پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد الرابع عشر

42 باب حقيقة النفس والروح وأحوالهما

ج ۵۸، ص ۲۷–۵۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۲ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۵۷

1 - معاني الأخبار: قال: حدثني غير واحد من أصحابنا، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل بن الحسين بن الحسن، عن بكر، عن القاسم بن عروة عن عبد الحميد الطائي، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل " ونفخت فيه من روحي " كيف هذا النفخ؟ فقال: إن الروح متحرك كالريح، وإنما سمي روحا لأنه اشتق اسمه من الريح، وإنما أخرجه على لفظة الريح لان الروح مجانس للريح وإنما أضافه إلى نفسه لأنه اصطفاه على سائر الأرواح، كما اصطفى بيتا من البيوت فقال: بيتي، وقال لرسول من الرسل: خليلي، وأشباه ذلك، وكل ذلك مخلوق مصنوع محدث مربوب مدبر.

الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن القاسم بن العروة مثله.

الاحتجاج: عن محمد بن مسلم مثله.

بيان: لعل " اخراجه على لفظة الريح " كما في الكافي عبارة عن التعبير عن إيجاده

في البدن بالنفخ فيه، لمناسبة الروح للريح ومجانسته إياه. واعلم أن الروح قد تطلق على النفس الناطقة التي تزعم الحكماء أنها مجردة، وهي محل العلوم و الكمالات، ومدبرة للبدن، وقد تطلق على الروح الحيواني وهو البخار اللطيف المنبعث من القلب الساري في جميع الجسد، وهذا الخبر وأمثاله يحتملهما وإن كانت بالأخيرة بعضها أنسب، وقيل: الروح وإن لم تكن في أصل جوهرها من هذا العالم، إلا أن لها مظاهر ومجالي في الجسد، وأول مظهر لها فيه بخار لطيف دخاني شبيه في لطافته واعتداله بالجرم السماوي، ويقال له " الروح الحيواني " وهو مستوى الروح الرباني الذي هو من عالم الامر ومركبه ومطية قواه، فعبر عليه السلام عن الروح بمظهره، تقريبا إلى الافهام، لأنها قاصرة عن فهم حقيقته كما أشير إليه بقوله تعالى " قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " و لان مظهره هذا هو المنفوخ دون أصله.

وقال البيضاوي: " فإذا سويته " عدلت خلقه وهيأته لنفخ الروح " ونفخت فيه من روحي " حتى جرى آثاره في تجاويف أعصابه فحيى، وأصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر، ولما كان الروح يتعلق أولا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب وتفيض عليه القوة الحيوانية فيسري حاملا لها في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن جعل تعلقه نفخا.

وقال النيسابوري: النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر، فمن زعم أن الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال: إنه جوهر مجرد غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس الناطقة به. قال جار الله: ليس ثم نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيى به فيه ولا خلاف في أن الإضافة في قوله " روحي " للتشريف والتكريم مثل " ناقة الله " و " بيت الله ".

وقال الرازي: قوله تعالى " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " يدل على أن تخليق البشر لا يتم إلا بأمرين : التسوية أولا ثم نفخ الروح ثانيا، وهذا حق لان الانسان مركب من جسد ونفس، أما الجسد فإنه يتولد من المني، والمني إنما يتولد من دم الطمث، وهو إنما يتولد من الاخلاط، وهي إنما تتولد من الأركان الأربعة، فلا بد في حصول هذه التسوية من رعاية المدة التي في مثلها يحصل ذلك المزاج الذي لأجله يحصل الاستعداد لقبول النفس الناطقة. فأما النفس فإليها الإشارة بقوله " ونفخت فيه من روحي " ولما أضاف الروح إلى نفسه دل على أنه جوهر شريف علوي قدسي. وذهبت الحلولية إلى أن كلمة " من " تدل على التبعيض وهذا يوهم أن الروح جزء من أجزاء الله، وهذا في غاية الفساد، لان كل ماله جزء فهو مركب وممكن الوجود لذاته ومحدث. وأما كيفية نفخ الروح فاعلم أن الأقوى أن جوهر النفس عبارة عن أجرام شفافة نورانية علوية العنصر قدسية الجواهر وهي تسري في هذا البدن سريان الضوء في الهواء والنار في الفحم، فهذا القدر معلوم، أما كيفية ذلك النفخ فمما لا يعلمه إلا الله تعالى.

2 - قرب الإسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام: إن روح آدم عليه السلام لما أمرت أن تدخل فيه كرهته، فأمرها أن تدخل كرها وتخرج كرها.

بيان: لا يبعد أن يكون المعنى أن الروح لما كانت في عالم الملكوت وهي لا تناسب البدن، فلما خلقها الله خلقا تحتاج في تصرفها وأعمالها وترقياتها إلى البدن فكأنها تعلقت به كرها، فلما أنست به ونسيت ما كانت عليه صعبت عليها مفارقتها للبدن أو أنه لما كانت محتاجة إلى البدن ورأته ضائعة مختلة لا يمكنها إعمالها فيما تريد فارقته كرها.

3 - العلل والخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير، ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا ينام الرجل و هو جنب، ولا ينام إلا على طهور، فإن لم يجد الماء فليتيمم بالصعيد، فإن روح المؤمن ترفع إلى الله تبارك وتعالى فيقبلها ويبارك عليها، فإن كان أجلها قد حضر جعلها في كنوز رحمته وإن لم يكن أجلها قد حضر بعث بها مع أمنائه من ملائكته فيردونها في جسدها.

4 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد عن بعض أصحابه، عن زكريا بن يحيى، عن معاوية بن عمار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى السماء، فما رأت الروح في السماء فهو الحق، وما رأت في الهواء فهو الأضغاث، ألا وإن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، فإذا كانت الروح في السماء تعارفت

وتباغضت، فإذا تعارفت في السماء تعارفت في الأرض، وإذا تباغضت في السماء تباغضت في الأرض.

5 - التوحيد: عن محمد بن أحمد السناني وغيره، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن العباس، عن عبيس بن هشام، عن عبد الكريم بن عمرو، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عز وجل " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي " قال: إن الله عز وجل خلق خلقا وخلق روحا، ثم أمر ملكا فنفخ فيه فليست بالتي نقصت من قدرة الله شيئا، هي من قدرته.

6 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى، ومحمد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن القاسم النوفلي قال: قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: المؤمن يرى الرؤيا فتكون كما رآها، وربما رأى الرؤيا فلا تكون شيئا. فقال إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء، فكلما رآه روح المؤمن في ملكوت السماء في موضع التقدير و التدبير فهو الحق، وكلما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام. فقلت له: وتصعد روح

المؤمن إلى السماء؟ قال: نعم. قلت: حتى لا يبقى شئ في بدنه؟ فقال : لا، لو خرجت كلها حتى لا يبقى منها شئ إذا لمات. قلت: فكيف تخرج (3)؟ فقال:

أما ترى الشمس في السماء في موضعها وضوؤها وشعاعها في الأرض؟ فكذلك الروح أصلها في البدن وحركتها ممدودة.

