پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب التوحيد

باب 4 جوامع التوحيد الآيات، البقرة 2 الله إله إلا هو الحي

ج ۴، ص ۲۸۹–۳۱۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۴ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۴

المجهول، أو بدأ الأشياء بأن يقرأ على الفعل المعلوم، أو على فعيل، وعلى أي شئ علا فهو ظاهر، وفي أي شئ بطن حتى يقال: إنه باطن، أو يقال لشئ ترك: هلا فعل تحضيضا وتحريصا على الفعل أو توبيخا على تركه، والابتداع: إيجاد بلا مادة أو بلا مثال.

21 - التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن بن بردة، عن العباس بن عمرو الفقيمي، عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد العلوي، عن فتح بن يزيد الجرجاني قال: لقيته عليه السلام على الطريق عند منصرفي عن مكة إلى خراسان، وهو سائر إلى العراق فسمعته يقول: من اتقى الله يتقى، ومن أطاع الله يطاع. فتلطفت في الوصول إليه فوصلت فسلمت فرد علي السلام، ثم قال: يا فتح من أرضي الخالق لم يبال بسخط المخلوق، ومن أسخط الخالق فقمن أن يسلط عليه سخط المخلوق، و أن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحده، والابصار عن الإحاطة به، جل عما وصفه الواصفون، وتعالى عما ينعته الناعتون، نأى في قربه، وقرب في نأيه، فهو في نأيه قريب، وفي قربه بعيد، كيف الكيف فلا يقال له: كيف؟ وأين الأين فلا يقال له: أين؟

إد هو مبدع الكيفوفية والأينونية.

يا فتح كل جسم مغذي بغذاء إلا الخالق الرازق، فإنه جسم الأجسام وهو ليس بجسم ولا صورة، لم يتجزأ ولم يتناه، ولم يتزايد ولم يتناقص، مبرأ من ذات ما ركب في ذات من جسمه، وهو اللطيف الخبير، السميع البصير، الواحد الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، منشئ الأشياء ومجسم الأجسام، ومصور الصور، لو كان كما تقول المشبهة لم يعرف الخالق من المخلوق، ولا الرازق من المرزوق، ولا المنشئ من المنشأ، لكنه المنشئ فرق بين من جسمه وصوره وشيأه وبينه إذا كان لا يشبهه شئ.

قلت: فالله واحد والانسان واحد فليس قد تشابهت الوحدانية؟ قال: أحلت ثبتك الله إنما التشبيه في المعاني، وأما في الأسماء فهي واحدة، وهي دلالة على المسمى، وذلك أن الانسان وإن قيل واحد فإنه يخبر أنه جثة واحدة وليس باثنين، و الانسان نفسه ليس بواحد لان أعضاءه مختلفة، وألوانه مختلفة غير واحدة، وهو أجزاء مجزى، ليس سواء دمه غير لحمه، ولحمه غير دمه، وعصبه غير عروقه، وشعره غير بشره، وسواده غير بياضه، وكذلك سائر جميع الخلق فالانسان واحد في الاسم لا واحد في المعنى، والله جل جلاله واحد لا واحد غيره، ولا اختلاف فيه ولا تفاوت، ولا زيادة ولا نقصان، فأما الانسان المخلوق المصنوع المؤلف فمن أجزاء مختلفة وجواهر شتى، غير أنه بالاجتماع شئ واحد.

قلت: فقولك: اللطيف فسره لي ، فإني أعلم أن لطفه خلاف لطف غيره للفصل غير أني أحب أن تشرح لي. فقال: يا فتح إنما قلت: اللطيف للخلق اللطيف و لعلمه بالشئ اللطيف، ألا ترى إلى أثر صنعه في النبات اللطيف وغير اللطيف وفي الخلق اللطيف من أجسام الحيوان من الجرجس والبعوض وما هو أصغر منهما مما لا يكاد تستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان لصغره الذكر من الأنثى، والمولود من القديم، فلما رأينا صغر ذلك في لطفه واهتدائه للسفاد، والهرب من الموت، والجمع لما يصلحه مما في لجج

البحار، وما في لحاء الأشجار والمفاوز والقفار، وإفهام بعضها عن بعض منطقها، وما تفهم به أولادها عنها، ونقلها الغذاء إليها، ثم تأليف ألوانها حمزة مع صفرة، وبياضا مع حمرة علمنا أن خالق هذا الخلق لطيف، وأن كل صانع شئ فمن شئ صنع، والله الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لامن شئ قلت: جعلت فداك وغير الخالق الجليل خالق؟ قال: إن الله تبارك وتعالى يقول:

" تبارك الله أحسن الخالقين " فقد أخبر أن في عباده خالقين وغير خالقين، منهم عيسى خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فنفخ فيه فصار طائرا بإذن الله، والسامري خلق لهم عجلا جسدا له خوار.

قلت: إن عيسى خلق من الطين طيرا دليلا على نبوته، والسامري خلق عجلا جسدا لنقض نبوة موسى وشاء الله أن يكون ذلك كذلك؟ إن هذا لهو العجب، فقال:

ويحك يا فتح إن الله إرادتين ومشيتين: إرادة حتم، وإرادة عزم، ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، أو ما رأيت أنه نهي آدم وزوجته عن أن يأكلا من الشجرة وهو شاء ذلك؟

ولو لم يشأ لم يأكلا، ولو أكلا لغلبت مشيتهما مشية الله، وأمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل وشاء أن لا يذبحه ولو لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشية إبراهيم مشية الله عز وجل.

قلت: فرجت عني فرج الله عنك غير أنك قلت: السميع البصير، سميع باذن، وبصير بالعين؟ فقال: إنه يسمع بما يبصر، ويرى بما يسمع، بصير لا بعين مثل عين المخلوقين، وسميع لا بمثل سمع السامعين، لكن لما لا تخفى عليه خافية من أثر الذرة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء تحت الثرى والبحار، قلنا: بصير لا بمثل عين المخلوقين، وسميع بما لم تشتبه عليه ضروب اللغات، ولم يشغله سمع عن سمع، قلنا: سميع لا بمثل السامعين.

قلت: جعلت فداك قد بقيت مسألة. قال: هات لله أبوك. قلت: يعلم القديم الشئ الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون؟ قال: ويحك إن مسائلك لصعبة، أما سمعت

الله يقول " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " وقوله: " ولعلا بعضهم على بعض " وقال:

- يحكي قول أهل النار " ارجعنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل " وقال: " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " فقد علم الشئ الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون " فقمت لاقبل يده ورجله فأدنى رأسه فقبلت وجهه ورأسه فخرجت وبي من السرور والفرح ما أعجز عن وصفه لما تبينت من الخير والحظ.

بيان: قمن بالتحريك وكسر الميم أيضا أي خليق وجدير. قوله: مغذي بغذاء أي كل جسم ذي روح له غذاء يقويه ولو كان التسبيح والتفديس، ويحتمل أن يكون الغذاء شاملا لكل شئ يقوي الجسم ويربيه ويبقيه فلا حاجة إلى تخصيص الجسم.

قوله عليه السلام: من ذات ما ركب أي هو مبرء من كل حقيقة وماهية وعارض ركب في ذوات الأجسام.

