بحارالانوار · المجلد العاشر
37 باب ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية
ج ۴۴، ص ۳۳۹–۳۵۳ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۲ از ۲
الأحنف بن قيس، وقيس بن الهيثم، والمنذر بن الجارود، ويزيد بن مسعود النهشلي وبعث الكتاب مع زراع السدوسي وقيل مع سليمان المكنى بأبي رزين فيه: " إني أدعوكم إلى الله وإلى نبيه، فان السنة قد أميتت، فان تجيبوا دعوتي، وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد " فكتب الأحنف إليه: أما بعد فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون، ثم ذكر أمر الرجلين مثل ما ذكره السيد رحمهما الله إلى أن قال:
فلما أشرف على الكوفة نزل حتى أمسى ليلا فظن أهلها أنه الحسين عليه السلام ودخلها مما يلي النجف فقالت امرأة: الله أكبر ابن رسول الله ورب الكعبة، فتصايح الناس قالوا: إنا معك أكثر من أربعين ألفا، وازدحموا عليه حتى أخذوا بذنب دابته وظنهم أنه الحسين، فحسر اللثام، وقال: أنا عبيد الله فتساقط القوم، ووطئ بعضهم بعضا ودخل دار الإمارة، وعليه عمامة سوداء.
فلما أصبح قام خاطبا، وعليهم عاتبا، ولرؤسائهم مؤنبا، ووعدهم بالاحسان على لزوم طاعته، وبالإساءة على معصيته والخروج عن حوزته، ثم قال: يا أهل الكوفة إن أمير المؤمنين يزيد ولاني بلدكم، واستعملني على مصركم، وأمرني بقسمة فيئكم بينكم، وإنصاف مظلومكم من ظالمكم، وأخذ الحق لضعيفكم من قويكم، والاحسان للسامع المطيع، والتشديد على المريب، فأبلغوا هذا الرجل الهاشمي مقالتي ليتقي غضبي. ونزل، يعني بالهاشمي مسلم بن عقيل رضي الله عنه.
وقال المفيد: وأقبل ابن زياد إلى الكوفة، ومعه مسلم بن عمرو الباهلي وشريك بن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو متلثم والناس قد بلغهم إقبال الحسين عليه السلام إليهم، فهم ينتظرون قدومه فظنوا حين رأوا عبد الله، أنه الحسين عليه السلام فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه، وقالوا: مرحبا بك يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم، فرأى من تباشرهم بالحسين ما ساءه، فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا: تأخروا هذا الأمير عبيد الله ابن زياد.
وسار حتى وافى القصر بالليل ومعه جماعة قد التفوا به، لا يشكون أنه الحسين عليه السلام فأغلق النعمان بن بشير عليه وعلى خاصته فناداه بعض من كان معه ليفتح لهم الباب فاطلع عليه النعمان وهو يظنه الحسين فقال: أنشدك الله إلا تنحيت والله ما أنا بمسلم إليك أمانتي ومالي في قتالك من إرب، فجعل لا يكلمه، ثم إنه دنا وتدلى النعمان من شرف القصر، فجعل يكلمه فقال: افتح لا فتحت فقد طال ليلك، وسمعها انسان خلفه، فنكص إلى القوم الذين اتبعوه من أهل الكوفة على أنه الحسين عليه السلام فقال: يا قوم! ابن مرجانة والذي لا إله غيره، ففتح له النعمان فدخل وضربوا الباب في وجوه الناس وانفضوا.
وأصبح فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج إليهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فان أمير المؤمنين يزيد ولاني مصركم وثغركم وفيئكم وأمرني بانصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، والاحسان إلى سامعكم ومطيعكم كالوالد البر، وسوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي، فليتق امرء على نفسه، الصدق ينبي [ء] عنك لا الوعيد ثم نزل.
وأخذ العرفاء بالناس أخذا شديدا فقال: اكتبوا إلي العرفاء! ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، ومن فيكم من أهل الحرورية، وأهل الريب الذين شأنهم الخلاف والنفاق والشقاق، فمن يجئ لنا بهم فبرئ، ومن لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا من في عرافته أن لا يخالفنا منهم مخالف، ولا يبغي علينا باغ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة وحلال لنا دمه وماله، أيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره وألغيت تلك العرافة من العطاء.
