بحارالانوار · المجلد التاسع
52 باب أخبار الغدير وما صدر في ذلك اليوم من النص الجلي
ج ۳۷، ص ۲۱۶–۲۴۴ (چاپ ۱۱۰ جلدی) · صفحهی ۵ از ۶
فنادته القوم: نعم سمعنا وأطعنا أمر الله وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا وأيدينا، وتداكوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى علي عليه السلام وصافقوا بأيديهم، فكان أول من صافق رسول الله صلى الله عليه وآله الأول والثاني والثالث والرابع والخامس - عليهم ما عليهم - وباقي المهاجرين والأنصار، وباقي الناس عن آخرهم على قدر منازلهم، إلى أن صليت الظهر والعصر في وقت واحد والمغرب والعشاء الآخرة في وقت واحد، وأوصلوا البيعة والمصافقة ثلاثا ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول كلما بايع قوم: الحمد لله الذي فضلنا على جميع العالمين، وصارت المصافقة سنة ورسما يستعملها من ليس له حق فيها.
كشف اليقين: أحمد بن محمد الطبري من علماء المخالفين رواه في كتابه عن محمد بن أبي بكر ابن عبد الرحمان، عن الحسن بن علي أبي محمد الدينوري، عن محمد بن موسى الهمداني إلى آخر الخبر.
بيان: أقول روى أكثر هذه الخطبة مما يتعلق بالنص والفضائل مؤلف كتاب الصراط المستقيم عن محمد بن جرير الطبري في كتاب الولاية بإسناده إلى زيد بن أرقم، وروى جميعا الشيخ علي بن يوسف بن المطهر رحمه الله عن زيد بن أرقم. قوله صلى الله عليه وآله:
" عظم في أركانه " أي بسبب صفاته التي لجلاله بمنزلة الأركان، أو في العرش والكرسي والسماوات والأرضين التي هي أركان مخلوقاته، أو بسبب عزه ومنعته، أو جنوده التي تتبع قدرته الذاتية. قال الفيروزآبادي: الركن بالضم الجانب الأقوى والامر العظيم وما يقوى به من ملك وجند وغيره والعز والمنعة.
قوله صلى الله عليه وآله: " وهو في مكانه " أي في منزلته ورفعته أي ليس علمه بالأشياء على وجه ينافي عظمته وتقدسه بأن يدنو منها أو يتمزج بها أو ترتسم صورها فيه. قوله صلى الله عليه وآله:
" ومفلك الأفلاك " أي خالقها، إذ قبل وجودها لا يصدق عليها أنها فلك، أو محركها أو مديرها. قوله صلى الله عليه وآله: " وهو السلام " أي السالم من النقائص والآفات المسلم غيره منها لا غيره، فلا تكرار، ويحتمل التأكيد، والأدغال جمع الدغل - بالتحريك - وهو دخول ما يفسد، والموضع يخاف فيه الاغتيال. والختل - بالتحريك - الخديعة.
قوله: " قل اذن على الذين يزعمون " يمكن أن يكون في مصحفهم عليهم السلام هكذا، ويحتمل أن يكون بيانا لحاصل المعنى، إذ كونه اذن خير إنما يكون بأن يستمع إلى الاخبار وهم لا يظنون به إلا خيرا، ويحتمل أن يكون تفسيرا لقوله: " يؤمن للمؤمنين " أي يؤمن للمؤمنين بأنه كذلك، وفي رواية السيد هذه الزيادة بين الآية وهو الأظهر.
قال الطبرسي: " هو اذن " معناه أنه يستمع إلى ما يقال له ويصغي إليه ويقبله
" قل " يا محمد " اذن خير لكم " أي هو اذن خير يستمع إلى ما هو خير لكم وهو الوحي وقيل: معناه: هو يسمع الخير ويعمل به " يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين " معناه أنه لا يضره كونه اذنا فإنه اذن خير فلا يقبل إلا الخبر الصادق من الله ويصدق المؤمنين أيضا فيما يخبرونه، ويقبل منهم دون المنافقين، انتهى.
قوله صلى الله عليه وآله: " في هذا المشهد " أي في هذا المكان أو في مثل هذا المجمع، إذ تفرق كثير من الناس بعده ولم يجتمعوا له بعد ذلك. ويقال: شاله أي رفعه. قوله صلى الله عليه وآله:
" هو مواعيد الله " أي محل مواعيد الله مما يكون في الرجعة والقيامة وغيرهما. قوله صلى الله عليه وآله: " ولهم عمت " أي شملت جميع أهل البيت وهي مخصوصة بهم لا يشركهم فيها غيرهم.
87 - الإحتجاج: روي عن الصادق عليه السلام أنه لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من هذه الخطبة رئي في الناس رجل جميل بهي طيب الريح فقال: تالله ما رأيت كاليوم قط ما أشد ما يؤكد لابن عمه! وإنه لعقد له عقدا لا يحله إلا كافر بالله العظيم وبرسوله الكريم، ويل طويل لمن حل عقده، قال: فالتفت إليه عمر حين سمع كلامه فأعجبته هيئته، ثم التفت إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: أما سمعت ما قال هذا الرجل كذا وكذا (6)؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عمر أتدري من ذلك الرجل؟ قال: لا، قال: ذلك الروح الأمين جبرئيل، فإياك أن تحله، فإنك إن فعلت فالله ورسوله وملائكته والمؤمنون منك برآء:
88 - كشف الغمة: من مناقب الخوارزمي وقد أورده أحمد في مسنده عن ابن عباس
عن بريدة الأسلمي قال: قد غزوت مع علي إلى اليمن، فرأيت منه جفوة فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرت عليا فتنقصته، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وآله تغير، فقال: يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه.
ونقلت من مسند أحمد بن حنبل عن بريدة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله في سرية قال: فلما قدمنا قال: كيف رأيتم صحابة صاحبكم؟ قال: فإما شكوته أو شكاه غيري، قال: فرفعت رأسي وكنت رجلا مكبابا، قال: فإذا النبي قد احمر وجهه وهو يقول: من كنت وليه فعلي وليه.
وبالاسناد عن بريدة من المسند المذكور قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله بعثين إلى اليمن على أحدهما علي بن أبي طالب وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: إذا التقيتم فعلي على الناس وإن افترقتما فكل واحد منكما على جنده، قال: فلقينا بني زبيد من أهل اليمن فاقتتلنا، فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، فاصطفى علي امرأة من السبي لنفسه، قال بريدة: فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره بذلك، فلما أتيت النبي صلى الله عليه وآله دفعت الكتاب فقرئ عليه، فرأيت الغضب في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: يا رسول الله هذا مكان العائذ بك، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه ففعلت ما أرسلت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي.
ومن صحيح الترمذي عن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جيشا واستعمل عليهم علي بن أبي طالب، فمشى في السرية وأصاب جارية، فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله فقالوا: إذا لقينا رسول الله أخبرناه بما صنع علي،
وكان المسلمون إذا رجعوا من سفر بدؤوا برسول الله صلى الله عليه وآله فسلموا عليه ثم انصرفوا إلى رحالهم، فلما قدمت السرية سلموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وقام أحد الأربعة فقال:
يا رسول الله ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله فقام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله والغضب يعرف في وجهه فقال:
ما تريدون من علي؟ إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن من بعدي.
