پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · كتاب التوحيد

باب 4 جوامع التوحيد الآيات، البقرة 2 الله إله إلا هو الحي

ج ۴، ص ۲۶۲–۲۸۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۳ از ۵

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۴

إلى العمال في شأن الفضل بن سهل وأخيه، ولم ارو ذلك عن أحد: أما بعد فالحمد لله البدئ البديع القادر القاهر، الرقب على عباده، المقيت على خلقه، الذي خضع كل شئ لملكته، وذل كل شئ لعزته، واستسلم كل شئ لقدرته، وتواضع كل شئ لسلطانه وعظمته، وأحاط بكل شئ علمه، وأحصى عدده، فلا يؤوده كبير، ولا يعزب عنه صغير، الذي لا تدركه أبصار الناظرين، ولا تحيط به صفة الواصفين، له الخلق و الامر، والمثل الاعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم الخبير.

بيان المثل بالتحريك: الحجة أو الصفة وما يتمثل به ويضرب من الأمثال أي له تعالى الحجة الاعلى والصفة العليا، وهي الوجوب الذاتي، والغنى المطلق، والنزاهة عن صفات المخلوقين، أو الأمثال الحسنة التي يضربها لافهام الخلق، ولا ينافي ذلك النهي عن ضرب الأمثال لغيره تعالى في قوله " فلا تضربوا لله الأمثال " لان عقولهم قاصرة عن ذكر ما يناسب علو ذاته تعالى، على أنه يحتمل أن يكون المراد بالأمثال الأشباه

11 - علل الشرائع: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن سهل، عن ابن بزيع، عن محمد بن زيد قال: جئت إلى الرضا عليه السلام أسأله عن التوحيد فأملى علي: الحمد لله فاطر الأشياء إنشاءا، ومبتدعها ابتداءا بقدرته وحكمته، لا من شئ فيبطل الاختراع، ولا لعلة فلا يصح الابتداع، خلق ما شاء كيف شاء، متوحدا بذلك لاظهار حكمته وحقيقة ربوبيته تضبطه العقول، ولا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الابصار، ولا يحيط به مقدار، عجزت دونه العبارة، وكلت دونه الابصار، وضل فيه تصاريف الصفات، احتجب بعير حجاب محجوب، واستتر بغير ستر مستور، عرف بغير رؤية، ووصف بغير صورة، ونعت بغير جسم، لا إله إلا هو الكبير المتعال.

التوحيد: ابن الوليد، عن الصفار، عن سهل مثله

12 - معاني الأخبار: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيسى بن أحمد بن عيسى بن علي بن

الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، عن محمد بن إبراهيم بن أسباط، عن أحمد بن محمد بن زياد القطان، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن عيسى بن جعفر بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن آبائه، عن عمر بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: التوحيد ظاهره في باطنه، وباطنه في ظاهره، ظاهره موصوف لا يرى، وباطنه موجود لا يخفى، يطلب بكل مكان، ولم يخل عنه مكان طرفة عين، حاضر غير محدود، وغائب غير مفقود بيان: لعل المراد به أن كل ما يتعلق بالتوحيد من وجود الباري تعالى وصفاته ظاهره مقرون بباطنه أي كل ما كان ظاهرا منه بوجه فهو باطن ومخفي بوجه آخر وكذا العكس. ثم بين عليه السلام ذلك بأن ظاهره أنه موصوف بالوجود وسائر الكمالات بما أظهر من الآثار في الممكنات، ولكنه لا يرى فهو باطن عن الحواس، وباطنه أنه موجود خاص لا كالموجودات، ولكنه لا يخفى من حيث الآثار، ويمكن أن يقال: فسر عليه السلام كلا منهما بما يناسب ضده لبيان تلازمهما، ويحتمل أيضا أن يكون المراد بالظاهر مجمل التوحيد أوما يكتفي به العوام، وبالباطن مفصله أو ما يجب أن يعرفه الخواص، فالمقصود بقوله: ظاهره في باطنه أن كلا منهما لا ينافي الآخر، وإنما الفرق بينهما بالاجمال والتفصيل، وما ذكر بعد قوله: وباطنه إلى آخر الخبر، تفسير لباطن التوحيد، وعلى الأولين قوله عليه السلام: يطلب إلى آخره توضيح لما ادعى أولا من التلازم والله يعلم.

13 - التوحيد، معاني الأخبار: محتمل بن سعيد بن عزيز السمرقندي، عن محمد بن أحمد الزاهد السمرقندي بإسناد رفعه إلى الصادق عليه السلام أنه سأله رجل فقال له: إن أساس الدين التوحيد والعدل، وعلمه كثير، ولابد لعاقل منه فاذكر ما يسهل الوقوف عليه، ويتهيأ حفظه، فقال: أما التوحيد فأن لا تجوز على ربك ما جاز عليك، وأما العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه.

14 - التوحيد: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر وغيره،

عن عمرو بن ثابت، عن رجل سماه، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يوما خطبة بعد العصر، فعجب الناس من حسن صفته وما ذكر من تعظيم الله جل جلاله، قال أبو إسحاق: فقلت للحارث:

أو ما حفظتها؟ قال: قد كتبتها، فأملاها علينا من كتابه: الحمد لله الذي لا يموت، ولا تنقضي عجائبه، لأنه كل يوم في شأن، من إحداث بديع لم يكن، الذي لم يولد فيكون في العز مشاركا، ولم يلد فيكون موروثا هالكا، ولم تقع عليه الأوهام فتقدره شبحا ماثلا، ولم تدركه الابصار فيكون بعد انتقالها حائلا، الذي ليست له في أوليته نهاية، ولا في آخريته حد ولا غاية، الذي لم يسبقه وقت، ولم يتقدمه زمان، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان، ولم يوصف بأين ولا بما ولا بمكان، الذي بطن من خفيات الأمور، وظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير، الذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحد ولا ببعض، بل وصفته بأفعاله، ودلت عليه بآياته، لا تستطيع عقول

المتفكرين جحده لان من كانت السماوات والأرض فطرته وما فيهن وما بينهن وهو الصانع لهن فلا مدفع لقدرته، الذي بان من الخلق فلا شئ كمثله، الذي خلق الخلق لعبادته وأقدرهم على طاعته بما جعل فيهم، وقطع عذرهم بالحجج، فعن بينة هلك من هلك، وعن بينة نجا من نجا، ولله الفضل مبدءا ومعيدا، ثم إن الله - وله الحمد - افتتح الكتاب بالحمد لنفسه، وختم أمر الدنيا ومجئ الآخرة بالحمد لنفسه فقال: " وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين " الحمد لله اللابس الكبرياء بلا تجسد، والمرتدي بالجلال بلا تمثيل، والمستوي على العرش بلا زوال، والمتعالي عن الخلق بلا تباعد، القريب منهم بلا ملامسة منه لهم وليس له حد ينتهى إلى حده، ولاله مثل فيعرف بمثله، ذل من تجبر عنه، وصغر من تكبر دونه، وتواضعت الأشياء لعظمته، وانقادت لسلطانه وعزته، وكلت عن إدراكه طروف العيون، وقصرت دون بلوغ صفته أوهام الخلائق، الأول قبل كل شئ والآخر بعد كل شي، ولا يعدله شئ، الظاهر على كل شئ بالقهر له، والمشاهد لجميع الأماكن بلا انتقال إليها، ولا تلمسه لامسة، ولا تحسه حاسة، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وهو الحكيم العليم، أتقن ما أراد خلقه من الأشياء كلها بلا مثال سبق إليه، ولا لغوب دخل عليه في خلق ما خلق لديه، ابتداء ما أراد ابتداءه، وأنشأ ما أراد إنشاءه، على ما أراد من الثقلين: الجن والإنس لتعرف بذلك ربوبيته، ويمكن فيهم طواعيته.

