بحارالانوار · المجلد العاشر
باب القصر، واستأذن، فأذن له، فدخل على عبيد الله بن زياد، فأخبره خبر ابن عقيل، وضرب بكر إياه، وما كان من أمانه له، فقال له عبيد الله: وما أنت والأمان؟
ج ۴۴، ص ۳۸۰–۱۶ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۵
قال: وقام برير بن خضير فقال: والله يا ابن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك، فيقطع فيك أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة.
قال: ثم إن الحسين عليه السلام ركب وسار كلما أراد المسير يمنعونه تارة و يسايرونه أخرى حتى بلغ كربلا وكان ذلك في اليوم الثامن من المحرم.
وفي المناقب: فقال له زهير: فسر بنا حتى ننزل بكربلاء فإنها على شاطئ الفرات، فنكون هنالك، فان قاتلونا قاتلناهم، واستعنا الله عليهم، قال: فدمعت عينا الحسين عليه السلام ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من الكرب والبلاء، ونزل الحسين في موضعه ذلك، ونزل الحر بن يزيد حذاءه في ألف فارس، ودعا الحسين بدواة وبيضاء وكتب إلى أشراف الكوفة ممن كان يظن أنه على رأيه:
بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد، وعبد الله بن وأل، وجماعة المؤمنين
أما بعد فقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قال في حياته: " من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان ثم لم يغير بقول ولا فعل، كان حقيقا على الله أن يدخله مدخله " وقد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتولوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيئ، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وإني أحق بهذا الأمر لقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله.
وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم ببيعتكم، أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فان وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم، فلكم بي أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخلعتم بيعتكم، فلعمري ما هي منكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي والمغرور من اغتر بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم والسلام.
ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن مسهر الصيداوي - وساق الحديث كما مر - ثم قال: ولما بلغ الحسين قتل قيس استعبر باكيا ثم قال: " اللهم اجعل لنا ولشيعتنا عندك منزلا كريما، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك إنك على كل شئ قدير ".
قال: فوثب إلى الحسين عليه السلام رجل من شيعته يقال له هلال بن نافع البجلي فقال: يا ابن رسول الله أنت تعلم أن جدك رسول الله لم يقدر أن يشرب الناس محبته ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب، وقد كان منهم منافقون يعدون بالنصر، ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل، ويخلفونه بأمر من الحنظل، حتى قبضه الله إليه، وإن أباك عليا رحمة الله عليه قد كان في مثل ذلك، فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين، حتى أتاه أجله فمضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده، وخلع بيعته، فلن يضر إلا نفسه، والله مغن عنه، فسر بنا راشدا معافا مشرقا إن شئت، وإن
شئت مغربا، فوالله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربنا، وإنا على نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك.
ثم وثب إليه برير بن خضير الهمداني فقال: والله يا بن رسول الله لقد من الله بك علينا أن نقاتل بين يديك تقطع فيه أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة بين أيدينا، لا أفلح قوم ضيعوا ابن بنت نبيهم، أف لهم غدا ماذا يلاقون؟ ينادون بالويل والثبور في نار جهنم.
قال: فجمع الحسين عليه السلام ولده وإخوته وأهل بيته، ثم نظر إليهم فبكى ساعة ثم قال: اللهم إنا عترة نبيك محمد وقد أخرجنا وطردنا وأزعجنا عن حرم جدنا وتعدت بنو أمية علينا اللهم فخذ لنا بحقنا، وانصرنا على القوم الظالمين.
قال: فرحل من موضعه حتى نزل في يوم الأربعاء أو يوم الخميس بكربلا وذلك في الثاني من المحرم سنة إحدى وستين.
ثم أقبل على أصحابه، فقال: الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون.
ثم قال: أهذه كربلاء؟ فقالوا: نعم يا ابن رسول الله، فقال: هذا موضع كرب وبلاء، ههنا مناخ ركابنا، ومحط رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا. قال:
فنزل القوم وأقبل الحر حتى نزل حذاء الحسين عليه السلام في ألف فارس ثم كتب إلى ابن زياد يخبره بنزول الحسين بكربلا.
وكتب ابن زياد لعنه الله إلى الحسين صلوات الله عليه: أما بعد يا حسين فقد بلغني نزولك بكربلا، وقد كتب إلي أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسد الوثير، ولا أشبع من الخمير أو ألحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية والسلام.
فلما ورد كتابه على الحسين وقرأه رماه من يده، ثم قال: لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فقال له الرسول: جواب الكتاب؟
أبا عبد الله! فقال: ما له عندي جواب لأنه قد حققت عليه كلمة العذاب، فرجع الرسول.
إليه فخبره بذلك، فغضب عدو الله من ذلك أشد الغضب، والتفت إلى عمر بن سعد وأمره بقتال الحسين، وقد كان ولاه الري قبل ذلك، فاستعفي عمر من ذلك، فقال ابن زياد: فاردد إلينا عهدنا، فاستمهله ثم قبل بعد يوم خوفا عن أن يعزل عن ولاية الري.
وقال المفيد رحمه الله: فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة في أربعة آلاف فارس فنزل بنينوى، فبعث إلى الحسين عليه السلام عروة بن قيس الأحمسي فقال له: ائته فسله ما الذي جاء بك وما تريد! وكان عروة ممن كتب إلى الحسين، فاستحيى منه أن يأتيه، فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه وكلهم أبى ذلك وكرهه.
فقام إليه كثير بن عبد الله الشعبي وكان فارسا شجاعا لا يرد وجهه شئ فقال له: أنا أذهب إليه، ووالله لئن شئت لأفتكن به، فقال له عمر بن سعد: ما أريد أن تفتك به، ولكن ائته فسله ما الذي جاء به، فأقبل كثير إليه، فلما رآه أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين عليه السلام: أصلحك الله يا عبد الله! قد جاءك شر أهل الأرض وأجرأه على دم وأفتكه، وقام إليه فقال له: ضع سيفك، قال: لا والله ولا كرامة إنما أنا رسول إن سمعتم كلامي بلغتكم ما أرسلت إليكم، وإن أبيتم انصرفت عنكم، قال: فاني آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك قال: لا والله لا تمسه فقال له: أخبرني بما جئت به وأنا أبلغه عنك، ولا أدعك تدنو منه، فإنك فاجر، فاستبا وانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر.