ومن صحيحه: من كنت مولاه فعلي مولاه.
89 - كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: محمد بن العباس، عن الحسن بن أحمد المالكي، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله بن سنان، عن الحسين الجمال قال: حملت أبا عبد الله من المدينة إلى مكة، فلما بلغ غدير خم نظر إلي وقال: هذا موضع قدم رسول الله صلى الله عليه وآله حين أخذ بيد علي عليه السلام وقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه " وكان عن يمين الفسطاط أربعة نفر من قريش - سماهم لي -. فلما نظروا إليه وقد رفع يده حتى بان بياض إبطيه قالوا: انظروا إلى عينيه قد انقلبتا كأنهما عينا مجنون! فأتاه جبرئيل فقال: اقرأ " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون * وما هو إلا ذكر للعالمين " والذكر علي بن أبي طالب عليه السلام فقلت: الحمد لله الذي أسمعني هذا منك، فقال: لولا أنك جمالي لما حدثتك بهذا لأنك لا تصدق إذا رويت عني.
90 - بشارة المصطفى: محمد بن علي بن قرواش، عن محمد بن محمد النقار، عن محمد بن محمد بن الحسين، والحسن بن زيد بن حمزة، عن علي بن عبد الرحمان، عن محمد بن منصور، عن علي ابن الحسين بن عمر بن علي بن الحسين، عن إبراهيم بن رجاء الشيباني قال: قيل: لجعفر بن محمد
عليهما السلام ما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله لعلي عليه السلام يوم الغدير: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " قال: فاستوى جعفر بن محمد عليهما السلام قاعدا ثم قال:
سئل والله عنها رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: الله مولاي أولى بي من نفسي لا أمر لي معه، وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم لا أمر لهم معي، ومن كنت مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معي فعلي بن أبي طالب مولاه أولى به من نفسه لا أمر له معه.
91 - بشارة المصطفى: محمد بن أحمد بن شهريار، عن محمد بن محمد بن يعقوب، عن محمد بن عبد الرحمان، عن أبي المفضل الشيباني، عن عبد الله بن أحمد بن عامر، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه واخذل من خذله وانصر من نصره.
صحيفة الرضا (ع): عنه عن آبائه عليهم السلام مثله.
92 - بشارة المصطفى: محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن القاسم الفارسي، عن محمد بن يوسف، عن محمد بن أحمد بن حماد، عن محمد بن محمد بن سليمان، عن أحمد بن يزيد بن سليم، عن إسماعيل بن أبان، عن أبي مريم، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كنت وليه فعلي وليه.
93 - وبهذا الاسناد عن عبد الصمد، عن عبد الله بن محمد بن عبد الله، عن عبد الله ابن أحمد بن الحسين، عن عبد الله بن هاشم، عن وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن عبد الله بن بريدة الأسلمي، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله على وآله وسلم: من كنت وليه فعلي وليه.
94 - وبالاسناد عن الفارسي عن أحمد بن أبي الطيب، عن إبراهيم بن عبد الله،
عن زكريا بن يحيى، عن عبد الرحمان بن صالح، عن موسى بن عثمان، عن أبي إسحاق، عن البراء وزيد بن أرقم قالا، كنا مع النبي صلى الله عليه وآله يوم غدير خم ونحن نرفع غصن الشجرة عن رأسه فقال: إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي، ألا وقد سمعتموني ورأيتموني، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ألا وإني فرطكم على الحوض ومكاثر بكم الأمم يوم القيامة ولا تسودوا وجهي، ألا وإن الله عز وجل وليي وأنا ولي كل مؤمن فمن كنت مولاه فعلي مولاه.
95 - كشف الغمة: من دلائل الحميري عن الحسن بن طريف قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام: " من كنت مولاه فهذا مولاه " قال: أراد بذلك أن جعله علما يعرف به حزب الله عند الفرقة.
96 - أمالي الصدوق، معاني الأخبار: محمد بن عمر الحافظ، عن جعفر بن محمد الحسني، عن محمد بن علي ابن خلف، عن سهل بن عامر، عن زافر بن سليمان، عن شريك، عن أبي إسحاق قال:
قلت لعلي بن الحسين عليهما السلام: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وآله: " من كنت مولاه فعلي مولاه " قال: أخبرهم أنه الامام بعده.
97 - معاني الأخبار: محمد بن عمر، عن موسى بن محمد بن الحسن، عن الحسن بن محمد، عن صفوان بن يحيى، عن يعقوب بن شعيب، عن أبان بن تغلب قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام عن قول النبي صلى الله عليه وآله: " من كنت مولاه فعلي مولاه " فقال: يا أبا سعيد تسأل عن مثل هذا؟! أعلمهم أنه يقوم فيهم مقامه.
98 - أمالي الصدوق، معاني الأخبار: محمد بن عمر، عن محمد بن القاسم، عن عباد بن يعقوب، عن علي ابن هاشم، عن أبيه قال: ذكر عند زيد بن علي قول النبي صلى الله عليه وآله: " من كنت مولاه
فعلي مولاه " قال: نصبه علما ليعرف به حزب الله عز وجل عند الفرقة.
99 - معاني الأخبار: محمد بن عمر، عن محمد بن الحارث، عن أحمد بن محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبان، عن أبي مريم، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
الله ربي ولا إمارة لي معه، وأنا رسول ربي ولا إمارة معي، وعلي ولى من كنت وليه ولا إمارة معه.
100 - معاني الأخبار: الحافظ، عن محمد بن عبيد الله، عن محمد بن علي بن بسام، عن معلل بن نفيل، عن أيوب بن سلمة، عن بسام، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال النبي صلى الله عليه وآله من كنت وليه فعلي وليه، ومن كنت إمامه فعلي إمامه، ومن كنت أميره فعلي أميره، ومن كنت نذيره فعلي نذيره، ومن كنت هاديه فعلي هاديه، ومن كنت وسيلته إلى الله تعالى فعلي وسيلته إلى الله عز وجل، فالله سبحانه يحكم بينه وبين عدوه.
قال الصدوق رحمه الله في كتاب معاني الأخبار بعد نقل الاخبار في معنى " من كنت مولاه فعلي مولاه ": نحن نستدل على أن النبي صلى الله عليه وآله قد نص على علي بن أبي طالب عليه السلام واستخلفه وأوجب فرض طاعته على الخلق بالأخبار الصحيحة، وهي قسمان: قسم قد جامعنا عليه خصومنا في نقله وخالفونا في تأويله، وقسم قد خالفونا في نقله، فالذي يجب علينا فيما وافقونا في نقله أن نريهم بتقسيم الكلام ورده إلى مشهور اللغات والاستعمال المعروف، أن معناه هو ما ذهبنا إليه من النص والاستخلاف دون ما ذهبوا - هم - إليه من خلاف ذلك، والذي يجب علينا فيما خالفونا في نقله أن نبين أنه ورد ورودا يقطع مثله العذر، وأنه نظير ما قد قبلوه وقطع عذرهم واحتجوا به على مخالفيهم من الاخبار التي تفردوا - هم - بنقلها دون مخالفيهم، وجعلوها مع ذلك قاطعة للعذر وحجة على من خالفهم فنقول وبالله نستعين:
إنا ومخالفينا قد روينا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قام يوم غدير خم وقد جمع المسلمين فقال: أيها الناس ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا: اللهم بلى، قال صلى الله عليه وآله:
فمن كنت مولاه فعلي مولاه، فقال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه و انصر من نصره واخذل من خذله، ثم نظرنا في معنى قول النبي صلى الله عليه وآله: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ثم في معنى قوله صلى الله عليه وآله: " فمن كنت مولاه فعلي مولاه " فوجدنا ذلك ينقسم في اللغة على وجوه لا يعلم في اللغة غيرها، أنا ذاكرها إن شاء الله تعالى، ونظرنا فيما يجمع له النبي صلى الله عليه وآله الناس ويخطب به ويعظم الشأن فيه فإذا هو شئ لا يجوز أن يكونوا علموه فكرره عليهم، ولا شئ لا يفيدهم بالقول فيه معنى، لان ذلك في صفة العابث، والعبث عن رسول الله صلى الله عليه وآله منفي، فنرجع إلى ما يحتمله لفظة المولى في اللغة.
