بحارالانوار · المجلد الرابع عشر
43 باب آخر في خلق الأرواح قبل الأجساد، وعلة تعلقها بها، وبعض شؤونها من ائتلافها واختلافها وحبها وبعضها وغير ذلك من أحوالها
ج ۵۸، ص ۱۳۰–۱۴۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی)
{43 باب آخر} * (في خلق الأرواح قبل الأجساد، وعلة تعلقها بها، وبعض) * * (شؤونها من ائتلافها واختلافها وحبها وبعضها وغير ذلك من أحوالها) * 1 - البصائر: عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن آدم أبي الحسين عن إسماعيل بن أبي حمزة، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: والله يا أمير المؤمنين إني لأحبك، فقال: كذبت. فقال الرجل: سبحان الله! كأنك تعرف ما في قلبي. فقال علي عليه السلام: إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام ثم عرضهم علينا، فأين كنت لم أرك (2)؟!
2 - ومنه: عن عبد الله بن محمد، عن إبراهيم بن محمد، عن عبد الرحمان بن أبي هاشم عن سلام بن أبي عمير، عن عمارة، قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام إذ أقبل رجل فسلم عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين والله إني لأحبك، فسأله ثم قال له:
إن الأرواح خلقت قبل الأبدان بألفي عام، ثم أسكنت الهواء، فما تعارف منها ثم ائتلف ههنا، وما تناكر منها ثم اختلف ههنا، وإن روحي أنكر روحك.
3 - ومنه: عن أبي محمد، عن عمران بن موسى، عن يونس بن جعفر، عن علي ابن أسباط، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام أن رجلا قال لأمير المؤمنين عليه السلام: والله إني لأحبك - ثلاث مرات - فقال علي عليه السلام: والله ما تحبني، فغضب الرجل فقال: كأنك والله تخبرني ما في نفسي! قال له علي عليه السلام:
لا، ولكن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، فلم أر روحك فيها.
4 - الكشي: وجدت في كتاب جبرئيل بن أحمد بخطه: حدثني محمد بن عيسى عن محمد بن الفضيل، عن عبد الله ابن عبد الرحمان، عن الهيثم بن واقد، عن ميمون ابن عبد الله، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، ثم أسكنها الهواء، فما تعارف منها ثم ائتلف ههنا، وما تناكر ثم اختلف ههنا.
أقول: قد أوردنا أمثال هذه الأخبار في باب إخبار أمير المؤمنين عليه السلام بشهادته، وباب أنهم عليهم السلام يعرفون الناس بحقيقة الايمان والنفاق، وباب أنهم المتوسمون.
5 - البصائر: عن بعض أصحابنا، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن أيوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام فلما ركب الأرواح في أبدانها كتب بين أعينهم مؤمن أو كافر، وما هم به مبتلون، و
ما هم عليه من سيئ أعمالهم وحسنها في قدر اذن الفأرة، ثم أنزل بذلك قرآنا على نبيه فقال: " إن في ذلك لآيات للمتوسمين " وكان رسول صلى عليه وآله هو المتوسم، وأنا بعده. والأئمة من ذريتي هم المتوسمون. تفسير الفرات: عن أحمد بن يحيى، معنعنا عن أبي جعفر عليه السلام مثله.
6 - العلل: عن علي بن أحمد، عن محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن جعفر بن سليمان، عن أبي أيوب الخزاز، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لأي علة جعل الله عز وجل الأرواح في الأبدان بعد كونها في ملكوته الأعلى في أرفع محل؟ فقال عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى علم أن الأرواح في شرفها وعلوها متى ما تركت على حالها نزع أكثرها إلى دعوى الربوبية دونه عز وجل فجعلها بقدرته في الأبدان التي قدر لها في ابتداء التقدير نظر لها ورحمة بها، وأحوج بعضها إلى بعض، وعلق بعضها على بعض، ورفع بعضها على بعض، ورفع بعضها فوق بعض درجات، وكفى بعضها ببعض، وبعث إليهم رسله، واتخذ عليهم حججه مبشرين ومنذرين، يأمرون بتعاطي العبودية والتواضع لمعبود هم بالأنواع التي تعبدهم بها، و نصب لهم عقوبات في العاجل وعقوبات في الآجل، ومثوبات في العاجل ومثوبات في الآجل ليرغبهم بذلك في الخير ويزهدهم في الشر، وليذلهم بطلب المعاش والمكاسب، فيعلموا بذلك أنهم بها مربوبون وعباد مخلوقون، ويقبلوا على عبادته فيستحقوا بذلك نعيم الا بد وجنة الخلد، ويأمنوا من النزوع إلى ما ليس لهم بحق.