ولما سمع مسلم بن عقيل رحمه الله مجئ عبيد الله إلى الكوفة، ومقالته التي قالها، وما أخذ به العرفاء والناس، خرج من دار المختار حتى انتهى إلى دار هانئ
ابن عروة فدخلها، فأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ على تستر واستخفاء من عبيد الله، وتواصوا بالكتمان، فدعا ابن زياد مولى له يقال له: معقل فقال: خذ ثلاثة آلاف درهم، واطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه فإذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة فأعطهم هذه الثلاثة آلاف درهم، وقل لهم: استعينوا بها على حرب عدوكم وأعلمهم أنك منهم فإنك لو قد أعطيتهم إياها لقد اطمأنوا إليك ووثقوا بك، ولم يكتموك شيئا من أمورهم وأخبارهم، ثم اغد عليهم ورح حتى تعرف مستقر مسلم ابن عقيل، وتدخل عليه.
ففعل ذلك، وجاء حتى جلس إلى مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم، وهو يصلي فسمع قوما يقولون: هذا يبايع للحسين، فجاء وجلس إلى جنبه حتى فرغ من صلاته ثم قال: يا عبد الله إني امرء من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل البيت وحب من أحبهم وتباكا له وقال: معي ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فكنت أريد لقاءه فلم أجد أحدا يدلني عليه، ولا أعرف مكانه فاني لجالس في المسجد الآن إذ سمعت نفرا من المؤمنين يقولون: هذا رجل له علم بأهل هذا البيت، وإني أتيتك لتقبض مني هذا المال، وتدخلني على صاحبك فاني أخ من إخوانك، وثقة عليك، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه.
فقال له ابن عوسجة: احمد الله على لقائك إياي، فقد سرني ذلك، لتنال الذي تحب، ولينصرن الله بك أهل بيت نبيه عليه وعليهم السلام ولقد ساءني معرفة الناس إياي بهذا الأمر قبل أن يتم مخافة هذه الطاغية وسطوته، فقال له معقل: لا يكون إلا خيرا خذ البيعة علي! فأخذ بيعته وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحن وليكتمن فأعطاه من ذلك ما رضي به ثم قال له: اختلف إلي أياما في منزلي فاني طالب لك الاذن على صاحبك، وأخذ يختلف مع الناس فطلب له الاذن فأذن له وأخذ مسلم بن عقيل بيعته، وأمر أبا ثمامة الصائدي بقبض المال منه وهو الذي كان يقبض أموالهم، وما يعين به بعضهم بعضا، ويشتري لهم به السلاح، وكان بصيرا
وفارسا من فرسان العرب، ووجوه الشيعة، وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم فهو أول داخل وآخر خارج، حتى فهم ما احتاج إليه ابن زياد من أمرهم، فكان يخبره به وقتا فوقتا.
وقال ابن شهرآشوب: لما دخل مسلم الكوفة سكن في دار سالم بن المسيب فبايعه اثنا عشر ألف رجل، فلما دخل ابن زياد انتقل من دار سالم إلى دار هانئ؟
في جوف الليل ودخل في أمانه وكان يبايعه الناس حتى بايعه خمسة وعشرون ألف رجل فعزم على الخروج، فقال هانئ: لا تعجل وكان شريك بن الأعور الهمداني جاء من البصرة مع عبيد الله بن زياد فمرض فنزل دار هانئ أياما ثم قال لمسلم: إن عبيد الله يعودني وإني مطاوله الحديث، فاخرج إليه بسيفك فاقتله، وعلامتك أن أقول: " أسقوني ماء " ونهاه هانئ عن ذلك. فلما دخل عبيد الله على شريك وسأله عن وجعه، وطال سؤاله ورأي أن أحدا لا يخرج فخشي أن يفوته فأخذ يقول:
[شعر]:
ما الانتظار بسلمى أن تحييها * " كأس المنية بالتعجيل اسقوها " فتوهم ابن زياد وخرج، فلما دخل القصر أتاه مالك بن يربوع التميمي بكتاب أخذه من يدي عبد الله بن يقطر فإذا فيه: للحسين بن علي عليهما السلام أما بعد فاني أخبرك أنه قد بايعك من أهل الكوفة كذا فإذا أتاك كتابي هذا فالعجل العجل فان الناس كلهم معك، وليس لهم في يزيد رأي ولا هوى، فأمر ابن زياد بقتله.
