بحارالانوار · المجلد العاشر
باب القصر، واستأذن، فأذن له، فدخل على عبيد الله بن زياد، فأخبره خبر ابن عقيل، وضرب بكر إياه، وما كان من أمانه له، فقال له عبيد الله: وما أنت والأمان؟
ج ۴۴، ص ۳۵۴–۳۸۰ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۱ از ۵
باب القصر، واستأذن، فأذن له، فدخل على عبيد الله بن زياد، فأخبره خبر ابن عقيل، وضرب بكر إياه، وما كان من أمانه له، فقال له عبيد الله: وما أنت والأمان؟
كأنا أرسلناك لتؤمنه، إنما أرسلناك لتأتينا به، فسكت ابن الأشعث وانتهى بابن عقيل إلى باب القصر، وقد اشتد به العطش، وعلى باب القصر ناس جلوس، ينتظرون الاذن، فيهم عمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعمرو بن حريث، ومسلم بن عمرو وكثير بن شهاب وإذا قلة باردة موضوعة على الباب.
فقال مسلم: أسقوني من هذا الماء! فقال له مسلم بن عمرو: أتراها ما أبردها لا والله لا تذوق منها قطرة أبدا حتى تذوق الحميم في نار جهنم، فقال له ابن عقيل:
ويحك من أنت؟ فقال: أنا الذي عرف الحق إذا أنكرته، ونصح لامامه إذ غششته وأطاعه إذ خالفته، أنا مسلم بن عمرو الباهلي فقال له ابن عقيل: لامك الثكل ما أجفاك وأقطعك وأقسى قلبك، أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني.
ثم جلس فتساند إلى حائط وبعث عمرو بن حريث غلاما له فأتاه بقلة عليها منديل وقدح فصب فيه ماء فقال له: اشرب فأخذ كلما شرب امتلأ القدح دما من فمه، ولا يقدر أن يشرب، ففعل ذلك مرتين، فلما ذهب في الثالثة ليشرب سقطت ثناياه في القدح، فقال: الحمد الله لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته، وخرج رسول ابن زياد فأمر بادخاله إليه.
فلما دخل لم يسلم عليه بالامرة، فقال له الحرسي: ألا تسلم على الأمير؟
فقال: إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه، وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن سلامي عليه، فقال له ابن زياد: لعمري لتقتلن، قال: كذلك؟ قال: نعم، قال: فدعني أوصي إلى بعض قومي، قال: افعل! فنظر مسلم إلى جلساء عبيد الله بن زياد، وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص فقال: يا عمر إن بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة وقد يجب لي عليك نجح حاجتي، وهي سر، فامتنع عمر أن يسمع منه، فقال له عبيد الله بن زياد: لم تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك؟ فقام معه فجلس حيث
ينظر إليهما ابن زياد، فقال له: إن علي بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبع مائة درهم، فبع سيفي ودرعي فاقضها عني وإذا قتلت فاستوهب جثتي من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين عليه السلام من يرده فاني قد كتبت إليه اعلمه أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلا.
فقال عمر لابن زياد: أتدري أيها الأمير ما قال لي؟ إنه ذكر كذا وكذا فقال ابن زياد: إنه لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن أما ماله فهو له، ولسنا نمنعك أن تصنع به ما أحب، وأما جثته فانا لا نبالي إذا قتلناه ما صنع بها، وأما حسين فإنه إن لم يردنا لم نرده.
ثم قال ابن زياد: إيه ابن عقيل: أتيت الناس وهم جمع فشتت بينهم، وفرقت كلمتهم، وحملت بعضهم على بعض، قال: كلا لست لذلك أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل، وندعو إلى الكتاب، فقال له ابن زياد: وما أنت وذاك يا فاسق؟ لم لم تعمل فيهم بذلك إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر؟ قال مسلم: أنا أشرب الخمر؟ أما - والله - إن الله ليعلم أنك غير صادق، وأنك قد قلت بغير علم وأني لست كما ذكرت، وأنك أحق بشرب الخمر مني، وأولى بها من يلغ في دماء المسلمين ولغا، فيقتل النفس التي حرم الله قتلها، ويسفك الدم الذي حرم الله على الغصب والعداوة، وسوء الظن، وهو يلهو ويلعب، كان لم يصنع شيئا.
فقال له ابن زياد: يا فاسق إن نفسك منتك ما حال الله دونه، ولم يرك الله له أهلا فقال مسلم: فمن أهله إذا لم نكن نحن أهله؟ فقال ابن زياد: أمير المؤمنين يزيد، فقال مسلم: الحمد لله على كل حال، رضينا بالله حكما بيننا وبينكم فقال له ابن زياد: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الاسلام من الناس، فقال له مسلم: أما إنك أحق من أحدث في الاسلام ما لم يكن وإنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة، لا أحد أولى بها منك، فأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم الحسين وعليا وعقيلا وأخذ مسلم لا يكلمه.
ثم قال ابن زياد: إصعدوا به فوق القصر، فاضربوا عنقه ثم أتبعوه جسده فقال مسلم رحمه الله: والله لو كان بيني وبينك قرابة ما قتلتني، فقال ابن زياد: أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف، فدعا بكر بن حمران الأحمري فقال له:
اصعد فليكن أنت الذي تضرب عنقه، فصعد به، وهو يكبر ويستغفر الله ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وآله ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وخذلونا.
وأشرفوا به على موضع الحذائين اليوم، فضرب عنقه وأتبع رأسه جثته.
وقال السيد، ولما قتل مسلم منهم جماعة نادى إليه محمد بن الأشعث: يا مسلم لك الأمان، فقال مسلم: وأي أمان للغدرة الفجرة ثم أقبل يقاتلهم، ويرتجز بأبيات حمران بن مالك الخثعمي يوم القرن " أقسمت لا اقتل إلا حرا " إلى آخر الأبيات، فنادى إليه إنك لا تكذب، ولا تغر، فلم يلتفت إلى ذلك، وتكاثروا عليه بعد أن أثخن بالجراح، فطعنه رجل من خلفه فخر إلى الأرض فاخذ أسيرا فلما دخل على عبيد الله لم يسلم عليه، فقال له الحرسي: سلم على الأمير، فقال له:
اسكت يا ويحك، والله ما هو لي بأمير، فقال ابن زياد: لا عليك سلمت أم لم تسلم فإنك مقتول فقال له مسلم: إن قتلتني فلقد قتل من هو شر منك من هو خير مني ثم قال ابن زياد: يا عاق ويا شاق، خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين، وألقحت الفتنة، فقال مسلم: كذبت يا ابن زياد إنما شق عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد، وأما الفتنة فإنما ألقحها أنت وأبوك زياد بن عبيد عبد بني علاج من ثقيف وأنا أرجو أن يرزقني الله الشهادة على يدي شر بريته.