ثم قال عليه السلام: يا ابن الفضل! إن الله تبارك وتعالى أحسن نظرا لعباده منهم لأنفسهم، ألا ترى أنك لا ترى فيهم إلا محبا للعلو على غيره حتى أنه يكون منهم
لمن قد نزع إلى دعوى الربوبية، ومنهم من نزع إلى دعوى النبوة بغير حقها، و منهم من نزع إلى دعوى الإمامة بغير حقها، وذلك مع ما برون في أنفسهم من النقص والعجز والضعف والمهانة والحاجة والفقر والآلام والمناوبة عليهم والموت الغالب لهم و القاهر لجميعهم - يا ابن الفضل إن الله تبارك وتعالى لا يفعل بعبادة إلا الأصلح لهم، و لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
بيان: في القاموس: نزع إلى أهله نزاعا ونزاعة ونزوعا - بالضم -: اشتاق. و في المصباح: نزع إلى الشئ نزاعا: ذهب إليه. والمناوبة عليهم أي إنزال المصائب عليهم بالنوبة نوعا بعد نوع، أو معاقبتهم بذلك. قال في القاموس: النوب: نزول الامر كالنوبة، والنوبة: الدولة، وناوبه: عاقبه. ويحتمل أن يكون المنادبة بالدال من الندبة والنوحة.
7 - الاختصاص: بإسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام فأتاه رجل فسلم عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين: إني والله لأحبك في الله، وأحبك في السر كما أحبك في العلانية، وأدين الله بولايتك في السر كما أدين بها في العلانية - وبيد أمير المؤمنين عود - فطأطأ رأسه ثم نكت بالعود ساعة في الأرض ثم رفع رأسه إليه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله حدثني بألف حديث، لكل حديث ألف باب، وأن أرواح المؤمنين تلتقي في الهواء فتشم وتتعارف، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، وبحق الله لقد كذبت، فما أعرف في الوجوه وجهك، ولا اسمك في الأسماء. ثم دخل عليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين إني لأحبك في الله، وأحبك في السر كما أحبك في العلانية. قال: فنكت الثانية
بعوده في الأرض ثم رفع رأسه إليه فقال له: صدقت، إن طينتنا طينة مخزونة أخذ الله ميثاقها من صلب آدم، فلم يشذ منها شاذ، ولا يدخل فيها داخل من غيرها، اذهب فاتخذ للفقر جلبابا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا علي بن أبي طالب! والله الفقر أسرع إلى محبينا من السيل إلى بطن الوادي.
بيان: في النهاية: شاممت فلانا [إذا] قاربته وعرفت ما عنده بالاختبار والكشف وهي مفاعلة من الشم كأنك تشم ما عنده ويشم ما عندك لتعملا بمقتضى ذلك. وقال في حديث علي عليه السلام: من أحبنا أهل البيت فليعد للفقر جلبابا، أي ليزهد في الدنيا وليصبر على الفقر والقلة (الحديث). والجلباب: الإزار والرداء. وقيل: هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها، وجمعه جلابيب، كنى به عن الصبر لأنه يستر [عن] الفقر كما يستر الجلباب البدن. وقيل: إنما كني بالجلباب عن اشتماله بالفقر، أي فليلبس إزار الفقر ويكون منه على حالة تعمه وتشتمله، لان الغناء من أحوال أهل الدنيا ولا يتهيأ الجمع بين حب الدنيا وحب أهل البيت.
8 العل: لمحمد بن علي بن إبراهيم قال: العلة في خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام قال إنما عنى به أن الأرواح خلقت قبل آدم بألفي عام.
9 - كتاب محمد بن المثنى الحضرمي: عن جعفر بن محمد بن شريح الحضرمي عن حميد بن شعيب، عن جابر بن يزيد، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها عند الله ائتلف في الأرض، وما تناكر عند الله اختلف في الأرض.
10 - الكافي: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن بكير بن أعين، قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: إن الله أخذ ميثاق شيعتنا بالولاية لنا وهم ذر يوم أخذ الميثاق على الذر بالاقرار بالربوبية ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، وعرض الله عز وجل على محمد أمته في الطين وهم أظلة، وخلقهم من الطينة التي خلق منها آدم
وخلق الله أرواح شيعتنا قبل أبدانهم بألفي عام، عرضهم عليه وعرفهم رسول الله، و عرفهم عليا، ونحن نعرفهم في لحن القول.
