بحارالانوار · المجلد العاشر
باب القصر، واستأذن، فأذن له، فدخل على عبيد الله بن زياد، فأخبره خبر ابن عقيل، وضرب بكر إياه، وما كان من أمانه له، فقال له عبيد الله: وما أنت والأمان؟
ج ۴۵، ص ۸۰–۹۹ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۵ از ۵
فأبشروا فوالله لئن قتلونا فانا نرد على نبينا قال: ثم أمكث ما شاء الله فأكون أول من ينشق الأرض عنه، فأخرج خرجة يوافق ذلك خرجة أمير المؤمنين، وقيام قائمنا (وحياة رسول الله) صلى الله عليه وآله ثم لينزلن علي وفد من السماء من عند الله، لم ينزلوا إلى الأرض قط، ولينزلن إلي جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وجنود من الملائكة، ولينزلن محمد وعلي وأنا وأخي وجميع من من الله عليه في حمولات من حمولات الرب: جمال من نور لم يركبها مخلوق ثم ليهزن محمد صلى الله عليه وآله وسلم لواءه، وليدفعه إلى قائمنا مع سيفه ثم إنا نمكث من بعد ذلك ما شاء الله ثم إن الله يخرج من مسجد الكوفة عينا، من دهن، وعينا من ماء، وعينا من لبن، ثم إن أمير المؤمنين يدفع إلي سيف رسول الله صلى الله عليه وآله ويبعثني إلى المشرق والمغرب، فلا آتي على عدو لله إلا أهرقت دمه، ولا أدع صنما إلا أحرقته، حتى أقع إلى الهند فأفتحها، وإن دانيال ويوشع يخرجان إلى أمير المؤمنين عليه السلام يقولان: صدق الله ورسوله، ويبعث معهما إلى البصرة سبعين رجلا فيقتلون مقاتليهم، ويبعث بعثا إلى الروم، فيفتح الله لهم.
ثم لأقتلن كل دابة حرم الله لحمها، حتى لا يكون على وجه الأرض إلا الطيب، وأعرض على اليهود والنصارى وسائر الملل، ولأخيرنهم بين الاسلام والسيف، فمن أسلم مننت عليه، ومن كره الاسلام أهرق الله دمه، ولا يبقى رجل من شيعتنا إلا أنزل الله إليه ملكا يمسح عن وجهه التراب، ويعرفه أزواجه ومنزلته في الجنة، ولا يبقى على وجه الأرض أعمى، ولا مقعد، ولا مبتلى إلا كشف الله عنه بلاءه بنا أهل البيت ولينزلن البركة من السماء إلى الأرض حتى أن الشجرة لتقصف بما يزيد الله فيها من الثمرة، ولتأكلن ثمرة الشتاء في الصيف، وثمرة الصيف في الشتاء، وذلك قوله عز وجل: " ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم
بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ".
ثم إن الله ليهب لشيعتنا كرامة لا يخفى عليهم شئ في الأرض وما كان فيها حتى أن الرجل منهم يريد أن يعلم علم أهل بيته فيخبرهم بعلم ما يعملون.
بيان: " لتقصف ": أي تنكسر أغصانها لكثرة ما حملت من الثمرة 7 - أمالي الصدوق: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن داود بن أبي يزيد، عن أبي الجارود، وابن بكير، وبريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: أصيب الحسين بن علي عليه السلام ووجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم، فروي أنها كانت كلها في مقدمه لأنه عليه السلام كان لا يولي.
8 - أمالي الطوسي: أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن فضال عن العباس بن عامر، عن أبي عمارة، عن معاذ بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: وجد بالحسين بن علي عليهما السلام نيف وسبعون طعنة ونيف وسبعون ضربة بالسيف، صلوات الله عليه.
9 - أمالي الصدوق: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود: زياد بن المنذر، عن عبد الله بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عليه السلام قال: دخلت العامة علينا الفسطاط وأنا جارية صغيرة وفي رجلي خلخالان من ذهب، فجعل رجل يفض الخلخالين من رجلي وهو يبكي فقلت: ما يبكيك يا عدو الله؟ فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله فقلت: لا تسلبني قال: أخاف أن يجيئ غيري فيأخذه، قالت: وانتهبوا ما في الأبنية حتى كانوا ينزعون الملاحف عن ظهورنا.
10 - الإحتجاج: عن مصعب بن عبد الله قال: لما استكف الناس بالحسين عليه السلام ركب فرسه واستنصت الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: تبا لكم أيتها الجماعة وترحا، وبؤسا لكم وتعسا حين استصرختمونا ولهين، فأصرخناكم موجفين، فشحذتم علينا سيفا كان في أيدينا، وحششتم علينا نارا أضرمناها على عدوكم وعدونا فأصبحتم ألبا على أوليائكم، ويدا لأعدائكم، من غير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، ولا ذنب كان منا إليكم.