ثم قال السيد بعد ما ذكر بعض ما مر: فضرب عنقه ونزل مذعورا، فقال له ابن زياد: ما شأنك؟ فقال: أيها الأمير رأيت ساعة قتلته رجلا أسود سيئ الوجه حذائي عاضا على أصبعه أو قال شفتيه، ففزعت فزعا لم أفزعه قط! فقال ابن زياد:
لعلك دهشت.
وقال المسعودي: دعا ابن زياد بكير بن حمران الذي قتل مسلما فقال:
أقتلته؟ قال: نعم قال: فما كان يقول وأنتم تصعدون به لتقتلوه؟ قال: كان يكبر ويسبح ويهلل ويستغفر الله، فلما أدنيناه لنضرب عنقه قال: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا ثم خذلونا وقتلونا، فقلت له: الحمد لله الذي أقادني منك وضربته ضربة لم تعمل شيئا فقال لي: أوما يكفيك في خدش مني وفاء بدمك؟ أيها العبد، قال ابن زياد: وفخرا عند الموت؟ قال: وضربته الثانية فقتلته.
وقال المفيد: فقام محمد بن الأشعث إلى عبيد الله بن زياد فكلمه في هانئ بن عروة، فقال: إنك قد عرفت موضع هانئ من المصر، وبيته في العشيرة، وقد علم قومه أني وصاحبي سقناه إليك وأنشدك الله لما وهبته لي فاني أكره عداوة المصر وأهله ، فوعده أن يفعل، ثم بدا له وأمر بهانئ في الحال فقال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه، فاخرج هانئ حتى اتي به إلى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم، وهو مكتوف فجعل يقول: وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم، يا مذحجاه يا مذحجاه أين مذحج؟
فلما رأى أن أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ثم قال: أما من عصا أو سكين أو حجارة أو عظم يحاجز به رجل عن نفسه؟ ووثبوا إليه فشدوه وثاقا ثم قيل له: امدد عنقك فقال: ما أنا بها بسخي، وما أنا بمعينكم على نفسي فضربه مولى لعبيد الله بن زياد تركي، يقال له رشيد بالسيف، فلم يصنع شيئا فقال له هانئ: إلى الله المعاد اللهم إلى رحمتك ورضوانك، ثم ضربه أخرى فقتله.
وفي مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة رحمهما الله يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:
فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه * وآخر يهوي من طمار قتيل
أصابهما أمر اللعين فأصبحا * أحاديث من يسري بكل سبيل ترى جسدا قد غير الموت لونه * ونضح دم قد سال كل مسيل فتى كان أحيا من فتاة حيية * وأقطع من ذي شفرتين صقيل أيركب أسماء الهماليج آمنا * وقد طالبته مذحج بذحول تطيف حواليه مراد وكلهم * على رقبة من سائل ومسؤول فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم * فكونوا بغايا أرضيت بقليل ولما قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة رحمة الله عليهما بعث ابن زياد برأسيهما مع هانئ بن أبي حية الوادعي والزبير بن الأروح التميمي إلى يزيد بن معاوية وأمر كاتبه أن يكتب إلى يزيد بما كان من أمر مسلم وهانئ فكتب الكاتب وهو عمرو بن نافع فأطال فيه وكان أول من أطال في الكتب فلما نظر فيه عبيد الله كرهه وقال: ما هذا التطويل وهذه الفضول اكتب:
أما بعد فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه، وكفاه مؤنة عدوه أخبر أمير المؤمنين أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي وإني جعلت عليهما المراصد والعيون ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حتى أخرجتهما وأمكن الله منهما، فقد متهما وضربت أعناقهما وقد بعثت إليك برأسيهما مع هانئ بن أبي حية الوادعي والزبير بن الأروح التميمي وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة فليسا لهما أمير المؤمنين عما أحب من أمرهما، فان عندهما علما وورعا وصدقا والسلام.
فكتب إليه يزيد: أما بعد فإنك لم تعد أن كنت كما أحب علمت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش، وقد أغنيت وكفيت، وصدقت ظني بك ورأيي فيك، وقد دعوت رسوليك، وسألتهما وناجيتهما، فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت، فاستوص بهما خيرا، وإنه قد بلغني أن حسينا قد توجه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس واحبس على الظنة، واقتل على التهمة واكتب إلي في كل يوم ما يحدث من خبر إنشاء الله.
وقال ابن نما: كتب يزيد إلى ابن زياد: قد بلغني أن حسينا قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلى به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت به من بين العمال، وعندها تعتق أو تعود عبدا، كما تعبد العبيد.
ايضاح: قوله " ويح غيرك " قال: هذا تعظيما له، أي لا أقول لك " ويحك " بل أقول لغيرك، " والسلام " بالكسر الحجر، ذكره الجوهري وقال نبا بفلان منزله إذا لم يوافقه، وقال: الشعفة بالتحريك رأس الجبل، والجمع شعف وشعوف وشعاف وشعفات، وهي رؤس الجبال.
قوله عليه السلام: " ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح " أي لا يتيسر له فتح وفلاح في الدنيا أو في الآخرة، أو الأعم، وهذا إما تعليل بأن ابن الحنفية إنما لم يلحق لأنه علم أنه يقتل إن ذهب بأخباره عليه السلام أو بيان لحرمانه عن تلك السعادة، أو لأنه لا عذر له في ذلك لأنه عليه السلام أعلمه وأمثاله بذلك.
قوله: " نحمد إليك الله " أي نحمد الله منهيا إليك، والتنزي والانتزاء:
التوثب والتسرع، وابتززت الشئ استلبته، والنجا الإسراع، وقال الجوهري:
يقال حيهلا الثريد، فتحت ياؤه لاجتماع الساكنين ، وبنيت " حي " مع " هل " اسما واحدا مثل خمسة عشر، وسمي به الفعل، وإذا وقفت عليه قلت حيهلا.
وقال: الجناب - بالفتح - الفناء، وما قرب من محلة القوم، يقال أخصب جناب القوم، والحشاشة بالضم بقية الروح في المريض قال الجزري فيه فانفلتت البقرة بحشاشة نفسها أي برمق بقية الحياة والروح، والتحريش الإغراء بين القوم، و " القرف " التهمة، " والغشم " الظلم.
طلب الخرزة كأنه كناية عن شدة الطلب فان من يطلب الخرزة يفتشها في كل مكان وثقبة، وثقفه: صادفه، قوله " فرطا " أي تقدما كثيرا، من قولهم فرطت القوم أي سبقتهم، أو هو حال فان الفرط بالتحريك من يتقدم الواردة إلى الماء والكلاء ليهيئ لهم ما يحتاجون إليه.
