پرش به محتوای اصلی
شنبه ۹ آبان ۱۴۰۵

بحارالانوار · المجلد العاشر

37 باب ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية

ج ۴۴، ص ۳۰۹–۳۳۸ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحه‌ی ۱ از ۲

اندازه‌ی متن فهرست جلد ۴۴

1 - أمالي الصدوق: محمد بن عمر البغدادي، الحافظ، عن الحسن بن عثمان بن زياد التستري من كتابه، عن إبراهيم بن عبيد الله بن موسى بن يونس ابن أبي إسحاق السبيعي قاضي بلخ قال: حدثتني مريسة بنت موسى بن يونس ابن أبي إسحاق وكانت عمتي قالت: حدثتني صفية بنت يونس بن أبي إسحاق الهمدانية وكانت عمتي قالت: حدثتني بهجة بنت الحارث بن عبد الله التغلبي، عن خالها عبد الله بن منصور، وكان رضيعا لبعض ولد زيد بن علي قال: سألت جعفر بن محمد بن علي

ابن الحسين فقلت: حدثني عن مقتل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: حدثني أبي عن أبيه عليهما السلام قال: لما حضرت معاوية الوفاة دعا ابنه يزيد لعنه الله فأجلسه بين يديه فقال له: يا بني إني قد ذللت لك الرقاب الصعاب، ووطدت لك البلاد وجعلت الملك وما فيه لك طعمة، وإني أخشى عليك من ثلاثة نفر يخالفون عليك بجهدهم وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن علي.

فأما عبد الله بن عمر فهو معك فألزمه ولا تدعه، وأما عبد الله بن الزبير فقطعه إن ظفرت به إربا إربا، فإنه يجثو لك كما يجثو الأسد لفريسته، ويؤاربك مؤاربة الثعلب للكلب.

وأما الحسين فقد عرفت حظه من رسول الله، وهو من لحم رسول الله ودمه، وقد علمت لا محالة أن أهل العراق سيخرجونه إليهم ثم يخذلونه ويضيعونه، فان ظفرت

به فاعرف حقه ومنزلته من رسول الله، ولا تؤاخذه بفعله، ومع ذلك فان لنا به خلطة ورحما وإياك أن تناله بسوء أو يرى منك مكروها.

قال: فلما هلك معاوية، وتولى الأمر بعده يزيد - لعنه الله - بعث عامله على مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عمه عتبة بن أبي سفيان؟ فقدم المدينة وعليها مروان ابن الحكم ، وكان عامل معاوية، فأقامه عتبة من مكانه وجلس فيه لينفذ فيه أمر يزيد، فهرب مروان، فلم يقدر عليه وبعث عتبة إلى الحسين بن علي عليه السلام فقال: إن أمير المؤمنين أمرك أن تبايع له فقال الحسين عليه السلام: يا عتبة قد علمت أنا أهل بيت الكرامة، ومعدن الرسالة، وأعلام الحق الذين أودعه الله عز وجل قلوبنا، وأنطق به ألسنتنا، فنطقت بإذن الله عز وجل ولقد سمعت جدي رسول الله يقول: إن الخلافة محرمة على ولد أبي سفيان، وكيف أبايع أهل بيت قد قال فيهم رسول الله هذا، فلما سمع عتبة ذلك دعا الكاتب وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الله يزيد أمير المؤمنين من عتبة بن أبي سفيان.

" أما بعد فان الحسين بن علي ليس يرى لك خلافة ولا بيعة، فرأيك في أمره والسلام ".

فلما ورد الكتاب على يزيد لعنه الله كتب الجواب إلى عتبة:

" أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فعجل علي بجوابه، وبين لي في كتابك كل من في طاعتي، أو خرج عنها، وليكن مع الجواب رأس الحسين بن علي ".

فبلغ ذلك الحسين عليه السلام فهم بالخروج من أرض الحجاز إلى أرض العراق فلما أقبل الليل، راح إلى مسجد النبي صلى الله عليه وآله ليودع القبر، فلما وصل إلى القبر، سطع له نور من القبر فعاد إلى موضعه، فلما كانت الليلة الثانية راح ليودع

القبر فقام يصلي فأطال فنعس وهو ساجد.

فجاءه النبي وهو في منامه فأخذ الحسين وضمه إلى صدره وجعل يقبل بين عينيه، ويقول: بأبي أنت كأني أراك مرملا بدمك بين عصابة من هذه الأمة، يرجون شفاعتي، مالهم عند الله من خلاق، يا بني إنك قادم على أبيك وأمك وأخيك وهم مشتاقون إليك، وإن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة، فانتبه الحسين عليه السلام من نومه باكيا فأتى أهل بيته فأخبرهم بالرؤيا، وودعهم وحمل أخواته على المحامل، وابنته وابن أخيه القاسم بن الحسن بن علي عليه السلام ثم سار في أحد وعشرين رجلا من أصحابه وأهل بيته منهم أبو بكر بن علي، ومحمد بن علي، وعثمان بن علي، والعباس بن علي، وعبد الله بن مسلم بن عقيل، وعلي بن الحسين الأكبر، وعلي بن الحسين الأصغر.

وسمع عبد الله بن عمر بخروجه، فقدم راحلته، وخرج خلفه مسرعا فأدركه في بعض المنازل، فقال: أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال: العراق، قال: مهلا ارجع إلى حرم جدك، فأبى الحسين عليه، فلما رأى ابن عمر إباءه قال: يا با عبد الله اكشف لي عن الموضع الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقبله منك، فكشف الحسين عليه السلام عن سرته فقبلها ابن عمر ثلاثا وبكى، وقال: أستودعك الله يا با عبد الله فإنك مقتول في وجهك هذا.

فسار الحسين عليه السلام وأصحابه فلما نزلوا ثعلبية، ورد عليه رجل يقال له: بشر بن غالب، فقال: يا ابن رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل " يوم ندعوا كل أناس بإمامهم " قال: إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وهو قوله عز وجل " فريق في الجنة وفريق في السعير ".

ثم سار حتى نزل العذيب فقال فيها قائلة الظهيرة ثم انتبه من نومه

باكيا فقال له: ابنه ما يبكيك يا أبه، فقال: يا بني إنها ساعة لا تكذب الرؤيا فيها وإنه عرض لي في منام عارض، فقال: تسرعون السير والمنايا تسير بكم إلى الجنة.

ثم سار حتى نزل الرهيمة فورد عليه رجل من أهل الكوفة يكنى أبا هرم فقال: يا ابن النبي ما الذي أخرجك من المدينة؟ فقال: ويحك يا با هرم شتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فصبرت، وأيم الله ليقتلني ثم ليلبسنهم الله ذلا شاملا، وسيفا قاطعا، وليسلطن عليهم من يذلهم.