فهلا - لكم الويلات - إذ كرهتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لم يستحصف ولكنكم استسر عتم إلى بيعتنا كطيرة الدبى، وتهافتم إليها كتهافت الفراش، ثم نقضتموها سفها وضلة، بعدا وسحقا لطواغيت هذه الأمة، وبقية الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومطفئ السنن، ومواخيء المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين، وعصاة الأمم، وملحق العهرة بالنسب، لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون أفهؤلاء تعضدون؟ وعنا تتخاذلون؟ أجل والله الخذل فيكم معروف، نبتت عليه أصولكم وتأزرت عليه عروقكم، فكنتم أخبث شجر للناظر، وأكلة للغاصب ألا لعنة الله على الظالمين الناكثين الذين ينقضون الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا.
ألا وإن الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة، وهيهات له ذلك، هيهات مني الذلة؟ أبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وجدود طهرت، وحجور طابت، أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد، وكثرة العدو، وخذلة الناصر، ثم تمثل فقال:
فان نهزم فهزامون قدما * وإن نهزم فغير مهزمينا بيان: يقال: شمت السيف أغمدته، وشمته سللته وهو من الأضداد.
11 - تفسير علي بن إبراهيم: أبي، عن النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لقي المنهال بن عمر وعلي بن الحسين بن علي عليهم السلام فقال له: كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟ قال: ويحك أما آن لك أن تعلم كيف أصبحت؟ أصبحنا في قومنا مثل بني إسرائيل في آل فرعون، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، وأصبح خير البرية بعد محمد يلعن على المنابر، وأصبح عدونا يعطى المال والشرف، وأصبح من يحبنا محقورا منقوصا حقه، وكذلك لم يزل المؤمنون، وأصبحت العجم تعرف للعرب حقها بأن محمدا كان منها، وأصبحت العرب تعرف لقريش حقها بأن محمدا كان منها، وأصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمدا كان منها، وأصبحت العرب تفتخر على العجم بأن محمدا كان منها، وأصبحنا أهل بيت محمد لا يعرف لنا حق؟
فهكذا أصبحنا.
12 - ثواب الأعمال: ابن إدريس، عن أبيه، عن الأشعري، عن محمد بن إسماعيل، عن علي ابن الحكم، عن أبيه، عن أبي الجارود، عن عمرو بن قيس المشرقي قال: دخلت على الحسين صلوات الله عليه أنا وابن عم لي وهو في قصر بني مقاتل فسلمنا عليه فقال له ابن عمي: يا أبا عبد الله هذا الذي أرى خضاب أو شعرك؟ فقال: خضاب والشيب إلينا بني هاشم يعجل ثم أقبل علينا فقال: جئتما لنصرتي؟ فقلت: إني رجل كبير السن كثير الدين كثير العيال، وفي يدي بضائع للناس، ولا أدري ما يكون وأكره أن أضيع أمانتي، وقال له ابن عمي مثل ذلك، قال لنا: فانطلقا فلا تسمعا لي واعية، ولا تريا لي سوادا، فإنه من سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجبنا ولم يغثنا، كان حقا على الله عز وجل أن يكبه على منخريه في النار.
رجال الكشي: وجدت بخط محمد بن عمر السمرقندي وحدثني بعض الثقات عن الأشعري مثله 13 - بصائر الدرجات: أيوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان بن إسماعيل، عن حمزة ابن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكرنا خروج الحسين وتخلف ابن الحنفية
عنه قال: قال أبو عبد الله: يا حمزة إني سأحدثك في هذا الحديث ولا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا إن الحسين لما فصل متوجها دعا بقرطاس وكتب:
" بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى بني هاشم أما بعد فإنه من لحق بي منكم استشهد معي، ومن تخلف لم يبلغ الفتح والسلام ".
14 - الكافي: علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسين بن علي عليهما السلام خرج قبل التروية بيوم إلى العراق، وقد كان دخل معتمرا.
15 - الكافي: علي بن إبراهيم، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن معاوية ابن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المتمتع مرتبط بالحج، والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء، وقد اعتمر الحسين في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق، والناس يروحون إلى منى، ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج.
16 - كامل الزيارة: أبي، وابن الوليد معا، عن سعد، عن محمد بن أبي الصهبان، عن ابن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن فضيل الرسان، عن أبي سعيد عقيصا قال:
سمعت الحسين بن علي عليهما السلام وخلا به عبد الله بن الزبير فناجاه طويلا قال: ثم أقبل الحسين عليه السلام بوجهه إليهم، وقال: إن هذا يقول لي كن حماما من حمام الحرم، ولان اقتل وبيني وبين الحرم باع أحب إلي من أن اقتل وبيني وبينه شبر، ولان اقتل بالطف أحب إلي من أن اقتل بالحرم.
17 - كامل الزيارة: أبي، وابن الوليد معا، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال عبد الله بن الزبير للحسين ابن علي عليهما السلام: لو جئت إلى مكة فكنت بالحرم؟ فقال الحسين بن علي عليهما السلام: لا
نستحلها، ولا تستحل بنا، ولان اقتل على تل أعفر أحب إلي من أن اقتل بها.
بيان: قال الجوهري: الأعفر الرمل الأحمر والأعفر الأبيض، وليس بالشديد البياض انتهى، وقال المسعودي: " تل أعفر " موضع من بلاد ديار ربيعة.