قوله: " فأهون به " صيغة تعجب أي ما أهونه، والأثيل الأصيل، والتسكع
التمادي في الباطل، وقطن بالمكان كنصر أقام، وظعن أي سار.
قوله: " لئن فعلتموها " أي المخالفة، " والخمس " بالكسر من أظماء الإبل أن ترعى ثلاثة أيام، وترد اليوم الرابع، والمزنة السحابة البيضاء، والجمع المزن ذكره الجوهري، وقال الفيروزآبادي: المزن بالضم السحاب أو أبيضه، أو ذو الماء.
قوله: " لا فتحت " دعاء عليه أي لا فتحت على نفسك بابا من الخير، فقد طال ليلك: أي كثر وامتد همك أو انتظارك، وفي مروج الذهب، فقد طال نومك أي غفلتك، وضربوا الباب أي أغلقوه.
قوله: فان الصدق ينبي عنك، قال الزمخشري في المستقصى: الصدق ينبي عنك لا الوعيد: غير مهموز من أنباه إذا جعله نابيا أي إنما يبعد عنك العدو ويرده أن تصدقه القتال، لا التهدد، يضرب للجبان يتوعد ثم لا يفعل، وقال الجوهري: في المثل " الصدق ينبي عنك لا الوعيد " أي إن الصدق يدفع عنك الغائلة في الحرب دون التهديد قال أبو عبيد: هو ينبي غير مهموز، ويقال: أصله الهمز من الإنباء أي إن الفعل يخبر عن حقيقتك لا القول انتهى.
وفي بعض النسخ عليك أي عندما يتحقق ما أقول، تطلع على فوائد ما أقول لك وتندم على ما فات لا مجرد وعيدي، يقال: نبأت على القوم طلعت عليهم، والظاهر أنه تصحيف و " العريف " النقيب، وهو دون الرئيس.
قوله: " ولم تجعل على نفسك " الجملة حالية، وقال الجزري: في حديث علي عليه السلام قال: وهو ينظر إلى ابن ملجم " عذيرك من خليلك من مراد " يقال:
عذيرك من فلان بالنصب أي هات من يعذرك فيه، فعيل بمعنى فاعل، قوله: أيه أي اسكت، والشائع فيه إيها.
وقال الفيروزآبادي: ربص بفلان ربصا: انتظر به خيرا أو شرا يحل به كتربص، ويقال: سقط في يديه أي ندم، وجوز أسقط في يديه والذمام: الحق والحرمة، وأذم فلانا أجاره، ويقال: أخذتني منه مذمة أي رقة وعار من ترك
حرمته والغائلة الداهية، ونفس به بالكسر أي ضن به، والبارقة السيوف، والحروري الخارجي أي أنت كنت أو تكون خارجيا في جميع الأيام أو في بقية اليوم.
وقال الجوهري: ومن أمثالهم في اليأس عن الحاجة " أسائر اليوم وقد زال الظهر " أي أتطمع فيما بعد وقد تبين لك اليأس، لأن من كان حاجته اليوم بأسره وقد زال الظهر، وجب أن ييأس منه بغروب الشمس انتهى. والظاهر أن هذا المعنى لا يناسب المقام.
واللهز الضرب بجمع اليد في الصدور، ولهزه بالرمح طعنه في صدره وتعتعه حركه بعنف وأقلقه، قوله " استيحاشا إليهم " يقال: استوحش أي وجد الوحشة وفيه تضمين معنى الانضمام، والمتلدد المتحير الذي يلتفت يمينا وشمالا، و " التخاتج " لعله جمع تختج معرب " تخته " أي نزعوا الأخشاب من سقف المسجد لينظروا هل فيه أحد منهم وإن لم يرد بهذا المعنى في اللغة، والمنكب هو رأس العرفاء، والاستبراء الاختبار والاستعلام.
قوله: " وجس خلالها " من قولهم " جاسوا خلال الديار " أي تخللوها فطلبوا ما فيها قوله: فانتهز أي اغتنم الأمان، قوله: لا ناقة لي في هذا قال الزمخشري في مستقصى الأمثال: أي لا خير لي فيه ولا شر، وأصله أن الصدوف بنت حليس كانت تحت زيد بن الأخنس وله بنت من غيرها تسمى الفارعة كانت تسكن بمعزل منها في خباء آخر، فغاب زيد غيبة فلهج بالفارعة رجل عدوي يدعى شبثا وطاوعته فكانت تركب على عشية جملا لأبيها وتنطلق معه إلى متيهة يبيتان فيها، ورجع زيد عن وجهه، فعرج على كاهنة اسمها طريفة فأخبرته بريبة في أهله، فأقبل سائرا لا يلوي على أحد، وإنما تخوف على امرأته حتى دخل عليها فلما رأته عرفت الشر في وجهه فقالت: لا تعجل واقف الأثر لا ناقة لي في ذا ولا جمل، يضرب في التبري عن الشئ قال الراعي:
وما هجرتك حتى قلت معلنة * لا ناقة لي في هذا ولا جمل
وقال الفيروزآبادي: الجرامقة قوم من العجم صاروا بالموصل في أوائل الاسلام الواحدي جرمقاني، والضرغام بالكسر الأسد، والهمام كغراب الملك العظيم الهمة، والسيد الشجاع، قوله عليه السلام: " من يلغ " من ولوغ الكلب، وقال الجوهري طمار: المكان المرتفع، وقال الأصمعي: انصب عليه من طمار، مثل قطام، قال الشاعر: " فان كنت " إلى آخر البيتين وكان ابن زياد أمر برمي مسلم بن عقيل من سطح انتهى.
قوله " أحاديث من يسري " أي صارا بحيث يذكر قصتهما كل من يسير بالليل في السبل، وشفرة السيف حده أي من سلاح مصقول يقطع من الجانبين والصقيل السيف أيضا " والهماليج " جمع الهملاج، وهو نوع من البراذين وأسماء هو أحد الثلاثة الذين ذهبوا بهانئ إلى ابن زياد " والرقبة " بالفتح الارتقاب والانتظار وبالكسر التحفظ قوله: فكونوا بغايا أي زواني، وفي بعض النسخ أيامى.