قال: وبلغ عبيد الله بن زياد لعنه الله الخبر وأن الحسين عليه السلام قد نزل الرهيمة فأسرى إليه حر بن يزيد في ألف فارس قال الحر: فلما خرجت من منزلي متوجها نحو الحسين عليه السلام نوديت ثلاثا: يا حر أبشر بالجنة، فالتفت فلم أر أحدا فقلت:

ثكلت الحر أمه، يخرج إلى قتال ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ويبشر بالجنة؟ فرهقه عند صلاة الظهر فأمر الحسين عليه السلام ابنه فأذن وأقام وقام الحسين عليه السلام فصلى بالفريقين فلما سلم وثب الحر بن يزيد فقال: السلام عليك يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته فقال الحسين: وعليك السلام من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا الحر بن يزيد، فقال: يا حر أعلينا أم لنا؟ فقال الحر: والله يا ابن رسول الله لقد بعثت لقتالك وأعوذ بالله أن أحشر من قبري وناصيتي مشدودة إلي ويدي مغلولة إلى عنقي واكب على حر وجهي في النار، يا ابن رسول الله! أين تذهب؟ ارجع إلى حرم جدك فإنك مقتول.

فقال الحسين عليه السلام:

سأمضي فما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبورا وخالف مجرما فان مت لم أندم وإن عشت لم ألم * كفى بك ذلا أن تموت وترغما

ثم سار الحسين حتى نزل القطقطانة فنظر إلى فسطاط مضروب فقال:

لمن هذا الفسطاط؟ فقيل: لعبد الله بن الحر الحنفي فأرسل إليه الحسين عليه السلام فقال: أيها الرجل إنك مذنب خاطئ وإن الله عز وجل آخذك بما أنت صانع إن لم تتب إلى الله تبارك وتعالى في ساعتك هذه فتنصرني، ويكون جدي شفيعك بين يدي الله تبارك وتعالى.

فقال: يا ابن رسول الله والله لو نصرتك لكنت أول مقتول بين يديك، ولكن هذا فرسي خذه إليك فوالله ما ركبته قط وأنا أروم شيئا إلا بلغته، ولا أرادني أحد إلا نجوت عليه، فدونك فخذه! فأعرض عنه الحسين عليه السلام بوجهه ثم قال: لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك، وما كنت متخذ المضلين عضدا، ولكن فر، فلا لنا ولا علينا فإنه من سمع واعيتنا أهل البيت ثم لم يجبنا، كبه الله على وجهه في نار جهنم.

ثم سار حتى نزل بكربلا فقال: أي موضع هذا؟ فقيل: هذا كربلاء يا ابن رسول الله، فقال عليه السلام: هذا والله يوم كرب وبلاء، وهذا الموضع الذي يهراق فيه دماؤنا، ويباح فيه حريمنا، فأقبل عبيد الله بن زياد بعسكره حتى عسكر بالنخيلة وبعث إلى الحسين رجلا يقال له: عمر بن سعد قائده في أربعة آلاف فارس، وأقبل عبد الله بن الحصين التميمي في ألف فارس، يتبعه شبث بن ربعي في ألف فارس، ومحمد ابن الأشعث بن قيس الكندي أيضا في ألف فارس، وكتب لعمر بن سعد على الناس وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوه، فبلغ عبيد الله بن زياد أن عمر بن سعد يسامر الحسين عليه السلام ويحدثه، ويكره قتاله، فوجه إليه شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف فارس، وكتب إلى عمر بن سعد إذا أتاك كتابي هذا فلا تمهلن الحسين بن علي وخذ بكظمه، وحل بين الماء وبينه، كما حيل بين عثمان وبين الماء يوم الدار، فلما وصل الكتاب إلى عمر بن سعد لعنه الله أمر مناديه فنادى: إنا قد أجلنا حسينا وأصحابه يومهم وليلتهم.

فشق ذلك على الحسين وعلى أصحابه، فقام الحسين في أصحابه خطيبا فقال:

" اللهم إني لا أعرف أهل بيت أبر ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي ولا أصحابا هم خير من أصحابي وقد نزل بي ما قد ترون، وأنتم في حل من بيعتي، ليست لي في أعناقكم بيعة، ولا لي عليكم ذمة، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا وتفرقوا في سواده، فان القوم إنما يطلبوني، ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري.

فقام إليه عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا ابن رسول الله ماذا يقول لنا الناس إن نحن خذلنا شيخنا وكبيرنا وسيدنا وابن سيد الأعمام وابن نبينا سيد الأنبياء، لم نضرب معه بسيف، ولم نقاتل معه برمح، لا والله أو نرد موردك، ونجعل أنفسنا دون نفسك، ودماءنا دون دمك، فإذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا، وخرجنا مما لزمنا.

وقام إليه رجل يقال له زهير بن القين البجلي فقال: يا ابن رسول الله وددت أني قتلت ثم نشرت، ثم قتلت ثم نشرت، ثم قتلت ثم نشرت فيك وفي الذين معك مائة قتلة، وأن الله دفع بي عنكم أهل البيت، فقال له ولأصحابه: جزيتم خيرا.

ثم إن الحسين عليه السلام أمر بحفيرة فحفرت حول عسكره شبه الخندق، وأمر فحشيت حطبا وأرسل عليا ابنه عليه السلام في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ليستقوا الماء وهم على وجل شديد وأنشأ الحسين يقول:

يا دهر أف لك من خليل * كم لك في الاشراق والأصيل من طالب وصاحب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الأمر إلى الجليل * وكل حي سالك سبيلي ثم قال لإصحابه: قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم، وتوضأوا

واغتسلوا واغسلوا ثيابكم لتكون أكفانكم، ثم صلى بهم الفجر وعبأهم تعبية الحرب، وأمر بحفيرته التي حول عسكره فأضرمت بالنار، ليقاتل القوم من وجه واحد، وأقبل رجل من عسكر عمر بن سعد على فرس له يقال له: ابن أبي جويرية المزني فلما نظر إلى النار تتقد صفق بيده ونادى: يا حسين وأصحاب حسين أبشروا بالنار! فقد تعجلتموها في الدنيا، فقال الحسين عليه السلام: من الرجل؟ فقيل ابن أبي جويرية المزني، فقال الحسين عليه السلام: اللهم أذقه عذاب النار في الدنيا فنفر به فرسه وألقاه في تلك النار فاحترق.