بيان: فقه هذه الأخبار موقوف على تحقيق حقيقة الروح، وقد مضى بعض القول فيها وسيأتي تمامه إن شاء الله.

7 - الاحتجاج: عن هشام بن الحكم أنه سأل الصادق عليه السلام قال: فأخبرني عمن قال بتناسخ الأرواح من أي شئ قالوا ذلك؟ وبأي حجة قاموا على مذاهبهم؟

قال: إن أصحاب التناسخ قد خلفوا وراءهم منهاج الدين، وزينوا لأنفسهم الضلالات، وأمرجوا أنفسهم في الشهوات، وزعموا أن السماء خاوية ما فيها شئ مما يوصف، وأن مدبر هذا العالم في صورة المخلوقين، بحجة من روى " أن الله عز وجل خلق آدم على صورته " وأنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور، والقيامة عندهم خروج الروح من قالبه وولوجه في قالب آخر، إن كان محسنا في القالب الأول أعيد في قالب أفضل منه حسنا في أعلا درجة الدنيا، وإن كان مسيئا أو غير عارف صار في بعض الدواب المتعبة في الدنيا، أو هوام مشوهة الخلقة، وليس عليهم صوم ولا صلاة ولا شئ من العبادة أكثر من معرفة من تجب عليهم معرفته، وكل شئ من شهوات الدنيا مباح لهم: من فروج النساء وغير ذلك من الأخوات، والبنات والخالات و ذوات البعولة، وكذلك الميتة والخمر والدم. فاستقبح مقالتهم كل الفرق ولعنهم كل الأمم، فلما سئلوا الحجة زاغوا وحادوا، فكذب مقالتهم التوراة ولعنهم الفرقان وزعموا مع ذلك أن إلههم ينتقل من قالب إلى قالب، وأن الأرواح الأزلية هي التي

كانت في آدم ثم هلم جرا إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر، فإذا كان الخالق في صورة المخلوق فبما يستدل على أن أحدهما خالق صاحبه؟ وقالوا: إن الملائكة من ولد آدم، كل من صار في أعلا درجة دينهم خرج من منزلة الامتحان والتصفية فهو ملك، فطورا تخالهم نصارى في أشياء، وطورا دهرية. يقولون: إن الأشياء على غير الحقيقة، فقد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئا من اللحمان، لان الدواب عندهم كلها من ولد آدم حولوا في صورهم، فلا يجوز أكل لحوم القربات (1)!

وساق الحديث الطويل إلى أن قال: أخبرني عن السراج إذا أنطفئ أين يذهب نوره؟ قال: يذهب فلا يعود. قال: فما أنكرت أن يكون الانسان مثل ذلك إذا مات وفارق الروح البدن لم يرجع إليه أبدا كما لا يرجع ضوء السراج إليه أبدا إذا انطفأ؟

قال: لم تصب القياس، إن النار في الأجسام كامنة والأجسام قائمة بأعيانها كالحجر والحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر سطعت من بينهما نار يقتبس منها سراج له الضوء، فالنار ثابتة في أجسامها والضوء ذاهب، والروح جسم رقيق قد البس قالبا كثيفا وليس بمنزلة السراج الذي ذكرت إن الذي خلق في الرحم جنينا من ماء صاف وركب فيه ضروبا مختلفة من عروق وعصب وأسنان وشعر وعظام وغير ذلك هو يحييه بعد موته ويعيده بعد فنائه. قال: فأين الروح؟ قال: في بطن الأرض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث. قال: فمن صلب أين روحه؟ قال: في كف الملك الذي قبضها حتى يودعها الأرض.

قال: فأخبرني عن الروح أغير الدم؟ قال: نعم، الروح على ما وصفت لك مادته من الدم، ومن الدم رطوبة الجسم وصفاء اللون وحسن الصوت وكثرة الضحك فإذا جمد الدم فارق الروح البدن. قال: فهل يوصف بخفة وثقل ووزن؟ قال:

الروح بمنزلة الريح في الزق إذا نفخت فيه امتلأ الزق منها فلا يزيد في وزن الزق ولوجها فيه ولا ينقصها خروجها منه، كذلك الروح ليس لها ثقل ولا وزن.

قال: فأخبرني ما جوهر الريح (1)؟ قال: الريح هواء إذا تحرك سمي ريحا فإذا سكن سمي هواء، وبه قوام الدنيا، ولو كف الريح ثلاثة أيام لفسد كل شئ على وجه الأرض ونتن، وذلك أن الريح بمنزلة المروحة تذب وتدفع الفساد عن كل شئ وتطيبه، فهي بمنزلة الروح إذا خرج من البدن نتن البدن وتغير، تبارك الله أحسن الخالقين.

قال: أفيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى فلا حس ولا محسوس، ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها، وذلك أربعمائة سنة يسبت فيها الخلق وذلك بين النفختين قال: وأنى له بالبعث والبدن قد بلي والأعضاء قد تفرقت: فعضو ببلدة تأكلها سباعها وعضو بأخرى تمزقه هوامها، وعضو قد صار ترابا بني به مع الطين حائط؟! قال:

إن الذي أنشأه من غير شئ وصوره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه. قال: أوضح لي ذلك، قال: إن الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن في ضياء وفسحة، وروح المسيئ في ضيق وظلمة، والبدن يصير ترابا كما منه خلق، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور، فتربو الأرض ثم تمخض مخض السقاء، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض، فيجتمع تراب كل قالب فينقل بإذن [الله] القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها، وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا..

بيان: " من فروج النساء " أي الأجانب غير ذات البعولة، وظاهر الخبر أن الروح جسم لطيف، وأوله بعض القائلين بالتجرد بتأويلات ستأتي الإشارة إلى بعضها

وكذا أولوا ما روي عن الصادق عليه السلام في وصف الروح أنه قال " وبها يؤم البدن وينهى ويثاب ويعاقب وقد تفارقه ويلبسها الله سبحانه غيره كما تقتضيه حكمته " وقال بعضهم:

قوله عليه السلام " وقد تفارقه ويلبسها الله غيره " صريح في أنها مجردة عن البدن مستقلة، وأنه ليس المراد بها الروح البخارية، قال: وأما إطلاق الجسم عليه فلان نشأة الملكوت أيضا جسمانية من حيث الصورة وإن لم تكن مادية.