نحمده بجميع محامده كلها على جميع نعمائه كلها، ونستهديه لمراشد أمورنا، ونعوذ به من سيئات أعمالنا، ونستغفره للذنوب التي سلفت منا، ونشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، بعثه بالحق دالا عليه، وهاديا إليه فهدانا به من الضلالة، واستنقذنا به من الجهالة، من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ونال

ثوابا كريما، ومن يعص الله ورسوله فقد خسر خسرانا مبينا واستحق، عذابا أليما، فانجعوا بما يحق عليكم من السمع والطاعة، وإخلاص النصيحة، وحسن الموازرة، وأعينوا أنفسكم بلزوم الطريقة المستقيمة، وهجر الأمور المكروهة، وتعاطوا الحق بينكم، وتعاونوا عليه، وخذوا على يدي الظالم السفيه، مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، واعرفوا لذوي الفضل فضلهم، عصمنا الله وإياكم بالهدي، وثبتنا وإياكم على التقوى، وأستغفر الله لي ولكم بيان: قوله عليه السلام: ولا تنقضي عجائبه أي كلما تأمل الانسان يجد من آثار قدرته وعجائب صنعته ما لم يكن وجده قبل ذلك ولا ينتهي إلى حد، وأنه كل يوم يظهر من آثار صنعه خلق عجيب وطور غريب يحار فيه العقول والافهام.

قوله عليه السلام: فيكون في العز مشاركا كمشاركة الولد لوالده في العز واستحقاق التعظيم. قوله: موروثا أي يرثه ولده بعد موته كما هو شأن كل والد، والحاصل أن كل والد حادث هالك موروث. قوله عليه السلام: شبحا ماثلا أي قائما، أو مماثلا ومشابها للممكنات.

قوله عليه السلام: حائلا أي متغيرا من حال الشئ يحول إذا تغير أي لا تدركه الابصار، وإلا لكان بعد انتقالها عنه متغيرا ومنقلبا عن الحالة التي كانت له عند الابصار من المقابلة والمحاذاة والوضع الخاص وغير ذلك، أو عن حلوله في الباصرة بزوال صورته والموافقة له في الحقيقة عنها. وبعض الأفاضل قرأ " بعد " مضمومة الباء، مرفوعة الاعراب على أن يكون اسم كان، والحائل بمعنى الحاجز أي كان بعد انتقال الابصار إليه حائلا من رؤيته، ومنهم من قرأه " خائلا " بالخاء المعجمة أي ذا خيال و صورة متمثلة في المدرك، والتعاور: الورود على التناوب.

قوله عليه السلام: ولا بما إذ ليست له ماهية يمكن أن تعرف حتى يسأل عنها بما هو.

قوله عليه السلام: بطن من خفيات الأمور أي أدرك الباطن من خفيات الأمور ونفذ علمه في بواطنها، أو المراد أن كنهه تعالى أبطن وأخفى من خفيات الأمور

قوله عليه السلام: بما جعل فيهم أي من الأعضاء والجوارح والقوة والاستطاعة.

قوله: بالحجج أي الباطنة وهي العقول، والظاهرة وهي الأنبياء والأوصياء. قوله: فعن بينة أي بسبب بينة واضحة: أو معرضا ومجاوزا عنها، أو " عز " بمعنى " بعد " أي بعد وضوح بينة، والثاني لا يجري في الثاني، وفي الكافي: وبمنه نجا من نجا.

قوله عليه السلام: مبدءا ومعيدا أي حال إبداء الخلق وإيجاده في الدنيا وحال إرجاعهم وإعادتهم بعد الفناء، أو مبدءا حيث بدأ العباد مفطورين على معرفته، قادرين على طاعته، ومعيدا حيث لطف بهم، ومن عليهم بالرسل والأئمة الهداة. قوله عليه السلام: وله الحمد الجملة اعتراضية.

قوله عليه السلام: افتتح الكتاب في " في ": افتتح الحمد لنفسه أي في التنزيل الكريم، أو في بدء الايجاد بإيجاد الحمد، أو ما يستحق الحمد عليه، وما هنا يؤيد الأول.

قوله عليه السلام: ومجئ الآخرة أي ختم أول أحوال الآخرة، وهو الحشر والحساب، و يمكن أن يقدر فعل آخر يناسبه أي بدأ مجئ الآخرة قوله عليه السلام: وقضي بينهم أي بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم النار، ويظهر من الخبر أن القائل هو الله، ويحتمل أن يكون الملائكة بأمره تعالى قوله عليه السلام: بلا تمثيل أي بمثال جسماني قوله بلا زوال أي بغير استواء جسماني يلزمه إمكان الزوال، أولا يزول اقتداره واستيلاؤه أبدا قوله: من تجبر عنه في الكافي مكان عنه غيره، فهو حال عن الفاعل، وكذا قوله: دونه قوله: لعظمته أي عند عظمته، أو عنده بسبب عظمته، والاحتمالان جاريان فيما بعده. قوله عليه السلام: بلا مثال أي لا في الخارج ولا في الذهن.

قوله: ولا لغوب أي تعب ويمكن إرجاع ضمير لديه إليه تعالى وإلى الخلق، فالظرف على الأول متعلق بخلق، وعلى الثاني بدخل قوله: ويمكن على التفعيل، والطواعية: الطاعة، وفي " في ": طاعته، وقال الفيروزآبادي: المراشد: مقاصد الطرق.

قوله عليه السلام: فانجعوا في بعض النسخ بالنون والجيم من قولهم: أنجع أي أفلح أي أفلحوا بما يجب عليكم من الاخذ سمعا وطاعة، أو من النجعة بالضم وهي طلب الكلأ

من موضعه، وفي بعضها بالباء الموحدة فالخاء المعجمة، قال الجزري: فيه: أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوبا وأبخع طاعة. أي أبلغ وأنصح في الطاعة من غيرهم، كأنهم بالغوا في بخع أنفسهم أي قهرها وإذلالها بالطاعة. قال الزمخشري في الفائق: أي أبلغ طاعة من بخع الذبيحة: إذا بالغ في ذبحها، وهو أن يقطع عظم رقبتها، هذا أصله ثم كثر حتى استعمل في كل مبالغة فقيل: بخعت له نصحي وجهدي وطاعتي.

قوله عليه السلام: وإخلاص النصيحة أي لله ولكتابه ولرسوله وللأئمة ولعامة المسلمين، والموازرة: المعاونة قوله عليه السلام: وأعينوا أنفسكم أي على الشيطان، وفي " في " على أنفسكم أي النفس الامارة بالسوء، قوله عليه السلام: وتعاطوا الحق أي تناولوه بأن يأخذه بعضكم من بعض ليظهر ولا يضيع.