قوله وبينه يحتمل التشديد والتخفيف فلا تغفل، واللحاء بكسر اللام ممدودا قشر الشجر. قوله عليه السلام: لله أبوك قال الجزري: إذا أضيف الشئ إلى عظيم شريف اكتسى عظما وشرفا، كما قيل: بيت الله، وناقة الله، فإذا وجد من الولد ما يحسن موقعه ويحمد قيل: لله أبوك في معرض المدح والتعجب أي أبوك لله خالصا حيث أنجب بك وأتى بمثلك. انتهى وقد مضى شرح أكثر أجزاء الخبر، وسيأتي شرح بعضها في كتاب العدل إن شاء الله تعالى

22 - التوحيد: أخبرني أبو العباس الفضل بن العباس الكندي - فيما أجازه لي بهمدان سنة أربع وخمسين وثلاث مائة - قال : حدثنا محمد بن سهل - يعني العطار البغدادي لفظا من كتابه سنة خمس وثلاث مائة - قال: حدثنا عبد الله بن محمد البلوي، قال: حدثنا

عمارة بن زيد قال: حدثني عبيد الله بن العلا، قال: حدثني صالح بن سبيع، عن عمرو بن محمد بن صعصعة بن صوحان قال: حدثني أبي، عن أبي المعتمر مسلم بن أوس قال: حضرت مجلس علي عليه السلام في جامع الكوفة فقام إليه رجل مصفر اللون كأنه من متهودة اليمن فقال: يا أمير المؤمنين صف لنا خالقك وانعته لنا كأنا نراه وننظر إليه، فسبح علي عليه السلام ربه وعظمه عز وجل، وقال: الحمد لله الذي هو أول لابدئ مما، ولا باطن فيما، ولا يزال مهما، ولا ممازج مع ما، ولا خيال وهما، ليس بشبح فيرى، ولا بجسم فيتجزأ، ولا بذي غاية فيتناهى، ولا بمحدث فيبصر، ولا بمستتر فيكشف، ولا بذي حجب فيحوى، كان ولا أماكن تحمله أكنافها، ولا حملة ترفعه بقوتها، ولا كان بعد أن لم يكن، بل حارت الأوهام أن يكيف المكيف للأشياء، ومن لم يزل بلا مكان ولا يزول باختلاف الأزمان، ولا ينقلب شأنا بعد شأن، البعيد من حدس القلوب، المتعالي عن الأشباه والضروب، الوتر علام الغيوب، فمعاني الخلق عنه منفية، وسرائرهم عليه غير خفية، المعروف بغير كيفية، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، ولا تدركه الابصار، ولا تحيطه الأفكار، ولا تقدره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، فكلما قدره عقل أو عرف له مثل فهو محدود، وكيف يوصف بالأشباح وينعت بالألسن الفصاح من لم يحلل في الأشياء فيقال: هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال: هو عنها بائن،

ولم يخل منها فيقال: أين، ولم يقرب منها بالالتزاق، ولم يبعد عنها بالافتراق، بل هو في الأشياء بلا كيفية، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، وأبعد من الشبهة من كل بعيد، لم يخلق الأشياء من أصول أزلية، ولامن أوائل كانت قبله بدية، بل خلق ما خلق وأتقن خلقه، وصور ما صور فأحسن صورته، فسبحان من توحد في علوه فليس لشئ منه امتناع، ولاله بطاعة أحد من خلقه انتقام، إجابته للداعين سريعة، والملائكة له في السماوات والأرض مطيعة، كلم موسى تكليما بلا جوارح وأدوات ولا شفة ولا لهوات، سبحانه وتعالى عن الصفات، فمن زعم أن إله الخلق محدود فقد جهل الخالق المعبود. والخطبة طويلة أخذنا منها موضع الحاجة.

بيان: قوله عليه السلام: لا بدئ على فعيل أي لا يقال: بدأ الأشياء مما إذ لم يخلقها من شئ، وكونه فعيلا بمعنى المفعول أو فعلا على بناء المجهول بعيد. قوله عليه السلام: و لا يزال مهما كلمة مهما هنا ظرف زمان جئ بها لتعميم الأزمان أي لا يزول أبدا، و يحتمل أن يكون حرف نفي آخر مقدرا، أو يكون معطوفا على المنفي سابقا أي ليس لا يزال مقيدا بمهما يكن كذا، ويمكن أن يكون سقوط أحدهما من النساخ لتوهم التكرار، ولا ممازج مع ما أي لا يمكن أن يقال: مع أي شئ ممازج.

قوله عليه السلام: ولا خيال وهما أي غير متخيل بالوهم. قوله عليه السلام: ليس بشبح أي شخص. قوله عليه السلام: ولا بمحدث فيبصر أي لو كان مبصرا لكان محدثا فلا يتوهم منه أن كل محدث مبصر. قوله: فيحوي أن تكون الحجب حاوية له، أو يكون جسما محويا بالحدود والنهايات. قوله: عليه السلام: والضروب وهي جمع الضرب بمعني المثل، أو المراد ضرب الأمثال. قوله عليه السلام: بالأشباح أي الصور الخيالية والعقلية، أو بصفات الأشخاص.

قوله عليه السلام: من أصول أزلية رد على الفلاسفة القائلين بالعقول والهيولي القديمة. قوله: كانت قبله أي قبل خلق هذا العالم أي لم يكن خلق هذا العالم على مثال علم آخر كانت بدية أي مبتدأة مخلوقة قبله، أو مبتدأة بنفسه من غير علة، بل خلق ما خلق ابتداءا من غير أصل مع غاية الاتقان والإحكام، وصور ما صور بعلمه من غير مثال على نهاية الحسن.

قوله: انتقام أي لا يحتاج في الانتقام عن العاصين إلى طاعة أحد من خلقه بل قدرته كافية، أو لا ينتقم مع الطاعة فيكون ظالما، والأظهر أنه تصحيف " انتفاع " كما سيأتي مما سننقله من النهج.

23 - التوحيد: أبي وابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير قال: دخلت على سيدي موسى بن جعفر عليه السلام فقلت له: يا بن رسول الله علمني التوحيد فقال: يا أبا أحمد لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره الله تعالى ذكره في كتابه فتهلك، واعلم أن الله تبارك وتعالى واحد أحد صمد، لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولا شريكا، وأنه الحي الذي لا يموت، والقادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا يغلب، والحليم الذي لا يعجل، والدائم الذي لا يبيد والباقي الذي لا يفنى، والثابت الذي لا يزول، والغني الذي لا يفتقر، والعزيز الذي لا يذل، والعالم الذي لا يجهل، والعدل الذي لا يجور، والجواد الذي لا يبخل، وأنه لا تقدره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، ولا تحيط به الأقطار، ولا يحويه مكان، ولا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير، وليس كمثله شئ وهو السميع البصير، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا، وهو الأول الذي لا شئ قبله، والآخر الذي لا شئ بعده، وهو القديم وما سواه مخلوق محدث، تعالى عن صفات المخلوقين علوا كبيرا.

24 - التوحيد: الطالقاني، عن الجلودي، عن الجوهري، عن الضبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة قال: بينما ابن عباس يحدث الناس إذ قام إليه نافع بن الأزرق فقال: يا بن عباس تفتي في النملة والقملة صف لنا إلهك الذي تعبده، فأطرق ابن عباس إعظاما لله عز وجل، وكان الحسين بن علي عليه السلام جالسا ناحية فقال: إلي يا بن الأزرق فقال: لست إياك أسأل! فقال ابن عباس: يا بن الأزرق إنه من أهل بيت النبوة وهم ورثة العلم، فأقبل نافع بن أزرق نحو الحسين عليه السلام فقال له الحسين عليه السلام: يا نافع إن من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الارتماس، مائلا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج، ضالا عن السبيل، قائلا غير الجميل، يا بن الأزرق أصف إلهي بما وصف به نفسه، واعرفه بما عرف به نفسه، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، فهو غريب غير ملتصق، وبعيد غير متقص، يوحد ولا يبعض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلا هو الكبير المتعال.