8 - العلل والعيون: عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري ومحمد بن يحيى العطار وأحمد بن إدريس جميعا عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبي هاشم داود بن قاسم الجعفري، عن أبي جعفر محمد بن علي الثاني عليه السلام قال: أقبل أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم ومعه الحسن بن علي عليه السلام وسلمان الفارسي رحمه الله وأمير المؤمنين متكئ على يد سلمان، ودخل مسجد الحرام، إذا أقبل رجل حسن الهيئة واللباس فسلم على أمير المؤمنين عليه السلام فرد عليه السلام فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل، إن أخبرتني بهن علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنهم ليسوا مأمونين في دنيا هم ولا في آخرتهم، وإن تكن الأخرى علمت أنك وهم شرع سواء. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: سلني عما بدا لك. فقال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال؟

فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام فقال: يا أبا محمد أجبه فقال عليه السلام: أما ما سألت عنه من أمر الانسان إذا نام أين تذهب روحه، فإن روحه متعلقة بالريح، والريح متعلقة بالهواء إلى وقت ما يتحرك صاحبها لليقظة فإن أذن الله عز وجل برد تلك الروح على صاحبها جذبت تلك الروح الريح وجذبت تلك الريح الهواء، فرجعت الروح فاستكنت في بدن صاحبها، فإن لم يأذن الله عز

وجل برد تلك الروح على صاحبها جذب الهواء الريح، فجذبت الريح الروح، فلم ترد على صاحبها إلى وقت ما يبعث.

وأما ما ذكرت من أمر الذكر والنسيان: فإن قلب الرجل في حق وعلى الحق طبق، فإن صلى الرجل عند ذلك على محمد وآل محمد صلاة تامة انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق فأضاء القلب وذكر الرجل ما كان نسي، وإن هو لم يصل على محمد وآل محمد أو نقص من الصلاة عليهم انطبق ذلك الطبق على ذلك الحق فأظلم القلب ونسي الرجل ما كان ذكره.

وأما ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله، فإن الرجل إذا أتى أهله فجامعها بقلب ساكن وعروق هادئة وبدن غير مضطرب فاستكنت تلك النطفة في جوف الرحم خرج الولد يشبه أباه وأمه، وإن هو أتاها بقلب غير ساكن وعروق غير هادئة وبدن مضطرب اضطربت النطفة فوقعت في حال اضطرابها على بعض العروق فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه الولد أخواله.

فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، ولم أزل أشهد بها، أشهد أن محمدا عبده ورسوله ولم أزل أشهد بذلك، وأشهد أنك وصي رسوله والقائم بحجته - وأشار إلى أمير المؤمنين عليه السلام - ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنك وصيه والقائم بحجته - و أشار إلى الحسن عليه السلام وأشهد أن الحسين بن علي وصي أبيك والقائم بحجته بعدك، وأشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر الحسين بعده، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن الحسين، وأشهد على جعفر بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على موسى بن جعفر أنه القائم بأمر جعفر بن محمد، وأشهد على علي بن

موسى أنه القائم بأمر موسى بن جعفر، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن موسى، وأشهد على علي بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على الحسن بن علي أنه القائم بأمر علي بن محمد، وأشهد على رجل من ولد الحسن بن علي لا يسمى ولا يكنى حتى يظهر أمره فيلمؤها عدلا كما ملئت جورا أنه القائم بأمر الحسن بن علي، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثم قام ومضى فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا محمد اتبعه فانظر أين يقصد؟ فخرج الحسن بن علي عليه السلام في أثره، قال فما كان إلا أن وضع رجله خارج المسجد فما دريت أين أخذ من أرض الله عز وجل، فرجعت إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأعلمته، فقال يا أبا محمد أتعرفه؟

قلت: الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم، فقال: هو الخضر. الاحتجاج: مرسلا مثله.

المحاسن: عن أبيه، عن داوود بن القاسم مثله.

بيان: " فإن روحه متعلقة بالريح " يحتمل أن يكون المراد بالروح الروح الحيوانية، وبالريح النفس، وبالهواء الهواء الخارج المنجذب بالنفس، وأن يكون المراد بالروح النفس، مجردة كانت أم مادية، وبالريح الروح الحيوانية لشباهتها بالريح في لطافتها وتحركها ونفوذها في مجاري البدن، وبالهواء النفس. والحق جمع حقه - بالضم فيهما - وهي وعاء من خشب ولعل الجمعية هنا لاشتمال القلب الصنوبري على تجاويف وأغشية، أو لاشتمال محله عليها، أو هي باعتبار الافراد والحق مخفف حقه، والطبق محركة -: غطاء كل شئ ولا يبعد أن يكون الكلام مبنيا على الاستعارة والتمثيل، فإن الصلاة على محمد وآل محمد لما كانت سببا للقرب من المبدأ و استعداد النفس لإفاضة العلوم عليها، فكان الشواغل النفسانية الموجبة للبعد عن الحق

تعالى طبق عليها فتصير الصلاة سببا لكشفه وتنور القلب واستعداده لفيض الحق إما بإفاضة الصورة ثانية أو باستردادها من الخزانة.

9 - تفسير علي بن إبراهيم: عن أبيه، عن داود بن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: أقبل أمير المؤمنين عليه السلام يوما ويده على عاتق سلمان معه الحسن عليه السلام حتى دخل المسجد، فلما جلس جاء رجل عليه برد حسن، فسلم وجلس بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أريد أن أسألك عن مسائل فإن أنت أجبت منها علمت أن القوم نالوا منك وأنت أحق بهذا الامر من غيرك، وإن لم تجبني عنها علمت أنك والقوم شرع سواء. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: سل ابني هذا - يعني الحسن - فأقبل الرجل بوجهه على الحسن عليه السلام فقال له: يا بني أخبرني عن الرجل إذا نام أين يكون روحه؟ وعن الرجل يسمع الشئ فيذكره دهرا ثم ينساه في وقت الحاجة إليه كيف هذا؟ وأخبرني عن الرجل يلد له الأولاد، منهم من يشبه أباه وعمومته، ومنهم من يشبه أمه وأخواله فكيف هذا فقال له الحسن عليه السلام: نعم أما الرجل إذا نام فإن روحه يخرج مثل شعاع الشمس فيتعلق بالريح، والريح بالهواء فإذا أراد الله أن ترجع جذب الهواء الريح وجذب الريح الروح فرجعت إلى البدن فإذا أراد الله أن يقبضها جذب الهواء الريح وجذب الريح الروح فقبضها. وأما الرجل الذي ينسى الشئ ثم يذكره فما من أحد إلا على رأس فؤاده حقة مفتوحة الرأس فإذا سمع الشئ وقع فيها، فإذا أراد الله أن ينساها طبق عليها، وإذا أراد أن يذكره فتحها وهذا دليل الإلهية. وأما الرجل الذي يلد له الأولاد، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة فإن الولد يشبه أباه وعمومته، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل يشبه أمه وأخواله فالتفت الرجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ولم أزل أقولها، وأشهد

أن محمد رسول الله ولم أزل أقولها، وأشهد أنك وصي محمد وخليفته في أمته وأمير المؤمنين حقا، وأن الحسن القائم بأمرك، وأن الحسين القائم من بعده بأمره، وأن علي بن الحسين القائم بأمره من بعده وأن محمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي ووصي الحسن بن علي القائم بالقسط المنتظر الذي يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. ثم قام وخرج من باب المسجد، فقال أمير المؤمنين عليه السلام للحسن: هذا أخي الخضر.