وقال ابن نما: فلما خرج ابن زياد دخل مسلم، والسيف في كفه، قال له
شريك: ما منعك من الأمر؟ قال مسلم: هممت بالخروج فتعلقت بي امرأة وقالت:
نشدتك الله إن قتلت ابن زياد في دارنا، وبكت في وجهي، فرميت السيف وجلست قال هانئ: يا ويلها قتلتني وقتلت نفسها والذي فررت منه وقعت فيه.
وقال أبو الفرج في المقاتل: قال هانئ لمسلم: إني لا أحب أن يقتل في داري، قال: فلما خرج مسلم قال له شريك: ما منعك من قتله؟ قال: خصلتان:
أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في داره، وأما الأخرى فحديث حد ثنيه الناس عن النبي صلى الله عليه وآله أن الايمان قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن، فقال لها هانئ: أما والله لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا.
ثم قال المفيد: وخاف هانئ بن عروة عبيد الله على نفسه، فانقطع عن حضور مجلسه وتمارض، فقال ابن زياد: لجلسائه ما لي لا أرى هانئا؟ فقالوا: هو شاك، فقال: علمت بمرضه لعدته، ودعا محمد بن الأشعث، وأسماء بن خارجة وعمرو بن الحجاج الزبيدي وكانت رويحة بنت عمرو تحت هانئ بن عروة وهي أم يحيى بن هانئ فقال لهم: ما يمنع هانئ بن عروة من إتياننا؟ فقالوا: ما ندري وقد قيل إنه يشتكي قال: قد بلغني أنه قد برئ وهو يجلس على باب داره فالقوه ومروه أن لا يدع ما عليه من حقنا، فاني لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب.
فأتوه حتى وقفوا عليه عشية وهو جالس على بابه، وقالوا له: ما يمنعك من لقاء الأمير؟ فإنه قد ذكرك وقال: لو أعلم أنه شاك لعدته فقال لهم: الشكوى تمنعني فقالوا: قد بلغه أنك تجلس كل عشية على باب دارك وقد استبطأك والابطاء والجفاء لا يحتمل السلطان، أقسمنا عليك لما ركبت معنا، فدعا بثيابه فلبسها ثم دعا ببغلته فركبها حتى إذا دنا من القصر كأن نفسه أحست ببعض
الذي كان، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة: يا ابن الأخ إني والله لهذا الرجل لخائف، فما ترى؟ فقال: يا عم والله ما أتخوف عليك شيئا، ولم تجعل على نفسك سبيلا؟ ولم يكن حسان يعلم في أي شئ بعث إليه عبيد الله.
فجاء هانئ حتى دخل على عبيد الله بن زياد وعنده القوم، فلما طلع قال عبيد الله: أتتك بحائن رجلاه.
فلما دنا من ابن زياد وعنده شريح القاضي، التفت نحوه فقال:
أريد حباءه ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد وقد كان أول ما قدم مكرما له ملطفا، فقال له هانئ: وما ذاك أيها الأمير؟
قال: إيه يا هانئ بن عروة ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين؟ جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك، وجمعت له الجموع، والسلاح والرجال في الدور حولك، وظننت أن ذلك يخفى علي؟ قال: ما فعلت ذلك وما مسلم عندي قال: بلى قد فعلت، فلما كثر بينهما وأبى هانئ إلا مجاحدته ومناكرته، دعا ابن زياد معقلا ذلك العين فجاء حتى وقف بين يديه وقال: أتعرف هذا؟ قال:
نعم، وعلم هانئ عند ذلك أنه كان عينا عليهم، وأنه قد أتاه بأخبارهم فأسقط في
يده ساعة.
ثم راجعته نفسه، فقال: اسمع مني وصدق مقالتي، فوالله ما كذبت، والله ما دعوته إلى منزلي، ولا علمت بشئ من أمره حتى جاءني يسألني النزول، فاستحييت من رده وداخلني من ذلك ذمام فضيفته وآويته، وقد كان من أمره ما بلغك، فإن شئت أن أعطيك الآن موثقا مغلظا أن لا أبغيك سوءا ولا غائلة ولآتينك حتى أضع يدي في يدك وإن شئت أعطيتك رهينة تكون في يدك حتى آتيك وأنطلق إليه فأمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض فأخرج من ذمامه وجواره.