بيان: " في الطين " أي حين كان النبي صلى الله عليه وآله في الطين، أو الأمة، أوهما معا وهو أظهر والمراد قبل خلق الجسد. " عرضهم عليه " أي على الله أو على النبي " في لحن القول " إشارة إلى قوله تعالى " ولتعرفنهم في لحن القول " قال البيضاوي: لحن القول أسلوبه وإمالته إلى جهة تعريض وتورية، منه قيل للمخطئ " لاحن " لأنه يعدل الكلام عن الصواب.
11 - معاني الأخبار: عن أحمد بن محمد بن الهيثم، عن أحمد بن يحيى بن زكريا عن بكر بن عبد الله، عن تميم بن بهلول، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة بعدهم عليهم السلام فعرضها على السماوات والأرض والجبال فغشيها نورهم (الحديث).
12 - البصائر: عن إبراهيم بن هاشم، عن عمرو بن عثمان، عن أبي محمد المشهدي من آل رجاء البجلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رجل لأمير المؤمنين عليه السلام، أنا والله لا حبك. فقال له: كذبت إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام فأسكنها الهواء ثم عرضها علينا أهل البيت، فوالله ما منها روح إلا وقد عرفنا بدنه، فوالله ما رأيتك فيها فأين كنت (5)؟ (الخبر).
13 - البصائر: عن عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم: عن أبي جعفر قال: بينا أمير المؤمنين جالس في مسجد الكوفة وقد احتبى بسيفه
وألقى ترسه خلف ظهره إذا أتته امرأة تستعدي على زوجها، فقضى للزوج عليها، فغضبت فقالت: والله ما هو كما قضيت، والله ما تقضي بالسوية، ولا تعدل في الرعية، ولا قضيتك عند الله بالمرضية. قال: فغضب أمير المؤمنين عليه السلام فنظر إليها مليا ثم قال: كذبت يا جرية! يا بذية! يا سلسع! يا سلفع! يا التي لا تحيض مثل النساء! قال: فولت هاربة وهي تقول: ويلي! ويلي! فتبعها عمرو بن حريث فقال: يا أمة الله، قد استقبلت ابن أبي طالب بكلام سررتني به، ثم، نزغك بكلمة فوليت منه هاربة تولولين! قال: فقالت:
يا هذا، ابن أبي طالب أخبرني بالحق، والله ما رأيت حيضا كما تراه المرأة قال:
فرجع عمرو بن حريث إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا ابن أبي طالب ما هذا التكهن؟ قال: ويلك يا ابن حريث ليس مني هذا كهانة، إن الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، ثم كتب بين أعينها مؤمن أو كافر، هم أنزل بذلك قرآنا على محمد صلى الله عليه وآله: " إن في ذلك لآيات للمتوسمين " فكان رسول الله صلى الله عليه وآله من المتوسمين، وأنا بعده والأئمة من ذريتي منهم.
ومنه: عن إبراهيم بن هاشم، عن عمرو بن عثمان، عن إبراهيم بن أيوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام مثله إلى - قوله -: يا عمرو ويلك! إنها ليست بالكهانة، ولكن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، فلما ركب الأرواح في أبدانها كتب بين أعينهم: مؤمن أم كافر، وما هم به مبتلون، وما هم عليه من شر أعمالهم وحسنته في قدر اذن الفأرة، ثم أنزل بذلك قرآنا على نبيه فقال: إن في ذلك لآيات للمتوسمين " فكان رسول الله صلى الله عليه وآله هو المتوسم، ثم أنا من ذريتي من
بعدي هم المتوسمون، فلما تأملتها عرفت ما هي عليها بسيماها.
الاختصاص: عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب وإبراهيم بن هاشم، عن عمرو بن عثمان مثله.
14 البصائر: عن أبي محمد، عن عمران بن موسى، عن إبراهيم بن مهزيار عن محمد بن عبد الوهاب، عن إبراهيم ابن أبي البلاد، عن أبيه، عن بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام قال: دخل عبد الرحمان بن ملجم - لعنه الله - على أمير المؤمنين عليه السلام - وساق الحديث إلى أن قال: - قال عليه السلام: إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فأسكنها الهواء، فما تعارف منها هنالك ائتلف في الدنيا، وما تناكر منها هناك اختلف في الدنيا، وإن روحي لا تعرف روحك (الخبر).
15 - ومنه: عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن صالح بن سهل عن أبي عبد الله عليه السلام: إن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو مع أصحابه فسلم عليه ثم قال: أما والله أحبك وأتولاك، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما أنت كما قلت، ويلك إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام عرض علينا المحب لنا فوالله ما رأيت روحك فيمن عرض علينا، فأين كنت؟ فسكت الرجل عند ذلك ولم يراجعه.