بيان: " وهذا دليل الا لهية " أي كون الذكر والنسيان بيد الله ومن قبله دليل على وجود الصانع، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: عرفت الله بفسخ العزائم. وفي بعض النسخ " الإلهامية " أي العلوم الإلهامية، فإنه إذا كان الذكر من قبله تعالى فالعلوم كلها منه، ويجوز أن يلهم من يشاء من عباده ما يشاء، والأول أظهر.

10 - التوحيد: عن أحمد بن الحسن القطان، عن الحسن بن علي السكراني عن محمد بن زكريا الجوهري، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن للجسم ستة أحوال: الصحة، والمرض والموت، والحياة، والنوم، واليقظة. كذلك الروح، فحياتها علمها، وموتها جهلها ومرضها شكها، وصحتها يقينها، ونومها غفلتها، ويقظتها حفظها.

11 - منتخب البصائر: عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين وموسى بن عمر عن محمد بن سنان، عن المفضل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مثل روح المؤمن وبدنه كجوهرة في صندوق إذا أخرجت الجوهرة منه طرح الصندوق ولم يعبأ به. وقال: إن الأرواح

لا تمازج البدن ولا تواكله وإنما هي كلل للبدن محيطة به.

البصائر: عن بعض أصحابنا، عن المفضل مثله.

بيان: استدل بآخر هذه الرواية على تجرد الروح، إذ لم يقل أحد بكونها جسما خارجا من البدن، ويمكن أن يكون هذا بيان حالها بعد الموت فإن أول الخبر ظاهره الدخول.

12 - المناقب: لابن شهرآشوب: سأل أبا بكر نصرانيان: ما الفرق بين الحب والبغض ومعدنهما واحد؟ وما الفرق بين الرؤيا الكاذبة ومعدنهما واحد؟

فأشار إلى عمر، فلما سألاه أشار إلى علي، فلما سألاه عن الحب والبغض قال: إن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فأسكنها الهواء، فمهما تعارف هناك ائتلف ههنا، ومهما تناكر هناك اختلف ههنا. ثم سألاه عن الحفظ والنسيان فقال: إن الله تعالى خلق ابن آدم وجعل لقلبه غاشية، فمهما مر بالقلب والغاشية منفتحة حفظ وأحصى، ومهما مر بالقلب والغاشية منطبقة لم يحفظ ولم يحص. ثم سألاه عن الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة فقال عليه السلام: إن الله تعالى خلق الروح وجعل لها سلطانا فسلطانها النفس، فإذا نام العبد خرج الروح وبقي سلطانه، فيمر به جيل من الملائكة وجيل من الجن، فمهما كان من الرؤيا الصادقة فمن الملائكة، ومهما كان من الرؤيا الكاذبة فمن الجن، فأسلما على يديه وقتلا معه يوم صفين..

بيان: يحتمل أن تكون الغاشية كناية عما يعرض القلب من الخيالات الفاسدة والتعلقات الباطلة، لأنها شاغلة للنفس عن إدراك العلوم والمعارف كما ينبغي وعن حفظها كما مر. والمراد بالنفس هنا إما الروح البخارية الحيوانية وبالروح النفس الناطقة فالمراد بقوله " سلطانها " السلطان المنسوب من قبلها على البدن، وأنها مسلطة على

الروح من جهة أن تعلقها بالبدن مشروطة بها وتابعة لها، فإذا زالت الحيوانية انقطع تعلق الناطقة أو خرجت عن البدن، ويحتمل العكس، فالمراد بخروج الروح خروجها من الأعضاء الظاهرة وميلها إلى الباطن، وتسلط الناطقة على الحيوانية ظاهر لكونها المدبرة للبدن وجميع أجزائه. والتفريح في قوله عليه السلام " فيمر به " على الوجهين ظاهر، فإنه لبقاء السلطان في البدن لم تذهب الحياة بالكلية وبقيت الحواس الباطنة مدركة، فإلهام الملائكة ووساوس الشياطين أيضا باقية.

13 - العياشي: عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " قال: خلق من خلق الله، والله يزيد في الخلق ما يشاء. بيان: يمكن حمل الخبر على الروح الانساني وإن كان ظاهره الملك أو خلق أعظم منه كما مر.

14 - العياشي: عن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن قوله " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " قال: التي في الدواب والناس. قلت: وما هي؟

قال: هي من الملكوت، من القدرة.

15 - وعن أسباط ابن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل، وهو مع الأئمة يفقههم. وهو من الملكوت.

16 - المناقب: يونس في حديثه قال: سأل ابن أبي العوجاء أبا عبد الله عليه السلام:

لم يميل القلب إلى الخضرة أكثر مما يميل إلى غيرها؟ قال: من قبل أن الله تعالى خلق القلب أخضر، ومن شأن الشئ أن يميل إلى شكله.

17 - جامع الأخبار: سأل أبو بصير أبا عبد الله عليه السلام: الرجل نائم هنا والمرأة النائمة يريان أنهما بمكة أو بمصر من الأمصار، أرواحهما خارج من أبدانهما؟

قال: لا يا أبا بصير، فإن الروح إذا فارقت البدن لم تعد إليه غير أنها بمنزلة عين الشمس هي مركبة في السماء في كبدها وشعاعها في الدنيا.

18 - عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى السماء الدنيا، فما رأت الروح في السماء الدنيا فهو الحق، وما رأت في الهواء فهو الأضغاث.

19 - روي عن أبي الحسن عليه السلام يقول: إن المرء إذا نام فإن روح الحيوان باقية في البدن، والذي يخرج منه روح العقل. فقال عبد الغفار الأسلمي: يقول الله عز وجل " الله يتوفى الأنفس حين موتها - إلى قوله - إلى أجل مسمى " أفليس ترى الأرواح كلها تصير إليه عند منامها فيمسك ما يشاء ويرسل ما يشاء؟ فقال له أبو الحسن عليه السلام: إنما يصير إليه أرواح العقول، فأما أرواح الحياة فإنها في الأبدان لا يخرج إلا بالموت، ولكنه إذا قضى على نفس الموت قبض الروح الذي فيه العقل ولو كانت روح الحياة خارجة لكان بدنا ملقى لا يتحرك، ولقد ضرب الله لهذا مثلا في كتابه في أصحاب الكهف حيث قال: " ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال " أفلا ترى أن أرواحهم فيهم بالحركات؟.