قال المفيد - ره -: فصل: وكان خروج مسلم بن عقيل - رحمه الله - بالكوفة يوم الثلثا لثمان مضين من ذي الحجة سنة ستين، وقتله - رحمه الله - يوم الأربعاء لتسع خلون منه يوم عرفة، وكان توجه الحسين عليه السلام من مكة إلى العراق في يوم خروج مسلم بالكوفة وهو يوم التروية، بعد مقامه بمكة بقية شعبان و [شهر] رمضان وشوالا وذا القعدة وثمان ليال خلون من ذي الحجة سنة ستين، وكان قد اجتمع إلى الحسين عليه السلام مدة مقامه بمكة نفر من أهل الحجاز، ونفر من أهل البصرة انضافوا إلى أهل بيته ومواليه.
ولما أراد الحسين التوجه إلى العراق، طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة وأحل من إحرامه وجعلها عمرة، لأنه لم يتمكن من تمام الحج مخافة أن يقبض عليه بمكة فينفذ إلى يزيد بن معاوية، فخرج عليه السلام مبادرا بأهله وولده ومن انضم إليه من شيعته، ولم يكن خبر مسلم بلغه بخروجه يوم خروجه على ما ذكرناه
وقال السيد رضي الله عنه: روى أبو جعفر الطبري، عن الواقدي وزرارة بن صالح قالا: لقينا الحسين بن علي عليهما السلام قبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيام فأخبرناه بهوى الناس بالكوفة، وأن قلوبهم معه، وسيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء ونزلت الملائكة عددا لا يحصيهم إلا الله تعالى، فقال عليه السلام:
لولا تقارب الأشياء، وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم يقينا أن هناك مصرعي ومصرع أصحابي، ولا ينجو منهم إلا ولدي علي.
ورويت بالإسناد، عن أحمد بن داود القمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء محمد ابن الحنفية إلى الحسين عليه السلام في الليلة التي أراد الحسين الخروج في صبيحتها عن مكة فقال له: يا أخي إن أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فان رأيت أن تقيم فإنك أعز من بالحرم وأمنعه، فقال: يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت، فقال له ابن الحنفية: فان خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البر فإنك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد، فقال: أنظر فيما قلت.
فلما كان السحر، ارتحل الحسين عليه السلام فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ بزمام ناقته - وقد ركبها - فقال: يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال: بلى قال: فما حداك على الخروج عاجلا؟ قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما فارقتك فقال: يا حسين اخرج فان الله قد شاء أن يراك قتيلا فقال محمد ابن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال؟ قال: فقال [لي صلى الله عليه وآله]: إن الله قد شاء أن يراهن سبايا، فسلم عليه ومضى.
قال: وجاءه عبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير فأشارا عليه بالامساك فقال لهما: إن رسول الله قد أمرني بأمر وأنا ماض فيه، قال: فخرج ابن العباس وهو يقول:
وا حسيناه، ثم جاء عبد الله بن عمر فأشار عليه بصلح أهل الضلال وحذره من القتل والقتال، فقال: يا أبا عبد الرحمان أما علمت أن من هوان الدنيا على الله تعالى أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل أما تعلم أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئا فلم يعجل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام اتق الله يا أبا عبد الرحمان، ولا تدع نصرتي.
ثم قال المفيد - رحمه الله - وروي عن الفرزدق أنه قال: حججت بأمي في سنة ستين، فبينما أنا أسوق بعيرها حتى دخلت الحرم إذ لقيت الحسين عليه السلام خارجا من مكة، معه أسيافه وتراسه، فقلت: لمن هذا القطار؟ فقيل: للحسين بن علي عليهما السلام فأتيته وسلمت عليه. وقلت له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله ما أعجلك عن الحج؟ قال: لو لم أعجل لاخذت ثم قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب، ولا والله ما فتشني عن أكثر من ذلك.
ثم قال لي: أخبرني عن الناس خلفك؟ فقلت: الخبير سألت قلوب الناس معك وأسيافهم عليك، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء قال: صدقت لله الأمر من قبل ومن بعد، وكل يوم [ربنا] هو في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يبعد من كان الحق نيته، والتقوى سيرته، فقلت له: أجل بلغك الله ما تحب وكفاك ما تحذر، وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها، وحرك راحلته وقال: السلام عليك ثم افترقنا.
وكان الحسين بن علي عليه السلام لما خرج من مكة اعترضه يحيى بن سعيد بن العاص، ومعه جماعة أرسلهم إليه عمرو بن سعيد، فقالوا له: انصرف أين تذهب؟
فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان واضطربوا بالسياط، فامتنع الحسين عليه السلام وأصحابه منهم امتناعا قويا وسار حتى أتى التنعيم، فلقي عيرا قد أقبلت من اليمن
فاستأجر من أهلها جمالا لرحله وأصحابه، وقال لأصحابها: من أحب أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا في بعض الطريق أعطيناه كراه على قدر ما قطع من الطريق، فمضى معه قوم وامتنع آخرون.
وألحقه عبد الله بن جعفر بابنيه عون ومحمد وكتب على أيديهما كتابا يقول فيه: أما بعد فاني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي هذا فاني مشفق عليك من هذا التوجه الذي توجهت له، أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك إن هلكت اليوم طفئ نور الأرض، فإنك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، ولا تعجل بالسير فاني في أثر كتابي والسلام.
وصار عبد الله إلى عمرو بن سعيد وسأله أن يكتب إلى الحسين عليه السلام أمانا ويمنيه ليرجع عن وجهه، وكتب إليه عمرو بن سعيد كتابا يمنيه فيه الصلة، ويؤمنه على نفسه، وأنفذه مع يحيى بن سعيد، فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر بعد نفوذ ابنيه، ودفعا إليه الكتاب وجهدا به في الرجوع، فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام وأمرني بما أنا ماض له، فقالوا له: ما تلك الرؤيا؟ فقال: ما حدثت أحدا بها ولا أنا محدث بها أحدا حتى ألق ربي عز وجل فلما يئس منه عبد الله بن جعفر أمر ابنيه عونا ومحمدا بلزومه، والمسير معه، والجهاد دونه، ورجع مع يحيى ابن سعيد إلى مكة.
وتوجه الحسين عليه السلام إلى العراق مغذا لا يلوي إلى شئ حتى نزل ذات عرق وقال السيد - رحمه الله: - توجه الحسين عليه السلام من مكة لثلاث مضين من ذي الحجة سنة ستين قبل أن يعلم بقتل مسلم، لأنه عليه السلام خرج من مكة في اليوم الذي قتل فيه مسلم رضوان الله عليه.
وروي أنه صلوات الله عليه لما عزم على الخروج إلى العراق، قام خطيبا فقال: الحمد لله، وما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله وسلم خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي
اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلا، فيملآن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقربهم عينه، وتنجز لهم وعده، من كان فينا باذلا مهجته، موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فاني راحل مصبحا إنشاء الله.
أقول: روى هذه الخطبة في كشف الغمة عن كمال الدين ابن طلحة.