18 - كامل الزيارة: أبي، وابن الوليد، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن علي ابن الحكم، عن أبيه، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الحسين عليه السلام خرج من مكة قبل التروية بيوم، فشيعه عبد الله بن الزبير فقال: يا با عبد الله قد حضر الحج وتدعه وتأتي العراق؟ فقال: يا ابن الزبير لان أدفن بشاطئ الفرات أحب إلي من أن أدفن بفناء الكعبة.
19 - كامل الزيارة: أبي، عن سعد، عن علي بن إسماعيل، عن صفوان، عن الحسين ابن أبي العلا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسين بن علي عليهما السلام قال لأصحابه يوم أصيبوا: أشهد أنه قد اذن في قتلكم فاتقوا الله واصبروا.
كامل الزيارة: محمد بن جعفر، عن خاله ابن أبي الخطاب، عن علي بن النعمان، عن الحسين بن أبي العلا مثله.
20 - كامل الزيارة: الحسن بن عبد الله بن محمد، عن أبيه (عن محمد بن عيسى) عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الحسين عليه السلام صلى بأصحابه الغداة ثم التفت إليهم فقال: إن الله قد أذن في قتلكم فعليكم بالصبر.
بيان: أي قدر قتلكم في علمه تعالى.
21 - كامل الزيارة: الحسن، عن أبيه: عبد الله بن محمد، (عن محمد بن عيسى) عن
صفوان، عن يعقوب بن شعيب، عن حسين بن أبي العلا قال: قال: والذي رفع إليه العرش لقد حدثني أبوك بأصحاب الحسين لا ينقصون رجلا ولا يزيدون رجلا تعتدي بهم هذه الأمة كما اعتدت بنو إسرائيل وقتل يوم السبت يوم عاشوراء.
أقول: هكذا وجدنا الخبر ولعله سقط منه شئ.
22 - كامل الزيارة: أبي وجماعة مشايخي، عن ابن عيسى، عن الأهوازي، عن النضر، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن الحسين بن أبي العلا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسين صلى بأصحابه يوم أصيبوا ثم قال: أشهد أنه قد اذن في قتلكم يا قوم فاتقوا الله واصبروا.
23 - كامل الزيارة: أبي وجماعة مشايخي، عن سعد، عن علي بن إسماعيل وابن أبي الخطاب معا، عن محمد بن عمرو بن سعيد، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كتب الحسين بن علي عليه السلام من مكة إلى محمد بن علي:
" بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم أما بعد فان من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح والسلام " قال محمد بن عمرو: وحدثني كرام عبد الكريم بن عمرو، عن ميسر بن عبد العزيز، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كتب الحسين بن علي إلى محمد بن علي من كربلا " بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم أما بعد فكأن الدنيا لم تكن، وكأن الآخرة لم تزل والسلام ".
24 - كامل الزيارة: جماعة مشايخي منهم علي بن الحسين ومحمد بن الحسن، عن سعد عن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين وإبراهيم بن هاشم جميعا، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن ابن عبد ربه، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لما صعد الحسين بن علي عليه السلام عقبة البطن قال لأصحابه: ما أراني إلا مقتولا، قالوا: وما ذاك يا أبا عبد الله؟ قال: رؤيا رأيتها في المنام، قالوا: وما هي؟ قال: رأيت كلابا تنهشني
أشدها علي كلب أبقع.
25 - كامل الزيارة: محمد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن الحسين ابن علي عليهم السلام قال: قال: والذي نفس حسين بيده لا يهنئ بني أمية ملكهم حتى يقتلوني، وهم قاتلي، فلو قد قتلوني لم يصلوا جميعا أبدا، ولم يأخذوا عطاء في سبيل الله جميعا أبدا، إن أول قتيل هذه الأمة أنا وأهل بيتي، والذي نفس حسين بيده لا تقوم الساعة وعلى الأرض هاشمي يطرف.
كامل الزيارة: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن طلحة عن جعفر عليه السلام مثله.
بيان: لعل المعنى: لم يوفق الناس للصلاة جماعة مع إمام الحق ولا أخذ الزكاة وحقوق الله على ما يحب الله إلى قيام القائم عليه السلام وآخر الخبر إشارة إلى ما يصيب بني هاشم من الفتن في آخر الزمان.