يحتمل أن يكون المولى مالك الرق كما يملك المولى عبده، وله أن يبيعه و يهبه، ويحتمل أن يكون المولى المعتق من الرق، ويحتمل أن يكون المولى المعتق، و وهذه الثلاثة الأوجه مشهورة عند الخاصة والعامة، فهي ساقطة في قول النبي صلى الله عليه وآله لأنه لا يجوز أن يكون عنى بقوله: " فمن كنت مولاه فعلي مولاه " واحدة منها، لأنه لا يملك بيع المسلمين ولا عتقهم من رق العبودية ولا أعتقوه، ويحتمل أيضا أن يكون المولى ابن العم قال الشاعر.
مهلا بني عمنا مهلا موالينا * لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
ويحتمل أن يكون المولى العاقبة قال الله عز وجل: " مأواكم النار هي مولاكم " أي عاقبتكم وما يؤول بكم الحال إليه، ويحتمل أن يكون المولى ما يلي الشئ مثل خلفه، وقدامه، قال الشاعر:
فغدت، كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها ولم نجد أيضا شيئا من هذه الأوجه يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم عناه بقوله:
" فمن كنت مولاه فعلي مولاه " لأنه لا يجوز أن يقول: من كنت ابن عمه فعلي ابن عمه، لان ذلك معروف معلوم وتكريره على المسلمين عبث بلا فائدة، وليس يجوز أن يعني به عاقبة أمرهم ولا خلف ولا قدام لأنه لا معنى له ولا فائدة، ووجدنا اللغة تجيز أن يقول الرجل: " فلان مولاي " إذا كان مالك طاعته، فكان هذا هو المعنى الذي عناه النبي صلى الله عليه وآله بقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه " لان الأقسام التي يحتملها اللغة لم يجز أن يعنيها بما بيناه، ولم يبق قسم غير هذا، فوجب أن يكون هو الذي عناه بقوله:
" فمن كنت مولاه فعلي مولاه " ومما يؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وآله: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ثم قال: " فمن كنت مولاه فعلي مولاه " فدل ذلك على أن معنى " مولى " هو أنه أولى بهم من أنفسهم، لان المشهور في اللغة والعرف أن الرجل إذا قال لرجل:
إنك أولى بي من نفسي فقد جعله مطاعا آمرا عليه، ولا يجوز أن يعصيه، وأنا لو أخذنا بيعة على رجل وأقر بأنا أولى به من نفسه لم يكن له أن يخالفنا في شئ نأمره به، لأنه إن خالفنا بطل معنى إقراره بأنا أولى به من نفسه، ولان العرب أيضا إذا أمر منهم إنسان إنسانا بشئ وأخذه بالعمل به وكان له أن يعصيه فعصاه قال له: يا هذا أنا أولى بنفسي منك إن لي أن أفعل بها ما أريد وليس ذلك لك مني، فإذا كان قول الانسان: " أنا أولى بنفسي منك " يوجب له أن يفعل بنفسه ما يشاء إذا كان في الحقيقة أولى بنفسه من غيره، وجب لمن هو أولى بنفسه منه أن يفعل به ما يشاء ولا يكون له أن يخالفه ولا يعصيه إذا كان ذلك كذلك.
ثم قال النبي صلى الله عليه وآله " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " فأقروا له بذلك، ثم قال متبعا لقوله الأول بلا فصل " فمن كنت مولا فعلي مولاه " فقد علم أن قوله: " مولاه " عبارة عن المعنى الذي أقروا له بأنه أولى بهم من أنفسهم، فإذا كان إنما عنى صلى الله عليه وآله بقوله:
" من كنت مولاه " أني أولى به فقد جعل ذلك لعلي بن أبي طالب عليه السلام بقوله صلى الله عليه وآله:
" فعلي مولاه " لأنه لا يصلح أن يكون عنى بقوله: " فعلي مولاه " قسما من الأقسام التي أحلنا أن يكون النبي عناها في نفسه، لان الأقسام هي أن يكون مالك رق أو معتقا أو معتقا أو ابن عم أو عاقبة أو خلفا أو قداما، فإذا لم يكن لهذه الوجوه فيه صلى الله عليه وآله معنى لم يكن لها في علي عليه السلام أيضا معنى، وبقي ملك الطاعة فثبت أنه عناه، وإذا وجب ملك طاعة المسلمين لعلي عليه السلام فهو معنى الإمامة، لان الإمامة إنما هي مشتقة من الايتمام بالانسان، والايتمام هو الاتباع والاقتداء، والعمل بعمله والقول بقوله، وأصل ذلك في اللغة: سهم يكون مثالا يعمل عليه السهام، ويتبع بصنعه صنعها وبمقداره مقدارها، فإذا وجبت طاعة علي عليه السلام على الخلق استحق معنى الإمامة.
فإن قالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله إنما جعل لعلي عليه السلام بهذا القول فضيلة شريفة وإنها ليست الإمامة، قيل لهم هذا في أول تأدي الخبر إلينا قد كانت النفوس تذهب إليه، فأما تقسيم الكلام وتبيين ما يحتمله وجوه لفظة المولى في اللغة حتى يحصل المعنى الذي جعله لعلي عليه السلام بها فلا يجوز ذلك، لأنا قد رأينا أن اللغة تجيز في لفظة المولى وجوها كلها لم يعنها النبي صلى الله عليه وآله بقوله في نفسه ولا في علي عليه السلام وبقي معنى واحد فوجب أنه الذي عناه في نفسه وفي علي عليه السلام وهو ملك الطاعة.