15 - التوحيد: الدقاق، عن محمد الأسدي وابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه عن أبي معاوية، عن الحصين بن عبد الرحمن، عن أبيه، و حدثنا أحمد بن محمد بن الصقر الصائغ، عن محمد بن العباس بن بسام، عن سعيد بن محمد البصري، عن عمرة بنت أوس، قالت: حدثني جدي الحصين بن عبد الرحمن، عن أبيه:

عن أبي عبد الله الصادق، عن أبيه، عن جده عليهم السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام استنهض الناس في حرب معاوية في المرة الثانية، فلما حشد الناس قام خطيبا فقال: الحمد لله الواحد الأحد الصمد المتفرد الذي لامن شئ كان، ولا من شئ خلق ما كان، قدرته بان بها من الأشياء، وبانت الأشياء منه، فليست له صفة تنال، ولاحد يضرب له فيه الأمثال كل دون صفاته تحبير اللغات، وضل هنالك تصاريف الصفات، وحارقي ملكوته عميقات مذاهب التفكير، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، وحال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب، وتاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول في لطيفات الأمور، فتبارك الله الذي لا يبلغه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، وتعالى الذي ليس له وقت معدود، ولا أجل ممدود، ولا نعت محدود، وسبحان الذي ليس له أول مبتدأ، ولا غاية منتهى، ولا آخر يفنى، سبحانه هو كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته، حد الأشياء كلها عند خلقه إياها، إبانة لها من شبهه، وإبانة له من شبهها، فلم يحلل فيها فيقال: هو

فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال: هو منها بائن ولم يخل منها فيقال له: أين: لكنه سبحانه أحاط بها علمه، وأتقنها صنعه، وأحصاها حفظه، لم يعزب عنه خفيات غيوب الهواء، ولا غوامض مكنون ظلم الدجى، ولاما في السماوات العلى والأرضين السفلى، لكل شئ منها حافظ ورقيب، وكل شئ منها بشئ محيط، والمحيط بما أحاط منها الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم تغيره صروف الأزمان، ولم يتكأده صنع شئ كان، إنما قال لما شاء أن يكون: " كن " فكان، ابتدع ما خلق مثال سبق، ولا تعب ولا نصب، وكل صانع شئ فمن شئ صنع، والله لامن شئ صنع ما خلق، وكل عالم فمن بعد جهل تعلم، والله لم يجهل ولم يتعلم، أحاط بالأشياء علما قبل كونها فلم يزدد بكونها علما، علمه بها قبل أن يكونها كعلمه بعد تكوينها، لم يكونها لشدة سلطان ولا خوف من زوال ولا نقصان، ولا استعانة على ضد مساور ولا ند مكاثر، ولا شريك مكائد لكن خلائق مربوبون وعباد داخرون فسبحان الذي لا يؤوده خلق ما ابتدأ، ولا تدبير ما برأ، ولا من عجز ولا من فترة بما خلق اكتفى، علم ما خلق، وخلق ما علم، لا بالتفكير ولا بعلم حادث أصاب ما خلق، ولا شبهة دخلت عليه فيما لم يخلق، لكن قضاء مبرم، وعلم محكم، وأمر متقن، توحد بالربوبية، وخص نفسه بالوحدانية، واستخلص المجد والثناء فتحمد بالتحميد، وتمجد بالتمجيد، وعلا عن اتخاذ الأبناء، و تطهر وتقدس عن ملامسة النساء، وعز وجل عن مجاورة الشركاء، فليس له فيما خلق ضد، ولا فيما ملك ند، ولم يشرك في ملكه أحد، الواحد الأحد، الصمد المبيد للأبد

والوارث للأمد، الذي لم يزل ولا يزال وحدانيا أزليا قبل بدء الدهور، وبعد صرف الأمور، الذي لا يبيد ولا يفقد، بذلك أصف ربي، فلا إله إلا الله من عظيم ما أعظمه، وجليل ما أجله، وعزيز ما أعزه، وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

توضيح: قوله: حشد أي جمع. قوله عليه السلام: المتفرد أي في الخلق والتدبير، أو بسائر الكمالات. قوله عليه السلام: قدرته مبتدء وبان بها خبره، أو خبره كافية فكانت جملة استينافية، فكأن سائلا سأل وقال: فكيف خلق لا من شئ؟ فأجاب: بأن قدرته كافية، وفي " في " قدرة، أي له قدرة، أو هو عين القدرة بناءا على عينية الصفات، وقيل: نصب على التمييز، أو على أنه منزوع الخافض أي ولكن خلق الأشياء قدرة أو بقدرة.

قوله : ولاحد أي جسماني أو عقلي، أوليس لمعرفة ذاته وصفاته تعالى حدو نهاية حتى يضرب له فيه الأمثال إذا لأمثال إنما تصح إذا كان له مشابهة بالممكنات بأحد هذه الوجوه، والكلال: العجز والاعياء، والتحبير: التحسين أي أعيا قبل الوصول إلى بيان صفاته، أو عند تزيين الكلام باللغات البديعة الغريبة.

قوله عليه السلام: وضل هنالك أي في ذاته تعالى، أو في توصيفه بصفاته تصاريف صفات الواصفين، وأنحاء تعبيرات العارفين، أو ضل وضاع في ذاته الصفات المتغيرة الحادثة فيكون نفيا للصفات الحادثة عنه تعالى، أو مطلق الصفات أي ليس في ذاته التغيرات الحاصلة من عروض الصفات المتغائرة، فيكون نفيا لزيادة الصفات مطلقا، كل ذلك أفاده الوالد العلامة قدس الله روحه.

قوله عليه السلام: في ملكوته فعلوت من الملك، وقد يخص بعالم الغيب وعالم المجردات والملك بعالم الشهادة وعالم الماديات، وأفكر في الشئ وفكر فيه وتفكر بمعني أي تحير في إدراك حقائق ملكوته وخواصها وآثارها وكيفية نظامها وصدورها عنه تعالى الأفكار العميقة الواقعة في مذاهب التفكير، أو مذاهب التفكير العميقة فيكون إسناد الحيرة إليها إسنادا مجازيا.

قوله عليه السلام: دون الرسوخ في علمه الرسوخ: الثبوت أي انقطع جوامع تفسيرات

المفسرين قبل الثبوت في علمه، أو عنده إشارة إلى قوله تعالى: " والراسخون في العلم يقولون آمنا به " وقد مرت الإشارة إلى توجيهه في باب النهي عن التفكر في ذاته تعالى.

قوله عليه السلام: وحال دون غيبه المكنون المكنون: المستور، والمراد به معرفة ذاته وصفاته، فالمراد بالحجب الحجب النورانية والظلمانية المعنوية من كماله تعالى ونقص مخلوقاته، أو الأعم منها ومن سائر العلوم المغيبة فالحجب أيضا أعم، أو المراد أسرار الملكوت الاعلى من العرش والكرسي والملائكة الحافين بهما وسائر ما هو مستور عن حواسنا بالحجب الجسمانية. والتيه: التحير، والأدنى: الأقرب، والأداني: جمع الدني وهو القريب، والإضافة في طامحات العقول ولطيفات الأمور من إضافة الصفة إلى الموصوف، والطامح: المرتفع، والظرف في قوله: في لطيفات متعلق بالطامحات بأن يكون في بمعنى إلى، أو حال منه.

قوله عليه السلام: فتبارك إما مشتق من البروك بمعنى الثبات والبقاء، أو من البركة وهي الزيادة. والهمة: العزم، ويقال: فلان بعيد الهمة: إذا كانت إرادته تتعلق بالأمور العالية. قوله: ولا نعت محدود أي الحدود الجسمانية أو العقلانية بأن يحاط بنعته.

قوله عليه السلام ولا آخر يفنى أي بعده. قوله عليه السلام: كما وصف نفسه أي في كتبه، وعلى ألسنة رسله وحججه، وبقلم صنعه على دفاتر الآفاق والأنفس.

قوله عليه السلام: حد الأشياء كلها أي جعل للأشياء حدودا ونهايات، أو أجزاءا و ذاتيات، ليعلم بها أنها من صفات المخلوقين والخالق منزه عن صفاتهم، أو خلق الممكنات التي من شأنها المحدودية ليعلم بذلك أنه ليس كذلك، كما قال تعالى: فخلقت الخلق لأعرف، أو خلقها محدودة لأنها لم يكن يمكن أن تكون غير محدودة لامتناع مشابهة الممكن الواجب في تلك الصفات التي هي من لوازم وجوب الوجود، ولعل الأوسط أظهر قوله عليه السلام: ولم يخل منها أي بالخلو الذي هو بمعنى عدم الملكة بقرينة التفريع أي كخلو المحل عن الحال، والمكان عن المتمكن، والدجى جمع دجية بالضم وهي الظلمة

قوله عليه السلام: لكل شئ منها حافظ ورقيب الظرف خبر لقوله: حافظ ورقيب أو متعلق بكل منهما والمبتدأ محذوف أي هو لكل شئ منها حافظ ورقيب، والأول أظهر، فيكون إشارة إلى الملائكة الموكلين بالعرش والكرسي والسماوات والأرضين والبحار والجبال وسائر الخلق.