توضيح: الظاهر أن الروح التي في خبر أبي بصير المراد بها " روح الحياة " أو المراد بالخروج في الاخبار الاخر إعراضها عن البدن وتوجهها إلى عالمها الأصلية وهي عالم الملكوت، كما يظهر من التمثيل بالشمس. قوله عليه السلام " ولكنه إذا قضى.. " أي بالنوم، وكأن فيه سقطا.

20 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن أبي نهشل عن محمد بن إسماعيل، عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله خلقنا من أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه، وخلق أبدانهم من دون ذلك

فقلوبهم تهوي إلينا لأنها خلقت مما خلقنا منه، ثم تلا هذه الآية: " كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدريك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون ". وخلق عدونا من سجين، وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم لأنها خلقت مما خلقوا منه، ثم تلا هذه الآية: " كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدريك ما سجين كتاب مرقوم ".

بيان: اختلف المفسرون في تفسير " عليين " فقيل: إنها مراتب عالية محفوفة بالجلالة، وقيل: السماء السابعة، وقيل: سدرة المنتهى، وقيل: الجنة، وقيل: أعلى مراتبها، وقيل: لوح من زبرجد أخضر معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه. و " السجين " الأرض السابعة، أو أسفل منها، أوجب في جهنم. والمراد أن كتابة أعمالهم أو ما يكتب منها في " عليين " أي في دفتر أعمالهم، أو المراد أن دفتر أعمالهم في تلك الأمكنة الشريفة، وعلى الأخير فيه حذف مضاف، أي: وما أدراك ما كتاب عليين. وأما الاستشهاد بالآيتين في الخبر فيحتمل وجهين: أحدهما: أن دفتر أعمالهم موضوع في مكان اخذت منه طينتهم. وثانيهما: أن يكون على تفسيره عليه السلام المراد بالكتاب الروح، لان الروح هو الكتاب الذي فيه علوم المقربين ومعارفهم، وجهالات المضلين وخرافاتهم.

21 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله خلقنا من عليين وخلق أرواحنا من فوق ذلك، وخلق أرواح شيعتنا من عليين وخلق أجسادهم من دون ذلك، فمن أجل ذلك القرابة بيننا وبينهم وقلوبهم تحن إلينا.

بيان: " خلقنا " أي أبداننا، " من فوق ذلك " أي أعلى عليين، " من دون ذلك " أي أدنى عليين. " فمن أجل ذلك " أي من أجل كون أبداننا وأرواحنا مخلوقة

من عليين، وكون أرواحهم وأجسادهم أيضا مخلوقة من عليين. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: " من فوق ذلك " من مكان أرفع من عليين، وبقوله: " من دون ذلك " من مكان أسفل من عليين، فالقرابة من حيث كون أرواحنا وأبدانهم من عليين. قوله " تحن " أي تهوي كما قال تعالى: " واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ".

22 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن شعيب، عن عمران بن إسحاق الزعفراني، عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن الله خلقنا من نور عظمته، ثم صور خلقنا من طينة مخزونة مكنونة، فأسكن ذلك النور فيه، فكنا نحن خلقا وبشرا نورانيين لم يجعل لاحد في مثل الذي خلقنا نصيب، وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من ذلك الطينة، ولم يجعل الله لاحد في مثل الذي خلقهم منه نصيبا إلا للأنبياء، فلذلك صرنا نحن وهم الناس، وسائر الناس همج، للنار وإلى النار.

توضيح: " إن الله خلقنا " أي أرواحنا " من نور عظمته " أي من نور يدل على كمال عظمته وقدرته " ثم صور خلقنا " أي خلق لنا أجسادا مثالية شبيهة بالأجساد الأصلية، فهي صور خلقهم وأمثلته، فيدل على أن لهم أجسادا مثالية قبل تعلق أرواحهم المقدسة بأبدانهم المطهرة وبعد مفارقتها إياه بل معها أيضا، كما أن لنا بعد موتنا أجسادا مثالية تتعلق أرواحنا بها كما مر في كتاب المعاد، بل يمكن أن تكون أجسادنا المثالية أيضا كذلك ويكون ما نرى في المنام فيها كما هو رأي جماعة، ومن فسر التصوير في هذا الخبر بتصوير الأجساد الأصلية فقد أبعد. " فكنا خلقا وبشرا

نورانيين " فالخلق للروح، والبشر للجسد المثالي، فإنه بصورة البشر، وكونهما نورانيين بناء على كونهما جسمين لطيفين منورين من عالم الملكوت بناء على كون الروح جسما وعلى القول بتجردها كناية عن خلوة عن الظلمة الهيولائية وقبوله للأنوار القدسية والإفاضات الربانية. " في مثل الذي خلقنا " أي خلق أرواحنا منه.

" من طينتنا " أي طينة أجسادنا. والخبر يدل على فضلهم على الأنبياء عليهم السلام بل يومئ إلى مساواة شيعتهم لهم. والمراد بالناس أولا الناس بحقيقة الانسانية، وثانيا ما يطلق عليه الانسان في العرف العام. والهمج - محركة -: ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الأغنام والحمير، ولعله عليه السلام شبههم بهم، لازدحامهم دفعة على كل ناعق و براحهم عنه بأدنى سبب. " للنار " أي خلقوا لها، واللام للعاقبة. " وإلى النار " أي مصير هم إليها.

23 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن علي بن حسان، ومحمد بن يحيى، عن سلمة بن خطاب وغيره، عن علي بن حسان، عن علي بن عطية، عن علي بن رئاب رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن لله نهرا دون عرشه ودون النهر الذي دون عرشه نور نوره، وإن في حافتي النهر روحين مخلوقين: روح القدس، وروح من أمره. وإن لله عشر طينات، خمسة من الجنة، وخمسة من الأرض.

ففسر الجنان وفسر الأرض، ثم قال: ما من نبي ولا ملك من بعده جبله إلا نفخ فيه من إحدى الروحين، وجعل النبي من إحدى الطينتين. قلت لأبي الحسن الأول عليه السلام: ما الجبل؟ فقال: الخلق غيرنا أهل البيت، فإن الله عز وجل خلقنا من العشر طينات ونفخ فينا من الروحين جميعا فأطيب بها طيبا.

وروى غيره عن أبي الصامت قال: طين الجنان: جنة عدن، وجنة المأوى والنعيم، والفردوس، والخلد، وطين الأرض: مكة، والمدينة، والكوفة، وبيت المقدس، والحير.