فقال له ابن زياد: والله لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به قال: لا والله لا أجيئك به أبدا أجيئك بضيفي تقتله؟ قال: والله لتأتيني به قال: والله لا آتيك به، فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي وليس بالكوفة شامي ولا بصري غيره فقال: أصلح الله الأمير خلني وإياه حتى أكلمه فقام فخلا به ناحية من ابن زياد وهما منه بحيث يراهما فإذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان.
فقال له مسلم: يا هانئ أنشدك الله أن تقتل نفسك، وأن تدخل البلاء في عشيرتك، فوالله إني لأنفس بك عن القتل، إن هذا ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا ضائريه، فادفعه إليهم فإنه ليس عليكم بذلك مخزاة ولا منقصة، إنما تدفعه إلى السلطان، فقال هانئ: والله إن علي في ذلك الخزي والعار أن أدفع جاري وضيفي وأنا حي صحيح أسمع وأرى، شديد الساعد، كثير الأعوان، والله لو لم يكن لي إلا واحد ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه، فأخذ يناشده وهو يقول: والله لا أدفعه إليه أبدا.
فسمع ابن زياد لعنه الله ذلك فقال: ادنوه مني، فأدنوه منه، فقال: والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك، فقال هانئ: إذا والله تكثر البارقة حول دارك، فقال ابن زياد: والهفاه عليك، أبالبارقة تخوفني؟ وهو يظن أن عشيرته سيمنعونه
ثم قال: ادنوه مني فادني منه، فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب به أنفه وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسال الدماء على وجهه ولحيته، ونثر لحم جبينه وخده على لحيته، حتى كسر القضيب، وضرب هانئ يده على قائم سيف شرطي وجاذبه [الرجل] ومنعه.
فقال عبيد الله: أحروري سائر اليوم قد حل دمك جروه، فجروه فألقوه في بيت من بيوت الدار، وأغلقوا عليه بابه، فقال: اجعلوا عليه حرسا ففعل ذلك به فقام إليه حسان بن أسماء فقال: أرسل غدر سائر اليوم! أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى إذا جئناك به هشمت أنفه ووجهه، وسيلت دماءه على لحيته، وزعمت أنك تقتله؟ فقال له عبيد الله: وإنك لههنا؟ فأمر به فلهز وتعتع وأجلس ناحية فقال محمد بن الأشعث: قد رضينا بما رأى الأمير، لنا كان أم علينا، إنما الأمير مؤدب.
وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه جمع عظيم، وقال: أنا عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة، وقد بلغهم أن صاحبهم قد قتل فأعظموا ذلك فقيل لعبيد الله بن زياد: وهذه فرسان مذحج بالباب؟! فقال لشريح القاضي: ادخل على
صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج فأعلمهم أنه حي لم يقتل، فدخل شريح فنظر إليه فقال هانئ: لما رأى شريحا يا لله يا للمسلمين أهلكت عشيرتي أين أهل الدين أين أهل المصر، والدماء تسيل على لحيته، إذ سمع الضجة على باب القصر، فقال: إني لأظنها أصوات مذحج، وشيعتي من المسلمين، إنه إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني.
فلما سمع كلامه شريح خرج إليهم فقال لهم: إن الأمير لما بلغه كلامكم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه، فأمرني أن ألقاكم وأعرفكم أنه حي وأن الذي بلغكم من قتله باطل، فقال له عمرو بن الحجاج وأصحابه: أما إذ لم يقتل فالحمد لله، ثم انصرفوا.
فخرج عبيد الله بن زياد فصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه، فقال:
أما بعد أيها الناس، فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تفرقوا فتهلكوا وتذلوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا، إن أخاك من صدقك، وقد أعذر من أنذر، والسلام.
ثم ذهب لينزل فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل باب التمارين يشتدون ويقولون: قد جاء ابن عقيل، فدخل عبيد الله القصر مسرعا وأغلق أبوابه، فقال عبد الله بن حازم: أنا والله رسول ابن عقيل إلى القصر لأنظر ما فعل هانئ، فلما ضرب وحبس ركبت فرسي فكنت أول داخل الدار على مسلم بن عقيل بالخبر، وإذا نسوة لمراد مجتمعات ينادين يا عبرتاه يا ثكلاه، فدخلت على مسلم فأخبرته الخبر، فأمرني أن أنادي في أصحابه وقد ملأ بهم الدور حوله، كانوا فيها أربعة آلاف رجل فقال: ناد: " يا منصور أمت " فناديت فتنادى أهل الكوفة واجتمعوا عليه.