فإن قالوا: فلعله قد عنى معنى لم نعرفه لأننا لا نحيط باللغة، قيل لهم: لو جاز ذلك لجاز لنا في كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وكل ما في القرآن أن نقول لعله عني به ما لم يستعمل في اللغة ونشكك فيه، وذلك تعليل خروج من التفهم، ونظير قول النبي صلى الله عليه وآله: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " فلما أقروا له بذلك قال: " فمن كنت مولاه فعلي مولاه "، قول رجل لجماعة: أليس هذا المتاع بيني وبينكم نبيعه والربح بيننا
نصفان والوضيعة كذلك؟ فقالوا له: نعم، قال: فمن كنت شريكه فزيد شريكه، فقد أعلم أن ما عناه بقوله: " فمن كنت شريكه " إنما عنى أنه المعنى الذي قررهم به بدءا من بيع المتاع واقتسام الربح والوضيعة، ثم جعل ذلك المعنى الذي هو الشركة لزيد بقوله: " فزيد شريكه " وكذلك قول النبي صلى الله عليه وآله: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " وإقرارهم له بذلك ثم قوله صلى الله عليه وآله: " فمن كنت مولاه فعلي مولاه " إنما هو إعلام أنه عنى بقوله المعنى الذي أقروا به بدءا وكذلك جعله لعلي عليه السلام بقوله:
" فعلي مولاه " كما جعل ذلك الرجل الشركة لزيد بقوله: " فزيد شريكه " ولا فرق في ذلك، فإن ادعى مدع أنه يجوز في اللغة غير ما بيناه فليأت به ولن يجده.
فإن اعترضوا بما يدعونه من زيد بن حارثة وغيره من الاخبار التي يختصون بها لم يكن ذلك لهم، لأنهم راموا أن يخصوا معنى خبر ورد بإجماع بخبر رووه دوننا، وهذا ظلم، لان لنا أخبارا كثيرة تؤكد معنى " من كنت مولاه فعلي مولاه " وتدل على أنه إنما استخلفه بذلك فرض طاعته، هكذا يروى نصا في هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وعن علي عليه السلام فيكون خبرنا المخصوص بإزاء خبرهم المخصوص، ويبقى الخبر على عمومه نحتج به نحن وهم بما توجبه اللغة والاستعمال فيها وتقسيم الكلام ورده إلى الصحيح منه، ولا يكون لخصومنا من الخبر المجموع عليه ولا من دلالته مالنا.
وبإزاء ما يروونه من خبر زيد بن حارثة أخبار قد جاءت على ألسنتهم شهدت بأن زيدا أصيب في غزوة مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وذلك قبل يوم غدير خم بمدة طويلة، لان يوم الغدير كان بعد حجة الوداع، ولم يبق النبي صلى الله عليه وآله بعده إلا أقل من ثلاثة أشهر، فإذا كان بإزاء خبركم في زيد ما قد رويتموه في نقضه لم يكن ذلك لكم
حجة على الخبر المجمع عليه، ولو أن زيدا كان حاضرا قول النبي صلى الله عليه وآله يوم غدير لم يكن حضوره بحجة لكم أيضا، لان جميع العرب عالمون بأن مولى النبي مولى أهل بيته وبني عمه، مشهور ذلك في لغتهم وتعارفهم، فلم يكن لقول النبي صلى الله عليه وآله للناس اعرفوا ما قد عرفتموه وشهر بينكم، لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يقول قائل: ابن أخي أبي النبي ليس بابن عمه، فيقوم النبي صلى الله عليه وآله فيقول: فمن كان ابن أخي أبي فهو ابن عمي، وذلك فاسد لأنه عبث وما لا يفعله إلا اللاعب السفيه، وذلك منفي عن النبي صلى الله عليه وآله.
فإن قال قائل: إن لنا أن نروي في كل خبر نقلته فوقبت ما يدل على معنى " من كنت مولاه فعلي مولاه " قيل له: هذا غلط في النظر، لان عليك أن تروي من أخبارنا أيضا ما يدل على معنى الخبر مثل ما جعلته لنفسك في ذلك، فيكون خبرنا الذي نخص به مقاوما لخبرك الذي تختص به، ويبقى " من كنت مولاه فعلي مولاه " من حيث أجمعنا على نقله حجة لنا عليكم، موجبا ما أوجبناه به من الولاية على النص، وهذا كلام لا زيادة فيه.
فإن قال قائل: فهلا أفصح النبي صلى الله عليه وآله باستخلاف علي عليه السلام إن كان كما تقولون؟ وما الذي دعاه إلى أن يقول فيه قولا يحتاج فيه إلى تأويل وتقع فيه المجادلة؟ قيل له: لو لزم أن يكون الخبر باطلا أو لم يرد به النبي صلى الله عليه وآله
المعنى الذي هو الاستخلاف وإيجاب فرض الطاعة لعلي عليه السلام لأنه يحتمل التأويل أو لان غيره عندك أبين وأفصح عن المعنى للزمك إن كنت معتزليا أن الله عز وجل لم يرد بقوله في كتابه: " لا تدركه الابصار " أي لا يرى لان قولك " لا يرى " يحتمل التأويل، وإن الله عز وجل لم يرد بقوله في كتابه: " والله خلقكم وما تعملون " أنه خلق الأجسام التي يعمل فيها العباد دون أفعالهم، فإنه لو أراد ذلك لأوضحه بأن يقول قولا لا يقع فيه التأويل، وأن يكون الله عز وجل لم يرد بقوله: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم " أن كل قاتل المؤمن ففي جهنم، كانت معه أعمال صالحة أم لا، لأنه لم يبين ذلك بقول لا يحتمل التأويل، وإن كنت أشعريا لزمك ما لزم المعتزلة بما ذكرناه كله، لأنه لم يبين ذلك بلفظ يفصح عن معناه الذي هو عندك بالحق.
وإن كان من أصحاب الحديث قيل له: يلزمك أن لا يكون قال النبي صلى الله عليه وآله " إنكم ترون ربكم كما ترون القمر في ليلة البدر لا تضامون في رؤيته " لأنه قال قولا يحتمل التأويل ولم يفصح به، وهو لا يقول: ترونه بعيونكم لا بقلوبكم، ولما كان هذا الخبر يحتمل التأويل ولم يكن مفصحا علمنا أن النبي صلى الله عليه وآله لم يعن به الرؤية التي ادعيتموها، وهذا اختلاط شديد، لان أكثر الكلام في القرآن وأخبار النبي صلى الله عليه وآله بلسان عربي ومخاطبة لقوم فصحاء على أحوال تدل على مراد النبي صلى الله عليه وآله.
وربما وكل علم المعنى إلى العقول أن يتأمل الكلام، ولا أعلم عبارة عن معنى فرض الطاعة أوكد من قول النبي صلى الله عليه وآله: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " ثم قوله: " فمن كنت مولاه فعلي مولاه " لأنه كلام مرتب على إقرار المسلمين للنبي صلى الله عليه وآله يعني الطاعة وأنه أولى بهم من أنفسهم، ثم قال: " فمن كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه " لان معنى " فمن كنت مولاه " هو " فمن كنت أولى به من نفسه "
لأنها عبارة عن ذلك بعينه، إذ كان لا يجوز في اللغة غير ذلك، ألا ترى أن قائلا لو قال لجماعة: أليس هذا المتاع بيننا نبيعه ونقتسم الربح والوضيعة فيه؟ فقالوا له: نعم، فقال: فمن كنت شريكه فزيد شريكه كان كلاما صحيحا؟ والعلة في ذلك أن الشركة هي عبارة عن معنى قول القائل: هذا المتاع بيننا نقتسم الربح والوضيعة، فلذلك صح بعد قول القائل: فمن كنت شريكه فزيد شريكه، وكذا صح بعد قول النبي صلى الله عليه وآله:
" ألست أولى بكم من أنفسكم "، " فمن كنت مولاه فعلي مولاه " لان مولاه عبارة عن قوله: " ألست أولى بكم من أنفسكم " وإلا فمتى لم تكن اللفظة التي جاءت مع الفاء الأولى عبارة عن المعنى الأول لم يكن الكلام منتظما أبدا ولا مفهوما ولا صوابا، بل يكون داخلا في الهذيان، ومن أضاف ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله كفر بالله العظيم، وإذا كانت لفظة " فمن كنت مولاه " تدل على " من كنت أولى به من نفسه " على ما أريناه وقد جعلها بعينها لعلي عليه السلام فقد جعل أن يكون علي عليه السلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وذلك هو الطاعة لعلي عليه السلام كما بينا بدءا.