بيان: على القياس أي مقايسة الرب تعالى بالخلق أو الأعم أي الحكم بالعقل في الله تعالى ودينه، والتقصي: غاية البعد.

25 - التوحيد: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن علي بن سيف بن عميرة، عن محمد بن عبيد قال: دخلت على الرضا عليه السلام فقال لي: قل للعباسي: يكف عن الكلام في التوحيد وغيره، ويكلم الناس بما يعرفون، ويكف عما ينكرون، وإذا سألوك عن التوحيد فقل - كما قال الله عز وجل -: " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " وإذا سألوك عن الكيفية فقل - كما قال الله عز وجل -: " ليس كمثله شئ " وإذا سألوك عن السمع فقل - كما قال الله عز وجل -: " هو السميع العليم " كلم الناس بما يعرفون.

26 - التوحيد: ابن عصام، عن الكليني، عن علان، عن سهل وغيره، عن محمد بن سليمان عن علي بن إبراهيم الجعفري، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

قال: إن الله عظيم رفيع لا يقدر العباد على صفته، ولا يبلغون كنه عظمته، لا تدركه الابصار

وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير، ولا يوصف بكيف ولا أين ولا حيث، وكيف أصفه بكيف وهو الذي كيف الكيف حتى صار كيفا فعرفت الكيف بما كيف لنا من الكيف، أم كيف أصفه بأين وهو الذي أين الأين حتى صار أين فعرفت الأين بما أين لنا من الأين، أم كيف أصفه بحيث وهو الذي حيث الحيث حتى صار الحيث فعرفت الحيث بما حيث لنا من الحيث، فالله تبارك وتعالى داخل في كل مكان، وخارج من كل شئ، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، لا إله إلا هو العلي العظيم، وهو اللطيف الخبير بيان: الحيث تأكيد للأين للأين أو هو بمعنى الجهة أو الزمان كما مر سابقا.

27 - التوحيد: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن أورمة، عن يحيى بن يحيى، عن عبد الله بن الصامت: عن عبد الاعلى، عن العبد الصالح - يعني موسى بن جعفر عليهما السلام - قال: إن الله لا إله إلا هو كان حيا بلا كيف ولا أين، ولا كان في شئ ولا كان على شئ، ولا ابتدع لمكانه مكانا ولا قوي بعد ما كون الأشياء، ولا يشبهه شئ، مكون ولا كان خلوا من القدرة على الملك قبل إنشائه، ولا يكون خلوا من القدرة بعد ذهابه، كان عز وجل إلها حيا بلا حياة حادثة، ملكا قبل أن ينشئ شيئا، ومالكا بعد إنشائه، و ليس لله حد، ولا يعرف بشئ يشبهه، ولا يهرم للبقاء، ولا يصعق لذعرة شئ، ولخوفه تصعق الأشياء كلها، فكان الله حيا بلا حياة حادثة، ولا كون موصوف، ولا كيف محدود، ولا أين موقوف، ولامكان ساكن، بل حي لنفسه، ومالك لم تزل له القدرة، أنشأ ما شاء حين شاء بمشيته وقدرته، كان أو لا بلا كيف، ويكون آخرا بلا أين، وكل شئ هالك إلا وجهه، له الخلق والامر، تبارك الله رب العالمين.

بيان: الذعر بالضم: الخوف، قوله عليه السلام: ولا أين موقوف أي موقوف عليه كما في الكافي أي أين استقر الرب تعالى عليه، أو المعنى أنه لو كان له أين لكان وجوده متوقفا عليه محتاجا إليه، ويحتمل على ما في الكتاب أن يكون الموقوف بمعنى الساكن وتقييد المكان بالساكن مبني على المتعارف الغالب من كون المكان المستقر عليه ساكنا.

قوله عليه السلام: له الخلق أي خلق الممكنات مطلقا، والامر أي الامر التكليفي. وقيل:

المراد بالخلق عالم الأجسام والماديات أو الموجودات العينية، وبالأمر عالم المجردات أو الموجودات العلمية.

28 - التوحيد: العطار، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: جاء رجل إلى أبي جعفر عليه السلام فقال له:

يا أبا جعفر أخبرني عن ربك متى كان؟ فقال: ويلك إنما يقال لشئ لم يكن فكان:

متى كان؟ إن ربي تبارك وتعالى كان لم يزل حيا بلا كيف ولم يكن له كان، ولا كان لكونه كيف، ولا كان له أين، ولا كان في شئ، ولا كان على شئ، ولا ابتدع لكانه مكانا، ولا قوي بعد ما كون شيئا، ولا كان ضعيفا قبل أن يكون شيئا، ولا كان مستوحشا قبل أن يبدع شيئا، ولا يشبه شيئا مكونا ولا كان خلوا من القدرة على الملك قبل انشائه، ويكون منه خلوا بعد ذهابه، لم يزل حيا بلا حياة، وملكا قادرا قبل أن ينشئ شيئا، وملكا جبارا بعد إنشائه للكون، فليس لكونه كيف، ولاله أين، ولاله حد، ولا يعرف بشئ يشبهه، ولا يهرم لطول البقاء، ولا يصعق لشئ، ولا يخوفه شئ، تصعق الأشياء كلها من خيفته، كان حيا بلا حياة حادثة، ولا كون موصوف، ولا كيف محدود، ولا أثر مقفو، ولا مكان جاور شيئا، بل حي يعرف، وملك لم يزل، له القدرة والملك، أنشأ ما شاء بمشيته، لا يحد ولا يبعض ولا يفنى، كان أولا بلا كيف، ويكون آخرا بلا أين، وكل شئ هالك إلا وجهه، له الخلق والامر، تبارك الله رب العالمين. ويلك أيها السائل إن ربي لا تغشاه الأوهام، ولا تنزل به الشبهات

ولا يجار من شئ، ولا يجاوره شئ، ولا تنزل به الاحداث ولا يسأل عن شئ يفعله، ولا يقع على شئ، ولا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى.

بيان: قوله: بلا كيف أي بلا حياة زائدة ولا كيفيات تعد من لوازم الحياة في الممكنات. قوله عليه السلام: لم يكن له كان الظاهر أن كان اسم لم يكن لأنه عليه السلام لما قال: " كان " أو همت العبارة أن له زمانا فنفي عليه السلام ذلك بأنه كان بلا زمان، والتعبير بكان لضيق العبارة. وقيل: كان اسم بمعنى الكون أي ليس له وجود زائد، ولم نظفر به في اللغة، لكن نقل عن بعض أهل العربية قلب الواو والياء ألفا مع انفتاح ما قبلهما مطلقا، وقيل: أي لم يتحقق كون شئ له من الصفات الزائدة.

وقوله: ولا كان لكونه كيف أي لم يكن وجوده زائدا ليكون اتصافه به مكيفا بكيف، أو لم يكن وجوده مقرونا بالكيفيات، ومنهم من فصل ولم يكن له عن كان أي لم يكن الكيف ثابتا له بأن يكون الواو للعطف التفسيري أو للحال، وكان ابتداء كلام وهي تامة، والتي بعدها ناقصة حالا عن اسم كان أي كان أزلا والحال أنه ليس له كيف. قوله: ولا ابتدع لكانه لعل إضافته إلى الضمير بتأويل، أو أنه اسم بمعنى الكون، وفي بعض النسخ: لمكانه كما في الكافي أي ليكون مكانا له.