قال السيد وابن نما رحمهما الله: ثم سار حتى مر بالتنعيم، فلقي هناك عيرا تحمل هدية قد بعث بها بحير بن ريسان الحميري عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمين وعليها الورس والحلل فأخذها عليه السلام لأن حكم أمور المسلمين إليه، وقال لأصحاب الإبل: من أحب منكم أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكرى بقدر ما قطع من الطريق، فمضى قوم وامتنع آخرون.
ثم سار عليه السلام: حتى بلغ ذات عرق، فلقي بشر بن غالب واردا من العراق فسأله عن أهلها، فقال: خلفت القلوب معك، والسيوف مع بني أمية. فقال: صدق أخو بني أسد إن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
قال: ثم سار صلوات الله عليه حتى نزل الثعلبية وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد ثم استيقظ فقال: قد رأيت هاتفا يقول: أنتم تسرعون، والمنايا تسرع بكم إلى الجنة، فقال له ابنه علي : يا أبه أفلسنا على الحق؟ فقال: بلى با بني والذي إليه مرجع العباد، فقال: يا أبه إذن لا نبالي بالموت، فقال له الحسين عليه السلام جزاك الله يا بني خير ما جزا ولدا عن والد ثم بات عليه السلام في الموضع.
فلما أصبح إذا برجل من أهل الكوفة يكنى أبا هرة الأزدي، قد أتاه
فسلم عليه ثم قال: يا ابن رسول الله ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدك محمد صلى الله عليه وآله؟ فقال الحسين عليه السلام: ويحك أبا هرة إن بني أمية أخذوا ما لي فصبرت وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسنهم الله ذلا شاملا، وسيفا قاطعا، وليسلطن عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم، فحكمت في أموالهم ودمائهم.
وقال محمد بن أبي طالب: واتصل الخبر بالوليد بن عتبة أمير المدينة بأن الحسين عليه السلام توجه إلى العراق فكتب إلى ابن زياد: " أما بعد فان الحسين قد توجه إلى العراق وهو ابن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله، فاحذر يا ابن زياد أن تأتي إليه بسوء فتهيج على نفسك وقومك أمرا في هذه الدنيا لا يصده شئ، ولا تنساه الخاصة والعامة أبدا ما دامت الدنيا ": قال: فلم يلتفت ابن زياد إلى كتاب الوليد.
وفي كتاب تاريخ عن الرياشي بإسناده عن راوي حديثه قال: حججت فتركت أصحابي وانطلقت أتعسف الطريق وحدي، فبينما أنا أسير إذ رفعت طرفي إلى أخبية وفساطيط، فانطلقت نحوها حتى أتيت أدناها فقلت: لمن هذه الأبنية؟
فقالوا: للحسين عليه السلام قلت: ابن علي؟ وابن فاطمة عليهما السلام؟ قالوا: نعم، قلت: في أيها هو؟ قالوا: في ذلك الفسطاط، فانطلقت نحوه، فإذا الحسين عليه السلام متك على باب الفسطاط يقرأ كتابا بين يديه فسلمت فرد علي، فقلت يا ابن رسول الله بأبي أنت وأمي ما أنزلك في هذه الأرض القفراء التي ليس فيها ريف ولا منعة قال: إن هؤلاء أخافوني وهذه كتب أهل الكوفة، وهم قاتلي ، فإذا فعلوا ذلك ولم يدعوا لله محرما إلا انتهكوه، بعث الله إليهم من يقتلهم حتى يكونوا أذل من قوم الأمة.
وقال ابن نما: حدث عقبة بن سمعان قال: خرج الحسين عليه السلام من مكة فاعترضته رسل عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد ليردوه فأبى عليهم وتضاربوا بالسياط، ومضى عليه السلام على وجهه، فبادروه وقالوا: يا حسين ألا تتقي
الله تخرج من الجماعة وتفرق بين هذه الأمة؟ فقال: لي عملي، ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل، وأنا برئ مما تعملون.
ورويت أن الطرماح بن حكم قال: لقيت حسينا وقد امترت لأهلي ميرة فقلت: أذكرك في نفسك لا يغرنك أهل الكوفة، فوالله لئن دخلتها لتقتلن وإني لأخاف أن لا تصل إليها، فان كنت مجمعا على الحرب فأنزل أجأ فإنه جبل منيع والله ما نالنا فيه ذل قط، وعشيرتي يرون جميعا نصرك، فهم يمنعونك ما أقمت فيهم فقال: إن بيني وبين القوم موعدا أكره أن أخلفهم فان يدفع الله عنا فقديما ما أنعم علينا وكفى، وإن يكن ما لا بد منه، ففوز وشهادة إنشاء الله.
ثم حملت الميرة إلى أهلي وأوصيتهم بأمورهم أريد الحسين عليه السلام فلقيني سماعة بن زيد النبهاني فأخبرني بقتله فرجعت.
وقال المفيد - رحمه الله - ولما بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين عليه السلام من مكة إلى الكوفة، بعث الحصين بن نمير صاحب شرطه، حتى نزل القادسية، ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان وما بين القادسية إلى القطقطانة، وقال للناس:
هذا الحسين يريد العراق، ولما بلغ الحسين الحاجز من بطن الرمة، بعث قيس ابن مسهر الصيداوي ويقال إنه بعث أخاه من الرضاعة عبد الله بن يقطر إلى أهل الكوفة. ولم يكن عليه السلام علم بخبر مسلم بن عقيل - رحمه الله - وكتب معه إليهم:
" بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى إخوانه المؤمنين والمسلمين سلام عليكم فاني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فان كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنيع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء، لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدوا فاني قادم عليكم في
أيامي هذه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ".
وكان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة وكتب إليه أهل الكوفة أن لك ههنا مائة ألف سيف ولا تتأخر.
فأقبل قيس بن مسهر بكتاب الحسين عليه السلام حتى إذا انتهى القادسية أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى عبيد الله بن زياد [إلى الكوفة] فقال له عبيد الله بن زياد: اصعد فسب الكذاب الحسين بن علي.
وقال السيد: فلما قارب دخول الكوفة، اعترضه الحصين بن نمير ليفتشه فأخرج [قيس] الكتاب ومزقه، فحمله الحصين إلى ابن زياد، فلما مثل بين يديه قال له: من أنت؟ قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه عليهما السلام قال: فلما ذا خرقت الكتاب؟ قال: لئلا تعلم ما فيه، قال: وممن الكتاب وإلى من؟ قال: من الحسين بن علي إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم، فغضب ابن زياد فقال: والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر وتلعن الحسين بن علي وأباه وأخاه وإلا قطعتك إربا إربا، فقال قيس: أما القوم فلا أخبرك بأسمائهم، وأما لعنة الحسين وأبيه وأخيه فأفعل، فصعد المنبر وحمد الله وصلى على النبي وأكثر من الترحم على علي وولده صلوات الله عليهم ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه ولعن عتاة بني أمية عن آخرهم، ثم قال:
أنا رسول الحسين إليكم وقد خلفته بموضع كذا فأجيبوه.