ومما يزيد ذلك بيانا أن قوله صلى الله عليه وآله: " فمن كنت مولاه فعلي مولاه " لو كان لم يرد بهذا أنه أولى بكم من أنفسكم جاز أن يكون لم يرد بقوله: " فمن كنت مولاه " أي من كنت أولى به من نفسه، وإن جاز ذلك لزم الكلام الذي من قبل هذا أنه يكون كلاما مختلفا فاسدا غير منتظم ولا مفهم معنى ولا مما يلفظ به حكيم ولا عاقل، فقد لزم بما مر من كلامنا وبينا أن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله " ألست أولى بكم من أنفسكم " أنه يملك طاعتهم، ولزم أن قوله صلى الله عليه وآله: " فمن كنت مولاه " إنما أراد به: فمن كنت أملك طاعته، فعلي عليه السلام يملك طاعته بقوله: " فعلي مولاه " وهذا واضح، والحمد لله على معونته وتوفيقه.
بيان: قال الجوهري: المولى: المعتق والمعتق وابن العم والناصر والجار وكل من ولي أمر واحد فهو وليه، وقول الشاعر:
هم المولى وإن جنفوا علينا * وإنا من لقائهم لزور قال أبو عبيدة: يعني الموالي أي بني العم، وهو كقوله تعالى: " نخرجكم طفلا " وأما قول لبيد:
فغدت، كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها فيريد أنه أولى موضع أن تكون فيه الحرب وقوله: " فغدت " تم الكلام، كأنه قال: فغدت هذه البقرة، وقطع الكلام ثم ابتدأ كأنه قال: تحسب أن كلا الفرجين مولى المخافة. والمولى: الحليف، وقال:
موالي حلف لا موالي قرابة * ولكن قطينا يسألون الأتاويا يقول: هم حلفاء لا أبناء عم انتهى. قوله: " فإن قال القائل: إن لنا أن نروي " أقول: كانت النسخة سقيمة ههنا، ولعل مراد السائل أنه يكفي لرد استدلالك أن نروي خبرا في معنى من كنت مولاه معارضا لخبرك الذي أوردته في ذلك وقد روينا خبر زيد بن حارثة، وحاصل الجواب أنك إن نقلت من أخبارنا ما يدفع خبرنا المختص بنا ويؤول الخبر على خلاف ما هو مقصودنا ينفعك في رد استدلالنا، وأما إذا أتيت بالخبر من طريقك الذي تختص به فيكون خبرنا الذي نخص به مقاوما لخبرك، وإذا تعارضا تساقطا، فبقي الخبر المجمع عليه وما استدللنا عليه من ظاهره حجة لنا عليكم.
101 - أمالي الطوسي: أبو عمرو، عن ابن عقدة، عن يحيى بن زكريا بن شيبان، عن إبراهيم بن الحكم بن ظهير، عن أبيه، عن منصور بن سلم بن سابور، عن عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن يزيد، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي بن أبي طالب مولى كل
مؤمن ومؤمنة وهو وليكم بعدي. 102 - كشف اليقين: السيد فخار بن معد، عن علي بن محمد بن عدنان ، عن عبد الله بن عبد الصمد، عن محمد بن علي بن ميمون، عن دارم بن محمد، عن محمد بن إبراهيم بن السري، عن ابن عقدة، عن محمد بن الفضل بن إبراهيم، عن أبيه، عن مثنى بن القاسم، عن هلال بن أيوب، عن أبي كثير الأنصاري، عن عبد الله بن أسعد بن زرارة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه، أوحي إلي في علي أنه أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين. 103 - رجال الكشي: جبرئيل بن أحمد، عن موسى بن معاوية بن وهب، عن علي بن سعيد، عن عبد الله بن عبد الله الواسطي، عن واصل بن سليمان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما صرع زيد بن صوحان رحمه الله يوم الجمل جاء أمير المؤمنين عليه السلام حتى جلس عند رأسه فقال: رحمك الله يا زيد لقد كنت خفيف المؤونة عظيم المعونة، قال: فرفع زيد رأسه إليه ثم قال: وأنت فجزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين، فوالله ما علمتك إلا بالله عليما وفي أم الكتاب عليا حكيما، وإن الله في صدرك لعظيم، والله ما قاتلت معك على جهالة ولكنني سمعت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، فكرهت والله أن أخذلك فيخذلني الله. 104 - تفسير فرات بن إبراهيم: علي بن حمدون، عن فرج بن فروة، عن مسعدة، عن صالح بن ميثم، عن أبيه قال: بينا أنا في السوق إذ أتاني الأصبغ بن نباتة فقال لي: ويحك يا ميثم لقد سمعت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام آنفا حديثا صعبا شديدا أن
يكون كما ذكر؟ قلت: وما هو؟ قال: سمعت يقول: إن حديثنا أهل البيت صعب مستصعب، لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان، قال: فقمت من فوري فأتيت أمير المؤمنين عليه السلام فقلت. يا أمير المؤمنين جعلت فداك حديث أخبرني به الأصبغ عنك قد ضقت به ذرعا، قال: فما هو؟ فأخبرته به، قال لي: اجلس يا ميثم أو كل علم العلماء يحتمل؟ قال الله لملائكته: " إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " إلى آخر الآية، فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم؟ قال: قلت: هذه والله أعظم من تلك، قال: والأخرى عن موسى أنزل الله عليه التوراة فظن أن لا أحد في الأرض أعلم منه، فأخبره الله تعالى أن في خلقي من هو أعلم منك، وذاك إذ خاف على نبيه العجب، قال: فدعا ربه أن يرشده إلى العالم، قال: فجمع الله بينه وبين الخضر عليهما السلام فخرق السفينة فلم يحتمل ذلك موسى، وقتل الغلام فلم يحتمله، وأقام الجدار فلم يحتمل ذلك، وأما المؤمن فنبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ بيدي يوم الغدير فقال صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهل رأيت المؤمنين احتملوا ذلك إلا من عصمهم الله منهم؟ ألا فأبشروا ثم أبشروا فإن الله قد خصكم بما لم يخص به الملائكة والنبيين والمؤمنين بما احتملتم من أمر رسول الله.