قوله عليه السلام: ولا يصعق أي لا يفزع أولا يغشى عليه للخوف من شئ. قوله: كون موصوف أي يمكن أن يوصف أو زائد أو موصوف بكونه في زمان أو مكان. وقيل: المراد بالكون الموصوف الوجود المتصف بالتغير أو عدمه عما من شأنه التغير المعبر عنهما بالحركة والسكون. قوله: يعرف أي أنه حي بإدراك آثار يعد من آثار الحياة. قوله:

ولا يحار بالحاء المهملة من الحيرة، أو بالجيم على بناء المجهول أي لا يجيره أحد من شئ

29 - تحف العقول: عن الحسين بن علي صلوات الله عليهما: أيها الناس اتقوا هؤلاء المارقة الذين يشبهون الله بأنفسهم، يضاهؤون قول الذين كفروا من أهل الكتاب، بل هو الله ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، وهو اللطيف الخبير، استخلص الوحدانية والجبروت، وأمضى المشية والإرادة والقدرة والعلم بما هو كائن، لا منازع له في شئ من أمره، ولا كفو له يعادله، ولا ضد له ينازعه، ولا سمي له يشابهه، ولا مثل له يشاكله، لا تتداوله الأمور، ولا تجري عليه الأحوال، ولا تنزل عليه الاحداث، ولا يقدر الواصفون كنه عظمته، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته لأنه ليس له في الأشياء عديل، ولا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم، إلا بالتحقيق إيقانا بالغيب لأنه لا يوصف بشئ من صفات المخلوقين، وهو الواحد الصمد، ما تصور في الأوهام فهو خلافه، ليس برب من طرح تحت البلاغ، ومعبود من وجد في هواء أو غير هواء، هو في الأشياء كائن لا كينونة محظور بها عليه، ومن الأشياء بائن لا بينونة غائب عنها، ليس بقادر من قارنه ضد، أو ساواه ند، ليس عن الدهر قدمه، ولا بالناحية أممه، احتجب عن العقول كما احتجب عن الابصار، وعمن في السماء احتجابه عمن في الأرض، قربه كرامته، وبعده اهانته، لا يحله في، ولا توقته إذ، ولا تؤامره إن، علوه من غير نوقل، ومجيئه من غير تنقل، يوجد المفقود، ويفقد الموجود، ولا تجتمع لغيره الصفتان في وقت، يصيب الفكر منه الايمان به موجودا ووجود الايمان لا وجود صفة، به نوصف الصفات لأنها يوصف، وبه تعرف المعارف لا بها يعرف، فذلك الله لا سمي له سبحانه، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير.

بيان: استخلص الوحدانية أي جعلها خالصة لنفسه لا يشاركه فيها غيره،

ولتحقيق: التصديق، والاستثناء منقطع أي ولكن يدرك بالتصديق بما أخبر عنه الأنبياء والحجج إيمانا بالغيب. قوله عليه السلام: تحت البلاغ لعل المعنى أنه يكون محتاجا إلى أن يبلغ إليه الأمور، أو يكون تحت ثوب يكون قدر كفايته محيطا به، ويحتمل أن يكون تصحيف التلاع جمع التلعة فإن الأصنام تنحت من الأحجار المطروحة تحتها، أو اليراع وهو شئ كالبعوض يغشي الوجه، أو النقاع جمع النقع بالكسر وهو الغبار أو السماء أو البلاء أو البناء بقرينة قرينتها وهي الهواء.

قوله عليه السلام محظور بها عليه أي بأن يكون داخلا فيها فتحيط الأشياء به كالحظيرة وهي ما تحيط بالشئ خشبا أو قصبا. قوله عليه السلام: ليس عن الدهر قدمه أي ليس قدمه قدما زمانيا يقارنه الزمان دائما. والأمم بالتحريك: القصد أي ليس قصده بأن يتوجه إلى ناحية مخصوصة فيوجد فيه، بل أينما تولوا فثم وجه الله.

قوله عليه السلام: ولا تؤامره إن أي ليست كلمة إن التي يستعملها المخلوقون عند ترددهم بقولهم: إن كان كذا فأي شئ يكون سببا لمشاورته ومؤامرته في الأمور، ونوقل فوعل من النقل، ولم أجده فيما حضر عندي من كتب اللغة. قوله عليه السلام: في وقت أي في وقت من الأوقات والتقييد بالاجتماع لعله وقع تنزلا لما يتوهم من أن الاعدام يتأتى من غيره تعالى.

قوله عليه السلام: يصيب الفكر أي لا يصيب منه تعالى التفكر فيه إلا أن يؤمن بأنه موجود، وأن يجد صفة الايمان ويتصف به لا أن ينال منه وجود صفة أي كنه صفة أو صفة موجودة زائدة. فقوله: ووجود معطوف على الايمان. وقوله: لا وجود أي لا يصيب وجود، والأصوب أن العاطف في قوله: ووجود زائد فيستقيم الكلام. قوله: به توصف

الصفات أي هو موجد للصفات وجاعل الأشياء متصفة بها، فكيف يوصف نفسه بها، وبإفاضته تعرف المعارف فلا يعرف هو بها، إذ لا يعرف الله بمخلوقه كما مر.

30 - تحف العقول: عن أبي الحسن الثالث عليه السلام قال: إن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحده، والابصار عن الإحاطة به، نأى في قربه، وقرب في نأيه، كيف الكيف بغير أن يقال: كيف؟ وأين الأين بلا أن يقال: أين؟ هو منقطع الكيفية والأينية، الواحد الأحد، جل جلاله، وتقدست أسماؤه.

31 - تفسير الإمام العسكري: عن أبي محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تتجاوزوا بنا العبودية ثم قولوا ما شئتم ولا تغلوا، وإياكم والغلو كغلو النصارى فإني برئ من الغالين. قال: فقام إليه رجل فقال له: يا بن رسول الله صف لنا ربك، فإن من قبلنا قد اختلفوا علينا. فقال الرضا عليه السلام: إنه من يصف ربه بالقياس لا يزال الدهر في الالتباس ، مائلا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج، ضالا عن السبيل، قائلا غير الجميل، ثم قال: أعرفه بما عرف به نفسه، أعرفه من غير رؤية، وأصفه بما وصف به نفسه من غير صورة، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بالآيات، بعيد بغير تشبيه، و متدان في بعده لا بنظير، لا يتوهم ديمومته، ولا يمثل بخلقه، ولا يجوز في قضيته، الخلق لما علم منه منقادون، وعلى ما سطر في المكنون من كتابه ماضون، لا يعلمون بخلاف ما علم منهم ولا غيره يريدون، فهو قريب غير ملتزق، وبعيد غير متقص، يحقق ولا يمثل، ويوحد ولا يبعض، يعرف بالآيات، ويثبت بالعلامات، فلا إله غيره الكبير المتعال.

ثم قال الإمام عليه السلام: حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله أنه قال: ما عرف الله من شبهه بخلقه، ولا عد له من نسب إليه ذنوب عباده.