فدعا عمر بن سعد قرة بن قيس الحنظلي فقال له: ويحك الق حسينا فسله ما جاء به؟ وماذا يريد؟ فأتاه قرة فلما رآه الحسين مقبلا قال: أتعرفون هذا؟
فقال حبيب بن مظاهر: هذا رجل من حنظلة تميم، وهو ابن أختنا، وقد كنت أعرفه بحسن الرأي، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد، فجاء حتى سلم على الحسين وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه، فقال له الحسين عليه السلام: كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم، فأما إذا كرهتموني فأنا أنصرف عنكم، فقال حبيب بن مظاهر: ويحك
يا قرة أين تذهب؟ إلى القوم الظالمين؟ انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك الله بالكرامة، فقال له قرة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي، فانصرف إلى عمر بن سعد وأخبره الخبر، فقال عمر بن سعد: أرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله.
وكتب إلى عبيد الله بن زياد: " بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فاني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب؟ فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، يسألوني القدوم إليهم ففعلت، فأما إذا كرهتموني، و بدا لهم غير ما أتتني به رسلهم، فأنا منصرف عنهم ".
قال حسان بن قائد العبسي: وكنت عند عبيد الله بن زياد حين أتاه هذا الكتاب فلما قرأه قال:
الآن إذ علقت مخالبنا به * يرجو النجاة ولات حين مناص وكتب إلى عمر بن سعد: " أما بعد فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فأعرض على الحسين أن يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا والسلام " فلما ورد الجواب على عمر بن سعد قال: قد خشيت أن لا يقبل ابن زياد العافية وقال محمد بن أبي طالب: فلم يعرض ابن سعد على الحسين ما أرسل به ابن زياد لأنه علم أن الحسين لا يبايع يزيد أبدا، قال: ثم جمع ابن زياد الناس في جامع الكوفة، ثم خرج فصعد المنبر ثم قال: أيها الناس إنكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبون، وهذا أمير المؤمنين يزيد، قد عرفتموه حسن السيرة محمود الطريقة، محسنا إلى الرعية، يعطي العطاء في حقه، قد أمنت السبل على عهده وكذلك كان أبوه معاوية في عصره، وهذا ابنه يزيد من بعده، يكرم العباد، ويغنيهم بالأموال، ويكرمهم، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن أوفرها عليكم وأخرجكم إلى حرب عدوه الحسين، فاسمعوا له وأطيعوا.
ثم نزل عن المنبر ووفر الناس العطاء وأمرهم أن يخرجوا إلى حرب الحسين عليه السلام، ويكونوا عونا لابن سعد على حربه، فأول من خرج شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف، فصار ابن سعد في تسعة آلاف، ثم أتبعه بيزيد بن ركاب الكلبي في ألفين، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، وفلانا المازني في ثلاثة آلاف، ونصر بن فلان في ألفين، فذلك عشرون ألفا.
ثم أرسل إلى شبث بن ربعي أن أقبل إلينا وإنا نريد أن نوجه بك إلى حرب الحسين، فتمارض شبث، وأراد أن يعفيه ابن زياد فأرسل إليه: أما بعد فان رسولي أخبرني بتمارضك، وأخاف أن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن، إن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا مسرعا.
فأقبل إليه شبث بعد العشاء لئلا ينظر إلى وجهه فلا يرى عليه أثر العلة فلما دخل رحب به وقرب مجلسه، وقال: أحب أن تشخص إلى قتال هذا الرجل عونا لابن سعد عليه، فقال: أفعل أيها الأمير، فما زال يرسل إليه بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون ألفا ما بين فارس وراجل، ثم كتب إليه ابن زياد أني لم أجعل لك علة في كثرة الخيل والرجال، فانظر لا أصبح ولا أمسي إلا وخبرك عندي غدوة وعشية، وكان ابن زياد يستحث عمر بن سعد لستة أيام مضين من المحرم.
وأقبل حبيب بن مظاهر إلى الحسين عليه السلام فقال: يا ابن رسول الله ههنا حي من بني أسد بالقرب منا أتأذن لي في المصير إليهم فأدعوهم إلى نصرتك، فعسى الله أن يدفع بهم عنك، قال: قد أذنت لك، فخرج حبيب إليهم في جوف الليل متنكرا حتى أتى إليهم فعرفوه أنه من بني أسد، فقالوا: ما حاجتك؟ فقال: إني قد أتيتكم بخير ما أتى به وافد إلى قوم، أتيتكم أدعوكم إلى نصر ابن بنت نبيكم فإنه في عصابة من المؤمنين الرجل منهم خير من ألف رجل، لن يخذلوه ولن يسلموه أبدا وهذا عمر بن سعد قد أحاط به، وأنتم قومي وعشيرتي، وقد أتيتكم بهذه النصيحة
فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا بها شرف الدنيا والآخرة فاني أقسم بالله لا يقتل أحد منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول الله صابرا محتسبا إلا كان رفيقا لمحمد صلى الله عليه وآله في عليين قال: فوثب إليه رجل من بني أسد يقال له عبد الله بن بشر فقال: أنا أول من يجيب إلى هذه الدعوة، ثم جعل يرتجز ويقول:
قد علم القوم إذا تواكلوا وأحجم الفرسان إذ تناقلوا * أني شجاع بطل مقاتل كأنني ليث عرين باسل ثم تبادر رجال الحي حتى التأم منهم تسعون رجلا فأقبلوا يريدون الحسين عليه السلام وخرج رجل في ذلك الوقت من الحي حتى صار إلى عمر بن سعد فأخبره بالحال، فدعا ابن سعد برجل من أصحابه يقال له الأزرق فضم إليه أربعمائة فارس و وجه نحو حي بني أسد، فبينما أولئك القوم قد أقبلوا يريدون عسكر الحسين عليه السلام في جوف الليل إذا استقبلهم خيل ابن سعد على شاطئ الفرات، وبينهم وبين عسكر الحسين اليسير، فناوش القوم بعضهم بعضا واقتتلوا قتالا شديدا، وصاح حبيب ابن مظاهر بالأزرق ويلك ما لك وما لنا انصرف عنا، ودعنا يشقى بنا غيرك، فأبى الأزرق أن يرجع، وعلمت بنو أسد أنه لا طاقة لهم بالقوم، فانهزموا راجعين إلى حيهم، ثم إنهم ارتحلوا في جوف الليل خوفا من ابن سعد أن يبيتهم ورجع حبيب بن مظاهر إلى الحسين عليه السلام فخبره بذلك فقال عليه السلام: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال: ورجعت خيل ابن سعد حتى نزلوا على شاطئ الفرات، فحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء، وأضر العطش بالحسين وأصحابه، فأخذ الحسين عليه السلام فأسا وجاء إلى وراء خيمة النساء فخطا في الأرض تسع عشر خطوة نحو القبلة ثم حفر هناك، فنبعت له عين من الماء العذب، فشرب الحسين عليه السلام وشرب الناس بأجمعهم، وملأوا أسقيتهم، ثم غارت العين، فلم ير لها أثر، وبلغ ذلك ابن زياد
فأرسل إلى عمر بن سعد: بلغني أن الحسين يحفر الآبار، ويصيب الماء، فيشرب هو وأصحابه، فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت وضيق عليهم، ولا تدعهم يذوقوا الماء، وافعل بهم كما فعلوا بالزكي عثمان فعندها ضيق عمر بن سعد عليهم غاية التضييق.