قوله: وكل شئ منها أي من السماوات والأرض وما بينهما محيط بشئ منها إحاطة علم وتدبير فيكون مؤكدا للسابق على أحد الوجهين، أو إحاطة جسمية والمحيط بكل من تلك المحيطات علما وقدرة وتدبيرا هو الله الواحد. والدخور: الصغار والذل.

قوله عليه السلام: ولا من عجز أي لم يكتف بخلق ما خلق لعجز ولا فتور، بل لعدم كون الحكمة في أزيد من ذلك، ثم أكد عليه السلام ذلك بقوله: علم ما خلق وخلق ما علم أي ما علم أن الصلاح في خلقه، ويقال: استخلصه لنفسه أي استخصه.

قوله: فتحمد بالتحميد يقال: هو يتحمد على أي يمتن أي أنعم علينا واستحق الحمد والثناء بأن رخص لنا في تحميده، أو بأن حمد نفسه ولم يكل حمده إلينا، وفي " في ": توحيد بالتوحيد، فالتوحيد يحتمل الوجهين أيضا، والتمجد: إظهار المجد و العظمة، والتمجيد يحتمل الوجهين أيضا. قوله: المبيد للأبد أي الملك المفني للدهر والزمان والزمانيات: والوارث للأمد أي الباقي بعد فناء الأمد أي الغاية والنهاية، أو امتداد الزمان.

قوله عليه السلام: وبعد صرف الأمور أي تغيرها وفنائها، وهذا ناظر إلى قوله:

لا يزال، كما أن ما قبله ناظر إلى قوله: لم يزل، وفي " في ": صروف الأمور.

أقول: رواه إبراهيم بن محمد الثقفي في كتاب الغارات بإسناده عن إبراهيم بن إسماعيل اليشكري - قال: وكان ثقة - أن عليا عليه السلام سئل عن صفة الرب سبحانه وتعالى فقال - وذكر نحو ما مر بأدنى تغيير إلى قوله -: كذلك الله الواحد الأحد الصمد، المبيد للأمد، والوارث للأبد، الذي لا يبيد ولا ينفد، فتعالى الله العلي الاعلى، عالم كل خفية وشاهد كل نجوى، لا كمشاهدة شئ من الأشياء، ملا السماوات العلى إلى الأرضين السفلى، وأحاط بجميع الأشياء علما، فعلا الذي دنا، ودنا الذي علا، له المثل الاعلى، والأسماء الحسنى تبارك وتعالى.

*

16 - التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عن البرمكي، عن علي بن العباس، عن إسماعيل بن مهران، عن إسماعيل بن إسحاق الجهني، عن فرج بن فروة، عن مسعدة ابن صدقة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: بينما أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على المنبر بالكوفة إذ قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين صف لنا ربك تبارك وتعالى لنزداد له حبا وبه معرفة فغضب أمير المؤمنين عليه السلام ونادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله ثم قام متغير اللون فقال: الحمد لله الذي لا يفره المنع، ولا يكديه الاعطاء، إذ كل معط منتقص سواه، الملئ بفوائد النعم وعوائد المزيد، وبجوده ضمن عيالة الخلق، فأنهج سبيل الطلب للراغبين إليه، فليس بما سئل أجود منه بما لم يسأل وما اختلف عليه دهر فتختلف منه الحال، ولو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال وضحكت عنه أصداف البحار، من فلز اللجين وسبائك العقيان ونضائد المرجان لبعض عبيده لما أثر ذلك في جوده، ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من ذخائر الافضال مالا ينفده مطالب السؤال، ولا يخطر لكثرته على بال لأنه الجواد الذي لا تنقصه المواهب، ولا يبخله إلحاح الملحين، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: " كن " فيكون، الذي عجزت الملائكة على قربهم من كرسي كرامته، وطول ولههم إليه، وتعظيم جلال عزه، وقربهم من غيب ملكوته أن يعلموا من أمره إلا ما أعلمهم، وهم من ملكوت القدس بحيث هم ومن معرفته على ما فطرهم عليه أن قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

فما ظنك أيها السائل بمن هو هكذا؟ سبحانه وبحمده لم يحدث فيمكن فيه التغيير والانتقال، ولم يتصرف في ذاته بكرور الأحوال، ولم يختلف عليه حقب الليالي والأيام، الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله، ولا مقدار احتذا عليه من معبود كان قبله، ولم تحط به الصفات فيكون بإدراكها إياه بالحدود متناهيا، وما زال ليس كمثله شئ عن صفة المخلوقين متعاليا، وانحسرت الابصار عن أن تناله فيكون بالعيان موصوفا وبالذات التي لا يعلمها إلا هو عند خلقه معروفا، وفات لعلوه على الأشياء مواقع رجم المتوهمين، وارتفع عن أن تحوى كنه عظمته فهاهة رويات المتفكرين، فليس له مثل فيكون ما يخلق مشبها به، وما زال عند أهل المعرفة به عن الأشباه والأضداد منزها، كذب العادلون بالله إذ شبهوه بمثل أصنافهم، وحلوه حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزوه بتقدير منتج من خواطر هممهم، وقدروه على الخلق المختلفة القوى بقرائح عقولهم، وكيف يكون من لا يقدر قدره مقدرا في رويات الأوهام وقد ضلت في إدراك كنهه هواجس الأحلام؟ لأنه أجل من أن تحده ألباب البشر بالتفكير، أو تحيط به الملائكة على قربهم من ملكوت عزته بتقدير، تعالى عن أن يكون له كفو فيشبه به، لأنه اللطيف الذي إذا أرادت الأوهام أن تقع عليه في عميقات غيوب ملكه، و حاولت الفكر المبرات من خطر الوسواس إدراك علم ذاته، وتولهت القلوب إليه لتحوى منه مكيفا في صفاته، وغمضت مداخل العقول من حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم إلهيته ردعت خاسئة وهي تجوب مهاوي سدف الغيوب متخلصة إليه سبحانه، رجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته، ولا يخطر ببال اولي الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته، لبعده من أن يكون في قوى المحدودين لأنه

خلاف خلقه، فلا شبه له من المخلوقين، وإنما يشبه الشئ، بعديله، فأما مالا عديل له فكيف يشبه بغير مثاله، وهو البدئ الذي لم يكن شئ قبله، والآخر الذي ليس شئ بعده، لا تناله الابصار في مجد جبروته، إذ حجبها بحجب لا تنفذ في ثخن كثافته. ولا تخرق إلى ذي العرش متانة خصائص ستراته، الذي صدرت الأمور عن مشيته، و تصاغرت عزة المتجبرين دون جلال عظمته، وخضعت له الرقاب، وعنت له الوجوه من مخافته، وظهرت في بدائع الذي أحدثها آثار حكمته، وصار كل شئ خلق حجة له ومنتسبا إليه، فإن كان خلقا صامتا فحجته بالتدبير ناطقة فيه، فقدر ما خلق فأحكم تقديره، ووضع كل شئ بلطف تدبيره موضعه، ووجهه بجهة فلم يبلغ منه شئ محدود منزلته، ولم يقصر دون الانتهاء إلى مشيته، ولم يستصعب إذ أمر بالمضي إلى إرادته، بلا معاناة للغوب مسه، ولا مكائدة لمخالف له على أمره، فتم خلقه وأذعن لطاعته، ووافى الوقت الذي أخرجه إليه، إجابة لم يعترض دونها ريث المبطئ، ولا أناة المتلكئ، فأقام من الأشياء أودها، ونهي معالم حدودها، ولاءم بقدرته بين متضاداتها، ووصل أسباب قرائنها، وخالف بين ألوانها، وفرقها أجناسا مختلفات في الاقدار والغرائز والهيئات، بدايا خلائق أحكم صنعها، وفطرها على ما أراد و ابتدعها، انتظم علمه صنوف ذرئها، وأدرك تدبيره حسن تقديرها.