بيان: " دون عرشه " أي عنده. " نوره " ماض من التفعيل، والمستتر فيه راجع إلى النور، والبارز إلى النهر أو العرش، أو المستتر إلى الله، والبارز إلى النور مبالغة في إضاءته ولمعانه. وفي البصائر " نور من نوره " وكأنه أصوب، أي من الأنوار التي خلقها الله سبحانه. حافتا النهر - بالتخفيف - جانباه " مخلوقين " إبطال لقول النصارى أن عيسى روح الله غير مخلوق. " روح القدس " أي هما روح القدس وروح من أمره أي الروح الذي قال الله فيه " قل الروح من أمر ربي " وستأتي الأقوال فيه. وظاهر الخبر إما الروح الانساني أو الروح الذي يؤيد الله به الأئمة عليهم السلام. " ففسر الجنان " الظاهر أنه كلام ابن رئاب، والضمير المستتر لأمير المؤمنين عليه السلام وقيل: لأبي الحسن عليه السلام، والتفسير إشارة إلى ما ذكر بعده في خبر أبي الصامت " ثم قال " أي " أمير المؤمنين عليه السلام " ولا ملك " بالتحريك، وقد يقرؤها بكسر اللام أي إمام كما قال تعالى: " وآتينا هم ملكا عظيما " وهو بعيد، وجملة " من بعده جبله " نعت " ملك " وضمير " بعده " لنبي، وضمير " جبله " للملك، إشارة إلى أن النبي أفضل من الملك فالمراد بالبعدية ما هي بحسب الرتبة وجعل النبي. إنما لم يذكر الملك هنا لذكره سابقا وقيل: لأنه ليس للملك جسد مثل جسد الانسان. قوله: " ما الجبل؟ " هو - بفتح الجيم وسكون الباء - سؤال عن مصدر الفعل المتقدم، وهو كلام ابن رئاب، ففسره عليه السلام بالخلق، والأظهر عندي أن " غيرنا " تتمة الكلام السابق على الاستثناء المنقطع، واعتراض السؤال والجواب بين الكلام قبل تمامه، وليس تتمة لتفسير الجبل كما توهمه الأكثر.

قال الشيخ البهائي - قدس سره -: يعنى مادة بدننا لا تسمى جبلة بل طينة لأنها خلق من العشر طينات (انتهى). قال الفيروزآبادي: الجبلة مثلثة ومحركة وكطمرة: الخلقة والطبيعة، وككتاب: الجسد والبدن، وجبلهم الله يجبل ويجبل خلقهم، وعلى الشئ: طبعه وجبره كأجبله (انتهى).

" وأطيب بها " صيغة التعجب و " طيبا " منصوب على الاختصاص. وفي بعض

نسخ البصائر " طينا " بالنون، فالنصب على التميز أي ما أطيبها من طينة. " وروى غيره " كأنه كلام ابن عطية، ويحتمل بعض أصحاب الكتب قبله. وضمير " غيره " لا بن رئاب، وأبو الصامت راوي الباقر والصادق عليهما السلام والظاهر أنه رواه عن أحدهما.

و " الحير " حائر الحسين عليه السلام. وقال بعضهم: كأنه عليه السلام شبه علم الأنبياء عليهم السلام بالنهر لمناسبة ما بينهما في كون أحدهما مادة حياة الروح، والآخر مادة حياة الجسم وعبر عنه بالنور لإضائته، وعبر عن علم من دونهم من العلماء بنور النور لأنه من شعاع ذلك النور، وكما أن حافتي النهر يحفظان الماء في النهر ويحيطان به فيجري إلى مستقره كذلك الروحان يحفظان العلم ويحيطان به ليجري إلى مستقره وهو قلب النبي أو الوصي. والطينات الجنانية كأنها من الملكوت والأرضية من الملك، فإن من مزجهما خلق أبدان نبينا صلى الله عليه وآله والأوصياء عليهم السلام من أهل البيت، بخلاف سائر الأنبياء والملائكة فإنهم خلقوا من إحدى الطينتين كما أن لهم إحدى الروحين خاصة.

24 - الكافي: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن سدير الصيرفي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك يا ابن رسول الله هل يكره المؤمن على قبض روحه؟ قال: لا والله، [إنه] إذا أتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك، فيقول له ملك الموت: يا ولي الله لا تجزع، فوالذي بعث محمدا لأنا أبر بك وأشفق عليك من والد رحيم لو حضرك، افتح عينيك فانظر، قال: يتمثل له رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم عليهم السلام فيقال له: هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليهم السلام رفقاؤك، قال: فيفتح عينيه فينظر، فينادي روحه مناد من قبل رب العزة فيقول:

" يا أيتها النفس المطمئنة " إلى محمد وأهل بيته " ارجعي إلى ربك راضية " بالولاية " مرضية " بالثواب " فأدخلي في عبادي " يعني محمدا وأهل بيته " وادخلي جنتي " فما شئ أحب إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي.

25 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن خالد بن عمار، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا حيل بينه وبين الكلام أتاه رسول الله صلى الله عليه وآله ومن شاء الله، فجلس رسول الله عن يمينه والآخر عن يساره، فيقول رسول الله: أما ما كنت ترجو فهو ذا أمامك، وأما ما كنت تخاف فقد أمنت منه ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك من الجنة فإن شئت رددناك إلى الدنيا ولك فيها ذهب وفضة، فيقول: لا حاجة لي في الدنيا - وساق إلى قوله - فإذا خرجت النفس من الجسد فيعرض عليها كما عرض عليه وهي في الجسد فيختار الآخرة، فيغسله فيمن يغسله ويقلبه فيمن يقلبه، فإذا أدرج في أكفانه ووضع على سريره خرجت روحه تمشي بين أيدي القوم قدما وتلقاه أرواح المؤمنين يسلمون عليه ويبشرونه بما أعد الله له - جل ثناؤه - من النعيم، فإذا وصع في قبره رد إليه الروح إلى وركيه، ثم يسأل عما يعلم فإذا جاء بما يعلم فتح له ذلك الباب الذي أراه رسول الله صلى الله عليه وآله فيدخل عليه من نورها وبردها وطيب ريحها (الحديث). 26 - ومنه: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل ، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن آية المؤمن إذا حضره الموت ببياض وجهه أشد من بياض لونه، ويرشح جبينه ويسيل من عينيه كهيئة الدموع، فيكون ذلك خروج نفسه، وإن الكافر تخرج نفسه سيلا من شدقه كزبد البعير، أو كما تخرج نفس البعير. 27 - ومنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إن ملك الموت إذا انزل لقبض

روح الكافر نزل ومعه سفود من نار فينزع روحه فيصيح جهنم (الحديث).

28 - الفقيه: قال: قال الصادق عليه السلام: إذا قبضت الروح فهي مظلة فوق الجسد - روح المؤمن وغيره - ينظر إلى كل شئ يصنع به، فإذا كفن ووضع على السرير و حمل على أعناق الرجال عادت الروح إليه فدخلت فيه فيمد له في بصره فينظر إلى موضعه من الجنة أو من النار، فينادي بأعلى صوته إن كان من أهل الجنة: عجلوني! عجلوني!