16 - ومنه: عن الحسن بن علي بن عبد الله، عن عيسى بن هشام، عن عبد الكريم عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة إذ أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين والله إني لأحبك. قال: ما تفعل. قال:
بلى والله الذي لا إله إلا هو، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما تحبني. فقال: يا أمير المؤمنين إني أحلف بالله أني أحبك وأنت تحلف بالله ما أحبك! والله كأنك تخبرني أنك أعلم بما في نفسي! قال: فغضب أمير المؤمنين عليه السلام وإنما كان الحديث العظيم يخرج منه عند الغضب - قال: فرفع يده إلى السماء وقال كيف يكون ذلك وهو ربنا تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، ثم عرض علينا المحب من المبغض فوالله ما رأيتك فيمن أحب، فأين كنت (1)؟.
بيان: " ما تفعل " أي ما تحب، أوما تعمل بمقتضاه، أو للاستفهام أي: أي شئ تقصد بإظهار الحب؟ فيكون تعريضا بالنفي، والأول أظهر.
17 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الكريم بن عمرو، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها في الميثاق ائتلف ههنا، وما تناكر منها في الميثاق اختلف ههنا، والميثاق هو في هذا الحجر الأسود (الخبر).
18 - ومنه : بهذا الاسناد، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن الحسين بن أبي العلا، عن حبيب قال: حدثنا الثقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أخذ ميثاق العباد وهم أظلة قبل الميلاد، فما تعارف من الأرواح ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
19 - ومنه: بهذا الاسناد عن حبيب، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
ما تقول في الأرواح أنها جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف؟
قال: فقلت إنا نقول ذلك. قال: فإنه كذلك، إن الله عز وجل أخذ على العباد
ميثاقهم وهم أظلة قبل الميلاد، وهو قوله عز وجل: " وأخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم - إلى آخر الآية قال: فمن أقر له يومئذ جاءت ألفته ههنا، ومن أنكره يومئذ جاء خلافه ههنا.
بيان: قال في النهاية: فيه " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ". " مجندة " أي مجموعة، كما يقال: ألوف مؤلفة، وقناطير مقنطرة، ومعناه الاخبار عن مبدأ كون الأرواح وتقدمها على الأجساد، أي إنها خلقت أول خلقها على قسمين: من ائتلاف واختلاف، كالجنود المجموعة إذا تقابلت وتواجهت، ومعنى تقابل الأرواح ما جعلها الله عليه من السعادة والشقاوة والاخلاق في مبدأ الخلق، يقول: إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه، ولهذا ترى الخير يحب الأخيار ويميل إليهم، والشرير يحب الأشرار ويميل إليهم (انتهي).
وقال الكرماني في شرح البخاري: أي خلقت مجتمعة ثم فرقت في أجسامها فمن وافق الصفة ألفه، ومن باعد نافره. وقال الخطابي: خلقت قبلها فكانت تلتقي فلما التبست بها تعارفت بالذكر الأول فصار كل إنما يعرف وينكر على ما سبق له من العهد. وقال النووي: مجندة أي جموع مجتمعة، وأنواع مختلفة، وتعارفها لامر جعلها الله عليه، وقيل: موافقة صفاتها وتناسبها في شيمها. وقال الطيبي: الفاء في " فما تعارف " تدل على تقدم اشتباك في الأزل، ثم تفرق فيما لا يزال أزمنة متطاولة ثم ائتلاف بعد تناكر كمن فقد أنيسه ثم اتصل به فلزمه وأنس به، وإن لم يسبق له اختلاط معه اشمأز منه. ودل التشبيه بالجنود على أن ذلك الاجتماع في الأزل كان لامر عظيم من فتح بلاد، وقهر أعداء، ودل على أن أحد الحزبين حزب الله، والآخر
حزب الشيطان، وهذا التعارف إلهامات من الله من غير إشعار منهم بالسابقة (انتهى).
وقد مر كلام قطب الدين الراوندي - رحمه الله - في هذا الخبر.
اعلم أن ما تقدم من الأخبار المعتبرة في هذا الباب وما أسلفناه في أبواب بدء خلق الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام - وهي قريبة من التواتر - دلت على تقادم خلق الأرواح على الأجساد، وما ذكروه من الأدلة على حدوث الأرواح عند خلق الأبدان مدخولة لا يمكن رد تلك الروايات لأجلها.
20 - الكافي: عن الحسين بن محمد، عن عبد الله، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن جابر بن يزيد قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا جابر، إن الله أول ما خلق خلق محمدا وعترته الهداة المهتدين، فكانوا أشباح نور بين يدي الله. قلت: وما الأشباح؟
قال: ظل النور، أبدان نورية بلا أرواح، وكان مؤيدا بروح واحد وهي روح القدس فبه كان يعبد الله وعترته، لذلك خلقهم حلماء علماء بررة أصفياء، يعبدون الله بالصلاة والصوم والسجود والتسبيح والتهليل، ويصلون الصلاة ويحجون ويصومون.