ثم برز من عسكر عمر بن سعد رجل آخر يقال له تميم بن حصين الفزاري فنادى:

يا حسين ويا أصحاب حسين أما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنه بطون الحيات والله لا ذقتم منه قطرة حتى تذوقوا الموت جزعا فقال الحسين عليه السلام: من الرجل فقيل تميم بن حصين فقال الحسين: هذا وأبوه من أهل النار اللهم اقتل هذا عطشا في هذا اليوم، قال: فخنقه العطش حتى سقط عن فرسه، فوطأته الخيل بسنابكها فمات.

ثم أقبل آخر من عسكر عمر بن سعد يقال له: محمد بن أشعث بن قيس الكندي فقال: يا حسين بن فاطمة أية حرمة لك من رسول الله ليست لغيرك؟ فتلا الحسين هذه الآية: " إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية " الآية ثم قال: والله إن محمدا لمن آل إبراهيم، وإن العترة الهادية لمن آل محمد من الرجل؟ فقيل: محمد بن أشعث بن قيس الكندي فرفع الحسين عليه السلام رأسه إلى السماء فقال: اللهم أر محمد بن الأشعث ذلا في هذا اليوم لا تعزه بعد هذا اليوم أبدا، فعرض له عارض فخرج من العسكر يتبرز، فسلط الله عليه عقربا فلدغته، فمات بادي العورة.

فبلغ العطش من الحسين عليه السلام وأصحابه فدخل عليه رجل من شيعته يقال له:

يزيد بن الحصين الهمداني - قال إبراهيم بن عبد الله راوي الحديث: هو خال أبي إسحاق الهمداني فقال: يا ابن رسول الله تأذن لي فأخرج إليهم فأكلمهم؟ فأذن له فخرج إليهم فقال: يا معشر الناس إن الله عز وجل بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابها، وقد حيل بينه وبين ابنه، فقالوا: يا يزيد فقد أكثرت الكلام فاكفف فوالله ليعطشن الحسين كما عطش من كان قبله، فقال الحسين عليه السلام: اقعد يا يزيد.

ثم وثب الحسين عليه السلام متوكيا على سيفه، فنادى بأعلا صوته، فقال:

أنشدكم الله هل تعرفوني؟ قالوا: نعم أنت ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسبطه، قال:

أنشدكم الله هل تعلمون أن أمي فاطمة بنت محمد، قالوا: اللهم نعم، قال:

أنشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب عليه السلام قالوا: اللهم نعم، قال:

أنشدكم الله هل تعلمون أن جدتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الأمة إسلاما؟

قالوا: اللهم نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن سيد الشهداء حمزة عم أبي؟

قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيار في الجنة عمي؟

قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله وأنا متقلده؟

قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله أنا لابسها؟

قالوا: اللهم نعم قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن عليا كان أولهم إسلاما وأعلمهم علما وأعظمهم حلما وأنه ولي كل مؤمن ومؤمنة؟ قالوا اللهم نعم، قال: فبم تستحلون دمي؟ وأبي الذائد عن الحوض غدا يذود عنه رجالا كما يذاد البعير الصادر عن الماء، ولواء الحمد في يد [ي] جدي يوم القيامة، قالوا علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشا.

فأخذ الحسين عليه السلام بطرف لحيته وهو يومئذ ابن سبع وخمسين سنة ثم قال:

اشتد غضب الله على اليهود حين قالوا: عزيز ابن الله، واشتد غضب الله على النصارى حين قالوا: المسيح ابن الله، واشتد غضب الله على المجوس حين عبدوا النار من دون الله، واشتد غضب الله على قوم قتلوا نبيهم، واشتد غضب الله على هذه العصابة الذين يريدون قتلي: ابن نبيهم. قال: فضرب الحر بن يزيد، فرسه، وجاز عسكر عمر بن سعد إلى عسكر الحسين عليه السلام واضعا يده على رأسه وهو يقول: اللهم إليك أنيب فتب علي فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك، يا ابن رسول الله هل لي من توبة؟ قال: نعم تاب الله عليك، قال: يا ابن رسول الله ائذن لي فأقاتل عنك فأذن له فبرز وهو يقول:

أضرب في أعناقكم بالسيف عن خير من حل بلاد الخيف فقتل منهم ثمانية عشر رجلا ثم قتل، فأتاه الحسين عليه السلام ودمه يشخب، فقال: بخ بخ! يا حر أنت حر كما سميت في الدنيا والآخرة ثم أنشأ الحسين يقول:

لنعم الحر: حر بني رياح * ونعم الحر مختلف الرماح ونعم الحر إذ نادى حسينا * فجاد بنفسه عند الصباح ثم برز من بعده زهير بن القين البجلي وهو يقول مخاطبا للحسين عليه السلام:

اليوم نلقى جدك النبيا * وحسنا والمرتضى عليا فقتل منهم تسعة عشر رجلا ثم صرع وهو يقول:

أنا زهير وأنا ابن القين * إذ بكم بالسيف عن حسين ثم برز من بعده حبيب بن مظهر الأسدي وهو يقول:

أنا حبيب وأبي مطهر لنحن أزكى منكم وأطهر * ننصر خير الناس حين يذكر

فقتل منهم أحدا وثلاثين رجلا ثم قتل رضي الله عنه.

ثم برز من بعده عبد الله بن أبي عروة الغفاري وهو يقول:

قد علمت حقا بنو غفار * أني أذب في طلاب الثار بالمشرفي والقنا الخطار فقتل منهم عشرين رجلا ثم قتل رحمه الله.

ثم برز من بعده بدير بن حفير الهمداني وكان أقرأ أهل زمانه وهو يقول:

أنا بدير وأبي حفير * لا خير فيمن ليس فيه خير فقتل منهم ثلاثين رجلا ثم قتل رضي الله عنه.

ثم برز من بعده مالك بن أنس الكاهلي وهو يقول:

قد علمت كاهلها ودودان * والخندفيون وقيس عيلان بأن قومي قصم الأقران * يا قوم كونوا كأسود الجان آل علي شيعة الرحمن * وآل حرب شيعة الشيطان فقتل منهم ثمانية عشر رجلا ثم قتل رضي الله عنه.

وبرز من بعده زياد بن مهاصر الكندي فحمل عليهم وأنشأ يقول:

أنا زياد وأبي مهاصر * أشجع من ليث العرين الخادر يا رب إني للحسين ناصر * ولابن سعد تارك مهاجر فقتل منهم تسعة ثم قتل رضي الله عنه.