ثم قال المفيد: - رحمه الله - فأمر به عبيد الله بن زياد أن يرمى من فوق القصر، فرمي به فتقطع، وروي أنه وقع إلى الأرض مكتوفا فتكسرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه رجل يقال له: عبد الملك بن عمر اللخمي فذبحه فقيل له في ذلك وعيب عليه، فقال: أردت أن أريحه.
ثم أقبل الحسين من الحاجز يسير نحو العراق فانتهى إلى ماء من مياه
العرب فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي، وهو نازل به، فلما رآه الحسين قام إليه فقال: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله ما أقدمك واحتمله وأنزله، فقال له الحسين عليه السلام: كان من موت معاوية ما قد بلغك، وكتب إلي أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم.
فقال له عبد الله بن مطيع: أذكرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الاسلام أن تنهتك، أنشدك الله في حرمة قريش، أنشدك الله في حرمة العرب، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك، ولئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحدا أبدا، والله إنها لحرمة الاسلام تنهتك، وحرمة قريش وحرمة العرب، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني أمية، فأبي الحسين عليه السلام إلا أن يمضي.
وكان عبيد الله بن زياد أمر فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام، وإلى طريق البصرة فلا يدعون أحدا يلج ولا أحدا يخرج فأقبل الحسين عليه السلام لا يشعر بشئ حتى لقي الأعراب فسألهم فقالوا: لا والله ما ندري غير أنا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج، فسار تلقاء وجهه عليه السلام.
وحدث جماعة من فزارة ومن بجيلة قالوا: كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة، وكنا نسائر الحسين عليه السلام فلم يكن شئ أبغض علينا من أن ننازله في منزل: وإذا سار الحسين عليه السلام فنزل في منزل لم نجد بدا من أن ننازله فنزل الحسين في جانب ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغذى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين عليه السلام حتى سلم، ثم دخل، فقال: يا زهير بن القين إن أبا عبد الله الحسين بعثني إليك لتأتيه، فطرح كل انسان منا ما في يده، حتى كأنما على رؤوسنا الطير، فقالت له امرأته - قال السيد وهي ديلم بنت عمرو - سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه؟ لو أتيته فسمعت كلامه ثم انصرفت.
فأتاه زهير بن القين، فلما لبث أن جاء مستبشرا، قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه، وثقله ومتاعه، فقوض وحمل إلى الحسين عليه السلام ثم قال لامرأته: أنت طالق! الحقي بأهلك فاني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خير.
وزاد السيد - وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بروحي، وأقيه بنفسي، ثم أعطاها مالها وسلمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها، فقامت إليه وبكت وود عته، وقالت: خار الله لك أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين عليه السلام.
وقال المفيد: ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا فهو آخر العهد، إني سأحدثكم حديثا إنا غزونا البحر، ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان: رحمه الله - أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم؟ فقلنا: نعم فقال: إذا أدركتم سيد شباب آل محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه مما أصبتم اليوم من الغنائم، فأما أنا فأستودعكم الله، قالوا: ثم والله ما زال في القوم مع الحسين حتى قتل - رحمه الله -.
وفي المناقب ولما نزل عليه السلام الخزيمية أقام بها يوما وليلة، فلما أصبح أقبلت إليه أخته زينب، فقالت: يا أخي ألا أخبرك بشئ سمعته البارحة؟ فقال الحسين عليه السلام: وما ذاك؟ فقالت: خرجت في بعض الليل لقضاء حاجة فسمعت هاتفا يهتف، وهو يقول:
ألا يا عين فاحتفلي بجهد * ومن يبكي على الشهداء بعدي على قوم تسوقهم المنايا * بمقدار إلى إنجاز وعد فقال لها الحسين عليه السلام: يا أختاه كل الذي قضي فهو كائن.
وقال المفيد - رحمه الله -: وروى عبد الله بن سليمان والمنذر بن المشمعل الأسديان قالا: لما قضينا حجتنا، لم تكن لنا همة إلا الالحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين، حتى لحقناه بزرود
فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حتى رأى الحسين عليه السلام فوقف الحسين عليه السلام كأنه يريده ثم تركه ومضى، ومضينا نحوه فقال أحدنا لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا لنسأله، فان عنده خبر الكوفة، فمضينا حتى انتهينا إليه فقلنا: السلام عليك، فقال: وعليكما السلام، قلنا: ممن الرجل؟
قال: أسدي: قلنا له: ونحن أسديان فمن أنت؟ قال: أنا بكر بن فلان فانتسبنا له ثم قلنا له: أخبرنا عن الناس وراءك؟ قال: نعم، لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، ورأيتهما يجران بأرجلهما في السوق.
فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين فسايرناه، حتى نزل الثعلبية ممسيا فجئناه حين نزل فسلمنا عليه فرد علينا السلام فقلنا له: يرحمك الله إن عندنا خبرا إن شئت حدثناك به علانية وإن شئت سرا، فنظر إلينا وإلى أصحابه ثم قال: ما دون هؤلاء سر فقلنا له: رأيت الراكب الذي استقبلته عشي أمس؟ فقال: نعم، قد أردت مسألته فقلنا: قد والله استبرأنا لك خبره، وكفيناك مسألته، وهو امرء منا ذو رأي وصدق وعقل، وإنه حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم وهانئ ورآهما يجران في السوق بأرجلهما، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليهما يردد ذلك مرارا.
فقلنا له: ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا وإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك، فنظر إلى بني عقيل فقال: ما ترون؟ فقد قتل مسلم؟ فقالوا: والله ما نرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق، فأقبل علينا الحسين عليه السلام فقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء، فعلمنا أنه قد عزم رأيه على المسير، فقلنا له: خار الله لك، فقال: يرحمكم الله، فقال له:
أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان أسرع الناس إليك فسكت.