بيان: " أول " منصوب بالظرفية و " المهتدين " صفة، وكونه مفعول الهداة بعيد " فكانوا أشباح نور " الإضافة إما بيانية أي أشباحا هي أنوار، والأشباح: جمع الشبح - بالتحريك - وهو سواد الانسان أو غيره تراه من بعيد، فالمراد إما الأجساد المثالية فالمراد بقوله: " بلا أرواح " بلا أرواح الحيوانية، أو الروح مجردا كان أو جسما
لطيفا، فيستقيم أيضا، لان الأرواح ما لم تتعلق بالأبدان فهي مستقلة بنفسها، أرواح من جهة وأجساد من جهة، فهي أبدان نورانية لم تتعلق بها أرواح اخر، وعلى هذا فظل النور أيضا إضافته للبيان أو لامية، والمراد بالنور نور ذاته تعالى، فإنها من آثار ذلك النور الأقدس وظلاله، والمعنى دقيق. وربما يؤول النار بالعقل الفعال على طريقة الفلاسفة.
" وكان مؤيدا بروح واحد " [أي] في عالم الأرواح، أو في عالم الأجساد، والأول أظهر " ولذلك " أي لتأيدهم بذلك الروح في أول الفطرة الروحانية خلقهم في الفطرة الجسمانية " حلماء علماء - إلخ - " " ويصلون " كأنه تأكيد لما مر، أو المراد بقوله " خلقهم " خلقهم في عالم الأرواح، أي كانوا يعبدون الله في هذا العالم وكانوا فيه علماء بخلاف سائر الأرواح لتأيدهم حينئذ بروح القدس، فقوله عليه السلام " ويصلون " أي في عالم الأجساد فلا تكرار.
أقول: قد مرت أخبار كثيرة في ذلك في باب حدوث العالم.
قال شارح المقاصد: النفوس الانسانية سواء جعلناها مجردة أو مادية، حادثة عندنا لكونها أثر القادر المختار. وإنما الكلام في أن حدوثها قبل البدن لقوله صلى الله عليه وآله:
" خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام " أو بعده لقوله تعالى - بعد ذكر أطوار البدن -:
" ثم أنشأناه خلقا آخر " إشارة إلى إفاضة النفس، ولا دلالة في الحديث مع كونه خبر واحد على أن المراد بالأرواح النفوس البشرية أو الجوهر العلوية، ولا في الآية على أن المراد إحداث النفس أو إحداث تعلقها بالبدن. وأما الفلاسفة فمنهم من جعلها قديمة، وذهب أرسطو وشيعته إلى أنها حادثة. ثم ذكر دلائل الطرفين واعترض عليها بوجوه أعرضنا عن ذكرها.
وقال الشيخ المفيد قدس الله نفسه - في أجوبة المسائل الروية: فأما الخبر بأن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فهو من أخبار الآحاد، وقد روته العامة كما روته الخاصة، وليس هو مع ذلك مما يقطع على الله بصحته، وإن ثبت القول فالمعنى فيه أن الله تعالى قدر الأرواح في علمه قبل اختراع الأجساد، واختراع الأجساد واخترع لها الأرواح، فالخلق للأرواح قبل الأجساد خلق تقدير في العلم كما قد مناه وليس بخلق لذواتها كما وصفناه، والخلق لها بالاحداث والاختراع بعد خلق الأجسام والصور التي تدبرها الأرواح. ولولا أن ذلك كذلك لكانت الأرواح تقوم بأنفسها ولا تحتاج إلى آلات تعلقها، ولكنا نعرف ما سلف لنا من الأرواح قبل خلق الأجساد كما نعلم أحوالنا بعد خلق الأجساد، وهذا محال لاخفاء بفساده. وأما الحديث بأن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فالمعنى فيه أن الأرواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر بالجنس وتتخاذل بالعوارض، فما تعارف منها باتفاق الرأي والهوى ائتلف، وما تناكر منها بمباينة في الرأي والهوى اختلف، و هذا موجود حسا ومشاهد، وليس المراد بذلك أن ما تعارف منها في الذر ائتلف كما ذهبت إليه الحشوية كما بيناه من أنه لا علم للانسان بحال كان عليها قبل ظهوره في هذا العالم، ولو ذكر بكل شئ ما ذكر ذلك، فوضح بما ذكرناه أن المراد بالخبر ما شرحناه والله الموفق للصواب (انتهى).