أيها السائل اعلم أن من شبه ربنا الجليل بتباين أعضاء خلقه، وبتلاحم أحقاق مفاصلهم المحتجبة بتدبير حكمته أنه لم يعقد غيب ضميره على معرفته ولم

يشاهد قلبه اليقين بأنه لا ند له ، وكأنه لم يسمع بتبرئ التابعين من المتبوعين، وهم يقولون: " تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين " فمن ساوى ربنا بشئ فقد عدل به، والعادل به كافر بما نزلت به محكمات آياته، ونطقت به شواهد حجج بيناته، لأنه الله الذي لم يتناه في العقول فيكون في مهب فكرها مكيفا، وفي حواصل رويات همم النفوس محدودا مصرفا، المنشئ أصناف الأشياء بلا روية احتاج إليها، ولا قريحة غريزة أضمر عليها، ولا تجربة أفادها من مر حوادث الدهور، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور، الذي لما شبهه العادلون بالخلق المبعض المحدود في صفاته، ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته، وكان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى أن يكون قدروه حق قدره " فقال تنزيها لنفسه عن مشاركة الأنداد، وارتفاعا عن قياس المقدرين له بالحدود من كفرة العباد: " وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون " فما ذلك القرآن عليه من صفته فاتبعه ليوصل بينك وبين معرفته، وائتم به، واستضئ بنور هدايته، فإنها نعمة وحكمة أوتيتهما، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما دلك الشيطان عليه مما ليس في القرآن عليك فرضه ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله عز وجل، فإن ذلك منتهى حق الله عليك.

واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام في السدد المضروبة دون الغيوب، فلزموا الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: " آمنا به كل من عند ربنا " فمدح الله عز وجل اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخا، .

فاقتصر على ذلك ولا تقدر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين.

تبيان قوله: فغضب لعل غضبه عليه السلام لان السائل سأل عن الصفات الجسمانية والسمات الامكانية، أو لأنه ظن أنه يمكن الوصول إلى كنه صفته.

وقوله: الصلاة منصوب بفعل مقدر أي احضروا الصلاة أو أقيموها. وجامعة منصوب على الحال من الصلاة، ويحتمل رفعهما بالابتدائية والخبرية. وغص المسجد بفتح الغين أي امتلأ. قوله عليه السلام: لا يفره أي لا يزيده في ماله، يقال: وفرت الشئ وفرا ووفر الشئ نفسه وفورا، يتعدى. قوله: ولا يكديه أي لا يفقره. قوله:

منتقص على صيغة المفعول أي منقوص، ويكون الانتقاص متعديا ولازما كالنقص، وقال الجزري: الملئ بالهمزة: الثقة الغني، والعائدة: المعروف.

قوله عليه السلام: عيالة الخلق أي كونهم عياله يعولهم ويرزقهم، ومن قولهم: عال الرجل عيالة أي كثر عياله، وفي النهج: عياله الخلائق ضمن أرزاقهم. قوله عليه السلام: فليس بما سئل فإن جوده لا يتوقف على شئ سوى الاستحقاق والاستعداد، وهذا لا ينافي الحث على الدعاء والامر بالسؤال، فإن الدعاء من متممات الاستعداد، وفيه تنزيه له تعالى عن صفة المخلوقين لان السؤال محرك لجودهم، والله تعالى منزه عن أن يكون فيه تغير أو اختلاف، وإنما التغير في الممكن القابل للفيض والجود بحسب استعداده و استيهاله.

قوله عليه السلام: وما اختلف عليه دهر إشارة إلى ما قالوا: من أن الزمان ظرف المتغيرات، ولما لم يكن فيه تعالى تغير لا تختلف عليه الدهور والأزمان، ويحتمل أن يكون المراد نفي اختلاف الأزمنة بالنسبة إليه بأن يكون موجودا في زمان، معدوما في زمان آخر، أو عالما في زمان جاهلا في زمان آخر وهكذا، والأول أظهر.

قوله: ما تنفست عنه لا يخفى مناسبته لما قيل: من أن المعادن تتولد من بخارات الأرض، ولا يخفى أيضا لطف تشبيه الصدف بالفم، والدر بالسن، واللحمة التي في

الصدف في رقة طرفها ولطافتها باللسان والفلز اسم الأجسام الذائبة كالذهب والفضة والرصاص. واللجين مصغرا اسم الفضة، والعقيان: الذهب الخالص. والنضد: وضع الأشياء بعضها فوق بعض، ولا يبعد أن يكون المراد بالمرجان هنا صغار اللؤلؤ كما فسر به في قوله تعالى: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ". قوله: لا يبخله على بناء التفعيل أي لا يصيره بخيلا، أو على بناء الافعال من قولهم:

أبخله: إذا وجده بخيلا. قوله عليه السلام: أن قالوا كلمة أن إما مفسرة لبيان كيفية عجزهم، أو مقدر قبلها كلمة " إلى " أي إلى أن قالوا، أو اللام التعليلية أي لأنهم قالوا، أو هي بمعنى إذ كما قيل في قوله تعالى: " بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم " والحقب بالضم وبضمتين:

ثمانون سنة أو أكثر، والدهر، والسنة، أو السنون.

قوله عليه السلام: على غير مثال امتثله أي لم يمثل لنفسه مثالا قبل خلق العالم ليخلقها على هيئة ذلك المثال كما هو دأب المخلوقين في أبنيتهم وصنائعهم، أولم يمثل له فاعل آخر قبله مثالا اتبعه، أو المراد بالمثال ما يرتسم في الخيال كما مر.

قوله عليه السلام ولم تحط به الصفات أي الصفات الجسمانية فيكون بإدراك الصفات له أي بلحوقها وعروضها له متناهيا بالحدود، أو لم تحط به توصيفات الواصفين فيكون بإدراكها إياه متناهيا محدودا بالحدود العقلانية، وتنتهي العقول إلى غاية معرفته قوله: متعاليا خبر بعد خبر، وقوله: عن صفة متعلق به.

قوله عليه السلام: رجم المتوهمين الرجم: الظن، وكلام مرجم كمعظم لا يوقف على حقيقته أي فات عن مواقع ظنون المتوهمين فلم تدركه في كل ما وقعت عليه، لكونه أعلى من كل ما توهمت الأوهام، وأنه أعلى الأشياء قدرا ورتبة وكما لا ورفعة، ولا يبعد أن يكون فات تصحيف فاق. والفهاهة: العي، وهي إما كناية عن غاية روياتهم

وأفكارهم بحيث انتهت أفكارهم وعرض لهم الاعياء، أو إشارة إلى ضعف روياتهم وقصورها أي روياتهم الفهة الكالة، وقال الجزري: قد عدلنا بالله أي أشركنا به وجعلنا له مثلا ومنه قول علي عليه السلام: كذب العادلون بك إذ شبهوك بأصنامهم.