وبرز من بعده وهب بن وهب وكان نصرانيا أسلم على يدي الحسين هو وأمه فاتبعوه إلى كربلا، فركب فرسا، وتناول بيده عود الفسطاط، فقاتل وقتل من القوم سبعة أو ثمانية ثم استؤسر، فأتي به عمر بن سعد فأمر بضرب عنقه فضربت عنقه ورمي به إلى عسكر الحسين عليه السلام وأخذت أمه سيفه وبرزت فقال لها الحسين:

يا أم وهب اجلسي فقد وضع الله الجهاد عن النساء! إنك وابنك مع جدي محمد صلى الله عليه وآله في الجنة.

ثم برز من بعده هلال بن حجاج وهو يقول:

أرمي بها معلمة أفواقها * والنفس لا ينفعها إشفاقها فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا ثم قتل رضي الله عنه.

وبرز من بعده عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب وأنشأ يقول:

أقسمت لا اقتل إلا حرا * وقد وجدت الموت شيئا مرا أكره أن ادعى جبانا فرا * إن الجبان من عصى وفرا فقتل منهم ثلاثة ثم قتل رضي الله عنه.

وبرز من بعده علي بن الحسين عليهما السلام فلما برز إليهم دمعت عين الحسين عليه السلام فقال: اللهم كن أنت الشهيد عليهم فقد برز إليهم ابن رسولك وأشبه الناس وجها وسمتا به، فجعل يرتجز وهو يقول:

أنا علي بن الحسين بن علي * نحن وبيت الله أولى بالنبي أما ترون كيف أحمي عن أبي فقتل منهم عشره ثم رجع إلى أبيه فقال: يا أبه العطش، فقال له الحسين عليه السلام:

صبرا يا بنى يسقيك جدك بالكأس الأوفى، فرجع فقاتل حتى قتل منهم أربعة وأربعين رجلا ثم قتل صلى الله عليه.

وبرز من بعده القاسم بن الحسن [بن علي بن أبي طالب] عليه السلام وهو يقول:

لا تجزعي نفسي فكل فان * اليوم تلقين ذرى الجنان فقتل منهم ثلاثة ثم رمي عن فرسه رضي الله عنه.

ونظر الحسين عليه السلام يمينا وشمالا ولا يرى أحدا فرفع رأسه إلى السماء فقال:

اللهم إنك ترى ما يصنع بولد نبيك، وحال بنو كلاب بينه وبين الماء، ورمي بسهم فوقع في نحره وخر عن فرسه، فأخذ السهم فرمى به، فجعل يتلقى الدم

بكفه فلما امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته ويقول: ألقى الله عز وجل وأنا مظلوم متلطخ بدمي، ثم خر على خده الأيسر صريعا.

وأقبل عدو الله سنان الإيادي وشمر بن ذي الجوشن العامري لعنهما الله في رجال من أهل الشام حتى وقفوا على رأس الحسين عليه السلام فقال بعضهم لبعض: ما تنتظرون؟ أريحوا الرجل، فنزل سنان بن الأنس الإيادي وأخذ بلحية الحسين وجعل يضرب بالسيف في حلقه وهو يقول: والله إني لأجتز رأسك وأنا أعلم أنك ابن رسول الله وخير الناس أبا واما، وأقبل فرس الحسين حتى لطخ عرفه وناصيته بدم الحسين، وجعل يركض ويصهل فسمعت بنات النبي صهيله فخرجن فإذا الفرس بلا راكب، فعرفن أن حسينا قد قتل، وخرجت أم كلثوم بنت الحسين واضعا يدها على رأسها تندب وتقول: وا محمداه، هذا الحسين بالعراء، قد سلب العمامة والرداء وأقبل سنان حتى أدخل رأس الحسين بن علي عليهما السلام على عبيد الله بن زياد وهو يقول:

املا ركابي فضة وذهبا * أنا قتلت الملك المحجبا قتلت خير الناس اما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا فقال له عبيد الله بن زياد: ويحك، فان علمت أنه خير الناس أبا واما لم قتلته إذا؟ فأمر به فضربت عنقه وعجل الله بروحه إلى النار، وأرسل ابن زياد قاصدا إلى أم كلثوم بنت الحسين عليه السلام فقال لها: الحمد لله الذي قتل رجالكم فكيف ترون ما فعل بكم؟ فقالت: يا ابن زياد لئن قرت عينك بقتل الحسين فطال ما قرت عين جده صلى الله عليه وآله به، وكان يقبله ويلثم شفتيه، ويضعه على عاتقه، يا ابن زياد أعد لجده جوابا فإنه خصمك غدا.

بيان: وطدت الشئ أطده وطدا أي أثبته وثقلته والتوطيد مثله، والإرب بالكسر العضو، وجثا كدعا ورمى جثوا وجثيا بضمهما جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه، ورمله بالدم فترمل وارتمل أي تلطخ، والخلاق النصيب والظهيرة شدة الحر نصف النهار، والإسراء السير بالليل، ويقال طلبت فلانا حتى رهقته أي حتى دنوت منه، فربما أخذه وربما لم يأخذه، وحر الوجه ما بدا من الوجنة، والثبور الهلاك والخسران، والواعية الصراخ والصوت، والمسامرة الحديث بالليل ويقال أخذت بكظمه بالتحريك أي بمخرج نفسه.

وقال الجزري: يقال للرجل إذا أسرى ليله جمعاء أو أحياها بالصلاة أو غيرها من العبادات: اتخذ الليل جملا كأنه ركبه ولم ينم فيه انتهى، وشرقت الشمس أي طلعت، وأشرقت أي أضاءت، والأصيل بعد العصر إلى المغرب، والبديل: البدل وسنبك الدابة هو طرف حافرها، والبراز بالفتح الفضاء الواسع، وتبرز الرجل أي خرج إلى البراز للحاجة، والذود الطرد والدفع.

وقال الجوهري: المشرفية سيوف قال أبو عبيد: نسبت إلى مشارف وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، يقال: سيف مشرفي، والقنا بالكسر جمع قناة، وهي الرمح ورمح خطار ذو اهتزاز، ويقال: خطران الرمح ارتفاعه وانخفاضه للطعن، والكاهل أبو قبيلة من أسد وكذا دودان أبو قبيلة منهم، وخندف في الأصل لقب ليلى بنت عمران سميت به القبيلة وقيس أبو قبيلة من مصر، وهو قيس عيلان، والعرين مأوى الأسد الذي يألفه، وفي بعض النسخ العريز وكأنه من المعارزة بمعنى المعاندة، والخدر الستر، وأسد خادر أي داخل الخدر، ورجل فر:

أي فرار، ويقال: ملك محجب أي محتجب عن الناس.