105 - تفسير فرات بن إبراهيم: الحسين بن سعيد معنعنا عن بريدة قال: بعث رسول الله علي بن أبي طالب عليه السلام إلى اليمن وخالد على الخيل، وقال: إذا اجتمعتما فعلي على الناس، قال:
فلما قدمنا إلى النبي صلى الله عليه وآله فتح على المسلمين وأصابوا من الغنائم غنائم كثيرة، وأخذ علي بن أبي طالب عليه السلام جارية من الخمس، قال: فقال خالد: يا بريدة اغتنمها إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبره فإنه يسقط من عينيه! فقال بريدة فقدمت المدينة ودخلت المسجد
فأتيت منزل النبي صلى الله عليه وآله ورسول الله في بيته وسفراء علي بن أبي طالب عليه السلام جلوس على بابه، فأتيت الناس فقالوا: يا بريدة ما الخبر؟ قلت: فتح الله عليه المسلمين فأصابوا من الغنائم ما لم يصيبوا مثلها، قالوا: فما أقدمك (1)؟ قلت: بعثني خالد أخبر النبي صلى الله عليه وآله بجارية أخذها علي بن أبي طالب عليه السلام من الخمس، قال: فأخبره فإنه يسقط من عينيه! قال: ورسول الله يسمع الكلام، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وآله مغضبا كأنما يفقأ من وجهه حب الرمان، فقال: ما بال أقوام ينتقصون عليا؟ من تنقص عليا فقد تنقصني، ومن فارق عليا فقد فارقني، إن عليا مني وأنا منه، خلقه الله من طينتي وخلقت من طينة إبراهيم، وأنا أفضل من إبراهيم، وفضل إبراهيم لي فضل " ذرية بعضها من بعض " ويحك يا بريدة أما علمت أن لعلي بن أبي طالب في الخمس أفضل من الجارية التي أخذها وأنه وليكم من بعدي؟ قال: فلما رأيت شدة غضب رسول الله صلى الله عليه وآله قلت: يا رسول الله أسألك بحق الصحبة إلا بسطت لي يدك حتى أبايعك على الاسلام جديدا، قال: فما فارقت حتى بايعته على الاسلام جديدا.
تذنيب اعلم أن الاستدلال بخبر الغدير يتوقف على أمرين: أحدهما إثبات الخبر، والثاني إثبات دلالته على خلافته صلوات الله عليه، أما الأول فلا أظن عاقلا يرتاب في ثبوته وتواتره بعد إحاطته بما أسلفناه من الاخبار التي اتفقت المخالف والمؤالف على نقلها وتصحيحها، مع أن ما أوردناه قليل من كثير، وقد أوردنا كثير منها في كتاب الفتن وسيأتي في الأبواب الآتية بعضها، وقد قرع سمعك ذكر من صنف الكتاب في ذلك من علماء الفريقين.
وقال صاحب إحقاق الحق رحمه الله: ذكر الشيخ ابن كثير الشامي الشافعي عند ذكر أحوال محمد بن جرير الطبري أني رأيت كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم
في مجلدين ضخمين، وكتابا جمع فيه طرق حديث الطير، ونقل عن أبي المعالي الجويني أنه كان يتعجب ويقول: رأيت مجلدا ببغداد في يد صحاف فيه روايات هذا الخبر مكتوبا عليه: " المجلدة الثامنة والعشرون من طرق من كنت مولاه فعلي مولاه ويتلوه المجلد التاسعة والعشرون " وأثبت الشيخ ابن الجوزي الشافعي في رسالته الموسومة بأسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام تواتر هذا الحديث من طرق كثيرة، ونسب منكره إلى الجهل والعصبية انتهى.
وقال السيد المرتضى في كتاب الشافي: أما الدلالة على صحة الخبر فلا يطالب بها إلا متعنت، لظهوره واشتهاره وحصول العلم لكل من سمع الاخبار به، وما المطالب بتصحيح خبر الغدير والدلالة عليه إلا كالمطالب بتصحيح غزوات النبي صلى الله عليه وآله الظاهرة المشهورة وأحواله المعروفة وحجة الوداع نفسها، لان ظهور الجميع وعموم العلم به بمنزلة واحدة وبعد: فقالت الشيعة بنقله وبتواتره، وأكثر رواة أصحاب الحديث ترويه بالأسانيد المتصلة وجميع أصحاب السير ينقلونه عن أسلافهم خلفا عن سلف نقلا بغير إسناد مخصوص، كما نقلوا الوقائع والحوادث الظاهرة، وقد أورده مصنفو الحديث في جملة الصحيح، وقد استبد هذا الخبر بما لا يشركه فيه سائر الأخبار لان الاخبار على ضربين: أحدهما لا يعتبر في نقله الأسانيد المتصلة كالخبر عن وقعة بدر وخيبر والجمل وصفين، والضرب الآخر يعتبر فيه اتصال الأسانيد كأخبار الشريعة، وقد اجتمع فيه الطريقان، ومما يدل على صحته إجماع علماء الأمة على قبوله، ولا شبهة فيما ادعيناه من الاطباق، لان الشيعة جعلته الحجة في النص على أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة، ومخالفو الشيعة أولوه على اختلاف تأويلاتهم، وما يعلم أن فرقة من فرق الأمة ردت هذا الخبر أو امتنعت من قبوله.
وأما ما حكي عن ابن أبي داود السجستاني في دفع الخبر وحكي عن الخوارج مثله وطعن الجاحظ في كتاب العثمانية فيه فنقول أولا: إنه لا يعتبر في باب الاجماع
عدم تقدم خلافه، فإن ابن أبي داود والجاحظ لو صرحا بالخلاف لسقط خلافهما بما ذكرناه من الاجماع، على أنه قد قيل: إن ابن أبي داود لم ينكر الخبر وإنما أنكر كون المسجد الذي بغدير خم متقدما، وقد حكي عنه التنصل من القدح في الخبر والتبري مما قذفه به محمد بن جرير الطبري، وأما الجاحظ فلم يتجاسر أيضا على التصريح بدفع الخبر، وإنما طعن على بعض رواته، وادعى اختلاف ما نقل في لفظه، وأما الخوارج فما يقدر أحد على أن يحكي عنهم دفعا لهذا الخبر، وكتبهم خالية عن ذلك، وقد استدل قوم على صحة الخبر بما تظاهرت به الروايات من احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام به في الشورى: حيث قال: أنشدكم الله هل منكم أحد أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيده فقال: من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه غيري؟ فقال القوم: اللهم لا، وإذا اعترف به من حضر الشورى من الوجوه واتصل أيضا بغيرهم من الصحابة ممن لم يحضر الموضع ولم يكن من أحد نكير له مع علمنا بتوفر الدواعي إلى إظهار ذلك لو كان فقد وجب القطع على صحته، على أن الخبر لو لم يكن في الوضوح كالشمس لما جاز أن يدعيه أمير المؤمنين عليه السلام سيما مثله في مثل هذا المقام. انتهى ملخص كلامه، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى أصل الكتاب.