26 - كامل الزيارة: أبي وجماعة مشايخي، عن سعد، عن محمد بن يحيى المعاذي، عن الحسن بن موسى الأصم، عن عمرو، عن جابر، عن محمد بن علي عليه السلام قال: لما هم الحسين بالشخوص إلى المدينة أقبلت نساء بني عبد المطلب ، فاجتمعن للنياحة حتى مشى فيهن الحسين عليه السلام، فقال: أنشدكن الله، أن تبدين هذا الامر معصية لله ولرسوله، قالت له نساء بني عبد المطلب: فلمن نستبقي النياحة والبكاء، فهو عندنا كيوم مات رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة ورقية وزينب وأم كلثوم، فننشدك الله جعلنا الله فداك من الموت فيا حبيب الأبرار من أهل القبور وأقبلت بعض عماته تبكي وتقول: أشهد يا حسين لقد سمعت الجن ناحت بنوحك، وهم يقولون:
وإن قتيل الطف من آل هاشم * أذل رقابا من قريش فذلت حبيب رسول الله لم يك فاحشا * أبانت مصيبتك الأنوف وجلت
وقلن أيضا:
بكوا حسينا سيدا ولقتله شاب الشعر * ولقتله زلزلتم ولقتله انكسف القمر واحمرت آفاق السماء من العشية والسحر * وتغيرت شمس البلاد بهم وأظلمت الكور ذاك ابن فاطمة المصاب به الخلائق والبشر * أورثتنا ذلا به جدع الأنوف مع الغرر 27 - الخرائج: من معجزاته صلوات الله عليه أنه لما أراد العراق قالت له أم سلمة: لا تخرج إلى العراق، فقد سمعت رسول الله يقول: يقتل ابني الحسين بأرض العراق، وعندي تربة دفعها إلي في قارورة، فقال: إني والله مقتول كذلك وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضا وإن أحببت أن أراك مضجعي ومصرع أصحابي، ثم مسح بيده على وجهها ففسح الله عن بصرها حتى رأيا ذلك كله وأخذ تربة فأعطاها من تلك التربة أيضا في قارورة أخرى وقال عليه السلام: إذا فاضت دما فاعلمي أني قتلت.
فقالت أم سلمة: فلما كان يوم عاشورا نظرت إلى القارورتين بعد الظهر فإذا هما قد فاضتا دما، فصاحت.
ولم يقلب في ذلك اليوم حجر ولا مدر إلا وجد تحته دم عبيط.
ومنها، ما روي عن زين العابدين عليه السلام أنه قال: لما كانت الليلة التي قتل الحسين في صبيحتها قام في أصحابه فقال عليه السلام: إن هؤلاء يريدوني دونكم، ولو قتلوني لم يصلوا إليكم، فالنجاء النجاء، وأنتم في حل فإنكم إن أصبحتم معي قتلتم كلكم، فقالوا: لا نخذلك، ولا نختار العيش بعدك، فقال عليه السلام: إنكم تقتلون كلكم حتى لا يفلت منكم أحد، فكان كما قال عليه السلام.
28 - الإرشاد: روى سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد، عن علي بن الحسين عليهما السلام
قال: خرجنا مع الحسين فما نزل منزلا وما ارتحل منه إلا ذكر يحيى بن زكريا وقتله، وقال يوما: ومن هوان الدنيا على الله عز وجل أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.
ومضى الحسين عليه السلام في يوم السبت العاشر من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة، بعد صلاة الظهر منه قتيلا مظلوما ظمآن صابرا محتسبا، وسنه يومئذ ثمان وخمسون سنة، أقام بها مع جده سبع سنين، ومع أبيه أمير المؤمنين ثلاثين سنة ومع أخيه الحسن عشر سنين، وكانت مدة خلافته بعد أخيه أحد عشر سنة.
وكان عليه السلام يخضب بالحناء والكتم، وقتل عليه السلام وقد نصل الخضاب من عارضيه.
29 - تفسير الإمام العسكري: قال الإمام عليه السلام: ولما امتحن الحسين عليه السلام ومن معه بالعسكر الذين قتلوه، وحملوا رأسه، قال لعسكره: أنتم في حل من بيعتي، فالحقوا بعشائركم ومواليكم، وقال لأهل بيته: قد جعلتكم في حل من مفارقتي فإنكم لا تطيقونهم لتضاعف أعدادهم وقواهم، وما المقصود غيري فدعوني والقوم، فان الله عز وجل يعينني ولا يخليني من حسن نظره، كعاداته في أسلافنا الطيبين، فأما عسكره ففارقوه، وأما أهله الأدنون من أقربائه فأبوا وقالوا: لا نفارقك، ويحزننا ما يحزنك، ويصيبنا ما يصيبك، وإنا أقرب ما نكون إلى الله إذا كنا معك.