فعقد مسلم رحمه الله لرؤس الأرباع كندة ومذحج وتميم وأسد ومضر وهمدان وتداعى الناس واجتمعوا فما لبثنا إلا قليلا حتى امتلأ المسجد من الناس والسوق وما زالوا يتوثبون حتى المساء، فضاق بعبيد الله أمره وكان أكثر عمله أن يمسك باب القصر، وليس معه إلا ثلاثون رجلا من الشرط، وعشرون رجلا من أشراف الناس
وأهل بيته وخاصته، وأقبل من نأى عنه من أشراف الناس يأتونه من قبل الباب الذي يلي دار الروميين، وجعل من في القصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم وهم يرمونهم بالحجارة ويشتمونهم ويفترون على عبيد الله وعلى أمه فدعا ابن زياد كثير بن شهاب وأمره أن يخرج فيمن أطاعه في مذحج، فيسير في الكوفة ويخذل الناس عن ابن عقيل، ويخوفهم الحرب، ويحذرهم عقوبة السلطان وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت، فيرفع راية أمان لمن جاء من الناس، وقال مثل ذلك للقعقاع الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر السلمي وشمر بن ذي الجوشن العامري، وحبس باقي وجوه الناس عنده استيحاشا إليهم لقلة عدد من معه من الناس.
فخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن مسلم، وخرج محمد بن الأشعث حتى وقف عند دور بني عمارة فبعث ابن عقيل إلى محمد بن الأشعث عبد الرحمن بن شريح الشيباني، فلما رأى ابن الأشعث كثرة من أتاه، تأخر عن مكانه، وجعل محمد بن الأشعث وكثير بن شهاب والقعقاع بن ثور الذهلي وشبث بن ربعي يردون الناس عن اللحوق بمسلم، ويخوفونهم السلطان، حتى اجتمع إليهم عدد كثير من قومهم وغيرهم، فصاروا إلى ابن زياد من قبل دار الروميين، ودخل القوم معهم.
فقال كثير بن شهاب: أصلح الله الأمير! معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك، فاخرج بنا إليهم، فأبى عبيد الله وعقد لشبث ابن ربعي لواء وأخرجه، وأقام الناس مع ابن عقيل يكثرون حتى المساء، وأمرهم شديد، فبعث عبيد الله إلى الأشراف فجمعهم ثم أشرفوا على الناس فمنوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة، وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة، واعلموهم وصول الجند من الشام إليهم.
وتكلم كثير بن شهاب حتى كادت الشمس أن تجب، فقال: أيها الناس الحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا الشر، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فان هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الأمير عهدا لئن تممتم على حربه، ولم تنصرفوا
من عشيتكم، أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتليكم في مفازي الشام، وأن يأخذ البرئ منكم بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى له بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جنت أيديها، وتكلم الأشراف بنحو من ذلك.
فلما سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرقون وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول: انصرف! الناس يكفونك، ويجيئ الرجل إلى ابنه أو أخيه ويقول: غدا تأتيك أهل الشام، فما تصنع بالحرب والشر؟ انصرف! فيذهب به فينصرف، فما زالوا يتفرقون حتى أمسى ابن عقيل، وصلى المغرب وما معه إلا ثلاثون نفسا في المسجد.
فلما رأى أنه قد أمسى وليس معه إلا أولئك النفر، وخرج متوجها إلى أبواب كندة فلم يبلغ الأبواب إلا ومعه منهم عشرة ثم خرج من الباب وإذا ليس معه انسان يدله، فالتفت فإذا هو لا يحس أحدا يدله على الطريق، ولا يدله على منزله، ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدو، فمضى على وجهه متلددا في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب؟ حتى خرج إلى دور بني جبلة من كندة، فمضى حتى أتى إلى باب امرأة يقال لها طوعة أم ولد كانت للأشعث بن قيس، وأعتقها وتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا، وكان بلال قد خرج مع الناس، وأمه قائمة تنتظره.