وأما الثاني قلنا: في الاستدلال به على إمامته صلوات الله عليه مقامان:
الأول أن المولى جاء بمعني الأول بالامر والمتصرف المطاع في كل ما يأمر، والثاني أن المراد به هنا هو هذا المعنى، أما الأول فقد قال السيد المرتضى في كتاب الشافي:
من كان له أدنى اختلاط باللغة وأهلها يعرف أنهم يضعون هذه اللفظة مكان " أولى " كما أنهم يستعملونها في ابن العم، وقد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى - ومنزلته في اللغة منزلته - في كتابه المعروف بالمجاز في القرآن لما انتهى إلى قوله تعالى: " مأواكم
النار هي مولاكم " أن معنى مولاكم أولى بكم، وأنشد بيت لبيد شاهدا له " فغدت " البيت، وليس أبو عبيدة ممن يغلط في اللغة، ولو غلط فيها أو وهم لما جاز أن يمسك عن النكير عليه والرد لتأويله غيره من أهل اللغة ممن أصاب وما غلط فيه على عادتهم المعروفة في تتبع بعضهم لبعض ورد بعضهم على بعض، فصار قول أبي عبيدة الذي حكيناه مع أنه لم يظهر من أحد من أهل اللغة رد له كأنه قول الجميع، ولا خلاف بين المفسرين في أن قوله تعالى: " ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون " أن المراد بالموالي من كان أملك بالميراث وأولى بحيازته وأحق به، وقال الأخطل:
فأصبحت مولاها من الناس بعده * وأحرى قريش أن تهاب وتحمد وقال أيضا يخاطب بني أمية:
أعطاكم الله جدا تنصرون به * لاجد إلا صغير بعد محتقر لم تأشروا فيه إذا كنتم مواليه * ولو يكون لقوم غيركم أشروا وقال غيره:
كانوا موالي حق يطلبون به * فأدركوه وما ملوا ولا تعبوا وقال العجاج:
الحمد لله الذي أعطى الخير * موالي الحق إن المولى شكر وروي في الحديث " أيما امرأة تزوجت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل " وكلما استشهد به لم يرد بلفظ مولى فيه إلا معنى أولى دون غيره، وقد تقدمت حكايتنا عن المبرد قوله: إن أصل تأويل الولي الذي هو أولى أي أحق، ومثله المولى، وقال في هذا الموضع بعد أن ذكر تأويل قوله تعالى: " بأن الله مولى الذين آمنوا ": والولي والمولى معناهما سواء، وهو الحقيق بخلقه المتولي لأمورهم، وقال الفراء في كتاب
معاني القرآن: الولي والمولى في كلام العرب واحد، وفي قراءة عبد الله بن مسعود " إنما مولاكم الله ورسوله " مكان " وليكم الله " وقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه في القرآن المعروف بالمشكل: والمولى في اللغة ينقسم إلى ثمانية أقسام:
أولهن المولى المنعم، ثم المنعم عليه المعتق، والمولى الولي، والمولى الأولى بشئ، وذكر شاهدا عليه الآية التي قدمنا ذكرها وبيت لبيد، والمولى الجار، والمولى ابن العم، والمولى الصهر، والمولى الحليف، واستشهد لكل واحد من أقسام المولى بشئ من الشعر لم نذكره لان غرضنا سواه. وقال أبو عمر غلام تغلب في تفسير بيت الحارث بن حلزة الذي هو " زعموا أن كل من ضرب العير موال لنا " أقسام المولى، وذكر في جملة الأقسام أن المولى السيد وإن لم يكن مالكا، والمولى الولي.
وقد ذكر جماعة ممن يرجع إلى مثله في اللغة أن من جملة أقسام مولى السيد الذي ليس هو بمالك ولا معتق، ولو ذهبنا إلى ذكر جميع ما يمكن أن يكون شاهدا فيما قصدناه لأكثرنا، وفيما أدركناه كفاية ومقنع، انتهى كلامه قدس سره. وقال الجزري في النهاية: قد تكرر اسم المولى في الحديث، وهو اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والمعتق والمنعم عليه، وكل من ولي أمرا وقام به فهو مولاه ووليه، ومنه الحديث " من كنت مولاه فعلي مولاه " يحمل على أكثر الأسماء المذكورة، ومنه الحديث " أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل " وروي وليها أي متولي أمرها.
وقال البيضاوي والزمخشري وغيرهما من المفسرين في تفسير قوله تعالى: " هي
مولاكم ": هي أولى بكم. وقال الزمخشري في قوله تعالى: " أنت مولانا " سيدنا فنحن عبيدك، أو ناصرنا أو متولي أمورنا.
وأما الثاني ففيه مسالك:
المسلك الأول: أن المولى حقيقة في الأولى لاستقلالها بنفسها ورجوع سائر الأقسام في الاشتقاق إليها، لان المالك إنما كان مولى لكونه أولى بتدبير رقيقه وبحمل جريرته، والمملوك مولى لكونه أولى بطاعة مالكه، والمعتق والمعتق كذلك، والناصر لكونه أولى بنصرة من نصره، والحليف لكونه أولى بنصرة حليفه، والجار لكونه أولى بنصرة جاره والذب عنه، والصهر لكونه أولى بمصاهره، والامام والوراء لكونه أولى بمن يليه، وابن العم لكونه أولى بنصرة ابن عمه والعقل عنه، والمحب المخلص لكونه أولى بنصرة محبه، وإذا كانت لفظة مولى حقيقة في الأولى وجب حملها عليها دون سائر معانيها، وهذا الوجه ذكره يحيى بن بطريق في العمدة وأبو الصلاح الحلبي في التقريب.
المسلك الثاني ما ذكره السيد في الشافي وغيره في غيره، وهو أن ما يحتمله لفظة مولى ينقسم إلى أقسام، منها ما لم يكن صلى الله عليه وآله عليه ومنها ما كان عليه ومعلوم لكل أحد أنه صلى الله عليه وآله لم يرده، ومنها ما كان عليه ومعلوم بالدليل أنه لم يرده، ومنها ما كان حاصلا له ويجب أن يريده لبطلان سائر الأقسام واستحالة خلو كلامه من معنى وفائدة.
فالقسم الأول هو المعتق والحليف، لان الحليف هو الذي ينضم إلى قبيلة أو عشيرة فيحالفها على نصرته والدفاع عنه، فيكون منتسبا إليها متعززا بها، ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله حليفا لاحد على هذا الوجه، والقسم الثاني ينقسم إلى قسمين
أحدهما معلوم أنه لم يرده لبطلانه في نفسه كالمعتق والمالك والجار والصهر والخلف والامام إذا عدا من أقسام المولى، والآخر أنه لم يرده من حيث لم يكن فيه فائدة وكان ظاهرا شائعا وهو ابن العم، والقسم الثالث الذي يعلم بالدليل أنه لم يرده هو ولاية الدين والنصرة فيه والمحبة أو ولاء العتق، والدليل على أنه صلى الله عليه وآله لم يرد ذلك أن كل أحد يعلم من دينه وجوب تولي المؤمنين ونصرتهم، وقد نطق الكتاب به، وليس يحسن أن يجمعهم على الصورة التي حكيت في تلك الحال ويعلمهم ما هم مضطرون إليه من دينه، وكذلك هم يعلمون أن ولاء العتق لبني العم قبل الشريعة وبعدها، وقول ابن الخطاب في الحال - على ما تظاهرت به الرواية - لأمير المؤمنين عليه السلام " أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن " يبطل أن يكون المراد ولاء العتق، وبمثل ما ذكرناه في إبطال أن يكون المراد بالخبر ولاء العتق أو إيجاب النصرة في الدين استبعد أن يكون أراد به قسم ابن العم، لاشتراك خلو الكلام عن الفائدة بينهما، فلم يبق إلا القسم الرابع الذي كان حاصلا له ويجب أن يريده، وهو الأولى بتدبير الامر وأمرهم ونهيهم انتهى.