2 - أقول: قال الشيخ المفيد في الارشاد: روى الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السيرة قالوا: لما مات الحسن عليه السلام تحركت الشيعة بالعراق وكتبوا إلى الحسين عليه السلام في خلع معاوية والبيعة له، فامتنع عليهم، وذكر أن بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لا يجوز له نقضه، حتى تمضي المدة، فإذا مات معاوية نظر في ذلك.

فلما مات معاوية وذلك لنصف من شهر رجب سنة ستين من الهجرة كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان على المدينة من قبل معاوية أن يأخذ الحسين عليه السلام بالبيعة له ولا يرخص له في التأخير عن ذلك، فأنفذ الوليد إلى الحسين في الليل فاستدعاه فعرف الحسين عليه السلام الذي أراد، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح، وقال لهم: إن الوليد قد استدعاني في هذا الوقت، ولست آمن أن يكلفني فيه أمرا لا أجيبه إليه، وهو غير مأمون، فكونوا معي فإذا دخلت إليه فاجلسوا على الباب، فان سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عني.

فصار الحسين عليه السلام إلى الوليد بن عتبة فوجد عنده مروان بن الحكم فنعى إليه الوليد معاوية فاسترجع الحسين ثم قرأ عليه كتاب يزيد وما أمره فيه من أخذ البيعة منه له، فقال الحسين عليه السلام: إني لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرا حتى أبايعه جهرا فيعرف ذلك الناس، فقال له الوليد: أجل فقال الحسين: فتصبح وترى رأيك في ذلك، فقال له الوليد: انصرف على اسم الله تعالى حتى تأتينا مع جماعة الناس.

فقال له مروان: والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب الحسين عليه السلام عند ذلك وقال: أنت يا ابن الزرقاء تقتلني أم هو؟ كذبت والله وأثمت، وخرج يمشي ومعه مواليه حتى أتى منزله.

قال السيد: كتب يزيد إلى الوليد يأمره بأخذ البيعة على أهلها وخاصة على الحسين عليه السلام ويقول: إن أبى عليك فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه، فأحضر

الوليد مروان واستشاره في أمر الحسين، فقال: إنه لا يقبل، ولو كنت مكانك ضربت عنقه، فقال الوليد، ليتني لم أك شيئا مذكورا.

ثم بعث إلى الحسين عليه السلام فجاءه في ثلاثين من أهل بيته ومواليه - وساق الكلام إلى أن قال -: فغضب الحسين عليه السلام ثم قال: ويلي عليك يا ابن الزرقاء أنت تأمر بضرب عنقي؟ كذبت والله وأثمت.

ثم أقبل على الوليد فقال: أيها الأمير! إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أينا أحق بالبيعة والخلافة، ثم خرج عليه السلام.

وقال ابن شهرآشوب: كتب إلى الوليد بأخذ البيعة من الحسين عليه السلام وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمان بن أبي بكر أخذا عنيفا ليست فيه رخصة، فمن يأبى عليك منهم فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه. فشاور في ذلك مروان فقال: الرأي أن تحضرهم وتأخذ منهم البيعة قبل أن يعلموا.

فوجه في طلبهم وكانوا عند التربة، فقال عبد الرحمان وعبد الله: ندخل دورنا ونغلق أبوابنا، وقال ابن الزبير: والله ما أبايع يزيد أبدا وقال الحسين: أنا لا بد لي من الدخول على الوليد وذكر قريبا مما مر.

قال المفيد: فقال مروان للوليد: عصيتني لا والله لا يمكنك مثلها من نفسه أبدا فقال الوليد: ويح غيرك يا مروان إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني ودنياي والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإني قتلت حسينا، سبحان الله أقتل حسينا إن قال لا أبايع، والله إني لأظن أن

امرءا يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة.

فقال له مروان: فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت، يقول هذا وهو غير الحامد له على رأيه.

قال السيد: فلما أصبح الحسين عليه السلام خرج من منزله يستمع الأخبار فلقيه مروان بن الحكم فقال له: يا أبا عبد الله إني لك ناصح، فأطعني ترشد، فقال الحسين عليه السلام: وما ذاك؟ قل حتى أسمع، فقال مروان: إني آمرك ببيعة يزيد أمير المؤمنين فإنه خير لك في دينك ودنياك، فقال الحسين عليه السلام: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الاسلام السلام إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد، ولقد سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان، وطال الحديث بينه وبين مروان حتى انصرف مروان، وهو غضبان.

فلما كان الغداة توجه الحسين عليه السلام إلى مكة لثلاث مضين من شعبان سنة ستين، فأقام بها باقي شعبان وشهر رمضان وشوالا وذا القعدة.

قال المفيد رحمه الله: فقام الحسين في منزله تلك الليلة وهي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستين من الهجرة، واشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزبير في البيعة ليزيد، وامتناعه عليهم، وخرج ابن الزبير من ليلته عن المدينة متوجها إلى مكة، فلما أصبح الوليد سرح في أثره الرجال فبعث راكبا من موالي بني أمية في ثمانين راكبا فطلبوه فلم يدركوه، فرجعوا.

فلما كان آخر نهار السبت، بعث الرجال إلى الحسين عليه السلام ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن معاوية، فقال لهم الحسين: أصبحوا ثم ترون ونرى! فكفوا تلك الليلة عنه، ولم يحلوا عليه، فخرج عليه السلام [من تحت ليلة] وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجها نحو مكة، ومعه بنوه وبنو أخيه وإخوته، وجل أهل بيته إلا محمد ابن الحنفية رحمه الله فإنه لما علم عزمه على الخروج عن المدينة

لم يدر أن يتوجه فقال له: يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق إلا لك، وأنت أحق بها تنح ببيعتك عن يزيد ابن معاوية، وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس ثم ادعهم إلى نفسك، فان بايعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم، فمنهم طائفة معك وأخرى عليك، فيقتتلون فتكون إذا لأول الأسنة غرضا، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا واما أضيعها دما وأذلها أهلا.

فقال له الحسين عليه السلام: فأين أنزل يا أخي؟ قال: انزل مكة، فان اطمأنت بك الدار بها فستنل ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال، و خرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس فإنك أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الأمر استقبالا.

فقال عليه السلام: يا أخي قد نصحت وأشفقت، وأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا.

وقال محمد بن أبي طالب الموسوي: لما ورد الكتاب على الوليد بقتل الحسين عليه السلام عظم ذلك عليه ثم قال: والله لا يراني الله أقتل ابن نبيه ولو جعل يزيد لي الدنيا بما فيها.