وقال السيد: أتاه خبر مسلم في زبالة ثم إنه سار فلقيه الفرزدق فسلم عليه ثم قال: يا ابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته؟ قال: فاستعبر الحسين عليه السلام باكيا ثم قال: رحم الله مسلما فلقد صار إلى روح الله وريحانه، وتحيته ورضوانه، أما إنه قد قضى ما عليه، وبقي ما علينا، ثم أنشأ يقول:
فان تكن الدنيا تعد نفيسة * فدار ثواب الله أعلى وأنبل وإن تكن الأبدان للموت أنشئت * فقتل امرء بالسيف في الله أفضل وإن تكن الأرزاق قسما مقدرا * فقلة حرص المرء في الرزق أجمل وإن تكن الأموال للترك جمعها * فما بال متروك به الحر يبخل وقال المفيد: ثم انتظر حتى إذا كان السحر، فقال لفتيانه وغلمانه: أكثروا من الماء فاستقوا وأكثروا، ثم ارتحلوا فسار حتى انتهى إلى زبالة، فأتاه خبر عبد الله بن يقطر.
وقال السيد: فاستعبر باكيا ثم قال: اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلا كريما، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، إنك على كل شئ قدير.
وقال المفيد رحمه الله: فأخرج للناس كتابا فقرأ عليهم فإذا فيه " بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإنه قد أتانا خبر فظيع: قتل مسلم بن عقيل، وهانئ ابن عروة، وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف، في غير حرج، ليس عليه ذمام، فتفرق الناس عنه، وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة، ونفر يسير ممن انضموا إليه وإنما فعل ذلك لأنه عليه السلام علم أن الأعراب الذين اتبعوه إنما اتبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهلها، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون.
فلما كان السحر أمر أصحابه: فاستقوا ماء وأكثروا، ثم سار حتى مر ببطن العقبة، فنزل عليها، فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمر بن لوذان قال له:
أين تريد؟ قال له الحسين: الكوفة، فقال له الشيخ: أنشدك الله لما انصرفت، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة، وحد السيوف، وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطأوا لك الأشياء فقدمت عليهم، كان ذلك رأيا، فأما على هذه الحال التي تذكر فاني لا أرى لك أن تفعل، فقال له: يا عبد الله ليس يخفى علي الرأي ولكن الله تعالى لا يغلب على أمره.
ثم قال عليه السلام: والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل فرق الأمم، ثم سار عليه السلام من بطن العقبة حتى نزل شراف فلما كان السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا ثم سار حتى انتصف النهار، فبينما هو يسير إذ كبر رجل من أصحابه، فقال له الحسين عليه السلام: الله أكبر لما كبرت؟ فقال: رأيت النخل قال جماعة ممن صحبه:
والله إن هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قط، فقال الحسين عليه السلام: فما ترونه؟ قالوا:
والله نراه أسنة الرماح وآذان الخيل، فقال: وأنا والله أرى ذلك.
ثم قال عليه السلام: ما لنا ملجأ نلجأ إليه ونجعله في ظهورنا ونستقبل القوم بوجه واحد؟ فقلنا له: بلى هذا ذو جشم إلى جنبك، فمل إليه عن يسارك، فان سبقت إليه فهو كما تريد، فأخذ إليه ذات اليسار، وملنا معه، فلما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل فتبينا [ها] وعدلنا فلما رأونا عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأن أسنتهم اليعاسيب، وكأن راياتهم أجنحة الطير، فاستبقنا إلى ذي جشم فسبقناهم إليه وأمر الحسين عليه السلام بأبنيته فضربت، وجاء القوم زهاء ألف فارس، مع الحر بن يزيد التميمي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حر الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدون أسيافهم.
فقال الحسين عليه السلام لفتيانه: اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشفوا الخيل ترشيفا، ففعلوا وأقبلوا يملأون القصاع والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فإذا عب فيها ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه، وسقي آخر، حتى سقوها عن آخرها.
فقال علي بن الطعان المحاربي: كنت مع الحر يومئذ، فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلما رأى الحسين عليه السلام ما بي وبفرسي من العطش قال: أنخ الراوية! والرواية عندي السقا ثم قال: يا ابن الأخ أنخ الجمل! فأنخته ، فقال:
اشرب، فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء فقال الحسين: أخنث السقاء أي اعطفه فلم أدر كيف أفعل فقام فخنثه فشربت وسقيت فرسي.
وكان مجيئ الحر بن يزيد من القادسية، وكان عبيد الله بن زياد بعث الحصين ابن نمير وأمره أن ينزل القادسية، وتقدم الحر بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم الحسين عليه السلام فلم يزل الحر موافقا للحسين عليه السلام حتى حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين عليه السلام الحجاج بن مسروق أن يؤذن.
فلما حضرت الإقامة، خرج الحسين عليه السلام في إزار ورداء ونعلين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم أن: " أقدم علينا فليس لنا إمام لعل الله أن يجمعنا وإياكم على الهدى والحق " فان كنتم على ذلك فقد جئتكم، فأعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم وإن لم تفعلوا، وكنتم لمقدمي كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم.
فسكتوا عنه ولم يتكلموا كلمة، فقال للمؤذن: أقم، فأقام الصلاة فقال للحر:
أتريد أن تصلي بأصحابك؟ فقال الحر: لا بل تصلي أنت ونصلي بصلاتك، فصلى بهم الحسين عليه السلام ثم دخل فاجتمع عليه أصحابه، وانصرف الحر إلى مكانه الذي كان فيه، فدخل خيمة قد ضربت له، فاجتمع إليه خمسمائة من أصحابه وعاد
الباقون إلى صفهم الذي كانوا فيه ثم أخذ كل رجل منهم بعنان فرسه وجلس في ظلها.
فلما كان وقت العصر أمر الحسين عليه السلام أن يتهيأوا للرحيل ففعلوا ثم أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام فاستقدم الحسين وقام فصلى بالقوم ثم سلم وانصرف إليهم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله، يكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمد أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، فان أبيتم إلا الكراهة لنا، والجهل بحقنا، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدمت علي به رسلكم انصرفت عنكم.
فقال له الحر: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر؟ فقال الحسين عليه السلام لبعض أصحابه: يا عقبة بن سمعان أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلي فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرت بين يديه فقال له الحر: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا أنا إذا لقيناك لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد.
فقال الحسين عليه السلام: الموت أدنى إليك من ذلك ثم قال لأصحابه: فقوموا فاركبوا، فركبوا وانتظر حتى ركبت نساؤه فقال لأصحابه: انصرفوا فلما ذهبوا لينصرفوا، حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الحسين عليه السلام للحر: ثكلتك أمك ما تريد؟ فقال له الحر: أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل كائنا من كان، ولكن والله مالي من ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه.