قوله عليه السلام: خواطر هممهم الهمة: العزم أي قدروه تعالى بتقدير هو نتيجة العزمات الباطلة التي خطرت ببالهم من التصدي لمعرفته تعالى بعقولهم فلزمهم كونه تعالى ذا أجزاء، وفي بعض النسخ بخواطرهم والقرائح جمع قريحة، وهي القوة التي يستنبط بها المعقولات. قوله عليه السلام: من لا يقدر قدره إشارة إلى قوله تعالى: " وما قدروا الله حق قدره " أي ما عرفوا الله حق معرفته ، أو ما عظموا الله حق تعظيمه. والهواجس:

الخواطر والوساوس قوله عليه السلام: في عميقات غيوب ملكه أي إذا أرادت الأوهام أن تثبته في منتهى ملكه المغيب عن الابصار كفوق العرش مثلا، أو إذا أرادت أن تصل إلى حقيقته بسبب التفكرات العميقة في أسرار ملكه أي خلقه أو سلطنته وخطر الوساوس بتسكين الطاء مصدر خطر له خاطر أي عرض في قلبه، وتولهت إليه أي اشتد عشقها حتى أصابه الوله وهو الحيرة.

قوله عليه السلام: وغمضت مداخل العقول أي غمض دخولها ودق في الأقطار العميقة التي لا تبلغها التوصيفات. والردع: الكف والمنع، وردعت على بناء المجهول أي كل من الأوهام والفكر والقلوب، والخاسئ: المبعد والصاغر، وقوله: تجوب أي تقطع، والمهاوي: المهالك، الواحدة مهواة، وهي ما بين حبلين أو حائطين أو نحو ذلك، والسدف جمع سدفة وهي الظلمة والقطعة من الليل المظلم، وجبهت أي ردت من جبهته، أي صككت جبهته، والجور: العدول عن الطريق، والاعتساف: قطع

المسافة على غير جادة معلومة، وقوله: وهي تجوب في موضع الحال، والعامل ردعت ومتخلصة أيضا حال، والعامل اما تجوب أو ردعت. وتخلصها إليه: توجهها بكليتها في طلب إدراكه سبحانه، والحاصل أن جلاله تعالى يردع تلك العقول والأوهام في حال قطعها مهالك ظلم الجهالات والمغيبات، وتخلصها وتوجهها التام إلى معرفته فترجع بعد ذلك معترفة بأنه لا ينال كنه معرفته بالعقل الذي شأنه الجور والاعتساف، وبأنه لا يخطر ببال أولى الرويات أي أصحاب الفكر. خاطرة أي صورة مطابقة من تقدير جلال عزته لما قد مر مرارا أنه منزه من أن يكون في قوى المحدودين كنه ذاته و صفاته لان تلك الصورة مخلوقة له، وهو لا يشابه خلقه فكيف يوافقه في الحقيقة أو يشبهه وإنما يشبه الشئ بعد يله فيلزم أن تكون تلك الصورة عديلا له، أو المراد أن العقل و الوهم والخيال إنما تحيط بما جانسها وشابهها وبما شاهد أمثاله من الممكنات، وهو تعالى ليس له شبيه ولا عديل فكيف تحيط به.

قوله عليه السلام: في مجد جبروته أي بسببه أو كائنا فيه، والحاصل أن عظمة جبروته وجلاله تمنع عن نفوذ الابصار فيه قوله عليه السلام: إذ حجبها أي الابصار، وإرجاع الضمير إلى الجبروت بعيد أي حجب الابصار عنه بحجب لا تنفذ الابصار في ثخن كثافته أي غلظته، والأظهر " كثافتها " لرجوع الضمير إلى الحجب، ولعل الافراد لاخذ الحجب كلها بمنزلة حجاب واحد، أو يقال: إن الضمير راجع إلى الحجاب المذكور في ضمن الحجب، أي لا تنفذ في واحد منها فكيف في جميعها، والمراد بالحجب الحجب المعنوية الراجعة إلى تقدسه تعالى ونقص الممكنات.

قوله: ولا تخرق أي الابصار متوجها إلى ذي العرش متانة ستراته الخصيصة به تعالى، والمتانة: الاستحكام، وإنما نسب الخرق إليها مجازا أي ستراته المتينة، و يمكن أن يقرأ تخرق على بناء المجهول، ومتانة بالنصب بنزع الخافض أي لمتانة، وفي بعض النسخ: مباثة - بالباء الموحدة ثم الثاء المثلثة - من باث الشئ يبوث بوثا أي بحث عنه فيكون فاعلا للخرق أي لا تخرق الحجب إلى ذي العرش البحث عن خصائص ستراته، ويقال: تصاغرت إليه نفسه أي تحاقرت، وعنت الوجوه أي خضعت وذلت.

قوله عليه السلام: فوجهه بجهة أي وجه كل شئ إلى جهة، وغاية خلقه لها، كالخيل للركوب، والفلك للدوران، وأصناف الانسان للعلم والمعرفة وسائر الصنائع والحرف كما قال تعالى: " لكل وجهة هو موليها " وقال النبي صلى الله عليه وآله: كل ميسر لما خلق له.

قوله عليه السلام: فلم يبلغ منه شئ محدود منزلته أي منزلة الرب تعالى، أو أن كلا منهم في مرتبة التقصير عما خلق له وعما هيئ له من الكمال، والأظهر: فلم يتعد، ولعله صحف أي لا يمكن لاحد التعدي والتجاوز عما قدر له من الكمال والاستعداد، و يؤيده ما في النهج: قدر ما خلق، فأحكم تقديره، ودبره فألطف تدبيره، ووجهه لوجهته فلم يتعد حدود منزلته، ولم يقصر دون الانتهاء إلى غايته.

قوله عليه السلام: ولم يستصعب أي لم يمتنع. قوله عليه السلام: بلا معاناة أي مقاساة شدة، واللغوب: التعب والاعياء أي لم يكن له تعالى في خلق الأشياء وتدبيرها على ما ذكر معاناة ولا لغوب، كما قال تعالى: " وما مسنا من لغوب " والكايدة في بعض النسخ بالباء الموحدة من قولهم: كابدت الامر: إذا قاسيت شدته، وفي بعضها بالياء المثناة من تحت من الكيد.

قوله: ووافى الوقت أي لم يتأخر عن الوقت الذي أراد وجوده فيه. وإجابة مفعول لأجله. قوله عليه السلام: لم يعترض أي لم يعرض للأشياء في إجابة دعوته سبحانه بطؤ ولا تأخير، أولم يعرض له تعالى من جهة ما هو فاعل شئ من تلك الكيفيات، و الريث: البطؤ، والأناة: التأني، والمتلكئ: المتأخر والمتوقف، والاود بالتحريك:

الاعوجاج قوله عليه السلام: ونهى أي أنهى وأعلم وبين المعالم التي وضع على الحدود التي لا ينبغي لها التجاوز عنها في غاياتها التي مرت الإشارة إليها، أو من النهاية أي وضع

معالم الحدود في نهاية ما قرر لهم من امتدادات المسافات المعنوية التي لا ينبغي لهم أن يخرجوا عنها، ويقال: لائم بين كذا وكذا أي جمع. قوله عليه السلام: ووصل أسباب قرائنها إشارة إلى أن الموجودات لا تنفك عن أشياء تقترن بها من الهيئات والاشكال والغرائز وغيرها، واقتران الشيئين مستلزم لاقتران أسبابهما واتصالها، وذلك الوصل مستند إليه تعالى لأنه مسبب الأسباب، وقيل: المراد بالقرائن: النفوس المقرونة بالأبدان واعتدال المزاج سبب بقاء الروح أي وصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها، وقيل:

المراد هدايتها لما هو الأليق بها في معاشها ومعادها من قول القائل: وصل الملك أسباب فلان، إذا علقه عليه ووصله ببره وإنعامه، ثم المراد بالأجناس أعم مما هو مصطلح المنطقيين. وقوله عليه السلام: بدايا خبر مبتدأ محذوف أي هي بدايا مخلوقات، وبدايا ههنا جمع بديئة، وهي الحالة العجيبة، يقال: أبدى الرجل: إذا جاء بالامر المعجب البدئ والبديئة أيضا: الحالة المبتدأة المبتكرة، ومنه قولهم: فعله بادئ بدئ - على فعيل - أي أول كل شئ.