قال: وخرج الحسين عليه السلام من منزله ذات ليلة وأقبل إلى قبر جده صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك يا رسول الله أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي خلفتني في أمتك. فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني، وضيعوني، ولم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك، قال: ثم قام فصف قدميه فلم يزل راكعا ساجدا.

قال: وأرسل الوليد إلى منزل الحسين عليه السلام لينظر أخرج من المدينة أم لا؟

فلم يصبه في منزله، فقال: الحمد الله الذي خرج! ولم يبتلني بدمه، قال: ورجع الحسين إلى منزله عند الصبح.

فلما كانت الليلة الثانية، خرج إلى القبر أيضا وصلى ركعات، فلما فرغ من صلاته جعل يقول: اللهم هذا قبر نبيك محمد، وأنا ابن بنت نبيك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللهم إني أحب المعروف، وأنكر المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والاكرام بحق القبر ومن فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضى، ولرسولك رضى.

قال: ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريبا من الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى، فإذا هو برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتى ضم الحسين إلى صدره وقبل بين عينيه وقال: حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مرملا بدمائك، مذبوحا بأرض كرب وبلاء، من عصابة من أمتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى، وظمآن لا تروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، حبيبي يا حسين إن أباك وأمك وأخاك قدموا علي وهم مشتاقون إليك، وإن لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة.

قال: فجعل الحسين عليه السلام في منامه ينظر إلى جده ويقول: يا جداه لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك، فقال له رسول الله:

لابد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم، فإنك وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة، حتى تدخلوا الجنة.

قال: فانتبه الحسين عليه السلام من نومه فزعا مرعوبا فقص رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشد غما من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أكثر باك ولا باكية منهم.

قال: وتهيأ الحسين عليه السلام للخروج عن المدينة، ومضى في جوف الليل إلى قبر أمه فودعها، ثم مضى إلى قبر أخيه الحسن ففعل كذلك، ثم رجع إلى منزله وقت الصبح، فأقبل إليه أخوه محمد ابن الحنفية وقال : يا أخي أنت أحب الخلق إلي وأعزهم علي ولست والله أدخر النصيحة لأحد من الخلق، وليس أحد أحق بها منك لأنك مزاج مائي ونفسي وروحي وبصري وكبير أهل بيتي، ومن وجب طاعته في عنقي، لأن الله قد شرفك علي، وجعلك من سادات أهل الجنة.

وساق الحديث كما مر إلى أن قال: تخرج إلى مكة فان اطمأنت بك الدار بها فذاك وإن تكن الأخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فإنهم أنصار جدك وأبيك، وهم أرأف الناس وأرقهم قلوبا، وأوسع الناس بلادا، فان اطمأنت بك الدار، وإلا لحقت بالرمال وشعوب الجبال، وجزت من بلد إلى بلد، حتى تنظر ما يؤل إليه أمر الناس ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين.

قال: فقال الحسين عليه السلام: يا أخي والله لو لم يكن ملجأ، ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية، فقطع محمد ابن الحنفية الكلام وبكى، فبكى الحسين عليه السلام معه ساعة ثم قال: يا أخي جزاك الله خيرا، فقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكة، وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي، وأمرهم أمري ورأيهم رأيي، وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عينا لا تخفي عني شيئا من أمورهم.

ثم دعا الحسين عليه السلام بدواة وبياض وكتب هذه الوصية لأخيه محمد:

" بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف يا بن الحنفية أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي

ابن أبي طالب عليه السلام فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين، وهذه وصيتي يا أخي إليك وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

قال: ثم طوى الحسين الكتاب وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمد ثم ودعه وخرج في جوف الليل.

وقال محمد بن أبي طالب: روى محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان ابن إسماعيل، عن حمزة بن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكرنا خروج الحسين عليه السلام وتخلف ابن الحنفية فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا حمزة إني سأخبرك بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسك هذا، إن الحسين لما فصل متوجها، دعا بقرطاس وكتب فيه:

" بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم.

أما بعد فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح والسلام ".

قال: وقال شيخنا المفيد باسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: لما سار أبو عبد الله من المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسومة في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنة، فسلموا عليه، وقالوا: يا حجة الله على خلقه بعد جده وأبيه وأخيه، إن الله سبحانه أمد جدك بنا في مواطن كثيرة، وإن الله أمدك بنا، فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلا، فإذا وردتها فأتوني، فقالوا: يا حجة الله! مرنا نسمع ونطع، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك؟ فقال:

لا سبيل لهم علي ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي.

وأتته أفواج مسلمي الجن فقالوا: يا سيدنا، نحن شيعتك وأنصارك، فمرنا بأمرك، وما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كل عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك، فجزاهم

الحسين خيرا وقال لهم: أو ما قرأتم كتاب الله المنزل على جدي رسول الله " أينما تكونوا يدر ككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " وقال سبحانه: " لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " وإذا أقمت بمكاني فبماذا يبتلي هذا الخلق المتعوس؟ وبما ذا يختبرون؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء؟ وقد اختارها الله يوم دحا الأرض، وجعلها معقلا لشيعتنا، ويكون لهم أمانا في الدنيا والآخرة ولكن تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشورا الذي في آخره اقتل، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخوتي وأهل بيتي، ويسار برأسي إلى يزيد لعنه الله.

فقالت الجن: نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لولا أن أمرك طاعة وأنه لا يجوز لنا مخالفتك، قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك، فقال صلوات الله عليه لهم: نحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. انتهى ما نقلناه من كتاب محمد بن أبي طالب.

ووجدت في بعض الكتب أنه عليه السلام لما عزم على الخروج من المدينة أتته أم سلمة رضي الله عنها فقالت: يا بني لا تحزني بخروجك إلى العراق، فاني سمعت جدك يقول: يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلا، فقال لها: يا أماه وأنا والله أعلم ذلك، وإني مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بد وإني والله لأعرف اليوم الذي اقتل فيه، واعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أدفن فيها، وإني أعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا أماه أريك حفرتي ومضجعي.

ثم أشار عليه السلام إلى جهة كربلا فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره، وموقفه ومشهده، فعند ذلك بكت أم سلمة بكاء شديدا، وسلمت أمره إلى الله، فقال لها: يا أماه قد شاء الله عز وجل أن يراني مقتولا مذبوحا ظلما وعدوانا، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشردين، وأطفالي

مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا ولا معينا.