فلما اشتد العطش بالحسين دعا بأخيه العباس فضم إليه ثلاثين فارسا وعشرين راكبا، وبعث معه عشرين قربة، فأقبلوا في جوف الليل حتى دنوا من الفرات فقال عمرو بن الحجاج: من أنتم؟ فقال رجل من أصحاب الحسين عليه السلام، يقال له هلال بن نافع البجلي: ابن عم لك جئت أشرب من هذا الماء، فقال عمرو: اشرب هنيئا فقال هلال: ويحك تأمرني أن أشرب والحسين بن علي ومن معه يموتون عطشا؟ فقال عمرو: صدقت ولكن أمرنا بأمر لا بد أن ننتهي إليه، فصاح هلال بأصحابه فدخلوا الفرات، وصاح عمرو بالناس واقتتلوا قتالا شديدا، فكان قوم يقاتلون، وقوم يملأون حتى ملأوها، ولم يقتل من أصحاب الحسين أحد ثم رجع القوم إلى معسكرهم، فشرب الحسين ومن كان معه، ولذلك سمي العباس عليه السلام السقاء.
ثم أرسل الحسين إلى عمر بن سعد لعنه الله: أني أريد أن أكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين في مثل ذلك، فلما التقيا أمر الحسين عليه السلام أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه أخوه العباس، وابنه علي الأكبر، وأمر عمر بن سعد وأصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له.
فقال له الحسين عليه السلام: ويلك يا ابن سعد أما تتقي الله الذي إليه معادك أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي، فإنه أقرب لك إلى الله تعالى، فقال عمر بن سعد: أخاف أن يهدم داري، فقال الحسين عليه السلام: أنا أبنيها لك فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي، فقال الحسين عليه السلام: أنا أخلف عليك خيرا منها من مالي بالحجاز فقال: لي عيال وأخاف عليهم، ثم سكت ولم يجبه إلى شئ
فانصرف عنه الحسين عليه السلام، وهو يقول: مالك ذبحك الله على فراشك عاجلا ولا غفر لك يوم حشرك، فوالله إني لأرجو أن لا تأكل من بر العراق إلا يسيرا فقال ابن سعد: في الشعير كفاية عن البر مستهزئا بذلك القول.
رجعنا إلى سياقة حديث المفيد قال: وورد كتاب ابن زياد في الأثر إلى عمر ابن سعد أن: حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقي الزكي عثمان بن عفان، فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجاج في خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة، وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ومنعوهم أن يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين عليه السلام بثلاثة أيام.
ونادى عبد الله بن حصين الأزدي وكان عداده في بجيلة: قال بأعلى صوته:
يا حسين! ألا تنظر [ون] إلى الماء كأنه كبد السماء، والله لا تذوقون منه قطرة واحدة، حتى تموتوا عطشا، فقال الحسين عليه السلام: اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا، قال حميد بن مسلم: والله لعدته في مرضه بعد ذلك فوالله الذي لا إله غيره، لقد رأيته يشرب الماء حتى يبغر ثم يقيئه ويصيح العطش العطش ثم يعود ويشرب حتى يبغر ثم يقيئه ويتلظى عطشا فما زال ذلك دأبه حتى لفظ نفسه.
ولما رأى الحسين عليه السلام نزول العساكر مع عمر بن سعد بنينوى ومددهم لقتاله، أنفذ إلى عمر بن سعد: أنني أريد أن ألقاك، فاجتمعا ليلا فتناجيا طويلا ثم رجع عمر إلى مكانه، وكتب إلى عبيد الله بن زياد: " أما بعد فان الله قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن يسير إلى ثغر من الثغور، فيكون رجلا من المسلمين:
له مالهم، وعليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده
فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لك رضى وللأمة صلاح ".
فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب ناصح مشفق على قومه، فقام إليه شمر بن ذي الجوشن، فقال: أتقبل هذا منه، وقد نزل بأرضك وأتى جنبك؟ والله لئن رحل بلادك ولم يضع يده في يدك، ليكونن أولى بالقوة، ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة، فإنها من الوهن ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فان عاقبت فأنت أولى بالعقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك.
فقال ابن زياد: نعم ما رأيت! الرأي رأيك اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فان فعلوا فليبعث بهم إلي سلما، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فان فعل فاسمع له وأطع، وإن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الجيش فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه.