وإن كان من أهل النار: ردوني! ردوني! وهو يعلم كل شئ يصنع به ويسمع الكلام. 29 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولاد الحناط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك، يروون أن أرواح المؤمنين في حواصل طيور خضر حول العرش، فقال: لا، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير، لكن في أبدان كأبدانهم.

30 - ومنه: بإسناده عن يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فإذا قبضه الله عز وجل صير تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا.

31 - ومنه: بسند موثق عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا نتحدث عن أرواح المؤمنين أنها في حواصل طيور خضر ترعى في الجنة وتأوي إلى قناديل تحت العرش، فقال: لا، إذا ما هي في حواصل طير. قلت: فأين هي ؟ قال: في روضة كهيئة الأجساد في الجنة. 32 - وفي رواية أخرى عن أبي بصير عنه عليه السلام قال: إن الأرواح في صفة الأجساد

في شجر في الجنة تعارف وتسأل. 33 - ومنه: بسند صحيح عن ضريس الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن لله جنة خلقها الله في المغرب وماء فراتكم هذه يخرج منها، وإليها تخرج أرواح المؤمنين من حفرهم عند كل مساء، فتسقط على ثمارها وتأكل منها وتتنعم فيها وتتلاقى وتتعارف فإذا طلع الفجر هاجت من الجنة فكانت في الهواء فيما بين السماء والأرض تطير ذاهبة وجائية، وتعهد حفرها إذا طلعت الشمس وتتلاقى في الهواء وتتعارف. قال: وإن لله نارا في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفار، ويأكلون من زقومها ويشربون من حميمها ليلهم، فإذا طلعت الفجر هاجت إلى واد باليمن يقال له " برهوت " أشد حرا من نيران الدنيا كانوا فيها يتلاقون ويتعارفون، فإذا كان المساء عادوا إلى النار، فهم كذلك إلى يوم القيامة (الحديث). 34 - ومنه: بإسناده عن حبة العرني قال: خرجت مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى الظهر، فوقف بوادي السلام كأنه مخاطب لأقوام، فقمت بقيامه حتى أعييت، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت حتى نالني مثل ما نالني أولا، ثم جلست حتى مللت ثم قمت وجمعت ردائي فقلت: يا أمير المؤمنين! إني قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة، ثم طرحت الرداء ليجلس عليه، فقال لي: يا حبة، إن هو إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته. قال: قلت: يا أمير المؤمنين وإنهم لكذلك؟ قال: نعم، ولو كشف لك لرأيتهم حلقا حلقا محتبين يتحادثون. فقلت: أجسام أم أرواح؟ فقال: أرواح، وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلا قيل لروحه: الحقي بوادي السلام، وإنها لبقعة من جنة عدن. 35 - المحاسن: عن ابن فضال، عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر الأرواح أرواح المؤمنين، فقال: يلتقون، فقلت: يلتقون؟

قال: يلتقون ويتساءلون ويتعارفون حتى إذا رأيته قلت: فلان. 36 - الفقيه: بسنده الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى يرفع إلى إبراهيم وسارة أطفال المؤمنين يغذونهم بشجر في الجنة لها أخلاف كأخلاف البقر في قصر من در، فإذا كان يوم القيامة البسوا وطيبوا وهدوا إلى آبائهم، فهم ملوك في الجنة مع آبائهم، وهو قول الله عز وجل: " والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ".

37 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن أخيه إسحاق، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الرضا عليه السلام قال: قلت له: بلغني أن يوم الجمعة أقصر الأيام، قال:

كذلك هو، قلت: جعلت فداك كيف ذلك؟ قال: إن الله تبارك وتعالى يجمع أرواح المشركين تحت عين الشمس، فإذا ركدت الشمس عذب الله أرواح المشركين بركود الشمس ساعة، فإذا كان يوم الجمعة لا يكون للشمس ركود، رفع الله عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة. فلا يكون للشمس ركود. 38 - ومنه: عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي بصير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحب ويستر عنه ما يكره، وإن الكافر ليزور أهله فيرى ما يكره ويستر عنه ما يحب، قال: وفيهم من يزور كل جمعة، ومنهم من يزور على قدر عمله. 39 - ومنه: عن العدة، عن سهل، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن الأول عليه السلام قال: سألته عن الميت يزور أهله؟ قال: نعم، فقلت: في كم يزور؟ قال: في الجمعة، وفي الشهر، وفي السنة على قدر منزلته. فقلت: في أي صورة يأتيهم؟ قال: في صورة طائر لطيف يسقط على جدرهم ويشرف عليهم، فإن رآهم بخير

فرح، وإن رآهم بشر وحاجة حزن واغتم. وفي رواية أخرى عن إسحاق [قال:] قلت: في أي صورة؟ قال: في صورة العصفور أو أصغر من ذلك. أقول: قد أوردت أمثال هذه الأخبار مشروحة في كتاب المعاد، وإنما أوردت قليلا منها ههنا لدلالتها على حقيقة الروح والنفس وأحوالهما.

40 دعوات الراوندي: روي أن في العرش تمثالا لكل عبد ، فإذا اشتغل العبد بالعبادة رأت الملائكة تمثاله، وإذا اشتغل بالمعصية أمر الله بعض الملائكة حتى يحجبوه بأجنحتهم لئلا تراه الملائكة، فذلك معنى قوله صلى الله عليه وآله " يامن أظهر الجميل و ستر القبيح ".

بيان: ربما يستدل به على أن الجسد المثالي موجود في حال الحياة أيضا.

41 - الكافي: عن علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن الوشاء، عن كرام، عن عبد الله بن طلحة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوزغ، فقال: رجس وهو مسخ كله، فإذا قتلته فاغتسل. وقال: إن أبي كان قاعدا في الحجر ومعه رجل يحدثه، فإذا هو بوزغ يولول بلسانه، فقال أبي للرجل: أتدري ما يقول هذا الوزغ؟

فقال: لا علم لي بما يقول، قال: فإنه يقول: والله لئن ذكرتم عثمان بشتيمة لأشتمن عليا حتى بقوم من ههنا، قال: وقال أبي: ليس يموت من بني أمية ميت إلا مسخ وزغا. قال:

وقال: إن عبد الملك بن مروان لما نزل به الموت مسخ وزغا فذهب من بين يدي من كان عنده، وكان عنده ولده، فلما أن فقدوه عظم ذلك عليهم فلم يدروا كيف يصنعون، ثم اجتمع أمرهم على أن يأخذوا جذعا فيصنعوه كهيئة الرجل، قال: ففعلوا ذلك و ألبسوا الجذع درع حديد ثم ألقوه في الأكفان، فلم يطلع عليه أحد من الناس إلا

أنا وولده. بيان: المشهور استحباب ذلك الغسل، واستندوا في ذلك إلى رواية مرسلة رواها الصدوق في الفقيه، وقيل: إن العلة في ذلك أنه يخرج من ذنوبه فيغسل كغسل التوبة وقال المحقق في المعتبر: وعندي أن ما ذكره ابن بابويه ليس بحجة، وما ذكره المعلل ليس طائلا.