32 - جامع الأخبار: سئل أمير المؤمنين عليه السلام بم عرفت ربك؟ قال: بما عرفني نفسه، لا يشبهه صورة، ولا يقاس بالناس، قريب في بعده، بعيد في قربه، فوق كل شئ ولا يقال

شئ تحته، وتحت كل شئ ولا يقال شئ فوقه، أمام كل شئ ولا يقال شئ خلفه، وخلف كل ولا يقال شئ أمامه، داخل في الأشياء لا كشئ في شئ، سبحان من هو هكذا لا هكذا غيره.

33 - جامع الأخبار: دخل علي بن الحسين عليهما السلام مسجد المدينة فرأي قوما يختصمون، فقال لهم: فيما تختصمون؟ قالوا: في التوحيد، قال: أعرضوا علي مقالتكم، قال بعض القوم: إن الله يعرف بخلقه سماواته وأرضه، وهو في كل مكان. قال علي بن الحسين عليهما السلام: قولوا: نور لا ظلام فيه، وحياة لا موت فيه، وصمد لا مدخل فيه. ثم قال: من كان ليس كمثله شئ وهو السميع البصير كان نعته لا يشبه نعت شئ فهو ذاك

34 - التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عن البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن عبد الله بن داهر، عن الحسين بن يحيى الكوفي، عن قثم بن قتادة، عن عبد الله بن يونس ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على منبر الكوفة، إذ قام إليه رجل يقال له: ذعلب، ذرب اللسان، بليغ في الخطاب، شجاع القلب، فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك؟ فقال: ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد ربا لم أره؟ قال: يا أمير المؤمنين كيف رأيته؟ قال: يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الابصار ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان، ويلك يا ذعلب إن ربي لطيف اللطافة فلا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كل شئ لا يقال شئ قبله، وبعد كل شئ لا يقال له بعد، شاء الأشياء لا بهمة، دراك لا بخديعة هو في الأشياء كلها غير متمازج بها ولا بائن عنها، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية، بائن لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لابعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدر لا بحركة، مريد لا بهمامة،

سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، لا تحويه الأماكن، ولا تصحبه الأوقات، ولا تحده الصفات، ولا تأخذه السنات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والجسوء بالبلل، والصرد بالحرور، مؤلف بين معتادياتها، مفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها، وذلك قوله عز وجل: " ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لاقبل له ولابعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه غير خلقه، كان ربا ولا مربوب، وإلها ولا مألوه، وعالما إذ لا معلوم، وسميعا إذ لا مسموع. ثم أنشأ يقول: ولم يزل سيدي بالحمد معروفا * ولم يزل سيدي بالجود موصوفا وكان إذ ليس نور يستضاء به * ولا ظلام على الآفاق معكوفا فربنا بخلاف الخلق كلهم * وكل ما كان في الأوهام موصوفا ومن يرده على التشبيه ممتثلا * يرجع أخا حصر بالعجز مكتوفا وفي المعارج يلقى موج قدرته * موجا يعارض طرف الروح مكفوفا فاترك أخا جدل في الدين منعمقا * قد باشر الشك فيه الرأي مأووفا واصحب أخا ثقة حبا لسيده * وبالكرامات من مولاه محفوفا أمسى دليل الهدى في الأرض مبتسما * وفي السماء جميل الحال معروفا

قال: فخر ذعلب مغشيا عليه ثم أفاق وقال: ما سمعت بهذا الكلام، ولا أعود إلى شئ من ذلك.

قال الصدوق رحمه الله: في هذا الخبر ألفاظ قد ذكرها الرضا عليه السلام في خطبته، و هذا تصديق قولنا في الأئمة عليهم السلام: أن علم كل واحد منهم مأخوذ عن أبيه حتى يتصل ذلك بالنبي صلى الله عليه وآله.

بيان: ذرب اللسان: حدته. قوله عليه السلام: معكوفا أي محبوسا. أخا حصر أي مصاحبا للعي والعجز. وكتفت الرجل أي شددت يديه إلى خلفه بالكتاف وهو حبل.

والطرف: العين، ومكفوفا حال منه أي يجعل عين الروح عمياء. قوله عليه السلام: مأووفا حال عن الرأي، ويمكن أن يقرأ على الأصل بالواوين لضرورة الشعر، أو بإشباع فتحة الميم.

قوله عليه السلام: حبا لسيده الحب بالكسر: المحبوب، ويمكن أن يقرأ بالضم أيضا بأن يكون مصدرا مؤولا بمعنى المفعول، ويمكن أن يكون مفعولا لأجله لكن عطف قوله: وبالكرامات يحتاج إلى تكلف أي ولكونه محفوفا وقوله: دليل الهدى بالرفع، ويحتمل النصب بالخبرية، فيكون الاسم ضميرا راجعا إلى الأخ، ولعله نظرا إلى المصرع الثاني أظهر.

35 - نهج البلاغة: ومن خطبة له عليه السلام. الحمد لله خالق العباد، وساطح المهاد، ومسيل الوهاد، ومخصب النجاد، ليس لأوليته ابتداء، ولا لأزليته انقضاء، هو الأول لم يزل، والباقي بلا أجل، خرت له الجباه، ووحدته الشفاه، حد الأشياء عند خلقه لها إبانة له من شبهها، لا تقدره الأوهام بالحدود والحركات، ولا بالجوارح والأدوات، لا يقال له: متى، ولا يضرب له أمد بحتى، الظاهر لا يقال: مما، والباطن لا يقال: فيما، لاشبح فيتقضى، ولا محجوب فيحوى، لم يقرب من الأشياء بالتصاق، ولم يبعد عنها بافتراق، لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة ولا كرور لفظة ولا ازدلاف ربوة و

لا انبساط خطوة في ليل داج ولا غسق ساج، يتفيأ عليه القمر المنير، وتعقبه الشمس ذات النور في الأفول والكرور، وتقليب الأزمنة والدهور، من إقبال ليل مقبل، و إدبار نهار مدبر، قبل كل غاية ومدة، وكل إحصاء وعدة، تعالى عما ينحله المحددون من صفات الاقدار، ونهايات الأقطار، وتأثل المساكن، وتمكن الأماكن، فالحد لخلقه مضروب، وإلى غيره منسوب، لم يخلق الأشياء من أصول أزلية، ولامن أوائل أبدية، بل خلق ما خلق فأقام حده، وصور ما صور فأحسن صورته، ليس لشئ منه امتناع، ولاله بطاعة شئ انتفاع، علمه بالأموات الماضين كعلمه بالاحياء الباقين، وعلمه بما في السماوات العلى كعلمه بما في الأرضين السفلى.

ايضاح: ساطح المهاد أي باسط الأرض التي هي بمنزلة الفراش للخلق، و الوهد: المكان المنخفض، والنجاد: ما ارتفع من الأرض أي مجري السيول في الوهاد، ومنبت العشب والنبات والأشجار في النجاد. قوله: انقضاء أي في طرف الأبد، ويحتمل أن يكون المراد بالأولية العلية أي ليست له علة، وليس لوجوده في الأزل انقضاء، والأول أوفق بالفقرتين الآتيتين لفا ونشرا، وشخوص اللحظة: مد البصر بلا حركة جفن، وكرور اللفظة: رجوعها، وقيل: ازدلاف الربوة صعنود إنسان أو حيوان ربوة من الأرض، وهي الموضع المرتفع، وقيل: ازدلاف الربوة تقدمها في النظر، فإن الربوة أول ما يقع في العين من الأرض عند مد البصر من الزلف بمعنى القرب.