أقول: أكثر المخالفين لجؤوا في دفع الاستدلال به إلى تجويز كون المراد الناصر
والمحب، ولا يخفى على عاقل أنه ما كان يتوقف بيان ذلك على اجتماع الناس لذلك في شدة الحر، بل كان هذا أمرا يجب أن يوصي به عليا عليه السلام بأن ينصر من كان الرسول صلى الله عليه وآله ينصره ويحب من كان يحبه، ولا يتصور في إخبار الناس بذلك فائدة يعتد بها، إلا إذا أريد بذلك نوع من النصرة والمحبة يكون للأمراء بالنسبة إلى رعاياهم، أو أريد به جلب محبتهم بالنسبة إليه ووجوب متابعتهم له حيث ينصرهم في جميع المواطن ويحبهم على الدين، وبهذا أيضا يتم المدعى.
وأيضا نقول: على تقدير أن يراد به المحب والناصر أيضا يدل على إمامته عليه السلام عند ذوي العقول المستقيمة والفطرة القويمة بقرائن الحال، فإنا لو فرضنا أن أحدا من الملوك جمع عند قرب وفاته جميع عسكره وأخذ بيد رجل هو أقرب أقاربه وأخص الخلق به وقال: من كنت محبه وناصره فهذه محبه وناصره ثم دعا لمن نصره ووالاه ولعن من خذله ولم يواله ثم لم يقل هذا لاحد غيره ولم يعين لخلافته رجلا سواه فهل يفهم أحد من رعيته ومن حضر ذلك المجلس إلا أنه يريد بذلك استخلافه وتطميع الناس في نصره ومحبته وحث الناس على إطاعته وقبول أمره ونصرته على عدوه؟ وبوجه آخر نقول: ظاهر قوله: من كنت ناصره فعلي ناصره، يتمشى منه النصرة لكل أحد كما كان يتأتى من النبي صلى الله عليه وآله ولا يكون ذلك إلا بالرئاسة العامة، إذ لا يخفى على منصف أنه لا يحسن من أمير قوي الأركان كثير الأعوان أن يقول في شأن بعض آحاد الرعايا من كنت ناصره فهذا ناصره، فأما إذا استخلفه وأمره على الناس فهذا في غاية الحسن، لأنه جعله بحيث يمكن أن يكون ناصر من نصره.
المسلك الثالث: ما سبق في كلام الصدوق من وجود القرينة في الكلام على أن المراد بالمولى: الأولى، وبه يثبت أنه الامام، وهو العمدة في هذا المقام، ولا ينكره إلا جاهل بأساليب الكلام أو متجاهل لعصبيته عما تتسارع إليه الافهام، قال السيد في الشافي:
فأما الدلالة على أن المراد بلفظة مولى في خبر الغدير الأولى فهو أن من عادة
أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرحة وعطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدم التصريح به ولغيره لم يجز أن يريدوا بالمحتمل إلا المعنى الأول، يبين صحة ما ذكرناه أن أحدهم إذا قال مقبلا على جماعة مفهما لهم وله عدة عبيد: " ألستم عارفين بعبدي فلان؟ " ثم قال عاطفا على كلامه: " فاشهدوا أن عبدي حر لوجه الله " لم يجز أن يريد بقوله: " عبدي " بعد أن قدم ما قدمه إلا العبد الذي سماه في أول كلامه دون غيره من سائر عبيده، ومتى أراد سواه كان عندهم لغوا خارجا من طريق البيان.
ثم اعترض بأن ما ذكرتم من المثال إنما يقبح أن يريد غير ما مهده سابقا من العبيد لأنه حينئذ تكون المقدمة لغوا لا فائدة فيها، وليس الامر في خبر الغدير كذلك، لأنه يمكن أن يكون المعنى: إذا كنت أولى بكم وكانت طاعتي واجبة عليكم فافعلوا كذا وكذا، فإنه من جملة ما آمركم فيه بطاعتي، وهذه عادة الحكماء فيما يلزمونه من يجب عليه طاعتهم، فافترق الأمران، ثم أجاب بأنه لو كان الامر على ما ذكرت لوجب أن يكون متى حصل في المثال الذي أوردناه فائدة لمقدمته وإن قلت أن يحسن ما حكمنا بقبحه ووافقتنا عليه، ونحن نعلم أن القائل إذا أقبل على جماعة فقال:
" ألستم تعرفون صديقي زيدا الذي كنت ابتعت منه عبدي فلانا الذي صفته كذا وكذا وأشهدنا كم على أنفسنا بالمبايعة؟ فاشهدوا أني قد وهبت له عبدي أو قد رددت إليه عبدي " لم يجز أن يريد بالكلام الثاني إلا لعبد الذي سماه وعينه في صلب الكلام
وإن كان متى لم يرد ذلك يصح أن يحصل فيما قدمه فائدة، لأنه لا يمتنع أن يريد بما قدمه من ذكر العبد تعريف الصديق ويكون وجه التعلق بين الكلامين أنكم إذا كنتم قد شهدتم بكذا وعرفتموه فاشهدوا أيضا بكذا، وهو لو صرح بما قدمناه حتى يقول بعد المقدمة: فاشهدوا أني قد وهبت له أو رددت إليه عبدي فلانا الذي كنت ملكته منه - ويذكر من عبيده غير من تقدم ذكره - يحسن وكان وجه حسنه ما ذكرناه، انتهى كلامه نور الله ضريحه.
أقول: فإذا ثبت أن المراد بالمولى ههنا الأولى الذي تقدم ذكره والأولى في الكلام المتقدم غير مقيد بشئ من الأشياء وحال من الأحوال فلو لم يكن المراد العموم لزم الألغاز في الكلام المتقدم، ومن قواعدهم المقررة أن حذف المتعلق من غير قرينة دالة على خصوص أمر من الأمور يدل على العموم، لا سيما وقد انضم إليه قوله صلى الله عليه وآله: " من أنفسكم " فإن للمرء أن يتصرف في نفسه ما يشاء ويتولى من أمره ما يشاء، فإذا حكم بأنه أولى بهم من أنفسهم يدل على أن له أن يأمرهم بما يشاء ويدبر فيهم ما يشاء في أمر الدين والدنيا، وأنه لا اختيار لهم معه، وهل هذا إلا معنى الإمامة والرئاسة العامة؟
وأيضا لا يخفى على عاقل أن ما قررهم صلى الله عليه وآله إنما أشار به إلى ما أثبت الله تعالى له في كتابه العزيز حيث قال " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم " وقد
أجمع المفسرون على أن المراد به ما ذكرناه، قال الزمخشري في كتاب الكشاف:
النبي أولى بالمؤمنين في كل شئ من أمور الدين والدنيا من أنفسهم، ولهذا اطلق ولم يقيد، فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه آثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وأن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه إذا أعضل خطب، ووقاءه إذا لحقت حرب، وأن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم ولا ما تصرفهم عنه، ويتبعوا كل ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وصرفهم عنه، إلى آخر كلامه ونحوه قال البيضاوي وغيره من المفسرين.
متن عربی از پیکرهی آزاد OpenITI، مجوز CC BY-NC-SA 4.0؛ پانوشتهای مصحح در این نسخه نیامده است.