وكتب إلى عمر بن سعد: " لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتعتذر عنه، ولا لتكون له عندي شفيعا، انظر فان نزل حسين وأصحابه على حكمي، واستسلموا، فابعث بهم إلي سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فان قتلت حسينا فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عات ظلوم، ولست أرى أن هذا يضر بعد الموت شيئا، ولكن علي قول قد قلته لو قد قتلته لفعلته هذا به، فان أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فانا قد أمرناه بأمرنا والسلام ".
فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد، فلما قدم عليه وقرأه، قال له عمر: مالك ويلك، لا قرب الله دارك، وقبح الله ما قدمت به علي، والله إني لأظنك نهيته عما كتبت به إليه، وأفسدت علينا أمرا قد كنا رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله حسين إن نفس أبيه لبين جنبيه، فقال له شمر:
أخبرني ما أنت صانع؟ أتمضي لأمر أميرك وتقاتل عدوه وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر، قال: لا ولا كرامة لك، ولكن أن أتولى ذلك فدونك فكن أنت على الرجالة.
ونهض عمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام عشية الخميس لتسع مضين من المحرم وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين وقال: أين بنو أختنا؟ فخرج إليه جعفر والعباس وعبد الله وعثمان بنو علي عليه السلام فقالوا: ما تريد؟ فقال: أنتم يا بني أختي آمنون، فقال له الفئة: لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له.
ثم نادى عمر: يا خيل الله اركبي! وبالجنة أبشري! فركب الناس ثم زحف نحوهم بعد العصر والحسين عليه السلام جالس أمام بيته محتبئ بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت أخته الصيحة، فدنت من أخيها وقالت: يا أخي أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت؟ فرفع الحسين عليه السلام رأسه فقال: إني رأيت رسول الله الساعة في المنام، وهو يقول لي: إنك تروح إلينا، فلطمت أخته وجهها، ونادت بالويل فقال لها الحسين: ليس لك الويل يا أخته اسكتي رحمك الله، وفي رواية السيد قال: يا أختاه إني رأيت الساعة جدي محمدا وأبي عليا وأمي فاطمة وأخي الحسن وهم يقولون: يا حسين إنك رائح إلينا عن قريب وفي بعض الروايات: غدا، قال:
فلطمت زينب عليها السلام على وجهها وصاحت، فقال لها الحسين عليه السلام: مهلا لا تشمتي القوم بنا.
قال المفيد: فقال له العباس بن علي عليه السلام: يا أخي أتاك القوم، فنهض ثم قال:
اركب أنت يا أخي حتى تلقاهم وتقول لهم: مالكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عما
جاء بهم، فأتاهم العباس في نحو من عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال لهم العباس: ما بدا لكم وما تريدون؟ قالوا: قد جاء أمر الأمير أن يعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم، قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم، فوقفوا فقالوا: القه وأعلمه ثم القنا بما يقول لك فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين عليه السلام يخبره الخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم، ويعظونهم ويكفونهم عن قتال الحسين.
فجاء العباس إلى الحسين عليه السلام وأخبره بما قال القوم، فقال: ارجع إليهم فان استطعت أن تؤخرهم إلى غد، وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني كنت قد أحب الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار.
فمضى العباس إلى القوم، ورجع من عندهم، ومعه رسول من قبل عمر بن سعد يقول: إنا قد أجلناكم إلى غد، فان استسلمتم سرحنا بكم إلى عبيد الله بن زياد وإن أبيتم فلسنا بتاركيكم، فانصرف. وجمع الحسين عليه السلام أصحابه عند قرب المساء.
قال علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام: فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم وأنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول لأصحابه: أثني على الله أحسن الثناء واحمده على السراء والضراء اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة، فاجعلنا من الشاكرين.
أما بعد فاني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر
وأوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خيرا، ألا وإني لأظن يوما لنا من هؤلاء ألا وإني قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم حرج مني ولا ذمام هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا.
فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لم نفعل: ذلك لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبدا، بدأهم بهذا القول العباس بن علي وأتبعته الجماعة عليه فتكلموا بمثله ونحوه، فقال الحسين عليه السلام: يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم بن عقيل فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم، فقالوا: سبحان الله ما يقول الناس؟ نقول إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا، لا والله ما نفعل ذلك ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلنا، ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك.
وقام إليه مسلم بن عوسجة، فقال: أنحن نخلي عنك، وبما نعتذر إلى الله في أداء حقك؟ لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك، أما والله لو علمت أني اقتل ثم أحيى ثم أحرق ثم أحيى ثم أذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتله واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.
وقام زهير بن القين فقال: والله لوددت أني قتلت نشرت ثم قتلت حتى اقتل هكذا ألف مرة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.
وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في وجه واحد فجزاهم الحسين خيرا وانصرف إلى مضربه.
وقال السيد: وقيل لمحمد بن بشر الحضرمي في تلك الحال: قد أسر ابنك بثغر الري، فقال: عند الله احتسبه ونفسي ما أحب أن يؤسر وأنا أبقى بعده، فسمع الحسين عليه السلام قوله، فقال: رحمك الله أنت في حل من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال: أكلتني السباع حيا إن فارقتك، قال: فأعط ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار.
قال: وبات الحسين وأصحابه تلك الليلة، ولهم دوي كدوي النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلا.
بسم الله الرحمن الرحيم [بقية الباب 37] [سائر ما جرى عليه بعد بيعة الناس] [ليزيد بن معاوية إلى شهادته صلوات الله عليه] فلما كان الغداة أمر الحسين عليه السلام بفسطاطه فضرب وأمر بجفنة فيها مسك كثير فجعل فيها نورة، ثم دخل ليطلي فروي أن برير بن خضير الهمداني وعبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري وقفا على باب الفسطاط ليطليا بعده، فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن: يا برير أتضحك؟ ما هذه ساعة باطل، فقال برير: لقد علم قومي أنني ما أحببت الباطل كهلا ولا شابا، وإنما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه، فوالله ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة ثم نعانق الحور العين.