قوله عليه السلام: انتظم علمه لعله بمعنى نظم وإن لم يرد فيما عندنا من كتب اللغة، أو علمه منصوب بنزع الخافض أي بعلمه، أو في علمه أي انتظم في علمه تعالى جميع أصناف الخلق وأحوالها فكأن علمه تعالى سلك نظم جميع الأشياء فيه، ويحتمل أن يكون من قولهم: انتظمه بالرمح: إذا اختله وجعله فيه كما مر. قوله: وبتلاحم التلاحم: الالتيام والالتصاق، والحقة بالضم: رأس الورك الذي فيها عظم الفخذ، ورأس العضد الذي فيه الوابلة، والجمع أحقاق وحقاق بالكسر أي من شبهه بخلقه في ربط مفاصلهم، ودخول بعضها في بعض، وشدة ارتباطها واستحكامها، وكون المفاصل محتجبة بما يسترها و يكتنفها من اللحم والجلد، وكل ذلك بتدبير حكمته، فمن حكم بهذا التشبيه فإنه لم يعقد غيب ضميره أي ما غيب في ضميره أو ضميره المغيب عن الخلق على معرفته تعالى، ويمكن أن يقرأ يعقد على المعلوم وغيب بالنصب وعلى المجهول وغيب بالرفع.

قوله: لم يتناه في العقول أي لم تصل العقول إلى نهاية معرفته بالوصول إلى كنه

ذاته وصفته:، أوليس في العقول ذا نهايات، وكونه في مهب الفكر أي محلها مكيفا على الوجهين ظاهر بنحو ما مر تقريره مرارا، وكذا كونه محدودا بالحدود الجسمانية أو العقلانية، وكونه مصرفا أي متغيرا، ولا يخفى ما في تشبيه الرويات أو محلها بالحواصل من اللطف. وإضافة الرويات إلى الهمم لامية أي الرويات نشأت من همم النفوس و عزماتها، ويحتمل أن تكون بيانية بأن يكون المراد بهمم النفوس خواطرها.

قوله: أضمر عليها الضمير راجع إلى القريحة ولعل على تعليلية، ويحتمل أن يراد بالقريحة نفس الفكر مجازا. قوله: أفادها أي استفادها، والسدد جمع السدة وهي الباب المغلق، وقد مر الكلام في آخر الخطبة في باب النهي عن التفكر.

*

17 - التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عن البرمكي، عن علي بن عباس، عن جعفر بن محمد الأشعري، عن فتح بن يزيد الجرجاني قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن شئ من التوحيد، فكتب إلي بخطه: - قال جعفر: وإن فتحا أخرج إلى الكتاب فقرأته بخط أبي الحسن عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الملهم عباده الحمد، وفاطرهم على معرفة ربوبيته، الدال على وجوده بخلقه، وبحدوث خلقه على أزليته، وباشتباههم على أن لا شبه له، المستشهد بآياته على قدرته، الممتنع من الصفات ذاته، ومن الابصار رؤيته، ومن الأوهام الإحاطة به، لا أمد لكونه، ولا غاية لبقائه، لا تشمله المشاعر، ولا تحجبه

الحجاب، فالحجاب بينه وبين خلقه، لامتناعه مما يمكن في ذواتهم، ولامكان ذواتهم مما يمتنع منه ذاته، ولافتراق الصانع والمصنوع، والرب والمربوب، والحاد والمحدود، أحد لا بتأويل عدد، الخالق لا بمنى حركة، السميع لا بأداة، البصير لا بتفريق آلة، الشاهد لا بمماسة، البائن لا ببراح مسافة، الباطن لا باجتنان، الظاهر لا بمحاذ، الذي قد حسرت دون كنهه نوافذ الابصار، وأقمح وجوده جوائل الأوهام، أول الديانة معرفته، وكمال المعرفة توحيده، وكمال التوحيد نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة الموصوف أنه غير الصفة، وشهادتهما جميعا على أنفسهما بالبينة، الممتنع منها الأزل، فمن وصف الله فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن عده فقد أبطل أزله، ومن قال: كيف فقد استوصفه، ومن قال: علام فقد حمله، ومن قال: أين فقد أخلي منه، ومن قال: إلام فقد وقته، عالم إذ لا معلوم، وخالق إذ لا مخلوق، ورب إذ لا مربوب، وإله إذ لا مألوه، وكذلك يوصف ربنا وهو فوق ما يصفه الواصفون.

توضيح: لا أمد أي أزلا، ولا غاية أي أبدا. قوله: وبين خلقه وفي " في " بعد ذلك:

خلقه إياهم لامتناعه وهو أظهر، والمعنى على ما في الكتاب أن ليس احتجابه إلا لهذه الوجوه وقد مر تحقيقها مرارا قوله: مما يمتنع كلمة " من " صلة أو تبعيضية قوله عليه السلام: لا بتفريق آلة أي بفتح العين أو بعث الأشعة وتوريعها على المبصرات على القول بالشعاع، أو تقليب الحدقة وتويجهها مرة إلى هذا المبصر ومرة إلى ذاك، كما يقال:

فلان مفرق الهمة والخاطر إذا وزع فكره على حفظ أشياء متبائنة ومراعاتها، والبراح: الزوال عن المكان، وفي النهج والكافي: لا بتراخي مسافة.

قوله عليه السلام: لا باجتنان الاجتنان: الاستتار أي أنه باطن، بمعنى أن العقول والافهام لا تصل إلى كنهه لا باستتاره بستر وحجاب، أو علم البواطن لا بالدخول فيها والاستتار بها قوله: لا بمحاذ أي لا بأن يحاذيه شئ فيراه، وليست هذه الكلمة في بعض النسخ، وفيها: الظاهر الذي قد حسرت. وقمعه كمنعه: ضربه بالمقمعة، وقهره وذلله كأقمعه. وأقمعته: طلع على فرددته، والوجود يحتمل أن يكون هنا بمعنى الوجدان. وجوائل الأوهام: الأوهام الجائلة المترددة في أنواع دقائق المعاني. قوله بالبينة أي المباينة للآخر، وفي الكافي: بالتثنية وهي أظهر، وقد مر شرح سائر الفقرات.

18 - التوحيد: الدقاق، عن الأسدي، عن البرمكي، عن علي بن العباس، عن ابن محبوب، عن حماد بن عمرو النصيبي قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام عن التوحيد فقال:

واحد، صمد، أزلي، صمدي، لا ظلل له يمسكه، وهو يمسك الأشياء بأظلتها، عارف بالمجهول، معروف عند كل جاهل، فرداني لا خلقه فيه ولا هو في خلقه، غير محسوس ولا مجسوس، لا تدركه الابصار، علا فقرب، ودنا فبعد، وعصي فغفر، وأطيع فشكر، لا تحويه أرضه، ولا تقله سماواته، وأنه حامل الأشياء بقدرته، ديمومي أزلي، لا ينسى ولا يلهو، ولا يغلط ولا يلعب. ولا لإرادته فصل، وفصله جزاء، وأمره واقع، لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك، ولم يكن له كفوا أحد.