فقال له الحسين عليه السلام: فما تريد؟ قال: أريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد، فقال: إذا والله لا أتبعك، فقال: إذا والله لا أدعك، فترادا القول ثلاث مرات، فلما كثر الكلام بينهما قال له الحر: إني لم أؤمر بقتالك إنما
أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة فإذ أبيت فخذ طريقا لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة يكون بيني وبينك نصفا حتى أكتب إلى الأمير عبيد الله بن زياد فلعل الله أن يرزقني العافية من أن ابتلى بشئ من أمرك فخذ ههنا.
فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، وسار الحسين عليه السلام وسار الحر في أصحابه يسايره، وهو يقول له: يا حسين إني أذكرك الله في نفسك فاني أشهد لئن قاتلت لتقتلن فقال له الحسين عليه السلام: أفبالموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله فخوفه ابن عمه وقال: أين تذهب فإنك مقتول؟ فقال:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبورا وودع مجرما فان عشت لم أندم وإن مت لم ألم * كفى بك ذلا أن تعيش وترغما أقول: وزاد محمد بن أبي طالب قبل البيت الأخير هذا البيت:
أقدم نفسي لا أريد بقاءها * لتلقى خميسا في الوغى وعرمرما ثم قال: ثم أقبل الحسين عليه السلام على أصحابه وقال: هل فيكم أحد يعرف الطريق على غير الجادة؟ فقال الطرماح: نعم يا ابن رسول الله أنا أخبر الطريق فقال الحسين عليه السلام: سر بين أيدينا فسار الطرماح واتبعه الحسين عليه السلام وأصحابه وجعل الطرماح يرتجز ويقول:
يا ناقتي لا تذعري من زجري * وأمضي بنا قبل طلوع الفجر بخير فتيان وخير سفر * آل رسول الله آل الفخر السادة البيض الوجوه الزهر * الطاعنين بالرماح السمر الضاربين بالسيوف البتر * حتى تحلى بكريم الفخر الماجد الجد رحيب الصدر * أثابه الله لخير أمر عمره الله بقاء الدهر
يا مالك النقع معا والنصر * أيد حسينا سيدي بالنصر على الطغاة من بقايا الكفر * على اللعينين سليلي صخر يزيد لا زال حليف الخمر * وابن زياد عهر بن العهر وقال المفيد رحمه الله: فلما سمع الحر ذلك تنحى عنه، وكان يسير بأصحابه ناحية والحسين عليه السلام في ناحية، حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات ثم مضى الحسين عليه السلام حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل به وإذا هو بفسطاط مضروب، فقال لمن هذا؟ فقيل: لعبيد الله بن الحر الجعفي قال: ادعوه إلي! فلما أتاه الرسول قال له: هذا الحسين بن علي عليهما السلام يدعوك، فقال عبيد الله: إنا لله وإنا إليه راجعون والله ما خرجت من الكوفة إلا كراهية أن يدخلها الحسين وأنا فيها، والله ما أريد أن أراه ولا يراني.
فأتاه الرسول فأخبره فقام إليه الحسين فجاء حتى دخل عليه وسلم وجلس ثم دعاه إلى الخروج معه، فأعاد عليه عبيد الله بن الحر تلك المقالة واستقاله مما دعاه إليه، فقال له الحسين عليه السلام: فإن لم تكن تنصرنا فاتق الله [أن ] لا تكون ممن يقاتلنا، فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك، فقال له: أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله.
ثم قام الحسين عليه السلام من عنده حتى دخل رحله، ولما كان في آخر الليلة أمر فتيانه بالاستقاء من الماء، ثم أمر بالرحيل فارتحل من قصر بني مقاتل.
فقال عقبة بن سمعان: فسرنا معه ساعة، فخفق عليه السلام وهو على ظهر فرسه خفقة ثم انتبه وهو يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون " والحمد لله رب العالمين ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين فقال: مم حمدت الله واسترجعت؟ قال: يا بني إني خفقت خفقة فعن لي فارس على فرس وهو يقول:
القوم يسيرون، والمنايا تسير إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فقال له: يا أبت لا أراك الله سوءا، ألسنا على الحق؟ قال: بلى والله الذي مرجع العباد إليه، فقال:
فإننا إذا ما نبالي أن نموت محقين، فقال له الحسين عليه السلام: جزاك الله من ولد
خير ما جزى ولدا عن والده.
فلما أصبح نزل وصلى بهم الغداة ثم عجل الركوب وأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم فيأتيه الحر بن يزيد فيرده وأصحابه، فجعل إذا ردهم نحو الكوفة ردا شديدا امتنعوا عليه، فارتفعوا، فلم يزالوا يتسايرون كذلك حتى انتهوا إلى نينوى بالمكان الذي نزل به الحسين عليه السلام فإذا راكب على نجيب له عليه سلاح متنكبا قوسا مقبلا من الكوفة، فوقفوا جميعا ينتظرونه، فلما انتهى إليهم سلم على الحر وأصحابه ولم يسلم على الحسين وأصحابه، ودفع إلى الحر كتابا من عبيد الله ابن زياد لعنة الله فإذا فيه أما بعد فجعجع بالحسين حين بلغك كتابي هذا ويقدم عليك رسولي، ولا تنزله إلا بالعراء في غير خضر وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري والسلام.
فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر: هذا كتاب الأمير عبيد الله يأمرني أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني كتابه، وهذا رسوله وقد أمره أن لا يفارقني حتى أنفذ أمره فيكم، فنظر يزيد بن المهاجر الكندي وكان مع الحسين عليه السلام إلى رسول ابن زياد فعرفه فقال له: ثكلتك أمك ماذا جئت فيه؟ قال: أطعت إمامي ووفيت ببيعتي، فقال له ابن المهاجر: بل عصيت ربك، وأطعت إمامك في هلاك نفسك وكسيت العار والنار، وبئس الامام إمامك قال الله عز وجل: " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون " فإمامك منهم، وأخذهم الحر بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية فقال له الحسين عليه السلام: دعنا ويحك ننزل هذه القرية أو هذه، يعني نينوى والغاضرية، أو هذه يعني شفية! قال: لا والله ما أستطيع ذلك هذا رجل قد بعث إلي عينا علي فقال له زهير بن القين: إني والله لا أرى أن يكون بعد الذي ترون إلا أشد مما ترون، يا ابن رسول الله إن قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به، فقال الحسين عليه السلام: ما كنت لأبدأهم بالقتال ثم نزل وذلك
اليوم يوم الخميس وهو اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين.
وقال السيد رحمه الله: فقام الحسين عليه السلام خطيبا في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإن الدنيا تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقا حقا فاني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما.
فقام زهير بن القين فقال: قد سمعنا - هداك الله يا ابن رسول الله - مقالتك ولو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين، لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها.
قال: ووثب هلال بن نافع البجلي فقال: والله ما كرهنا لقاء ربنا، وإنا على نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.