رجعنا إلى رواية المفيد قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: إني جالس في تلك الليلة التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرضني إذا اعتزل أبي في خباء له، وعنده فلان مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه
وأبي يقول:
يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالاشراق والأصيل من صاحب وطالب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الامر إلى الجليل * وكل حي سالك سبيلي فأعادها مرتين، أو ثلاثا حتى فهمتها وعلمت ما أراد فخنقتني العبرة، فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل، وأما عمتي فلما سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وهي حاسرة حتى انتهت إليه، وقالت: وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة، وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضي، وثمال الباقي، فنظر إليها الحسين عليه السلام وقال لها: يا أخته لا يذهبن حلمك الشيطان! وترقرقت عيناه بالدموع، وقال: لو ترك القطا [ليلا] لنام فقالت: يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصابا؟ فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي، ثم لطمت وجهها، وهوت إلى جيبها وشقته وخرت مغشية عليها.
فقام إليها الحسين عليه السلام فصب على وجهها الماء وقال لها: يا أختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون، وأن
كل شئ هالك إلا وجه الله تعالى، الذي خلق الخلق بقدرته، ويبعث الخلق ويعودون وهو فرد وحده، وأبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة، فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أختاه إني أقسمت عليك فأبري قسمي لا تشقي علي جيبا، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت، ثم جاء بها حتى أجلسها عندي.
ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرن بعضهم بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الاطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا بين البيوت فيقبلوا القوم في وجه واحد والبيوت من ورائهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم قد حفت بهم، إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم، ورجع عليه السلام إلى مكانه فقام ليلته كلها يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع، وقام أصحابه كذلك يصلون ويدعون ويستغفرون.
وقال في المناقب: فلما كان وقت السحر خفق الحسين برأسه خفقة ثم استيقظ فقال: أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة؟ فقالوا: وما الذي رأيت يا ابن رسول الله؟
فقال: رأيت كأن كلابا قد شدت علي لتنهشني وفيها كلب أبقع رأيته أشدها علي وأظن أن الذي يتولى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم، ثم إني رأيت بعد ذلك جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي: يا بني أنت شهيد آل محمد، وقد استبشر بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى فليكن إفطارك عندي الليلة عجل ولا تؤخر! فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء، فهذا ما رأيت وقد أزف الامر واقترب الرحيل من هذه الدنيا لا شك في ذلك.
وقال المفيد: قال الضحاك بن عبد الله: ومرت بنا خيل لابن سعد تحرسنا وإن حسينا عليه السلام ليقرأ " فلا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ، ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه
حتى يميز الخبيث من الطيب " فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له: عبد الله ابن سمير، وكان مضحاكا وكان شجاعا بطلا فارسا شريفا فاتكا فقال: نحن ورب الطيبون ميزنا بكم، فقال له برير بن الخضير: يا فاسق أنت يجعلك الله من الطيبين؟
قال له: من أنت ويلك، قال: أنا برير بن الخضير فتسابا.
وأصبح الحسين فعبأ أصحابه بعد صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، وقال محمد بن أبي طالب: وفي رواية أخرى اثنان وثمانون راجلا وقال السيد: روي عن الباقر عليه السلام أنهم كانوا خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل وكذا قال ابن نما: وقال المفيد: فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب ابن مظاهر في ميسرة أصحابه، وأعطى رايته العباس أخاه، وجعلوا البيوت في ظهورهم وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت أن يترك في خندق كان قد حفر هناك، وأن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم.
وأصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم وهو يوم الجمعة، وقيل يوم السبت فعبأ أصحابه، وخرج فيمن معه من الناس نحو الحسين، وكان على ميمنته عمرو بن الحجاج، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن، وعلى الخيل عروة بن قيس، وعلى الرجالة شبث بن ربعي وأعطى الراية دريدا مولاه، وقال محمد بن أبي طالب: وكانوا نيفا على اثنين وعشرين ألفا، وفي رواية عن الصادق عليه السلام ثلاثين ألفا قال المفيد: وروي عن علي بن الحسين أنه قال: لما أصبحت الخيل تقبل على الحسين عليه السلام رفع يديه وقال: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من كرب يضعف عنه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت [فيه] العدو، أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ففرجته وكشفته، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة قال: فأقبل القوم يجولون حول بيت الحسين ، فيرون الخندق في ظهورهم
والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان القي فيه، فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلا صوته: يا حسين أتعجلت، بالنار قبل يوم القيامة؟ فقال الحسين عليه السلام: من هذا كأنه شمر بن ذي الجوشن؟ فقالوا: نعم، فقال له: يا بن راعية المعزى أنت أولى بها صليا، ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين عليه السلام من ذلك، فقال له: دعني حتى أرميه فان الفاسق من أعداء الله وعظماء الجبارين، وقد أمكن الله منه، فقال له الحسين عليه السلام: لا ترمه فاني أكره أن أبدأهم بقتال وقال محمد بن أبي طالب: وركب أصحاب عمر بن سعد، فقرب إلى الحسين فرسه فاستوى عليه، وتقدم نحو القوم في نفر من أصحابه، وبين يديه برير بن خضير فقال له الحسين عليه السلام: كلم القوم، فتقدم برير فقال: يا قوم اتقوا الله فان ثقل محمد قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريته وعترته وبناته وحرمه، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم؟ فقالوا: نريد أن نمكن منهم الأمير ابن زياد، فيرى رأيه فيهم، فقال لهم برير: أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤوا منه؟ ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها، يا ويلكم أدعوتم أهل بيت نبيكم، وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحلأتموهم عن ماء الفرات بئس ما خلفتم نبيكم في ذريته، ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم.
فقال له نفر منهم: يا هذا ما ندري ما تقول؟ فقال برير: الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة اللهم إني أبرء إليك من فعال هؤلاء القوم اللهم ألق بأسهم بينهم، حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان، فجعل القوم يرمونه بالسهام فرجع برير إلى ورائه.