أقول: كأنهم غفلوا عن هذا الخبر إذ لم يذكروه في مقام الاحتجاج وإن كان مجهولا. " يولول " أي يصوت. " والشتيمة " الاسم من الشتم. " إلا مسخ وزغا " إما بمسخه قبل موته، أو بتعلق روحه بجسد مثالي على صورة الوزغ، وهما ليسا تناسخا كما مر وسيأتي، أو بتغيير جسده الأصلي إلى تلك الصورة، كما هو ظاهر آخر الخبر لكن يشكل تعلق الروح به قبل الرجعة والبعث. ويمكن أن يكون قد ذهب بجسده إلى الجحيم أو احرق وتصور لهم جسده المثالي. وإلباس الجذع درع الحديد ليصير ثقيلا، أو لأنه إن مسه أحد فوق الكفن لا يحس بأنه خشب.

42 - الكافي: عن علي إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو ابن أبي المقدام، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: والله ما من عبد من شيعتنا ينام إلا أصعد الله روحه إلى السماء فيبارك عليها، فإن كان قد أتى عليها أجلها جعلها في كنوز رحمته وفي رياض جنته وفي ظل عرشه، وإن كان أجلها متأخرا بعث بها مع أمنته من الملائكة ليردها إلى الجسد الذي خرجت منه لتسكن فيه (الحديث). مجالس الصدوق: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن أبي عمير، عن علي بن أبي حمزة

عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام مثله. 43 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وساق الحديث إلى أن قال: يا علي إن أرواح شيعتك لتصعد إلى السماء في رقادهم ووفاتهم، فتنظر الملائكة إليها كما ينظر الناس إلى الهلال، شوقا إليهم ولما يرون منزلتهم عند الله عز وجل (الخبر).

44 الفقيه: بإسناده عن أبي عبيدة الحذاء وعن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " فقال: لعلك ترى أن القوم لم يكونوا ينامون؟

فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال: لابد لهذا البدن أن تريحه حتى تخرج نفسه، فإذا خرج النفس استراح البدن ورجعت الروح فيه وفيه قوة على العمل (الحديث).

بيان: قال بعض المحققين: الفرق بين الموت والنوم أن في الموت ينقطع تعلق النفس الناطقة، وفي النوم يبطل تصرفها، فالمراد من خروج النفس الناطقة هنا بطلان تصرفها في البدن، والمراد من الروح هذا الجسم البخاري اللطيف الذي يكون من لطافة الأغذية وبخاراتها وله مدخل عظيم في نظام البدن.

45 - في رسالة الاهليلجة التي كتب الصادق عليه السلام إلى المفضل بن عمر وذكر فيها احتجاجه في إثبات الصانع تعالى على الطبيب الهندي قال عليه السلام: قلت: أفتقر بأن الله خلق الخلق أم قد بقي في نفسك شئ من ذلك؟ قال: إني من ذلك على حد وقوف ما أتخلص إلى أمر ينفذ لي فيه الامر. قلت: أما إذا أبيت إلا الجهالة وزعمت أن الأشياء لا تدرك إلا بالحواس فإني أخبرك أنه ليس للحواس دلالة على الأشياء ولا فيها معرفة إلا بالقلب، فإنه دليلها ومعرفها الأشياء التي تدعي أن القلب لا يعرفها إلا بها، فقال: أما إذا نطقت بهذا فما أقبل منك إلا بالتخليص والتفحص منه

بإيضاح وبيان وحجة وبرهان.

قلت: فأول ما أبدأ به أنك تعلم أنه ربما ذهبت الحواس أو بعضها ودبر القلب للأشياء التي فيها المضرة والمنفعة من الأمور العلانية والخفية فأمر بها ونهى، فنفذ فيها أمره وصح فيها قضاؤه. قال: إنك تقول في هذا قولا يشبه الحجة، ولكني أحب أن توضحه لي غير هذا الايضاح قلت: ألست تعلم أن القلب يبقى بعد ذهاب الحواس؟ قال: نعم، ولكن يبقى بغير دليل على الأشياء التي تدل عليها الحواس.

قلت: فلست تعلم أن الطفل تضعه أمه مضغة ليس تدله الحواس على شئ يسمع ولا يبصر ولا يذاق ولا يلمس ولا يشم؟ قال: بلى. قلت: فأية الحواس دلته على طلب اللبن إذا جاع، والضحك بعد البكاء إذا روي من اللبن، وأي حواس سباع الطير ولا قط الحب منها دلها على أن تلقي بين أفراخها اللحم والحب فتأوي سباعها إلى اللحم والآخرون إلى الحب؟

وأخبرني عن فراخ طير الماء ألست تعلم أن فراخ طير الماء إذا طرحت فيه سبحت وإذا طرحت فيه فراخ طير البر غرقت والحواس واحدة، فيكف انتفع بالحواس طير الماء وأعانته على السباحة ولم ينتفع طير البر في الماء بحواسها؟ وما بال طير البر إذا غمستها في الماء ساعة ماتت وإذا أمسكت طير الماء عن الماء ساعة ماتت؟ فلا أرى الحواس في هذا إلا منكسرا عليك، ولا ينبغي ذلك أن يكون إلا من مدبر حكيم جعل للماء خلقا وللبر خلقا.

أم أخبرني ما بال الذرة التي لا تعاين الماء قط تطرح في الماء فتسبح وتلقي الانسان ابن خمسين سنة من أقوى الرجال وأعقلهم لم تتعلم السباحة فيغرق كيف لم يدله عقله ولبه وتجاربه وبصره بالأشياء مع اجتماع حواسه وصحتها أن يدرك ذلك بحواسه كما أدركته الذرة، إن كان ذلك إنما يدرك بالحواس؟ أفليس ينبغي لك أن تعلم أن القلب الذي هو معدن العقل في الصبي الذي وصفت وغيره مما سمعت من الحيوان هو الذي يهيج الصبي إلى طلب الرضاع والطير اللاقط على لقط الحب والسباع على ابتلاع اللحم؟!

قال: لست أجد القلب يعلم شيئا إلا بالحواس.

قلت: أما إذا أبيت إلا النزوع إلى الحواس فإنا نقبل نزوعك إليها بعد رفضك لها ونجيبك في الحواس حتى يتقرر عندك أنها لا تعرف من سائر الأشياء إلا الظاهر مما هو دون الرب الأعلى سبحانه وتعالى، فأما ما يخفى ولا يظهر فلست تعرفه.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.