بيان: صمدي النسبة للمبالغة كالأحمري. قوله عليه السلام: لا ظل له الظل من كل شئ شخصه أو وقاؤه أو ستره أي لا شخص ولا شبح له يمسكه كالبدن للنفس، والفرد المادي للحصة، أولا واقي له يقيه، ومنهم من حمل الظلال على المثل الأفلاطونية، وقيل: المراد بالظل الكنف، يقال: فلان في ظل فلان أي كنفه.

أقول: ويحتمل أن يكون المراد بالظل الروح إذ كثيرا ما يطلق عالم الظلال على عالم الأرواح، أو الأبنية التي يكون الخلق عليها أو تحتها، وهو يمسك الأشياء بأظلتها أي بأشخاصها وأشباحها، أو بوقاياتها أو بمثلها أو أرواحها أو بالأبنية التي تقلها وتظلها والباء للسببية أو بمعنى مع.

قوله عليه السلام: ولا لإرادته فصل أي لا فصل بينها وبين المراد أي لا يتأخر ولا ينفصل مراده عن إرادته، أو لا تنقطع إرادته بل هو كل يوم في شأن أبد الدهر، أو لا قاطع لإرادته يمنعها عن تعلقها بالمراد. وقيل: أي ليست إرادته فاصلة بين شئ وشئ، بل تتعلق بكل شئ، وقيل: ليس لإرادته فصل أي شئ يداخله فيكون به راضيا أو ساخطا إنما كونه راضيا أو ساخطا بالإثابة والعقاب كما قال: وفصله جزاء، أو المعني أنه لا يكون لارارته في فعل العبد قطع بالمراد فيتعين وقوعه إنما قطعه في المراد من العبد الجزاء أقول: على الوجوه الأولة المراد بقوله: وفصله جزاء أن فصله بين عباده المشار إليه بقوله سبحانه: " يفصل بينهم يوم القيمة " جزاء لهم، وهو غير جائر فيه، ويحتمل أن يكون الفصل في الأول القضاء بالحق بين الحق والباطل أي لا يقضي في إرادته أحد، بل هو الفاصل بينهم في الآخرة بمجازاتهم، وفي بعض النسخ: وفضله بالضاد المعجمة أي سمي ما يتفضل به عليهم جزاءا ولا يستحق أحد عليه شيئا.

19 - التوحيد: ابن الوليد، عن الصفار وسعد معا، عن ابن عيسى والنهدي، وابن أبي الخطاب، كلهم عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض خطبه: الحمد لله الذي كان في أوليته وحدانيا، وفي أزليته متعظما بالإلهية، متكبرا بكبريائه وجبروته، ابتدأ ما ابتدع وأنشأ ما خلق على غير مثال كان سبق لشئ مما خلق، ربنا القديم بلطف ربوبيته، وبعلم خبره فتق، وبإحكام قدرته خلق جميع ما خلق، وبنور الاصباح فلق، فلا مبدل لخلقه، ولا مغير لصنعه، ولا معقب لحكمه، ولا راد لامره،

ولا مستراح عن دعوته ولا زوال لملكه، ولا انقطاع لمدته وهو الكينون أولا، والديموم أبدا، المحتجب بنوره دون خلقه في الأفق الطامح، والعز الشامخ، والملك الباذخ، فوق كل شئ علا ومن كل شئ دنا، فتجلى لخلقه من غير أن يكون يرى، وهو بالمنظر الاعلى، فأحب الاختصاص بالتوحيد إذا احتجب بنوره ، وسما في علوه، واستتر عن خلقه، وبعث إليهم الرسل لتكون له الحجة البالغة على خلقه، ويكون رسله إليهم شهداء عليهم، وانبعث فيهم النبيين مبشرين ومنذرين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة وليعقل العباد عن ربهم ما جهلوه، فيعرفوه بربوبيته بعدما أنكروا، ويوحدوه بالإلهية بعد ما عندوا.

بيان: قوله: متعظما أي مستحقا للتعظيم أو عظيما في غاية العظمة، وكذا قوله متكبرا، والغرض أنه لم يكن عظمته وكبرياؤه وإلهيته متوقفة على إيجاد خلقه وقوله: ربنا مبتدأ وفتق خبره، والظرفان متعلقان بفتق، وإضافة العلم إلى الخبر للتأكيد، وفي بعض النسخ بالجيم. قوله: فلق أي ظلمة الليل، وهو إشارة إلى قوله تعالى: " فالق الاصباح ". قوله: لا معقب لحكمه أي لا راد له، وحقيقته الذي يعقب الشئ بالابطال، والمستراح: محل الاستراحة أي لا مفر عن دعوته، والكينون والديموم مبالغتان في الكائن والدائم. قوله: المحتجب بنوره أي ليس حجابه إلا نوريته أي تجرده وكماله و رفعته وجلاله، والطامح: المرتفع كالشامخ والباذخ، يقال: جبل شامخ أي شاهق، وشرف باذخ أي عال.

قوله: وهو بالمنظر الاعلى المنظر: الموضع المرتفع الذي ينظر إليه أي موضعه أرفع من أن ينظر إليه بالابصار والأوهام والعقول، أو المراد بالمنظر المدارك والمشاعر أي هو أعلى وأرفع من أن يكون في مشاعر الخلق، ويحتمل أن يكون كناية عن علمه

بكل شئ أي المرضع الذي ينظر فيه أعلى من كل شئ، إذ الاعلي ينظر إلى الأسفل غالبا بسهولة.

قوله: فأحب الاختصاص بالتوحيد أي بكونه موحدا أي لا يوحده ولا يعرفه غيره كما هو، إذ هو محتجب عنهم، أو أحب أن يوحدوه فقط دون غيره، إذ لو كان ظاهرا للعقول والحواس كان مشاركا للممكنات في الوحدة الاعتبارية فلا تكون الوحدة الصادقة عليه مختصة به، وعلى هذا فالمحبة مؤولة باقتضاء ذاته تعالى من حيث كماله ذلك، وكذا على الأول، إلا أن يقال: إن المراد أنه حجب عنهم أولا ما يمكنهم من معرفته ثم أفاض معرفته عليهم بتوسط الأنبياء والرسل، وبما يحصل لهم من القربات بالطاعات ليعلموا أن ليس توحيدهم له إلا بتوفيقه وهدايته تعالى، ويؤيده ما بعده لا سيما قوله: وليعقل العباد.

20 - التوحيد: ابن الوليد عن محمد العطار، وأحمد بن إدريس، عن الأشعري، عن بعض أصحابه رفعه قال: جاء رجل إلى الحسن بن علي عليهما السلام فقال له: يا بن رسول الله صف لي ربك حتى كأني أنظر إليه، فأطرق الحسن بن علي عليه السلام مليا ثم رفع رأسه فقال:

الحمد لله الذي لم يكن له أول معلوم، ولا آخر متناه، ولا قبل مدرك، ولا بعد محدود، ولا أمد بحتى، ولا شخص فيتجزأ، ولا اختلاف صفة فيتناهى، فلا تدرك العقول وأوهامها ولا الفكر وخطراتها ولا الألباب وأذهانها صفته فيقول: متى؟، ولابدئ مما، ولا ظاهر على ما، ولا باطن فيما، ولا تارك فهلا، خلق الخلق فكان بديئا بديعا، ابتدء ما ابتدع، وابتدع ما ابتدء وفعل ما أراد، وأراد ما استزاد، ذلكم الله رب العالمين بيان: قوله: معلوم هذه الصفة والصفات التي بعدها موضحات مؤكدات، إذ لو كان له أول لكان معلوما، وهكذا. قوله عليه السلام: فيتناهي أي اختلاف الصفات ينافي الأزلية والأبدية كما مر مرارا قوله عليه السلام: فتقول متى أي لو كانت العقول تبلغ صفته لكان كسائر الممكنات فكان يصح أن يقال: متى وجد؟ ومن أي شئ بدئ؟ على

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.