قوله عليه السلام: داج اي مظلم، والغسق محركة: ظلمة أول الليل، وقوله: ساج أي ساكن، كما قال تعالى: " والليل إذا سجى " أي سكن أهله، أو ركد ظلامه من سجى البحر سجوا إذا سكنت أمواجه. قوله عليه السلام: يتفيأ هذا من صفات الغسق ومن تتمة نعته، ومعنى يتفيأ عليه: يتقلب ذاهبا وجائيا في حالتي أخذه في الضوء إلى التبدر، وأخذه في النقص إلى المحاق، والضمير في عليه للغسق.

وقوله: وتعقبه أي تتعقبه فحذف إحدى التائين، والضمير فيه للقمر. وقوله:

من إقبال ليل متعلق بتقليب، والمعنى أن الشمس تعاقب القمر فتطلع عند افوله، ويطلع عند أفولها. قول عليه السلام: قبل كل غاية أي هو سبحانه قبل كل غاية، قوله: عما ينحله أي ينسبه إليه.

قوله عليه السلام: وتأثل المساكن يقال: مجد مؤثل أي أصيل، وبيت مؤثل أي معمور، وأثل: ملكه: عظمه، وتأثل: عظم. وتمكن الأماكن: ثبوتها واستقرارها.

أقول: يحتمل أن يكون المعنى التأثل في المساكن والتمكن في الأماكن. قوله عليه السلام:

ولا من أوائل أبدية. أقول: على هذه النسخة الأصول الأزلية هي الأوائل الأبدية، إذا ما ثبت قدمه امتنع عدمه. قوله عليه السلام: فأقام حده أي أتقن حدود الأشياء على وفق الحكمة الإلهية من المقادر والاشكال والنهايات والآجال.

36 - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام: الحمد لله الذي بطن خفيات الأمور، ودلت عليه أعلام الظهور، وامتنع على عين البصير، فلا عين من لم يره تنكره، ولا قلب من أثبته يبصره، سبق في العلو فلا شئ أعلى منه، وقرب في الدنو فلا شئ أقرب منه، فلا استعلاؤه باعده عن شئ من خلقه، ولا قربه ساواهم في المكان به، لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود، تعالى الله عما يقول المشبهون به والجاحدون له علوا كبيرا.

بيان: بطن خفيات الأمور أي علم بواطنها، وقيل: أي دخل بواطن الأمور الخفية أي هو؟ أي عند العقول منها. قول عليه السلام: فلا عين من لم يره أي لا تنكر وجوده عين من لم يره لشهادة فطرته على ظهور وجوده، أو أنه لا سبيل من جهة عدم إبصاره إلى إنكاره، إذ كان حظ العين إدراك ما صح إدراكه بها لا مطلقا.

قوله عليه السلام: يبصره أي يحيط بكنهه. قوله عليه السلام على إقرار أي تشهد أعلام وجوده لغاية ظهورها ووضوحها على أن الجاحد إنما يجحد بلسانه لا بقلبه كما مر مرارا.

37 - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام: الحمد لله الذي لم تسبق له حال حالا فيكون

أو لاقبل أن يكون آخرا، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا، كل مسمى بالوحدة غيره قليل، وكل عزيز غيره ذليل، وكل قوي غيره ضعيف، وكل مالك غيره مملوك، وكل عالم غيره متعلم، وكل قادر غيره يقدر ويعجز، وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ويصمه كبيرها، ويذهب عنه ما بعد منها، وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان ولطيف الأجسام، وكل ظاهر غيره غير باطن، وكل باطن غيره غير ظاهر، لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان، ولا تخوف من عواقب زمان، ولا استعانة على ند مثاور، ولا شريك مكاثر، ولا ضد منافر، ولكن خلائق مربوبون، وعباد داخرون، لم يحلل في الأشياء فيقال: هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال: هو منها بائن، لم يؤده خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ما ذرأ، ولا وقف به عجز عما خلق، ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدر، بل قضاء متقن، وعلم محكم، وأمر مبرم، المأمول مع النقم، المرهوب مع النعم.

بيان: قوله عليه السلام: لم تسبق له حال حالا إما مبني على ما مر من عدم كونه تعالى زمانيا، فإن السبق والتقدم والتأخر إنما تلحق الزمانيات المتغيرات، وهو تعالى خارج عن الزمان: أو المعنى أنه ليس فيه تبدل حال وتغير صفة بل كل ما يستحقه من الصفات الذاتية الكمالية يستحقها أزلا وأبدا فلا يمكن أن يقال: كان استحقاقه للأولية قبل استحقاقه للآخرية، أو كان ظاهرا ثم صار باطنا بل، كان أزلا متصفا بجميع ما يستحقه من الكمالات، وليس محلا للحوادث والتغيرات، أو أنه لا يتوقف اتصافه بصفة على اتصافه بأخرى بل كلها ثابتة لذاته بذاته من غير ترتيب بينها ولعل الأوسط أظهر.

قوله عليه السلام: كل مسمى بالوحدة غيره قليل قيل: المعنى أنه تعالى لا يوصف يا لقلة وإن كان واحدا إذ المشهور من معنى الواحد كون الشئ مبدءا لكثرة يكون عادا لها ومكيالا، وهو الذي تلحقه القلة والكثرة الإضافيتان، فإن كل واحد بهذا المعنى هو قليل بالنسبة إلى الكثرة التي تصلح أن تكون مبدءا لها، ولما كان تعالى منزها عن الوصف بالقلة والكثرة لما يستلزمانه من الحاجة والنقصان اللازمين لطبيعة الامكان أثبت القلة لكل ما سواه فاستلزم إثباتها لغيره في معرض المدح له نفيها عنه، وقيل:

إن المراد بالقليل الحقير لان أهل العرف يحقرون القليل ويستعظمون الكثير.

أقول: الأظهر أن المراد أن الوحدة الحقيقية مخصوصة به تعالى، وإنما يطلق على غيره بمعنى مجازي مؤول بقلة معاني الكثرة فإن للكثرة معاني مختلفة: الكثرة بحسب الأجناس أو الأنواع أو الأصناف أو الأفراد والأشخاص أو الأعضاء أو الأجزاء الخارجية أو العقلية أو الصفات العارضة، فيقال للجنس: جنس واحد مع اشتماله على جميع أنواع التكثرات لكون كثرته أقل مما اشتمل على التكثر الجنسي أيضا وهكذا، فظهر أن معنى الواحد في غيره تعالى يرجع إلى القليل، ولذا قال عليه السلام: كل مسمى بالوحدة إشارة إلى أن غيره تعالى ليس بواحد حقيقة، هذا ما خطر بالبال والله يعلم. وقد مر تفسير سائر الفقرات ونظائرها مرارا.

38 - نهج البلاغة: من خطبة له عليه السلام: المعروف من غير رؤية، والخالق من غير رؤية، الذي لم يزل قائما دائما، إذ لا سماء ذات أبراج، ولا حجب ذات ارتاج، ولا دليل داج، ولا بحر ساج، ولا جبل ذو فجاج، ولا فج ذو اعوجاج، ولا أرض ذات مهاد، ولا خلق ذو اعتماد، ذلك مبتدع الخلق ووارثه، وإله الخلق ورازقه، والشمس والقمر دائبان في مرضاته، يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، قسم أرزاقهم وأحصى آثارهم وأعمالهم، وعدد أنفاسهم وخائنة أعينهم وما تخفي صدورهم من الضمير، ومستقرهم ومستودعهم من الأرحام والظهور، إلى أن تتناهى بهم الغايات، هو الذي اشتدت نقمته على أعدائه في سعة رحمته، واتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته، قاهر من عازه، ومدمر من شاقه، ومذل من ناواه، وغالب من عاداه، من توكل عليه كفاه، ومن سأله أعطاه، ومن أقرضه قضاه ، ومن شكره جزاه. عباد الله زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا، وتنفسوا قبل ضيق الخناق، وانقادوا قبل عنف السياق، واعلموا أنه من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ وزاجر لم يكن له من غيرها زاجر ولا واعظ.