وأقول: قيام الأرواح بأنفسها أو تعلقها بالأجساد المثالية ثم تعلقها بالأجساد العنصرية مما لا دليل على امتناعه، وأما عدم تذكر الأحوال السابقة فلعله لتقلبها في الأطوار المختلفة، أو لعدم القوى البدنية، أو كون تلك القوى قائمة بما فارقته من الأجساد المثالية، أو لاذهاب الله تعالى تذكر هذه الأمور عنها لنوع من المصلحة كما ورد أن الذكر والنسيان من صنعه تعالى، مع أن الانسان لا يتذكر كثيرا من أحوال الطفولية والولادة. والتأويل الذي ذكره للحديث في غاية البعد لا سيما مع الإضافات الواردة في الأخبار المتقدمة.
21 - العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى عن الحسن بن علي، عن عباس، عن أسباط، عن أبي عبد الرحمان قال: قلت لا بي عبد الله عليه السلام: إني ربما حزنت فلا أعرف في أهل ولا مال ولا ولد، وربما فرحت فلا أعرف في أهل ولا مال ولا ولد. فقال: إنه ليس من أحد إلا ومعه ملك وشيطان، فإذا كان فرحه كان دنو الملك منه، وإذا كان حزنه كان دنو الشيطان منه، وذلك قول الله تبارك وتعالى: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ".
بيان: لعل المراد أن هذا لهم من أجل وساوس الشيطان وأمانيه في أمور الدنيا الفانية وإن لم يتفطن به الانسان فيظن أنه لا سبب له، أو يكون غرض السائل فوت الأهل والمال والولد في الماضي، فلا ينافي الهم للتفكر فيها لأجل ما يستقبل، أو المراد أنه لما كان شأن الشيطان ذلك يصير محض دنوه سببا للهم، وفي الملك بعكس ذلك في الوجهين.
22 العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن أحمد بن مدين من ولد مالك بن الحارث الأشتر، عن محمد بن عمار، عن أبيه، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام ومعي رجل من أصحابنا فقلت له: جعلت فداك يا ابن رسول الله إني لاغتم وأحزن من غير أن أعرف لذلك سببا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن ذلك الحزن والفرح يصل إليكم منا، لأنا إذا دخل علينا حزن أو سرور كان ذلك داخلا عليكم، ولا نا وإياكم من نور الله عز وجل، فجعلنا وطينتنا وطينتكم واحدة، ولو تركت طينتكم كما اخذت لكنا وأنتم سواء، ولكن مزجت طينتكم بطينة أعدائكم، فلولا ذلك ما أذنبتم ذنبا أبدا. قال: قلت: جعلت فداك فتعود طينتنا ونورنا كما بدئ؟ فقال: إي والله يا عبد الله، أخبرني عن هذا الشعاع
الزاخر من القرص إذا طلع أهو متصل به أو بائن منه؟ فقلت له: جعلت فداك بل هو بائن منه. فقال: أفليس إذا غابت الشمس وسقط القرص عاد إليه فاتصل به كما بدأ منه؟
فقلت له: نعم. فقال: كذلك والله شيعتنا من نور الله خلقوا وإليه يعودون، والله إنكم لملحقون بنا يوم القيامة، وإنا لنشفع فنشفع، ووالله إنكم لتشفعون فتشفعون، وما من رجل منكم إلا وسترفع له نار عن شماله وجنة عن يمينه فيدخل أحباءه الجنة وأعداءه النار.
بيان: " يا عبد الله " ليس هذا اسم أبي بصير، فإن المشهور بهذا اللقب اثنان أحدهما ليث المرادي، والآخر يحيى بن القاسم، وليس كنية واحد منهما أبا عبد الله حتى يمكن أن يقال: كان أبا عبد الله فسقط " أبا " من النساخ، ولكن كنيتهما " أبو محمد " فالظاهر أن أبا بصير هذا ليس شيئا منهما، بل هو عبد الله بن محمد الأسدي الكوفي المكنى بأبي بصير، كما ذكره الشيخ في الرجال وإن كان ذكره في أصحاب الباقر عليه السلام لأنه كثيرا ما يذكر الرجل في أصحاب إمام ثم يذكره في أصحاب إمام آخر، وكثيرا ما يكتفي بأحدهما، ولو كان أحد المشهورين يمكن أن يكون المراد المركب الإضافي لا التسمية، وقد شاع النداء بهذا عند الضجر في عرف العرب والعجم، وفي القاموس:
زخر البحر - كمنع -: طما وتملا، والوادي: مد جدا وارتفع، والشئ: ملاه، والقوم جاشوا لنفير أو حرب، والقدر والحرب: جاشتا، والنبات: طال، والرجل بما عنده فخر (انتهى) وأكثر المعاني مناسبة. وفي بعض النسخ بالجيم، ولا يستقيم إلا بتكلف.