فقال لهم: فان كنتم قد وطنتم أنفسكم على ما وطنت نفسي عليه، فاعلموا أن الله إنما يهب المنازل الشريفة لعباده باحتمال المكاره، وإن الله وإن كان خصني - مع من مضى من أهلي الذين أنا آخرهم بقاء في الدنيا - من الكرامات بما يسهل علي معها احتمال المكروهات، فان لكم شطر ذلك من كرامات الله تعالى
واعلموا أن الدنيا حلوها ومرها حلم، والانتباه في الآخرة، والفائز من فاز فيها، والشقي من شقي فيها أقول: تمامه في أبواب أحوال آدم عليه السلام 30 - كتاب النوادر لعلي بن أسباط: عن بعض أصحابه رواه قال: إن أبا جعفر عليه السلام قال: كان أبي مبطونا يوم قتل أبوه صلوات الله عليهما وكان في الخيمة وكنت أرى موالينا كيف يختلفون معه، يتبعونه بالماء. يشد على الميمنة مرة وعلى الميسرة مرة، وعلى القلب مرة، ولقد قتلوه قتلة نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقتل بها الكلاب، لقد قتل بالسيف، والسنان، وبالحجارة، وبالخشب، وبالعصا ولقد أوطأوه الخيل بعد ذلك 31 - مناقب ابن شهرآشوب: الحسن البصري وأم سلمة: إن الحسن والحسين دخلا على رسول الله صلى الله عليه وآله وبين يديه جبرئيل فجعلا يدوران حوله، يشبهانه بدحية الكلبي فجعل جبرئيل يومئ بيده كالمتناول شيئا فإذا في يده تفاحة وسفرجلة ورمانة فناولهما وتهللت وجوههما، وسعيا إلى جدهما فأخذ منهما فشمها، ثم قال: صيرا إلى أمكما بما معكما، وبدو كما بأبيكما أعجب، فصارا كما أمرهما فلم يأكلوا حتى صار النبي إليهم فأكلوا جميعا فلم يزل كلما أكل منه عاد إلى ما كان حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله قال الحسين عليه السلام: فلم يلحقه التغيير والنقصان أيام فاطمة بنت رسول الله حتى توفيت فلما توفيت فقدنا الرمان، وبقي التفاح والسفرجل أيام أبي، فلما استشهد أمير المؤمنين فقد السفرجل، وبقي التفاح على هيئته عند الحسن، حتى مات في سمه، وبقيت التفاحة إلى الوقت الذي حوصرت عن الماء فكنت أشمها إذا عطشت، فيسكن لهب عطشي، فلما اشتد علي العطش عضضتها وأيقنت بالفناء قال علي بن الحسين عليهما السلام: سمعته يقول ذلك قبل مقتله بساعة، فلما قضى نحبه وجد ريحها في مصرعه فالتمست فلم ير لها أثر، فبقي ريحها بعد الحسين عليه السلام ولقد زرت قبره فوجدت ريحها يفوح من قبره، فمن أراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر
فليلتمس ذلك في أوقات السحر فإنه يجده إذا كان مخلصا 32 - مناقب ابن شهرآشوب: أنشأ صلوات الله عليه يوم الطف " كفر القوم وقدما رغبوا " إلى آخر ما مر من الأبيات وزاد فيما بينها:
فاطم الزهراء أمي وأبي * وارث الرسل ومولى الثقلين طحن الابطال لما برزوا * يوم بدر وبأحد وحنين وأخو خيبر إذ بارزهم * بحسام صارم ذي شفرتين والذي أردى جيوشا أقبلوا * يطلبون الوتر في يوم حنين من له عم كعمي جعفر * وهب الله له أجنحتين جدي المرسل مصباح الهدى * وأبي الموفى له بالبيعتين بطل قرم هزبر ضيغم * ماجد سمح قوي الساعدين عروة الدين علي ذاكم * صاحب الحوض مصلي القبلتين مع رسول الله سبعا كاملا * ما على الأرض مصل غير ذين ترك الأوثان لم يسجد لها * مع قريش مذ نشأ طرفة عين وأبي كان هزبرا ضيغما * يأخذ الرمح فيطعن طعنتين كتمشي الأسد بغيا فسقوا * كأس حتف من نجيع الحنظلين 33 - رجال الكشي: جبرئيل بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن مهران، عن أحمد بن النضر، عن عبد الله بن يزيد الأسدي، عن فضيل بن الزبير قال: مر ميثم التمار على فرس له فاستقبل حبيب بن مظاهر الأسدي عند مجلس بني أسد فتحدثا حتى اختلفت أعناق فرسيهما ثم قال حبيب: لكأني بشيخ أصلع ضخم البطن، يبيع البطيخ عند دار الرزق، قد صلب في حب أهل بيت نبيه عليه السلام ويبقر بطنه على الخشبة
فقال ميثم: وإني لأعرف رجلا أحمر له ضفيرتان يخرج لنصرة ابن بنت نبيه ويقتل ويجال برأسه بالكوفة ثم افترقا فقال أهل المجلس: ما رأينا أحدا أكذب من هذين قال: فلم يفترق أهل المجلس حتى أقبل رشيد الهجري فطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما فقالوا: افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا، فقال: رشيد رحم الله ميثما نسي " ويزاد في عطاء الذي يجيئ بالرأس مائة درهم " ثم أدبر فقال القوم:
هذا والله أكذبهم فقال القوم: والله ما ذهبت الأيام والليالي حتى رأيناه مصلوبا على باب دار عمرو بن حريث، وجيئ برأس حبيب بن مظاهر وقد قتل مع الحسين ورأينا كل ما قالوا وكان حبيب من السبعين الرجال الذين نصروا الحسين عليه السلام، ولقوا جبال الحديد واستقبلوا الرماح بصدورهم، والسيوف بوجوههم، وهم يعرض عليهم الأمان والأموال، فيأبون فيقولون: لا عذر لنا عند رسول الله إن قتل الحسين ومنا عين تطرف، حتى قتلوا حوله ولقد مزح حبيب بن مظاهر الأسدي فقال له يزيد بن حصين الهمداني وكان يقال له سيد القراء: يا أخي ليس هذه بساعة ضحك، قال: فأي موضع أحق من هذا بالسرور، والله ما هو إلا أن تميل علينا هذه الطغام بسيوفهم، فنعانق الحور العين، قال الكشي: هذه الكلمة مستخرجة من كتاب مفاخرة الكوفة والبصرة توضيح: قوله " اختلفت أعناق فرسيهما " أي كانت تجيئ وتذهب وتتقدم وتتأخر كما هو شأن الفرس الذي يريد صاحبه أن يقف وهو يمتنع، أو المعنى حاذى عنقاهما على الخلاف، والبقر الشق والضفيرة العقيصة يقال ضفرت المرأة شعرها 34 - الكافي: علي بن محمد بن عبد الله، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد الله بن حماد، عن صباح المزني، عن الحارث بن حصيرة، عن الحكم بن عتيبة قال: لقي رجل الحسين بن علي عليهما السلام بالثعلبية وهو يريد كربلا فدخل عليه
فسلم عليه، فقال له الحسين عليه السلام: من أي البلاد أنت؟ قال: من أهل الكوفة قال:
أما والله يا أخا أهل الكوفة لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل عليه السلام من دارنا ونزوله بالوحي على جدي، يا أخا أهل الكوفة أفمستقى الناس العلم من عندنا فعلموا وجهلنا؟ هذا مالا يكون 35 - الكافي: العدة، عن سهل، عن محمد بن عيسى، عن صفوان، عن يوسف بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أصيب الحسين وعليه جبة خز 36 - الكافي: أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قتل الحسين بن علي عليه السلام وعليه جبة خز دكناء، فوجدوا فيها ثلاثة وستين من بين ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم.