وتقدم الحسين عليه السلام حتى وقف بإزاء القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل، ونظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة فقال: الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالا بعد حال، فالمغرور من غرته
والشقي من فتنته، فلا تغرنكم هذه الدنيا، فإنها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحل بكم نقمته، وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم! أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمد صلى الله عليه وآله ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان، فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبا لكم ولما تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعدا للقوم الظالمين فقال عمر: ويلكم كلموه فإنه ابن أبيه، والله لو وقف فيكم هكذا يوما جديدا لما انقطع ولما حصر، فكلموه فتقدم شمر لعنه الله فقال: يا حسين ما هذا الذي تقول؟
أفهمنا حتى نفهم، فقال: أقول: اتقوا الله ربكم ولا تقتلوني، فإنه لا يحل لكم قتلي، ولا انتهاك حرمتي، فاني ابن بنت نبيكم وجدتي خديجة زوجة نبيكم ولعله قد بلغكم قول نبيكم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة - إلى آخر ما سيأتي برواية المفيد وقال المفيد: ودعا الحسين عليه السلام براحلته فركبها ونادى بأعلا صوته: يا أهل العراق - وجلهم يسمعون - فقال: أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق لكم علي، وحتى أعذر عليكم، فان أعطيتموني النصف، كنتم بذلك أسعد وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم " فاجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين " ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله، وصلى على النبي وعلى ملائكته وعلى أنبيائه، فلم يسمع متكلم قط قبله ولا بعده أبلغ منه في منطق ثم قال: أما بعد فانسبوني فانظروا من أنا، ثم راجعوا أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن نبيكم، وابن وصيه وابن عمه؟ وأول مؤمن مصدق لرسول الله صلى الله عليه وآله بما جاء به من عند ربه؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عمي؟ أو ليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي؟ أولم
يبلغكم ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فان صدقتموني بما أقول وهو الحق، والله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، وإن كذبتموني فان فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، اسألوا جابر ابن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولأخي أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟
فقال له شمر بن ذي الجوشن هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما تقول فقال له حبيب بن مظاهر: والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك ثم قال لهم الحسين عليه السلام: فان كنتم في شك من هذا أفتشكون أني ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم، ولا في غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟
فأخذوا لا يكلمونه فنادى يا شبث بن ربعي يا حجار بن أبجر يا قيس بن الأشعث يا يزيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وإنما تقدم على جند لك مجند؟ فقال له قيس بن الأشعث: ما ندري ما تقول ولكن انزل على حكم بني عمك، فإنهم لن يروك إلا ما تحب، فقال لهم الحسين عليه السلام:
لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد ثم نادى: يا عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون، وأعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.
ثم إنه أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان بعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه
وفي المناقب روى بإسناده، عن عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله قال: لما عبأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسين بن علي عليهما السلام ورتبهم مراتبهم، وأقام الرايات في مواضعها، وعبأ أصحاب الميمنة والميسرة، فقال لأصحاب القلب: أثبتوا وأحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج عليه السلام حتى أتى الناس فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم: ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إلي فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين، ومن عصاني كان من المهلكين، وكلكم عاص لأمري غير مستمع قولي فقد ملئت بطونكم من الحرام، وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟ ألا تسمعون؟
فتلاوم أصحاب عمر بن سعد بينهم وقالوا: أنصتوا له.
فقام الحسين عليه السلام ثم قال: تبا لكم أيتها الجماعة وترحا، أفحين استصرختمونا ولهين متحيرين فأصرختكم مؤدين مستعدين، سللتم علينا سيفا في رقابنا، وحششتم علينا نار الفتن خباها عدوكم وعدونا، فأصبحتم إلبا على أوليائكم ويدا عليهم لأعدائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، إلا الحرام من الدنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه، من غير حدث كان منا ولا رأي تفيل لنا، فهلا - لكم الويلات - إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهزتموها والسيف لم يشهر، والجأش طامن، والرأي لم يستحصف، ولكن أسرعتم علينا كطيرة الذباب، وتداعيتم كتداعي الفراش، فقبحا لكم، فإنما أنتم من طواغيت الأمة وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرفي الكتاب، ومطفئ السنن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومبيري عترة الأوصياء، وملحقي العهار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخ أئمة المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين وأنتم ابن حرب وأشياعه تعتمدون، وإيانا تخاذلون، أجل والله الخذل فيكم معروف، وشجت عليه عروقكم، وتوارثته أصولكم وفروعكم، وثبتت عليه
قلوبكم، وغشيت صدوركم، فكنتم أخبث شئ سنخا للناصب وأكلة للغاصب، ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الايمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا فأنتم والله هم.
ألا إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين القلة والذلة، وهيهات ما آخذ الدنية، أبى الله ذلك ورسوله، وجدود طابت، وحجور طهرت، وأنوف حمية ونفوس أبية لا تؤثر مصارع اللئام على مصارع الكرام، ألا قد أعذرت وأنذرت ألا إني زاحف بهذه الأسرة، على قلة العتاد، وخذلة الأصحاب ثم أنشأ يقول:
فإن نهزم فهزامون قدما * وإن نهزم فغير مهزمينا وما إن طبنا جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا ألا! ثم لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس، حتى تدور بكم الرحى، عهد عهده إلي أبي عن جدي فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم كيدوني جميعا فلا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ
بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم اللهم احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة، ولا يدع فيهم أحدا إلا (قتله) قتلة بقتلة، وضربة بضربة، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي و أشياعي منهم، فإنهم غرونا وكذبونا وخذلونا، وأنت ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.
ثم قال: أين عمر بن سعد؟ ادعوا لي عمر! فدعي له، وكان كارها لا يحب أن يأتيه فقال: يا عمر أنت تقتلني؟ تزعم أن يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري وجرجان، والله لا تتهنأ بذلك أبدا، عهدا معهودا، فاصنع ما أنت صانع، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، ولكأني برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة، يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضا بينهم.