فسلم عليها ابن عقيل فردت عليه السلام فقال لها: يا أمة الله اسقيني ماء فسقته وجلس ودخلت ثم خرجت فقالت: يا عبد الله ألم تشرب؟ قال: بلى قالت:
فاذهب إلى أهلك، فسكت، ثم أعادت مثل ذلك، فسكت، ثم قالت في الثالثة:
سبحان الله يا عبد الله قم عافاك الله إلى أهلك فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أحله لك، فقام وقال: يا أمة الله ما لي في هذا المصر أهل ولا عشيرة، فهل لك في أجر ومعروف، ولعلي مكافيك بعد هذا اليوم، قالت: يا عبد الله وما ذاك؟ قال:
أنا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم، وغروني وأخرجوني، قالت: أنت مسلم؟!
قال: نعم، قالت: ادخل.
فدخل إلى بيت دارها غير البيت الذي تكون فيه، وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعش، ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في
البيت والخروج منه، فقال لها: والله إنه ليريبني كثرة دخولك إلى هذا البيت وخروجك منه، منذ الليلة، إن لك لشأنا قالت له: يا بني اله عن هذا قال:
والله لتخبريني قالت له: أقبل على شأنك، ولا تسألني عن شئ، فألح عليها فقالت:
يا بني لا تخبرن أحدا من الناس بشئ مما أخبرك به قال: نعم، فأخذت عليه الأيمان فحلف لها، فأخبرته فاضطجع وسكت.
ولما تفرق الناس عن مسلم بن عقيل رحمه الله، طال على ابن زياد وجعل لا يسمع لأصحاب ابن عقيل صوتا كما كان يسمع قبل ذلك، فقال لأصحابه: أشرفوا فانظروا هل ترون منهم أحدا؟ فأشرفوا فلم يجدوا أحدا، قال: فانظروهم لعلهم تحت الظلال قد كمنوا لكم فنزعوا تخاتج المسجد، وجعلوا يخفضون بشعل النار في أيديهم وينظرون، وكانت أحيانا تضيئ لهم وتارة لا تضيئ لهم كما يريدون فدلوا القناديل وأطنان القصب تشد بالحبال ثم يجعل فيها النيران ثم تدلى حتى ينتهي إلى الأرض ففعلوا ذلك في أقصى الظلال وأدناها وأوسطها حتى فعل ذلك بالظلة التي فيها المنبر فلما لم يروا شيئا أعلموا ابن زياد بتفرق القوم.
ففتح باب السدة التي في المسجد ثم خرج فصعد المنبر، وخرج أصحابه معه وأمرهم فجلسوا قبيل العتمة وأمر عمر بن نافع فنادى: ألا برئت الذمة من رجل من الشرط أو العرفاء والمناكب أو المقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد فلم يكن إلا ساعة حتى امتلأ المسجد من الناس، ثم أمر مناديه فأقام الصلاة وأقام الحرس خلفه وأمرهم بحراسته ومن أن يدخل إليه من يغتاله، وصلى بالناس.
ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه في داره ومن جاء به فله ديته، اتقوا الله عباد الله، وألزموا الطاعة وبيعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا.
يا حصين بن نمير! ثكلتك أمك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة، وخرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلطتك على دور أهل الكوفة. فابعث مراصد على
أهل الكوفة ودورهم، وأصبح غدا واستبرء الدور وجس خلالها حتى تأتيني بهذا الرجل، وكان الحصين بن نمير على شرطه، وهو من بني تميم، ثم دخل ابن زياد القصر وقد عقد لعمرو بن حريث راية وأمره على الناس.
فلما أصبح جلس مجلسه وأذن للناس، فدخلوا عليه وأقبل محمد بن الأشعث فقال: مرحبا بمن لا يستغش ولا يتهم، ثم أقعده إلى جنبه، وأصبح ابن تلك العجوز فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عند أمه، فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد فساره فعرف ابن زياد سراره فقال له ابن زياد بالقضيب في جنبه: قم فأتني به الساعة، فقام وبعث معه قومه لأنه قد علم أن كل قوم يكرهون أن يصاب فيهم مثل مسلم بن عقيل.
فبعث معه عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين رجلا من قيس حتى أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل رحمه الله فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال علم أنه قد اتي، فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار، فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه فشد عليهم كذلك، فاختلف هو وبكر بن حمران الأحمري ضربتين فضرب بكر فم مسلم، فقطع شفته العليا وأسرع السيف في السفلى وفصلت له ثنيتاه وضرب مسلم في رأسه ضربة منكرة وثناه بأخرى على حبل العاتق، كادت تطلع إلى جوفه.
فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق البيت، وأخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطنان القصب ثم يرمونها عليه من فوق البيت، فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه في السكة فقال محمد بن الأشعث: لك الأمان لا تقتل نفسك وهو يقاتلهم ويقول:
أقسمت لا اقتل إلا حرا * وإن رأيت الموت شيئا نكرا ويخلط البارد سخنا مرا * رد شعاع الشمس فاستقرا كل امرئ يوما ملاق شرا * أخاف أن أكذب أو أغرا
فقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تكذب ولا تغر ولا تخدع إن القوم بنوا عمك، وليسوا بقاتليك، ولا ضائريك، وكان قد أثخن بالحجارة، وعجز عن القتال فانتهز واستند ظهره إلى جنب تلك الدار فأعاد ابن الأشعث عليه القول: لك الأمان، فقال: آمن أنا؟ قال: نعم، فقال للقوم الذين معه ألي الأمان؟ قال القوم له: نعم، إلا عبيد الله بن العباس السلمي فإنه قال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل ثم تنحى.
فقال مسلم : أما لو تأمنوني ما وضعت يدي في أيديكم، فأتى ببغلة فحمل عليها، واجتمعوا حوله ونزعوا سيفه، وكأنه عند ذلك يئس من نفسه، فدمعت عيناه ثم قال: هذا أول الغدر، فقال له محمد بن الأشعث: أرجو أن لا يكون عليك بأس قال: وما هو إلا الرجاء؟ أين أمانكم؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، وبكى، فقال له عبيد الله بن العباس: إن من يطلب مثل الذي طلبت إذا ينزل به مثل ما نزل بك لم يبك، قال: والله إني ما لنفسي بكيت، ولا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، ولكني أبكي لأهلي المقبلين، إني أبكي للحسين وآل الحسين عليه السلام.
ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال: يا عبد الله إني أراك والله ستعجز عن أماني فهل عندك خير: تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني أن يبلغ حسينا فاني لا أراه إلا وقد خرج اليوم أو خارج غدا وأهل بيته، ويقول له: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في يد القوم لا يرى أنه يمسي حتى يقتل، وهو يقول لك:
ارجع فداك أبي وأمي بأهل بيتك ولا يغررك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذبوك وليس لمكذوب رأي، فقال ابن الأشعث: والله لأفعلن ولأعلمن ابن زياد أني قد أمنتك.
وقال محمد بن شهرآشوب: أنفذ عبيد الله عمرو بن حريث المخزومي ومحمد بن الأشعث في سبعين رجلا حتى أطافوا بالدار، فحمل مسلم عليهم وهو يقول:
هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع * فأنت لكأس الموت لا شك جارع فصبر لأمر الله جل جلاله * فحكم قضاء الله في الخلق ذائع فقتل منهم أحدا وأربعين رجلا.
وقال محمد بن أبي طالب: لما قتل مسلم منهم جماعة كثيرة، وبلغ ذلك ابن زياد، أرسل إلى محمد بن الأشعث يقول: بعثناك إلى رجل واحد لتأتينا به، فثلم في أصحابك ثلمة عظيمة، فكيف إذا أرسلناك إلى غيره؟ فأرسل ابن الأشعث :
أيها الأمير أتظن أنك بعثتني إلى بقال من بقالي الكوفة، أو إلى جرمقاني من جرامقة الحيرة؟ أو لم تعلم أيها الأمير أنك بعثتني إلى أسد ضرغام، وسيف حسام، في كف بطل همام، من آل خير الأنام، فأرسل إليه ابن زياد أعطه الأمان فإنك لا تقدر عليه إلا به.
أقول: روي في بعض كتب المناقب عن علي بن أحمد العاصمي، عن إسماعيل ابن أحمد البيهقي، عن والده، عن أبي الحسين بن بشران، عن أبي عمرو بن السماك عن حنبل بن إسحاق، عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أرسل الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل إلى الكوفة وكان مثل الأسد، قال عمرو وغيره: لقد كان من قوته أنه يأخذ الرجل بيده، فيرمي به فوق البيت.
رجعنا إلى كلام المفيد رحمه الله قال: وأقبل ابن الأشعث بابن عقيل إلى
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.