وفي رواية أخرى: قالت أم سلمة: وعندي تربة دفعها إلي جدك في قارورة، فقال: والله إني مقتول كذلك وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضا ثم أخذ تربة فجعلها في قارورة ، وأعطاها إياها، وقال: اجعلها مع قارورة جدي فإذا فاضتا دما فاعلمي أني قد قتلت.

ثم قال المفيد: فسار الحسين إلى مكة وهو يقرأ " فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين " ولزم الطريق الأعظم، فقال له أهل بيته:

لو تنكبت عن الطريق كما فعل ابن الزبير كيلا يلحقك الطلب، فقال: لا والله لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو قاض، ولما دخل الحسين عليه السلام مكة، كان دخوله إياها يوم الجمعة، لثلاث مضين من شعبان، دخلها وهو يقرأ " ولما توجه تلقاء مدين قال: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ".

ثم نزلها وأقبل أهلها يختلفون إليه، ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة، وهو قائم يصلي عندها ويطوف، ويأتي الحسين عليه السلام فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين ويأتيه بين كل يومين مرة وهو عليه السلام أثقل خلق الله على ابن الزبير [لأنه] قد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين في البلد وأن الحسين أطوع في الناس منه وأجل.

وبلغ أهل الكوفة هلاك معاوية، فأرجفوا بيزيد وعرفوا خبر الحسين وامتناعه من بيعته: وما كان من أمر ابن الزبير في ذلك وخروجهما إلى مكة، فاجتمعت الشيعة بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا هلاك معاوية فحمدوا الله وأثنوا عليه، فقال سليمان: إن معاوية قد هلك وإن حسينا قد نقض على القوم

بيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه فان كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا عدوه، فاكتبوا إليه فان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه، قالوا: لا، بل نقاتل عدوه، ونقتل أنفسنا دونه، فاكتبوا إليه.

فكتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي من سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد، الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعدا له كما بعدت ثمود، إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والنعمان بن بشير في قصر الامارة، لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إنشاء الله.

ثم سرحوا بالكتاب مع عبد الله بن مسمع الهمداني وعبد الله بن وأل وأمروهما بالنجا، فخرجا مسرعين حتى قدما على الحسين بمكة لعشر مضين من شهر رمضان.

ثم لبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب وأنفذوا قيس بن مسهر الصيداوي و عبد الله وعبد الرحمان ابني عبد الله بن زياد الأرحبي وعمارة بن عبد الله السلولي إلى الحسين عليه السلام ومعهم نحو مائة وخمسين صحيفة من الرجل

والاثنين والأربعة.

وقال السيد: وهو مع ذلك يتأبى ولا يجيبهم، فورد عليه في يوم واحد ستمائة كتاب، وتواترت الكتب حتى اجتمع عنده في نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب.

وقال المفيد: ثم لبثوا يومين آخرين وسرحوا إليه هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي وكتبوا إليه " بسم الله الرحمن الرحيم إلى الحسين بن علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين أما بعد فحي هلا فان الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل، ثم العجل العجل، والسلام ".

ثم كتب شبث بن ربعي وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن رويم، وعروة ابن قيس، وعمر بن حجاج الزبيدي ومحمد بن عمرو التيمي: أما بعد فقد اخضر الجنات، وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجندة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى أبيك من قبلك.

وتلاقت الرسل كلها عنده فقرأ الكتب وسأل الرسل عن الناس، ثم كتب مع هانئ بن هانئ، وسعيد بن عبد الله، وكانا آخر الرسل:

" بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين أما بعد فان هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم أنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى، وأنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فان كتب إلي بأنه قد اجتمع رأي ملئكم، وذوي الحجى والفضل منكم، على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم، فاني أقدم إليكم وشيكا إنشاء الله فلعمري ما الامام إلا الحاكم بالكتاب

القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذلك لله، والسلام ".

ودعا الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبد الله السلولي وعبد الرحمن بن عبد الله الأزدي، وأمره بالتقوى وكتمان أمره واللطف، فان رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجل إليه بذلك.

فأقبل مسلم رحمه الله حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وودع من أحب من أهله، واستأجر دليلين من قيس فأقبلا به يتنكبان الطريق، فضلا عن الطريق، وأصابهما عطش شديد فعجزا عن السير فأومأ له إلى سنن الطريق بعد أن لاح لهم ذلك، فسلك مسلم ذلك السنن، ومات الدليلان عطشا، فكتب مسلم بن عقيل رحمه الله من الموضع المعروف بالمضيق مع قيس بن مسهر " أما بعد فاني أقبلت من المدينة مع دليلين لي فحازا عن الطريق فضلا، واشتد علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبت، وقد تطيرت من توجهي هذا، فان رأيت أعفيتني عنه وبعثت غيري، والسلام ".

فكتب إليه الحسين عليه السلام " أما بعد فقد حسبت أن لا يكون حملك على الكتاب إلي في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن، فامض لوجهك الذي وجهتك فيه والسلام ".

فلما قرأ مسلم الكتاب قال: أما هذا فلست أتخوفه على نفسي، فأقبل حتى مر بماء لطيئ فنزل به ثم ارتحل عنه، فإذا رجل يرمي الصيد فنظر إليه قد رمى ظبيا حين أشرف له فصرعه، فقال مسلم بن عقيل: نقتل عدونا إنشاء الله.

ثم أقبل حتى دخل الكوفة فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة وهي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيب، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فكلما اجتمع إليه منهم جماعة، قرأ عليهم كتاب الحسين عليه السلام وهم يبكون، وبايعه الناس حتى بايعه

منهم ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين عليه السلام يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفا ويأمره بالقدوم، وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم بن عقيل - رحمه الله - حتى علم بمكانه.

فبلغ النعمان بشير ذلك وكان واليا على الكوفة من قبل معاوية فأقره يزيد عليها، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فاتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فان فيها تهلك الرجال، وتسفك الدماء، وتغصب الأموال إني لا أقاتل من لا يقاتلني، ولا آتي على من لم يأت علي، ولا أنبه نائمكم ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف، ولا الظنة، ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله غيره، لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل.

فقام إليه عبد الله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي حليف بني أمية فقال له:

إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم، وهذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين، فقال له النعمان: إن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله، ثم نزل.

وخرج عبد الله بن مسلم وكتب إلى يزيد بن معاوية كتابا: أما بعد فان مسلم ابن عقيل قد قدم الكوفة وبايعه الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب، فان يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فان النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف.

[ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه] ثم كتب إليه عمر بن سعد بن أبي وقاص مثل ذلك، فلما وصلت الكتب إلى يزيد، دعا سرحون مولى

معاوية فقال: ما رأيك؟ إن الحسين قد نفذ إلى الكوفة مسلم بن عقيل يبايع له وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيئ فمن ترى أن أستعمل على الكوفة؟ وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد، فقال له سرحون: أرأيت لو نشر لك معاوية حيا ما كنت آخذا برأيه؟ قال: بلى، قال: فأخرج سرحون عهد عبيد الله على الكوفة، وقال:

هذا رأي معاوية مات، وقد أمر بهذا الكتاب فضم المصرين إلى عبيد الله، فقال له يزيد: أفعل، ابعث بعهد عبيد الله بن زياد إليه.

ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلي وكتب إلى عبيد الله معه " أما بعد فإنه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة ويخبرونني أن ابن عقيل فيها يجمع الجموع ليشق عصا المسلمين، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة، فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام " وسلم إليه عهده على الكوفة، فخرج مسلم بن عمرو حتى قدم على عبيد الله البصرة، وأوصل إليه العهد والكتاب، فأمر عبيد الله بالجهاز من وقته والمسير والتهيؤ إلى الكوفة من الغد ثم خرج من البصرة فاستخلف أخاه عثمان.

وقال ابن نما - ره -: رويت إلى حصين بن عبد الرحمن أن أهل الكوفة كتبوا إليه: انا معك مائة ألف، وعن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: بايع الحسين عليه السلام أربعون ألفا من أهل الكوفة على أن يحاربوا من حارب، ويسالموا من سالم، فعند ذلك رد جواب كتبهم يمنيهم بالقول، ويعدهم بسرعة الوصول، وبعث مسلم بن عقيل.

وقال السيد رحمه الله بعد ذلك: وكان الحسين عليه السلام قد كتب إلى جماعة من أشراف البصرة كتابا مع مولى له اسمه سليمان ويكنى أبا رزين، يدعوهم إلى نصرته ولزوم طاعته، منهم يزيد بن مسعود النهشلي والمنذر بن الجارود العبدي فجمع يزيد بن مسعود بني تميم وبني حنظلة وبني سعد فلما حضروا قال: يا بني تميم كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم؟ فقالوا: بخ بخ أنت والله فقرة الظهر، ورأس الفخر

حللت في الشرف وسطا، وتقدمت فيه فرطا، قال: فإني قد جمعتكم لأمر أريد أن أشاوركم فيه، وأستعين بكم عليه، فقالوا: إنما والله نمنحك النصيحة، ونحمد لك الرأي فقل نسمع.

فقال: إن معاوية مات فأهون به والله هالكا ومفقودا، ألا وإنه قد انكسر باب الجور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم، وقد كان أحدث بيعة عقد بها أمرا ظن أن قد أحكمه، وهيهات والذي أراد، اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل، وقد قام يزيد شارب الخمور، ورأس الفجور، يدعي الخلافة على المسلمين، ويتأمر عليهم مع قصر حلم وقلة علم، لا يعرف من الحق موطئ قدمه.

فاقسم بالله قسما مبرورا لجهاده على الدين، أفضل من جهاد المشركين، وهذا الحسين بن علي ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل، له فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وسنه وقدمته وقرابته يعطف على الصغير، ويحنو على الكبير، فأكرم به راعي رعية، وإمام قوم وجبت لله به الحجة، وبلغت به الموعظة، ولا تعشوا عن نور الحق، ولا تسكعوا في وهدة الباطل، فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله ونصرته، والله لا يقصر أحد عن نصرته إلا أورثه الله الذل في ولده، والقلة في عشيرته، وها أنا قد لبست للحرب لأمتها، وادرعت لها بدرعها من لم يقتل يمت، ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم الله رد الجواب.

فتكلمت بنو حنظلة فقالوا: أبا خالد! نحن نبل كنانتك، وفرسان عشيرتك، إن رميت بنا أصبت، وإن غزوت بنا فتحت، لا تخوض والله غمرة إلا خضناها، ولا تلقى والله شدة إلا لقيناها، ننصرك بأسيافنا، ونقيك بأبداننا، إذا شئت.

وتكلمت بنو سعد بن زيد، فقالوا: أبا خالد! إن أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج من رأيك، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا وبقي عزنا فينا، فأمهلنا نراجع المشورة ويأتيك رأينا.

وتكلمت بنو عامر بن تميم فقالوا: يا أبا خالد نحن بنو أبيك وحلفاؤك لا نرضى

إن غضبت، ولا تقطن إن ظعنت، والأمر إليك فادعنا نجبك، ومرنا نطعك، والأمر لك إذا شئت.

فقال: والله يا بني سعيد لئن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم أبدا، ولا زال سيفكم فيكم.

ثم كتب إلى الحسين صلوات الله عليه: " بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد وصل إلي كتابك وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له، من الأخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك، وإن الله لم يخل الأرض قط من عامل عليها بخير أو دليل على سبيل نجاة، وأنتم حجة الله على خلقه، ووديعته في أرضه، تفرعتم من زيتونة أحمدية، هو أصلها وأنتم فرعها، فأقدم سعدت بأسعد طائر، فقد ذللت لك أعناق بني تميم، وتركتهم أشد تتابعا في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم خمسها وقد ذللت لك رقاب بني سعد، وغسلت درن صدورها بماء سحابة مزن حين استحل برقها فلمع.

فلما قرأ الحسين الكتاب قال: مالك آمنك الله يوم الخوف وأعزك وأرواك يوم العطش.

فلما تجهز المشار إليه للخروج إلى الحسين عليه السلام بلغه قتله قبل أن يسير فجزع من انقطاعه عنه.

وأما المنذور بن جارود، فإنه جاء بالكتاب والرسول إلى عبيد الله بن زياد لأن المنذر خاف أن يكون الكتاب دسيسا من عبيد الله وكانت بحرية بنت المنذر بن جارود تحت عبيد الله بن زياد فأخذ عبيد الله الرسول فصلبه، ثم صعد المنبر فخطب وتوعد أهل البصرة على الخلاف، وإثارة الأرجاف ثم بات تلك الليلة فلما أصبح استناب عليهم أخاه عثمان بن زياد وأسرع هو إلى قصد الكوفة.

وقال ابن نما: كتب الحسين عليه السلام كتابا إلى وجوه أهل البصرة، منهم

متن عربی از پیکره‌ی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشت‌های مصحح در این نسخه نیامده است.