قوله " عاد إليه " كأنه على المجاز، كما أن في المشبه أيضا كذلك، فإن الظاهر عود الضمير في " إليه " إلى الله، ويحتمل عوده إلى النور، والمراد بنور الله النور المشرق [و] المكرم الذي اصطفاه وخلقه، ولا يبعد أن يكون المراد أنوار الأئمة عليهم السلام كما قال عليه السلام، إنكم لملحقون بنا، أو المراد بنور الله رحمته. والتشفيع قبول الشفاعة.
23 - المحاسن: عن أبيه، عن فضالة، عن عمر بن أبان، عن جابر الجعفي قال تنفست بين يدي أبي جعفر عليه السلام ثم قلت: يا ابن رسول الله أهتم من غير مصيبة تصيبني أو أمر نزل بي حتى تعرف ذلك أهلي في وجهي ويعرفه صديقي. قال: نعم يا جابر. قلت: ومم ذلك يا ابن رسول الله؟ قال: وما تصنع بذلك، قلت: أحب أن أعلمه. فقال: يا جابر إن الله خلق المؤمنين من طينة الجنان، وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه، فإذا أصاب تلك الأرواح في بلد من البلدان شئ حزنت عليه الأرواح لأنها منه.
بيان: " تنفست " أي تأوهت، وفي الكافي " تقبضت " بمعنى الانبساط كما سيأتي.
" من ريح روحه " بالضم أي من رحمة ذاته، أو نسيم روحه الذي اصطفاه كما مر ، أو بالفتح أي رحمته، كما ورد في خبر آخر: وأجرى فيهم من روح رحمته. ويؤيد الأول بعض الأخبار. " لأبيه وأمه " لان الطينة بمنزلة الأم، والروح بمنزلة الأب وهما متحدان نوعا أو صنفا فيهما.
24 - الكافي: عن العدة، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب، عن عمر بن أبان، عن جابر الجعفي قال: تقبضت بين يدي أبي جعفر عليه السلام فقلت: جعلت فداك، ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو ألم ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي وصديقي. فقال: نعم يا جابر، إن الله عز وجل خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه، فإذا أصاب روحا من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن، حزنت هذه لأنها منها.
25 - ومنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعدة من أصحابنا عن سهل بن زياد، جميعا عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، عن أبي بصير قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد، إن اشتكى شيئا منه وجد ألم ذلك في سائر جسده، وأرواحهما من روح واحدة، وإن روح المؤمن لأشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها.
الاختصاص: عنه عليه السلام مرسلا مثله.
تبيين: قوله عليه السلام " كالجسد الواحد " كأنه عليه السلام ترقى عن الأخوة إلى الاتحاد أو بين أن اخوتهم ليست مثل سائر الأخوات، بل هم بمنزلة أعضاء جسد واحد تعلق بها روح واحد، فكما أنه بتألم عضو واحد تتألم وتتعطل سائر الأعضاء، فكذا بتألم واحد من المؤمنين يحزن ويتألم سائرهم كما مر، فقوله عليه السلام " كالجسد الواحد " تقديره: كعضوي جسد واحد، وقوله " إن اشتكى " ظاهره أنه بيان لحال المشبه به والضميران المستتران فيه وفي " وجد " راجعان إلى المرء والانسان، أو الروح الذي يدل عليه الجسد. وضمير " منه " للجسد. وضمير " أرواحهما " لشئ وسائر الجسد والجمعية باعتبار جمعية السائر، أو من إطلاق الجمع على التثنية مجازا. وفي الاختصاص : " وان روحهما " وهو أظهر. والمراد بالروح الواحد إن كان الروح الحيوانية فمن للتبعيض، وإن كان النفس الناطقة فمن للتعليل، فإن روحهما الروح الحيوانية هذا إذا كان قوله " وأرواحهما " من تتمة بيان المشبه به، ويحتمل تعلقه بالمشبه فالضمير للأخوين المذكورين في أول الخبر، والغرض إما بيان شدة اتصال الروحين كأنهما روح واحدة، أو أن روحيهما من روح واحدة هي روح الأئمة عليهم السلام وهو نور الله كما مر في خبر أبي بصير الذي هو كالشرح لهذا الخبر، ويحتمل أن يكون " إن اشتكى " أيضا لبيان حال المشبه لاتضاح وجه الشبه، وعلى التقادير المراد بروح الله أيضا الروح التي اصطفاها الله وجعلها في الأئمة عليهم السلام كما مر في قوله تعالى
" ونفخت فيه من روحي " أن يكون المراد بروحه ذاته سبحانه إشارة إلى شدة ارتباط أرواح المقربين والمحبين من الشيعة المخلصين بجناب الحق تعالى، حيث لا يغفلون عن ربهم ساعة، ويفيض عليهم منه سبحانه آنا فآنا وساعة فساعة العلم والحكم والكمالات والهدايات، بل الإرادة أيضا لتخليهم عن إرادتهم وتفويضهم جميع أمورهم إلى ربهم كما قال فيهم: " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " وقال في الحديث القدسي " فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله ولسانه " وسيأتي تمام القول فيه في محله إن شاء الله تعالى بحسب فهمي والله الموفق.