37 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن عدة من أصحابه، عن علي بن أسباط عن عمه يعقوب بن سالم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قتل الحسين عليه السلام وهو مختضب بالوسمة 38 - الكافي: العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن يونس، عن أبي بكر الحضرمي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخضاب بالوسمة، فقال: لا بأس، قد قتل الحسين عليه السلام وهو مختضب بالوسمة 39 - الكافي: الحسن بن علي الهاشمي، عن محمد بن عيسى بن عبيد قال: حدثنا جعفر بن عيسى أخوة قال: سألت الرضا عليه السلام عن صوم عاشورا وما يقول الناس فيه فقال: عن صوم ابن مرجانة تسألني؟ ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين عليه السلام، وهو يوم يتشاءم به آل محمد صلى الله عليه وآله ويتشاءم به أهل الاسلام، واليوم الذي يتشاءم به أهل الاسلام لا يصام ولا يتبرك به، ويوم الاثنين يوم نحس قبض الله عز وجل
فيه نبيه، وما أصيب آل محمد إلا في يوم الاثنين فتشاءمنا به، وتتبرك به عدونا، ويوم عاشورا قتل الحسين عليه السلام وتبرك به ابن مرجانة، وتشاءم به آل محمد، فمن صامهما أو تبرك بهما لقي الله تبارك وتعالى ممسوخ القلب، وكان محشره مع الذين سنوا صومهما والتبرك بهما 40 - الكافي: عنه، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن أبان، عن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر المحرم، فقال:
تاسوعا يوم حوصر فيه الحسين عليه السلام وأصحابه بكربلا، واجتمع عليه خيل أهل الشام وأنا أخوا عليه، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها، واستضعفوا فيه الحسين عليه السلام وأصحابه وأيقنوا أنه لا يأتي الحسين ناصر، ولا يمده أهل العراق بأبي المستضعف الغريب ثم قال: وأما يوم عاشورا فيوم أصيب فيه الحسين عليه السلام صريعا بين أصحابه وأصحابه حوله صرعى عراة، أفصوم يكون في ذلك اليوم؟ كلا ورب البيت الحرام ما هو يوم صوم، وما هو إلا يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الأرض وجميع المؤمنين، ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد وأهل الشام غضب الله عليهم وعلى ذرياتهم وذلك يوم بكت جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام فمن صامه أو تبرك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب، مسخوطا عليه، ومن اذخر إلى منزله ذخيرة أعقبه الله تعالى نفاقا في قلبه إلى يوم يلقاه، وانتزع البركة عنه وعن أهل بيته وولده، وشاركه الشيطان في جميع ذلك 41 - أمالي الطوسي: الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن علي بن حبيش، عن العباس بن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان، عن الحسين بن أبي غندر، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن صوم يوم عاشورا فقال:
ذاك يوم قتل الحسين عليه السلام فان كنت شامتا فصم ثم قال: إن آل أمية لعنهم الله ومن أعانهم على قتل الحسين من أهل الشام
نذروا نذرا إن قتل الحسين عليه السلام وسلم من خرج إلى الحسين، وصارت الخلافة في آل أبي سفيان أن يتخذوا ذلك اليوم عيدا لهم يصومون فيه شكرا، فصارت في آل أبي سفيان سنة إلى اليوم في الناس، واقتدى بهم الناس جميعا لذلك، فلذلك يصومونه ويدخلون على عيالاتهم وأهاليهم الفرح في ذلك اليوم الخبر 42 - الكافي: العدة، عن سهل، عن ابن يزيد أو غيره، عن سليمان كاتب علي ابن يقطين، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين عليه السلام وابنته جعدة سمت الحسن عليه السلام ومحمد ابنه شرك في دم الحسين عليه السلام * (تذنيب) * قال السيد رحمه الله في كتاب تنزيه الأنبياء: فان قيل: ما العذر في خروجه صلوات الله عليه من مكة بأهله وعياله إلى الكوفة، والمستولي عليها أعداؤه، والمتأمر فيها من قبل يزيد اللعين يتسلط الأمر والنهي وقد رأى صنع أهل الكوفة بأبيه وأخيه صلوات الله عليهما، وأنهم غادرون خوانون، وكيف خالف ظنه ظن جميع نصحائه في الخروج وابن عباس رحمه الله يشير بالعدول عن الخروج، ويقطع على العطب فيه، وابن عمر لما ودعه عليه السلام يقول له " أستودعك الله من قتيل " إلى غير ذلك ممن تكلم في هذا الباب ثم لما علم بقتل مسلم بن عقيل، وقد أنفذه رائدا له، كيف لم يرجع؟ ويعلم الغرور من القوم، ويفطن بالحيلة والمكيدة، ثم كيف استجاز أن يحارب بنفر قليل لجموع عظيمة خلفها مواد لها كثيرة؟ ثم لما عرض عليه ابن زياد الأمان وأن يبايع يزيد كيف لم يستجب حقنا لدمه ودماء من معه من أهله وشيعته ومواليه، ولم ألقى بيده إلى التهلكة، وبدون هذا الخوف سلم أخوه الحسن عليه السلام الامر إلى معاوية فكيف يجمع بين فعليهما في الصحة؟
الجواب قلنا: قد علمنا أن الامام متى غلب على ظنه أنه يصل إلى حقه والقيام بما فوض إليه بضرب من الفعل، وجب عليه ذلك، وإن كان فيه ضرب من المشقة يتحمل مثلها، وسيدنا أبو عبد الله عليه السلام لم يسر طالبا الكوفة إلا بعد توثق من القوم، وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه عليه السلام طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين، وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرائها تقدمت إليه في أيام معاوية، وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسن عليه السلام فدفعهم، وقال في الجواب ما وجب، ثم كاتبوه بعد وفاة الحسن عليه السلام ومعاوية باق فوعدهم ومناهم وكانت أيام معاوية صعبة لا يطمع في مثلها فلما مضى معاوية وأعادوا المكاتبة، وبذلوا الطاعة وكرروا الطلب والرغبة ورأي عليه السلام من قوتهم على ما كان يليهم في الحال من قبل يزيد، وتسلطهم عليه وضعفه عنهم ما قوي في ظنه أن المسير هو الواجب، تعين عليه ما فعله من الاجتهاد والتسبب، ولم يكن في حسبانه عليه السلام أن القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحق عن نصرته، ويتفق ما اتفق من الأمور الغريبة، فان مسلم بن عقيل لما دخل الكوفة أخذ البيعة على أكثر أهلها ولما وردها عبيد الله بن زياد - وقد سمع بخبر مسلم، ودخوله الكوفة وحصوله في دار هانئ بن عروة المرادي على ما شرح في السيرة - وحصل شريك بن الأعور بها، جاء ابن زياد عائدا، وقد كان شريك وافق مسلم بن عقيل على قتل ابن زياد عند حضوره لعيادة شريك، وأمكنه ذلك، وتيسر له، فما فعل واعتذر بعد فوت الامر إلى شريك بأن ذلك فتك وأن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إن الايمان قيد الفتك " ولو كان فعل مسلم من قتل ابن زياد ما تمكن منه، ووافقه شريك عليه لبطل الامر، ودخل الحسين عليه السلام الكوفة غير مدافع عنها، وحسر كل أحد قناعه في نصرته، واجتمع له من كان في قلبه نصرته، وظاهره مع أعدائه وقد كان مسلم بن عقيل أيضا لما حبس ابن زياد هانئا سار إليه في جماعة من
أهل الكوفة حتى حضره في قصره، وأخذ بكظمه وأغلق ابن زياد الأبواب دونه خوفا وجبنا، حتى بث الناس في كل وجه يرغبون الناس ويرهبونهم ويخذلونهم عن نصرة ابن عقيل، فتقاعدوا وتفرق أكثرهم حتى أمسى في شرذمة، وانصرف وكان من أمره ما كان وإنما أردنا بذكر هذه الجملة، أن أسباب الظفر بالأعداء كانت لائحة متوجهة، وأن الاتفاق السيئ عكس الامر إلى ما يروون من صبره واستسلامه وقلة ناصره على الرجوع إلى الحق دينا أو حمية، فقد فعل ذلك نفر منهم حتى قتلوا بين يديه عليه السلام شهداء، ومثل هذا يطمع فيه ويتوقع في أحوال الشدة فأما الجمع بين فعله وفعل أخيه الحسن عليه السلام فواضح صحيح، لان أخاه سلم كفا للفتنة، وخوفا على نفسه وأهله وشيعته، وإحساسا بالغدر من أصحابه، وهذا عليه السلام لما قوي في ظنه النصرة ممن كاتبه ووثق له، ورأي من أسباب قوة نصار الحق وضعف نصار الباطل، ما وجب معه عليه الطلب والخروج، فلما