فاغتاظ عمر من كلامه، ثم صرف بوجهه عنه، ونادى بأصحابه: ما تنتظرون به؟ احملوا بأجمعكم إنما هي اكلة واحدة، ثم إن الحسين دعا بفرس رسول الله المرتجز فركبه، وعبأ أصحابه.
أقول: قد روى الخطبة في تحف العقول نحوا مما مر ورواه السيد بتغيير واختصار وستأتي برواية الاحتجاج أيضا.
ثم قال المفيد رحمه الله: فلما رأى الحر بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين عليه السلام قال لعمر بن سعد: أي عمر! أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالا شديدا أيسره أن تسقط الرؤوس، وتطيح الأيدي ، قال: أفما لكم فيما عرضه عليكم رضى؟ قال عمر: أما لو كان الامر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى، فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفا ومعه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس فقال له: يا قرة هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: فما تريد أن تسقيه؟ قال قرة:
فظننت والله إنه يريد أن يتنحى ولا يشهد القتال، فكره أن أراه حين يصنع ذلك فقلت له: لم أسقه وأنا منطلق فأسقيه، فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه فوالله لو أنه
اطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين.
فأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا، فقال له مهاجر بن أوس: ما تريد يا ابن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟ فلم يجبه فأخذه مثل الأفكل وهي الرعدة، فقال له المهاجر: إن أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقف قط مثل هذا، ولو قيل لي:
من أشجع أهل الكوفة؟ لما عدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟ فقال له الحر: إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار، فوالله لا أختار على الجنة شيئا ولو قطعت وأحرقت.
ثم ضرب فرسه فلحق الحسين عليه السلام فقال له: جعلت فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، وما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، والله لو علمت أنهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت مثل الذي ركبت، وأنا تائب إلى الله مما صنعت، فترى لي من ذلك توبة؟ فقال له الحسين عليه السلام: نعم يتوب الله عليك فأنزل فقال: أنا لك فارسا خير مني راجلا أقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول ما يصير آخر أمري، فقال له الحسين عليه السلام:
فاصنع يرحمك الله ما بدا لك.
فاستقدم أمام الحسين عليه السلام فقال: يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم أسلمتموه؟ وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه ؟ أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكلكله، وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه إلى بلاد الله العريضة، فصار كالأسير في أيديكم: لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا، وحلأتموه ونساءه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري تشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابهم، وهاهم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمدا في ذريته، لا سقاكم الله يوم الظمأ
فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل، فأقبل حتى وقف أمام الحسين عليه السلام ونادى عمر بن سعد: يا دريد أدن رأيتك فأدناها ثم وضع سهما في كبد قوسه ثم رمى وقال:
اشهدوا أني أول من رمى الناس وقال محمد بن أبي طالب: فرمى أصحابه كلهم فما بقي من أصحاب الحسين عليه السلام إلا أصابه من سهامهم، قيل: فلما رموهم هذه الرمية، قل أصحاب الحسين عليه السلام وقتل في هذه الحملة خمسون رجلا، وقال السيد: فقال عليه السلام لأصحابه: قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابد منه فان هذه السهام رسل القوم إليكم، فاقتتلوا ساعة من النهار حملة وحملة، حتى قتل من أصحاب الحسين عليه السلام جماعة، قال: فعندها ضرب الحسين عليه السلام يده على لحيته، وجعل يقول: اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا، واشتد غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم، أما والله لا أجيبهم إلى شئ مما يريدون حتى ألقى الله تعالى، وأنا مخضب بدمي.
وروي عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال: سمعت أبي عليه السلام يقول: لما التقى الحسين عليه السلام وعمر بن سعد لعنه الله وقامت الحرب، انزل النصر حتى رفرف على رأس الحسين عليه السلام ثم خير بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله تعالى، فاختار لقاء الله تعالى قال الراوي: ثم صاح عليه السلام: أما من مغيث يغيثنا لوجه الله، أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله وقال المفيد رحمه الله: وتبارزوا فبرز يسار مولى زياد بن أبي سفيان وبرز إليه عبد الله بن عمير، فقال له يسار: من أنت فانتسب له فقال: لست أعرفك حتى يخرج إلي زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر، فقال له عبد الله بن عمير: يا ابن الفاعلة
وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ثم شد عليه فضربه بسيفه حتى برد، وإنه لمشغول بضربه إذ شد عليه سالم مولى عبيد الله بن زياد، فصاحوا به قد رهقك العبد فلم يشعر حتى غشيه، فبدره بضربة اتقاها ابن عمير بيده اليسرى فأطارت أصابع كفه، ثم شد عليه فضربه حتى قتله، وأقبل وقد قتلهما جميعا وهو يرتجز ويقول:
إن تنكروني فأنا ابن كلب * أنا امرء ذو مرة وعصب ولست بالخوار عند النكب وحمل عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الحسين عليه السلام فيمن كان معه من أهل الكوفة، فلما دنا من الحسين عليه السلام جثوا له على الركب وأشرعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع، فرشقهم أصحاب الحسين عليه السلام بالنبل، فصرعوا منهم رجالا وجرحوا منهم آخرين وجاء رجل من بني تميم يقال له عبد الله بن خوزة فأقدم على عسكر الحسين عليه السلام فناداه القوم: إلى أين ثكلتك أمك؟ فقال: إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع، فقال الحسين عليه السلام لأصحابه: من هذا؟ فقيل له: هذا ابن خوزة التميمي، فقال: اللهم جره إلى النار فاضطرب به فرسه في جدول فوقع وتعلقت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى وشد عليه مسلم بن عوسجة فضرب رجله اليمنى فأطارت وعدا به فرسه فضرب برأسه كل حجر وكل شجر حتى مات وعجل الله بروحه إلى النار، ونشب القتال فقتل من الجميع جماعة وقال محمد بن أبي طالب وصاحب المناقب وابن الأثير في الكامل ورواياتهم متقاربة: إن الحر أتى الحسين عليه السلام فقال: يا ابن رسول الله كنت أول خارج عليك فائذن لي لأكون أول قتيل بين يديك، وأول من يصافح جدك غدا، وإنما قال الحر: لأكون أول قتيل بين يديك والمعنى يكون أول قتيل من المبارزين وإلا فان جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة الأولى كما ذكر، فكان أول من تقدم إلى
براز القوم، وجعل ينشد ويقول:
إني أنا الحر ومأوى الضيف * أضرب في أعناقكم بالسيف عن خير من حل بأرض الخيف * أضربكم ولا أرى من حيف وروي أن الحر لما لحق بالحسين عليه السلام قال رجل من تميم يقال له يزيد ابن سفيان: أما والله لو لحقته لاتبعته السنان، فبينما هو يقاتل وإن فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبيه وإن الدماء لتسيل إذ قال الحصين: يا يزيد هذا الحر الذي كنت تتمناه، قال: نعم، فخرج إليه فما لبث الحر أن قتله، وقتل أربعين فارسا وراجلا، فلم يزل يقاتل حتى عرقب فرسه، وبقي راجلا وهو يقول:
إني أنا الحر ونجل الحر * أشجع من ذي لبد هزبر ولست بالجبان عند الكر * لكنني الوقاف عند الفر ثم لم يزل يقاتل حتى قتل رحمه الله، فاحتمله أصحاب الحسين عليه السلام حتى وضعوه بين يدي الحسين عليه السلام وبه رمق، فجعل الحسين يمسح وجهه، ويقول:
أنت الحر كما سمتك أمك، وأنت الحر في الدنيا، وأنت الحر في الآخرة ورثاه رجل من أصحاب الحسين عليه السلام وقيل: بل رثاه علي بن الحسين عليهما السلام لنعم الحر حر بني رياح * صبور عند مختلف الرماح ونعم الحر إذ نادى حسينا * فجاد بنفسه عند الصياح فيا ربي أضفه في جنان * وزوجه مع الحور الملاح وروي أن الحر كان يقول:
آليت لا اقتل حتى أقتلا * أضربهم بالسيف ضربا معضلا لا ناقل عنهم ولا معللا * لا عاجز عنهم ولا مبدلا أحمي الحسين الماجد المؤملا قال المفيد رحمه الله: فاشترك في قتله: أيوب بن مسرح ورجل آخر من
فرسان أهل الكوفة انتهى كلامه.
وقال ابن شهرآشوب: قتل نيفا وأربعين رجلا منهم، وقال ابن نما: ورويت باسنادي أنه قال للحسين عليه السلام: لما وجهني عبيد الله إليك خرجت من القصر فنوديت من خلفي: أبشر يا حر بخير، فالتفت فلم أر أحدا فقلت والله ما هذه بشارة وأنا أسير إلى الحسين، وما أحدث نفسي باتباعك، فقال عليه السلام: لقد أصبت أجرا وخيرا ثم قالوا: وكان كل من أراد الخروج ودع الحسين عليه السلام وقال: السلام عليك يا ابن رسول الله! فيجيبه وعليك السلام ونحن خلفك، ويقرأ عليه السلام " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " ثم برز برير بن خضير الهمداني بعد الحر وكان من عباد الله الصالحين فبرز وهو يقول:
أنا برير وأبي خضير * ليث يروع الأسد عند الزئر يعرف فينا الخير أهل الخير * أضربكم ولا أرى من ضير كذاك فعل الخير من برير وجعل يحمل على القوم وهو يقول: اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين! اقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين! اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين وذريته الباقين! وكان برير أقرأ أهل زمانه، فلم يزل يقاتل حتى قتل ثلاثين رجلا، فبرز إليه رجل يقال له يزيد بن معقل فقال لبرير: أشهد أنك من المضلين، فقال له برير:
هلم فلندع الله أن يلعن الكاذب منا وأن يقتل المحق منا المبطل، فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم يعمل شيئا، وضربه برير ضربة قدت المغفر، ووصلت إلى دماغه، فسقط قتيلا، قال: فحمل رجل من أصحاب ابن زياد فقتل بريرا رحمه الله وكان يقال لقاتله: بحير بن أوس الضبي فجال في ميدان الحرب وجعل يقول:
سلي تخبري عني وأنت ذميمة * غداة حسين والرماح شوارع ألم آت أقصى ما كرهت ولم يحل * غداة الوغى والروع ما أنا صانع
معي مزني لم تخنه كعوبه * وأبيض مشحوذ الغرارين قاطع فجردته في عصبة ليس دينهم * كديني وإني بعد ذاك لقانع وقد صبروا للطعن والضرب حسرا * وقد جالدوا لو أن ذلك نافع فأبلغ عبيد الله إذ ما لقيته * بأني مطيع للخليفة سامع قتلت بريرا ثم جلت لهمة * غداة الوغى لما دعا من يقارع قال: ثم ذكر له بعد ذلك أن بريرا كان من عباد الله الصالحين وجاءه ابن عم له، وقال: ويحك يا بحير قتلت برير بن خضير فبأي وجه تلقى ربك غدا؟ قال:
فندم الشقي وأنشأ يقول:
فلو شاء ربي ما شهدت قتالهم * ولا جعل النعماء عند ابن جائر لقد كان ذا عارا علي وسبة * يعير بها الأبناء عند المعاشر فيا ليت إني كنت في الرحم حيضة * ويوم حسين كنت ضمن المقابر فيا سوءتا ماذا أقول لخالقي * وما حجتي يوم الحساب القماطر ثم برز من بعده وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي وقد كانت معه أمه يومئذ فقالت: قم يا بني فانصر ابن بنت رسول الله، فقال: أفعل يا أماه ولا اقصر فبرز وهو يقول:
إن تنكروني فانا ابن الكلب * سوف تروني وترون ضربي وحملتي وصولتي في الحرب * أدرك ثأري بعد ثأر صحبي وأدفع الكرب أمام الكرب * ليس جهادي في الوغى باللعب
ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة فرجع إلى أمه وامرأته فوقف عليهما فقال: يا أماه أرضيت؟ فقالت: ما رضيت أو تقتل بين يدي الحسين عليه السلام فقالت:
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.