر الامام في المطالب العالية: أن هذا المذهب هو المختار عندنا.

وأما بمعنى أن يكون كل فرد منها مخالفا بالماهية لسائر الافراد، حتى لا يشترك منهم اثنان في الحقيقة، فلم يقل به قائل تصريحا، كذا ذكره أبو البركات في المعتبر.

احتج الجمهور: بأن ما يعقل من النفس ويجعل لها حدا معنى واحد مثل الجوهر المجرد المتعلق بالبدن، والحد تمام الماهية. وهذا ضعيف، لان مجرد التحديد بحد واحد لا يوجب الوحدة النوعية، إذ المعاني الجنسية أيضا كذلك كقولنا: الحيوان جسم حساس متحرك بالإرادة. وإن ادعي أن هذا مقول في جواب السؤال بما هو عن أي فرد وأي طائفة تفرض فهو ممنوع، بل ربما يحتاج إلى ضم مميز جوهري. وقد يحتج بأنها مشاركة في كونها نفوسا بشرية، فلو تخالفت بفصول مميزة لكانت من المركبات دون المجردات . والجواب بعد تسليم كون النفسية من الذاتيات دون العرضيات: أن التركيب العقلي من الجنس والفصل لا ينافي التجرد ولا يستلزم الجسمية.

واحتج الآخرون: بأن اختلاف النفوس في صفاتها لو لم يكن لاختلاف ماهياتها بل لاختلاف الأمزجة والأحوال البدنية والأسباب الخارجية لكانت الاشخاص المتقاربة جدا في أحوال البدن والأسباب الخارجة متقاربة البتة في الملكات والاخلاق من الرحمة والقسوة والكرم والبخل والعفة والفجور وبالعكس، واللازم باطل، إذ كثيرا ما يوجد الامر بخلاف ذلك، بل ربما يوجد الانسان الواحد يبدل مزاجه جدا وهو على غريزته الأولى. ولا خفاء في أن هذا من الاقناعيات الضعيفة، لجواز أن يكون ذلك لأسباب اخر لا نطلع على تفاصيلها.

الثانية: تساوي الأرواح والأبدان. قال شارح المقاصد: كل نفس يعلم بالضرورة أن ليس معها في هذا البدن نفس أخرى تدبر أمره، وأن ليس لها تدبير وتصرف في بدن آخر، فالنفس مع البدن على التساوي، ليس لبدن واحد إلا نفس واحدة، ولا تتعلق نفس واحدة إلا ببدن واحد. أما على سبيل الاجتماع فظاهر، وأما على سبيل التبادل والانتقال من بدن إلى آخر فلوجوه:

الأول: أن النفس المتعلقة بهذا البدن لو كانت منتقلة إليه من بدن آخر لزم أن يتذكر شيئا من أحوال ذلك البدن، لان العلم والحفظ والتذكر من الصفات القائمة بجوهرها الذي لا يختلف باختلاف أحوال البدن، واللازم باطل قطعا.

الثاني: أنها لو تعلقت بعد مفارقة هذا البدن ببدن آخر لزم أن يكون عدد الأبدان الهالكة مساويا لعدد الأبدان الحادثة، لئلا يلزم تعطل بعض النفوس، أو اجتماع عدة منها على التعلق ببدن واحد، أو تعلق واحدة منها بأبدان كثيرة معا لكنا نعم قطعا بأنه قد يهلك في مثل الطوفان العام أبدان كثيرة لا يحدث مثلها إلا في أعصار متطاولة.

الثالث: أنه لو انتقل نفس إلى بدن لزم أن يجتمع فيه نفسان: منتقلة، و حادثة، لان حدوث النفس عن العلة القديمة يتوقف على حصول الاستعداد في القابل أعني البدن، ذلك بحصول المزاج الصالح، وعند حصول الاستعداد في القابل يجب حدوث النفس، لما تقرر من لزوم وجود المعلول عند تمام العلة.

لا يقال: لابد مع ذلك من عدم المانع، ولعل تعلق المنتقلة مانع، وتكون لها الأولوية في المنع لها من الكمال.

لأنا نقول: لا دخل للكمال في اقتضاء التعلق، بل ربما يكون الامر بالعكس فإذن ليس منع الانتقال للحدوث أولى من منع الحدوث للانتقال.

واعترض: على الوجوه الثلاثة بعد تسليم مقدماتها: بأنها إنما تدل على أن النفس بعد مفارقة البدن لا تنتقل إلى بدن آخر إنساني، ولا يدل على أنها لا تنتقل إلى حيوان آخر من البهائم والسباع وغير هما على ما جوزه بعض التناسخية وسماه مسخا، ولا إلى نبات على ما جوزه بعضهم وسماه فسخا، ولا إلى جماد على ما جوزه آخر وسماه رسخا، ولا إلى جرم سماوي على ما يراه بعض الفلاسفة.

وإنما قلنا: بعد تسليم المقدمات، لأنه ربما يعترض على الوجه الأول بمنع لزوم التذكر، وإنما يلزم لو لم يكن التعلق بذلك البدن شرطا، والاستغراق في تدبير البدن الآخر مانعا، أو طول العهد منسيا. وعلى الثاني بمنع لزوم التساوي، وإنما يلزم لو كان التعلق ببدن آخر لازما البتة وعلى الفور، وأما إذا كان جائزا أو لازما ولو بعد حين فلا، لجواز أن لا ينتقل نفوس الهالكين الكثيرين، أو ينتقل بعد حدوث الأبدان الكثيرة. وما توهم من التعطيل مع أنه لا حجة على بطلانه فليس بلازم، لان

الابتهاج بالكمالات أو التألم بالجهالات شغل. وعلى الثالث: بأنه مبني على حدوث النفس وكون المزاج مع الفاعل تمام العلة، بحيث لا مانع أصلا والكل في حيز المنع ثم قال: وليس للتناسخية دليل يعتد به، وغاية ما تمسكوا به في إثبات التناسخ على الاطلاق أي انتقال النفس بعد المفارقة إلى جسم آخر إنساني أو غيره وجوه:

الأول: أنها لو لم تتعلق لكانت معطلة، ولا تعطيل في الوجود. وكلتا المقدمتين ممنوعة.

الثاني: أنها مجبولة على الاستكمال، والاستكمال لا يكون إلا بالتعلق، لان ذلك شأن النفوس، وإلا كانت عقلا لا نفسا. ورد بأنه ربما كان الشئ طالبا لكماله ولا يحصل لزوال الأسباب والآلات، بحيث لا يحصل لها البدن.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.