انعكس ذلك وظهرت أمارات الغدر فيه وسوء الاتفاق، رام الرجوع والمكافة والتسليم كما فعل أخوه عليه السلام، فمنع من ذلك، وحيل بينه وبينه، فالحالان متفقان إلا أن التسليم والمكافة عند ظهور أسباب الخوف لم يقبلا منه عليه السلام ولم يجب إلى الموادعة و طلبت نفسه عليه السلام فمنع منها بجهده حتى مضى كريما إلى جنة الله تعالى ورضوانه وهذا واضح لمتأمله انتهى أقول: قد مضى في كتاب الإمامة وكتاب الفتن أخبار كثيرة دالة على أن كلا منهم عليهم السلام كان مأمورا بأمور خاصة مكتوبة في الصحف السماوية النازلة على الرسول صلى الله عليه وآله فهم كانوا يعملون بها. ولا ينبغي قياس الأحكام المتعلقة بهم على أحكامنا، وبعد الاطلاع على أحوال الأنبياء عليهم السلام وأن كثيرا منهم كانوا يبعثون فرادى على ألوف من الكفرة، ويسبون آلهتهم، ويدعونهم إلى دينهم، ولا يبالون بما ينالهم من المكاره والضرب والحبس والقتل والالقاء في النار وغير ذلك، لا ينبغي الاعتراض على أئمة الدين في أمثال ذلك، مع أنه بعد ثبوت عصمتهم بالبراهين
والنصوص المتواترة، لا مجال للاعتراض عليهم، بل يجب التسليم لهم في كل ما يصدر عنهم.
على أنك لو تأملت حق التأمل، علمت أنه عليه السلام فدى نفسه المقدسة دين جده، ولم يتزلزل أركان دول بني أمية إلا بعد شهادته، ولم يظهر للناس كفرهم وضلالتهم إلا عند فوزه بسعادته، ولو كان عليه السلام يسالمهم ويوادعهم كان يقوى سلطانهم، ويشتبه على الناس أمرهم، فيعود بعد حين أعلام الدين طامسة، وآثار الهداية مندرسة، مع أنه قد ظهر لك من الأخبار السابقة أنه عليه السلام هرب من المدينة خوفا من القتل إلى مكة، وكذا خرج من مكة بعد ما غلب على ظنه أنهم يريدون غيلته وقتله، حتى لم يتيسر له - فداه نفسي وأبي وأمي وولدي - أن يتم حجة، فتحلل وخرج منها خائفا يترقب، وقد كانوا لعنهم الله ضيقوا عليه جميع الأقطار، ولم يتركوا له موضعا للفرار.
ولقد رأيت في بعض الكتب المعتبرة أن يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم وولاه أمر الموسم وأمره على الحاج كلهم، وكان قد أوصاه بقبض الحسين عليه السلام سرا وإن لم يتمكن منه بقتله غيلة، ثم إنه دس مع الحاج في تلك السنة ثلاثين رجلا من شياطين بني أمية، وأمرهم بقتل الحسين عليه السلام على أي حال اتفق، فلما علم الحسين عليه السلام بذلك، حل من إحرام الحج، وجعلها عمرة مفردة.
وقد روي بأسانيد أنه لما منعه عليه السلام محمد بن الحنفية عن الخروج إلى الكوفة قال: والله يا أخي لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض، لاستخرجوني منه حتى يقتلوني.
بل الظاهر أنه صلوات الله عليه لو كان يسالمهم ويبايعهم لا يتركونه لشدة عداوتهم، وكثرة وقاحتهم، بل كانوا يغتالونه بكل حيلة، ويدفعونه بكل وسيلة وإنما كانوا يعرضون البيعة عليه أولا لعلمهم بأنه لا يوافقهم في ذلك، ألا ترى
إلى مروان لعنه الله كيف كان يشير على والي المدينة بقتله قبل عرض البيعة عليه وكان عبيد الله بن زياد عليه لعائن الله إلى يوم التناد يقول: أعرضوا عليه فلينزل على أمرنا ثم نرى فيه رأينا، ألا ترى كيف أمنوا مسلما ثم قتلوه.
فأما معاوية لعنه الله فإنه مع شدة عداوته وبغضه لأهل البيت عليهم السلام كان ذا دهاء ونكراء وحزم، وكان يعلم أن قتلهم علانية يوجب رجوع الناس عنه، وذهاب ملكه وخروج الناس عليه، فكان يداريهم ظاهرا على أي حال، ولذا صالحه الحسن عليه السلام ولم يتعرض له الحسين، ولذلك كان يوصي ولده اللعين بعدم التعرض للحسين عليه السلام لأنه كان يعلم أن ذلك يصير سببا لذهاب دولته.
اللهم العن كل من ظلم أهل بيت نبيك، وقتلهم وأعان عليهم ورضي بما جرى عليهم من الظلم والجور لعنا وبيلا، وعذبهم عذابا أليما، واجعلنا من خيار شيعة آل محمد وأنصارهم، والطالبين بثأرهم مع قائمهم صلوات الله عليهم أجمعين.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.