26 - قرب الإسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفرا عليه السلام وسئل: هل يكون أن يحب الرجل الشئ ولم يره؟ قال: نعم، فقيل له:
مثل أي شئ؟ فقال: مثل اللون من الطعام يوصف للانسان ولم يأكله فيحبه، وما أشبه ذلك مثل الرجل يحب الشئ يذكر لأصحابه، ومالك أكثر مما تدع.
بيان: لعل المعنى: إذا تفكرت في أمثلة ذلك كان مالك منها أكثر مما تتركه كناية عن كثرة أمثلة ذلك وظهورها، ويمكن أن يكون تصحيف " تسمع " ويمكن أن يكون غرض السائل السؤال عن حب المؤمن أخاه من غير سابقة كما في سائر الأخبار.
27 - مجالس الشيخ: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد العلوي عن عبد الله بن أحمد بن نهيك، عن عبد الله بن جبلة، عن حميد بن شعيب، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما احتضر أمير المؤمنين عليه السلام جمع بنيه فأوصاهم ثم قال: يا بني إن القلوب جنود مجندة، تتلاحظ بالمودة وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض، فإذا أحببتم الرجل من غير خير سبق منه إليكم فارجوه، وإذا أبغضتم الرجل من غير سوء سبق منه إليكم فاحذروه.
28 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن حنان
بن سدير، عن أبيه قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إني لألقى الرجل لم أره ولم يرني فيما مضى قبل يومه ذلك فأحبه حبا شديدا، فإذا كلمته وجدته لي مثل ما أنا عليه له، ويخبرني أنه يجد لي مثل الذي أجد له. فقال: صدقت يا سدير، إن ائتلاف قلوب الأبرار إذا التقوا وإن لم يظهروا التودد بألسنتهم كسرعة اختلاط قطر الماء على مياه الأنهار، وإن بعد ائتلاف قلوب الفجار إذا التقوا وإن أظهروا التودد بألسنتهم كبعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتلافها على مزود واحد.
بيان: المزود - كمنبر - وعاء الزاد.
28 - الشهاب: قال رسول الله صلى لله عليه وآله: مثل المؤمن في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى.
29 - وقال صلى الله عليه وآله: مثل القلب مثل ريشة بأرض تقلبها الرياح.
الضوء: يقال " تداعت الحيطان " إذا تهادمت أو تهيأت للسقوط بأن تميل أو تتهور. يقول صلى الله عليه وآله: المؤمنون متحدون متآزرون متضافرون كأنهم نفس واحدة ولذلك قال صلى الله عليه وآله: المؤمن للمؤمن بمنزلة البنيان يشد بعضه بعضا. وقال صلى الله عليه وآله:
المؤمنون يد واحدة على من سواهم. شبه عليه السلام المؤمنين في اتحادهم ومؤازرتهم بالجسد المجتمع من آلات وأعضاء، إذا اشتكى بعضه كانت الجملة ألمة سقيمة مساهرة محمومة لاتصال بعضه ببعض ، ولان الألم هو الجملة وهو في حكم الجزء الواحد بسبب الحياة التي هي كالمسمار يضم أجزاءها وينتظمها، ولفظ الحديث خبر وتشبيه، والمعنى أمر يأمرهم به أن يتوادوا ويتحابوا ويرحم بعضهم بعضا، وفائدة الحديث الامر بالتناصر والتعاون، وراوي الحديث النعمان بن بشير. وقال - ره - في الحديث الثاني وروي بأرض فلاة -: شبه عليه السلام القلب بريشة ساقطة بأرض عراء لا حاجز بها ولا مانع، فالريح تطيرها هنا وثم، وذلك للاعتقادات والأحوال التي يتقلب لها، ولسرعة انقلابه وقلة ثبوته ودوامه على حالة واحدة. وقد قيل: إنما سمي قلبا لتقلبه. وفائدة الحديث إعلام أن القلب سريع الانقلاب لا يبقى على وجه واحد. وراوي الحديث أنس بن مالك.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.