بيان: الروية: التفكر، والقائم في صفاته تعالى بمعنى الدائم الثابت الذي لا يزول، أو العالم بالخلق الضابط لأحوالهم أينما كانوا، أو قيامه توكيله الحفظة عليهم، أو حفظه للخلق وتدبيره لأمورهم، أو مجازاته بالاعمال، أو قهره لعباده واقتداره عليهم.

والأبراج قيل: هو جمع البرج بالضم بمعنى الركن، وأركانها أجزاؤها وتداويرها وخوارجها ومتمماتها، أو البرج بالمعنى المصطلح أي البروج الاثني عشر، والأظهر عندي أنه جمع البرج بالتحريك أي الكواكب، قال الفيروزآبادي: البرج الجميل: الحسن الوجه، أو المضئ البين المعلوم، والجمع أبراج.

قوله عليه السلام: ذات ارتاج إما بالكسر مصدر أرتج أي أغلق، أو بالفتح جمع الرتاج وهو الباب المغلق، وفيه: أنه قلما يجمع فعال على أفعال. وروي ذات رتاج على المفرد، والداجي: المظلم. والساجي: الساكن، والفجاج بالكسر جمع فج بالفتح وهو الطريق الواسع بين الجبلين. والمهاد: الفراش أي أرض مبسوطة ممكنة للتعيش عليها كالمهاد.

قوله عليه السلام: ذو اعتماد أي ذو قوة وبطش، أو يسعى برجلين فيعتمد عليهما.

ودأب في عمله أي جد وتعب، والشمس والقمر دائبان لتعاقبهما على حالة واحدة لا يفتران ولا يسكنان، وروي دائبين بالنصب على الحال، ويكون خبر المبتدأ يبليان قوله عليه السلام: وأحصى آثارهم أي آثار أقدامهم ووطئهم في الأرض، أو حركاتهم وتصرفاتهم، أو ما يبقي بعدهم من سنة حسنة أو سيئة، كما فسر به قوله تعالى: " ونكتب ما قدموا وآثارهم " وروي عدد أنفاسها على الإضافة. وخائنة الأعين: ما يسارق من النظر إلى ما لا يحل، أو أن ينظر نظرة بريبة.

قوله عليه السلام: من الأرحام متعلقة بمستقرهم ومستودعهم بيانا لهما على اللف والنشر، ولما كان تحقق الغرض وكمال الذات وحلول الروح في الرحم عبر عنه بالمستقر وعن الظهر بالمستودع، ويكون الظرف أعني قوله: إلى أن تتناهى متعلقا بالافعال

السابقة أي قسم وأحصى وعدد، وتكون تناهي الغاية بهم كناية عن موتهم، ويحتمل أن يكون المراد: مستقرهم ومأواهم على ظهر الأرض ومستودعهم في بطنها بعد الموت ويكون " من " بمعنى " مذ " أي مذ زمان كونهم في الأرحام والظهور إلى أن تناهي الغاية أي إلى أن يحشروا في القيامة وصاروا إلى النعيم أو إلى الجحيم، ويحتمل أن يكون المراد بالمستقر والمستودع من استقر فيه الايمان ومن استودع الايمان ثم يسلب كما دلت عليه الأخبار الكثيرة، وتوجيه الظرفين بعد ما مر غير خفي.

قوله عليه السلام: في سعة رحمته أي في حال سعة رحمته على أوليائه، واتسعت رحمته لأوليائه في حال شدة نقمته على أعدائه، فالمراد تنزيهه تعالى عن صفة المخلوقين فإن رحمتهم لا تكون في حال غضبهم وبالعكس، أو اشتدت نقمته على أعدائه في حال سعة رحمته عليهم فإن رحمته تعالى شاملة لهم في دنياهم، وهم فيها يستعدون للنقمة الشديدة، و لا يخفى بعده. والمعازة: المغالبة والمدمر: المهلك. والمشاقة: المعاداة والمنازعة.

قوله عليه السلام: وتنفسوا قبل ضيق الخناق استعار لفظ التنفس لتحصيل الراحة والبهجة في الجنة بالأعمال الصالحة في الدنيا، واستعار لفظ الخناق من الحبل المخصوص للموت أي انتهزوا لفرصة للعمل قبل تعذره بزوال وقته. قوله عليه السلام: قبل عنف السياق أي السوق العنيف عند قبض الروح، أو في القيامة إلى الحساب.

قوله عليه السلام: من لم يعن على بناء المجهول أي لم يعنه الله على نفسه حتى يجعل له منها واعظا وزاجرا لم يمنعه المنع والزجر من غيرها، أو على بناء المعلوم كما روي أيضا أي من لم يعن الواعظين له والمنذرين على نفسه لم ينتفع بالوعظ والزجر لان هوى نفسه يغلب وعظ كل واعظ.

39 - نهج البلاغة: ومن خطبة له عليه السلام: لا يشغله شأن، ولا يغيره زمان، ولا يحويه مكان، ولا يصفه لسان، ولا يعزب عنه قطر الماء، ولا نجوم السماء ولا سوافي الريح في الهواء، ولا دبيب النمل على الصفا، ولا مقيل الذر في الليلة الظلماء، يعلم مساقط الأوراق وخفي طرف الأحداق.

بيان: مقيل الذر أي نومها أو محل نومها.

40 - نهج البلاغة: روي عن نوف البكالي قال: خطبنا بهذه الخطبة أمير المؤمنين عليه السلام - وهو قائم علي حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي وعليه مدرعة من صوف وحمائل سيفه ليف، وفي رجليه نعلان من ليف، وكأن جبينه ثفنة بعير - فقال عليه السلام: الحمد لله الذي إليه مصائر الخلق وعواقب الامر، نحمده على عظيم إحسانه ونير برهانه، ونوامي فضله وامتنانه، حمدا يكون لحقه قضاءا ولشكره أداءا، وإلى ثوابه مقربا،

ولحسن مزيده موجبا، ونستعين به استعانة راج لفضله، مؤمل لنفعه، واثق بدفعه، معترف له بالطول، مذعن له بالعمل والقول، ونؤمن به إيمان من رجاه موقتا؟، وأناب إليه مؤمنا، وخنع له مذعنا وأخلص له موحدا، وعظمه ممجدا، ولا ذبه راغبا مجتهدا، لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركا، ولم يلد فيكون موروثا هالكا، ولم يتقدمه وقت ولا زمان، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم، فمن شواهد خلقه خلق السماوات موطدات بلا عمد، قائمات بلا سند، دعاهن فأجبن طائعات مذعنات، غير متلكئات ولا مبطئات، ولولا إقرار هن له بالربوبية وإذعانهن بالطواعية لما جعلهن موضعا لعرشه، ولا مسكنا لملائكته، ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه، جعل نجومها أعلاما يستدل بها الحيران في مختلف فجاج الأقطار لم يمنع ضوء نورها إدلهمام سجف الليل المظلم، ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن ترد ما شاع في السماوات من تلألؤ نور القمر، فسجان من لا يخفى عليه سواد غسق داج، ولا ليل ساج في بقاع الأرضين المتطاطئات، ولا في يفاع السفع المتجاورات، وما يتجلجل به الرعد في أفق السماء، وما تلاشت عنه بروق الغمام، وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء وانهطال السماء، ويعلم مسقط القطرة ومقرها، و مسحب الذرة ومجرها، وما يكفي البعوضة من قوتها، وما تحمل الأنثى في بطنها.

والحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسي أو عرش أو سماء أو أرض أو جان أو إنس، لا يدرك بوهم، ولا يقدر بفهم، ولا يشغله سائل، ولا ينقصه نائل، ولا ينظر بعين، ولا يحد بأين، و لا يوصف بالأزواج، ولا يخلق بعلاج، ولا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، الذي كلم موسى تكليما، وأراه من آياته عظيما، بلا جوارح ولا أدوات، ولا نطق ولا لهوات بل إن كنت صادقا أيها المتكلف لوصف ربك فصف جبرئيل وميكائيل وجنود الملائكة المقربين في حجرات القدس مرجحنين، متولهة عقولهم أن يحدوا حسن الخالقين، و

إنما يدرك بالصفات ذووا الهيئات والأدوات، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حده بالفناء فلا إله إلا هو، أضاء بنوره كل ظلام، وأظلم بظلمته كل نور.

بيان: البكالي بفتح الباء وتخفيف الكاف منسوب إلى بكال قبيلة، كذا ذكره الجوهري. وقال الراوندي رحمه الله: منسوب إلى بكالة، وهو اسم حي من همدان.

وقال ابن أبي الحديد: إنما هو بكال بكسر الباء اسم حي من حمير والثفنة - بكسر الفاء - من البعير: الركبة المصائر جمع المصير وهو مصدر صار إلى كذا ومعناه المرجع، قال تعالى:

" وإلى الله المصير ". قوله عليه السلام: مذعن له من أذعن له أي خضع وذل، والخنوع أيضا: الخضوع والذل.

قوله عليه السلام: ولا زمان تأكيد للوقت، وقيل: الوقت جزء الزمان، ويمكن حمل أحدهما على الموجود والآخر على الموهوم، والتعاور: التناوب، ويقال: أبرم الامر أي أحكمه.

قوله عليه السلام: موطلات أي مثبتات. قوله عليه السلام: ولولا إقرارهن قيل: إقرارهن له بالربوبية راجع إلى شهادة حالهن بالامكان والحاجة إلى الرب والانقياد لحكم قدرته، وظاهر أنه لولا إمكانها وانفعالها عن قدرته وتدبيره لم يكن فيها عرش ولم يكن أهلا لسكني الملائكة، وصعود الكلم الطيب والأعمال الصالحة، ولفظ الدعاء والاقرار والاذعان مستعارة. وربما يقال:

إنها محمولة على الحقيقة نظرا إلى أن لها أرواحا، والادلهمام: شدة ظلمة الليل، والسجف: الستر، والحندس من الليل: الشديد الظلمة، والمتطاطي: المنخفض، واليفاع: ما ارتفع من الأرض، والسفع: الجبال، وسماها سفعا لان السفعة سواد مشرب حمرة ، وكذلك لونها في الأكثر، والتجلجل: صوت الرعد قوله عليه السلام: وما تلاشت عنه قال ابن أبي الحديد قال: ابن الاعرابي: لشأ الرجل: إذا اتضع وخس بعد رفعه، وإذا صح أصلها صح استعمال الناس " تلاشي " بمعنى اضمحل. وقال القطب الراوندي تلاشي مركب من لا شئ، ولم يقف على أصل الكلمة

أي يعلم ما يصوت به الرعد، ويعلم ما يضمحل عنه البرق. فإن قلت: هو سبحانه عالم بما يضيئه البرق وبما لا يضيئه فلم خص عليه السلام ما يتلاشى عنه البرق؟ قلت: لان علمه بما ليس يضئ أعجب وأغرب لان ما يضيئه البرق يمكن أن يعلمه أولوا الابصار الصحيحة قوله عليه السلام: عواصف الأنواء الأنواء جمع نوء وهو سقوط نجم من منازل القمر الثمانية والعشرين في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه من المشرق مقابلا له من ساعته، ومدة النوء ثلاثة عشر يوما إلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما، وإنما سمي نوءا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق أي نهض وطلع، وقيل: أراد بالنوء الغروب وهو من الأضداد. قال أبو عبيدة: ولم يسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع. وإنما أضاف العواصف إليها لان العرب تضيف الرياح والأمطار والحر والبرد إلى الساقط منها، أو لان أكثر ما يكون عصفا فيها، والانهطال: الانصباب، و سحبه كمنعه: جره على وجه الأرض، وأكل وشرب أكلا وشربا شديدا.

قوله عليه السلام: ولا يشغله سائل أي عن سائل آخر، والنائل: العطاء أي لا ينقص خزائنه عطاء. قوله عليه السلام: لا يوصف بالأزواج أي بالأمثال أو الأضداد أو بصفات الأزواج، أوليس فيه تركب وازدواج أمرين كما مر تحقيقه، أو بأن له صاحبة.

قوله عليه السلام: تكليما مصدر للتأكيد لإزالة توهم السامع التجوز في كلامه تعالى، والمراد بالآيات إما الآيات التسع أو الآيات التي ظهرت عند التكليم من سماع الصوت من الجهات الست وغيره، ويؤيد الثاني قوله عليه السلام: بلا جوارح إلى قوله: ولا لهوات، إذ الظاهر تعلقه بالتكليم، ويحتمل تعلقه بالجميع على اللف والنشر غير المرتب.

قوله عليه السلام مرجحنين أي مائلين إلى جهة التحت خضوعا لجلال الباري عز سلطانه، ويحتمل أن يكون كناية عن عظمة شأنهم ورزانة قدرهم أو عن نزولهم وقتا بعد وقت بأمره تعالى، قال الجزري: ارجحن الشئ: إذا مال من ثقله وتحرك. قوله عليه السلام: أمد حده الإضافة بيانية، وحمل الحد على النهايات والأطراف بعيد جدا.

قوله عليه السلام أضاء بنوره كل ظلام الظلام إما محسوس فإضاءته بأنوار الكواكب والنيرين، أو معقول وهو ظلام الجهل فإضاءته بأنوار العلم والشرائع قوله: وأظلم بظلمته كل نور إذ جميع الأنوار المحسوسة أو المعقولة مضمحلة في نور علمه، وظلام بالنسبة إلى نور براهينه في جميع مخلوقاته الكاشفة عن وجوده، وقال ابن أبي الحديد:

تحت قوله عليه السلام معنى دقيق وسر خفي وهو أن كل رذيلة في الخلق البشري غير مخرجة عن حد الايمان مع معرفته بالأدلة البرهانية، غير مؤثرة نحو أن يكون العارف بخيلا أو جبانا، وكل فضيلة مع الجهل به سبحانه ليست بفضيلة في الحقيقة، لان الجهل به يكشف تلك الأنوار نحو أن يكون الجاهل به جوادا أو شجاعا. ويمكن أن يكون الظلام والنور كنايتين عن الوجود والعدم، ويحتمل على بعد أن يكون الضمير في قوله: بظلمته راجعا إلى كل نور لتقدمه رتبة فيرجع حاصل الفقرتين حينئذ إلى أن النور هو ما ينسب إليه تعالى فبتلك الجهة نور، وأما الجهات الراجعة إلى الممكنات فكلها ظلمة.

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.